Indexed OCR Text

Pages 61-80

خضراء، قالت(١): فأخذ الغلام البرد ففتق(٢) عنه فاستخرجه، وجعل
مكانه لِبْداً(٣) أو فَرْوة، وخاط(٤) عليه. فلمّا(٥) قَدِمنا المدينة دفعنا ذلك
البُرد إلى أهله(٦)، فلما فتقوا عنه وجدوا ذلك الِبْدَ ولم يجدوا البرد،
فكلّموا المرأتين (٧) فكلمتا عائشة رضي الله عنها أو كتبتا(٨) إليها
واتهمتا(٩) العبد، فسُئل عن ذلك، فاعترف(١٠) فأَمرت به عائشة
(١) أي عمرة.
(٢) أي شق ونقض خياطة الخرقة واستخرج البرد.
(٣) قوله: لِيْداً، بكسر فسكون، ما يتلّد من شعر أو صوف، والفَرْوة بالفتح
ما يُلبس من جلد الغنم، وهذا شك من الراوي، قاله الزرقاني .
(٤) أي الخرقة كما كانت.
(٥) قوله: فلما قدمنا، بصيغة المتكلم مع الغير وكذا دفعنا على ما في بعض
النسخ، وهي التي شرح عليها القاري، وفي بعضها الأول بصيغة المتكلم مع
الغير، والثانية دفعتا بصيغة الماضي الغائب بإرجاع الضمير إلى المولاتين، وفي
((موطأ يحيى)): فلما قدمتا المدينة دفعتا بصيغة الماضي الغائب المؤنث.
(٦) الذي بعث إليه.
(٧) أي المولاتين.
(٨) قوله: أو كتبتا إليها، أي إلى عائشة وظاهره أن عائشة لم تكن عند ذلك
في المدينة ويحتمل أنهما لم يشافهاها، بل كتباها بالقضية مع كونها في المدينة
و «أو)) ههنا للشك من الراوي .
(٩) أي بالسرقة.
(١٠) أي أقرّ بالسرقة.
٦١

فقُطعت (١) يده. وقالت عائشة: القطع في ربع دينار(٢) فصاعداً.
٦٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن
أبيه(٣)، عن عَمْرَة ابنة عبد الرحمن: أنَّ سارقاً سرق في عهد (٤) عثمان
أَتْرُجَّةً (٥) فأمر بها عثمان أن تُقَوَّمَ (٦) فَقُوّمَتْ (٧) بثلاثة دراهم من صَرْف (٨)
(١) بصيغة المجهول.
(٢) أي من الذهب.
(٣) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٤) أي في زمان خلافته.
(٥) قوله: أَتْرُجَّةً، قال القاري: بضم الهمزة وسكون التاء الفوقية وتشديد
الجيم: أفضل الثمار المأكولة. وفيها لغات أترنجة بزيادة النون وأترجة بحذفها
وترنجة بحذف الهمزة ذكره عياض. انتهى. وفي ((التلخيص الحبير)) للحافظ
ابن حجر، قال مالك: الأترجة هي التي يأكلها الناس، وقال ابن كنانة: كانت أترجة
من ذهب قدر الحمصة يجعل فيها الطيب، ورُدّ عليه بأنها لو كانت من ذهب
لم تُقَوَّمْ.
(٦) من التقويم.
(٧) وكان الأَتْرُجّ في تلك الأيام غالي القيمة.
(٨) أي كان الصرف في تلك الأيام ما يكون الدينار واثنا عشر درهماً فيه
متساویین، فیکون ثلاثة دراهم وربع دينار متساويين(١).
(١) إن العبرة عند الإِمامين مالك وأحمد لربع دينار أو ثلاثة دراهم في الذهب والفضة، وأما في
غيرهما فالتقويم بأقلهما عند أحمد في المشهور عنه وبثلاثة دراهم لا غير عند مالك في
المشهور عنه، وأما عند الشافعي فالعبرة لربع دينار مطلقاً سواء كان المسروق من فضة
أو غيرها، وعند الحنفية العبرة بعشرة دراهم سواء كان المسروق ذهباً أو غيره. أوجز
المسالك ٢٩١/١٣.
٦٢

اثني عَشَرَ درهماً بدينار، فقطع عثمانُ يدَه .
قال محمد: قد اختلف الناس فيما(١) يُقطع فيه اليد: فقال أهل
المدينة: ربع دينار(٢). ورَوَوْا هذه الأحاديث(٣)، وقال أهل العراق:
لا تُقطع اليد في أقلّ من عشرة دراهم، وَرَوَوْا(٤) ذلك عن النبي
(١) أي في مقداره.
(٢) أي حقيقة أو حكماً كسرقة ما يبلغ ثَمَنْه ثلاثة دراهم.
(٣) المذكورة سابقاً عن عائشة وعثمان وابن عمر.
(٤) قوله: ورَوَوْا ذلك ... إلخ، فمن ذلك ما أخرجه المصنف في كتاب
((الآثار)) قال: أخبرنا أبو حنيفة نا القاسم ابن عبدالرحمن عن أبيه، عن عبد الله بن
مسعود قال: لا يُقطع يد السارق في أقلّ من عشرة دراهم. وأخرج عن إبراهيم مثله
كما مرّ ذكره. وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) من طريق المسعودي، عن
القاسم بن عبد الرحمن أن عبد الله بن مسعود قال: لا يُقطع اليد إلا في الدينار أو عشرة
دراهم. وأخرج عن ابن جريج قال: كان قول عطاء على قول عمرو بن شعيب،
لا يُقطع اليد في أقل من عشرة دراهم. وفي ((مسند الإِمام)» الذي جمعه
الحصفكي: أبو حنيفة، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن
أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: كان يُقطع اليد على عهد رسول الله صلّر في عشرة
دراهم، وفي رواية: إنما كان القطع في عشرة دراهم. قال شارح ((المسند)): بهذا
يظهر الرد على الترمذي حيث قال: قد روي عن ابن مسعود: لا قطع إلا في دينار
أو عشرة دراهم، وهو مرسل رواه القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، والقاسم
لم يسمع من ابن مسعود. انتهى. فظهر من كلامه أمران: الأول أن في الحديث
انقطاعاً، والثاني: أنه موقوف. والثابت في ((المسند)) ما ينفي كلا الأمرين ولو كان
موقوفاً فله حكم الرفع. انتهى ملخصاً. ومن ذلك حديث أيمن أخرجه الطحاوي
والنسائي والحاكم والبيهقي في ((الخلافيات)) وحديث ابن عباس في قيمة المِجَنّ =
٦٣

وعن عمر، وعن عثمان، وعن علي، وعن عبد الله بن مسعود، وعن غير
واحد(١). فإذا(٢) جاء الاختلاف في الحدود أُخِذَ فيها بالنِّقة، وهو قولُ
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
= عند الطحاوي والحاكم وأبي داود، وقد مرّ ذكرهما. ومن ذلك ما أخرجه النسائي
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المِجَنّ على عهد
رسول الله ( عشرة دراهم، وفي رواية ابن أبي شيبة قال: قال رسول الله وسلم:
لا تُقطع يد السارق دون ثمن المِجَنّ، قال عبد الله بن عمرو: وكان ثمن المجنّ
عشرة دراهم. وأخرجه أحمد من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
مرفوعاً: لا تُقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم، وكذا إسحاق بن راهويه في
((مسنده))، ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب عن رجل من
مزينة مرفوعاً: ما بلغ ثمنَ المجن قُطعت يد صاحبه، وكان ثمن المجن عشرة
دراهم. وأخرج أيضاً عن القاسم قال: أُتي عمر برجل سرق ثوباً، فقال لعثمان:
قوّمْه، فَقَوَّمه ثمانية دراهم، فلم يقطعه(١). والكلام في هذا المقام طويل مذكور في
((البناية)) و((فتح القدير)) وغيرهما.
(١) أي من الصحابة ومن بعدهم.
(٢) قوله: فإذا جاء الاختلاف، يعني لما جاء الاختلاف في ذلك عن
رسول الله * وعن أصحابه بعده ولم يعرف المتقدم والمتأخر ليُعرف الناسخ
والمنسوخ أخذنا فيه بالأحوط المعتمد الذي لا يشك فيه وهو عشرة دراهم لأن
الحدود تندرى بالشبهات ولا يثبت إلا بما لا شك فيه، وهذا التقرير أحسن من ردّ
أحاديث ربع دينار وثلاثة دراهم، كما فعله بعض أصحابنا فإنه أمر مشكل جداً.
(١) فدَرَأ الحدّ، فدلّ أنه كان ظاهراً معروفاً فيما بينهم أن النصاب يتقدر بعشرة دراهم. أوجز
المسالك ٢٨٨/١٣.
٦٤
. ...-

٥ - (باب السارق يسرق
و(١) قد قُطعت يدُه أو يده ورِجْلُه)
٦٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه(٢): أن رجلاً(٣) من أهل اليمن أقطعَ (٤) اليد والرِّجْل قَدِمَ(٥)، فنزل
على أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وشكا إليه أنَّ عامل(٦) اليمن
ظلمه(٧). قال: فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك(٨)
(١) الواو حالية.
(٢) أي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
(٣) قوله: أن رجلاً، قال الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث الهداية)):
هذه الرواية منقطعة، وقد رُوي موصولاً، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيه: فشكى إليه أن يعلى بن أمية قَطع يدَه
ورجلَه في سرقة وهذا على شرط البخاري، وفيه: قال ابن جريج: كان اسمه جبر
أو جبير، وذكره في ((التلخيص))(١) أن القصة رواها -مثل ما روى مالكٌ - الدارقطنيُّ
من طريق أيوب، عن نافع، وسعيدُ بن منصور من طريق موسى بن عقبة، عن نافع،
عن صفية بنت أبي عبيد، وعبدُ الرزاق، عن معمر، عن نافع، عن ابن عمر.
(٤) أي مقطوع اليد اليمنى والرجل اليسرى.
(٥) أي المدينة.
(٦) هو يعلى بن أمية، كما في رواية عبد الرزاق.
(٧) أي في قطعِهِ يدَه ورجله.
(٨) قوله: وأبيك، قال الزرقاني: قَسَم على معنى وربِّ أبيك أو كلمة جرت =
(١) ٤ / ٧٠.
٦٥

ما لَيْلُكَ بليلٍ سارقٍ. ثم افتقدوا(١) حُلِيّاً لأسماء بنت عُمَيْس (٢) امرأةٍ
أبي بكر، فجعل(٣) يطوف (٤) معهم، ويقول(٥): اللَّهم عليك بمن بَيَّت
أهلَ هذا البيت الصالح، فوجدوه(٦) عند صائغٍ زعم (٧) أن الأقطع
جاءه به، فاعترف به الأقطع أو شُهِدَ(٨) عليه. فأمر به أبوبكر، فقُطعت(٩)
= على لسان العرب ولا يقصدون به القسم، وكان أبو بكر يقول ذلك تعجّباً: ما ليلُكَ
أي ليس ليلك بليل سارق لأن قيام الليل ينافي السرقة .
(١) في ((موطأ يحيى)) فقدوا عِقْداً لأسماء.
(٢) بالتصغير.
(٣) أي المقطوع.
(٤) أي يدور مع الذين بُعثوا لتفتيشه.
(٥) قوله: ويقول، أي كان ذلك الرجل وكان هو السارق في الواقع إظهاراً
لبراءته داعياً: اللَّهم عليك أي خذ بالعقوبة من بيّت من التبيت أي أغار ليلاً على
أهل هذا البيت الصالح، أي بيت أبي بكر الصديق.
(٦) أي الحُلِيّ المسروق.
(٧) أي قال الصائغ: إن الأقطع جاء به عنده.
(٨) بصيغة المجهول شكّ من الراوي.
(٩) قوله: فقطعت يده اليسرى، بهذا قال الشافعي: إنّ في الثالثة يُقطع اليد
اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يُعزّر ويُحبس. ويوافقه ما أخرجه
أبو داود وغيره عن جابر: أن رسول الله جيء بسارق، فقال: اقتلوه، فقالوا:
يا رسول الله إنما سرق، فقال: فاقطعوا، ثم جيء به في المرة الثانية فقال: اقتلوه
فقالوا: إنما سرق، فقال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به في الثالثة، فقال: اقتلوه،
فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقطعوا، وكذلك في الرابعة. فلما جيء به =
٦٦

مسـ
يدُه اليسرى، قال أبو بكر: والله لدُعاؤه(١) على نفسه أشدُّ(٢) عندي عليه
من سَرِقَته.
قال محمد: قال ابن شهاب الزهريّ: يُروى ذلك عن عائشة أنّها
قالت(٣): إنما كان الذي سَرَق حُليَّ أسماءَ أقطع الید
= في الخامسة، قال: اقتلوه، فقتلناه واجتررناه وألقيناه في البئر، وقال النسائي: هو
حديث منكر. وأخرج النسائي عن الحارث قال: أُتي النبيِ وَ لَهُ بلصّ، فقال:
اقتلوه، فقالوا: إنما سرق، فقال: اقطعوه، ثم سرق، فقُطعت رجله، ثم سرق على
عهد أبي بكر حتى قُطعت قوائمه الأربع، ثم سرق في الخامسة، فقال أبو بكر:
كان رسول الله ﴿ أعلم بهذا حين قال: اقتلوه. قال ابن الهمام في ((فتح القدير))
ههنا طرق كثيرة متعددة لم تسلم من الطعن، ولذا قال الطحاوي: تتبّعنا هذه الآثار
فلم نجد له أصلاً، وفي ((المبسوط)): الحديث غير صحيح وإلا لاحتج به أحد في
مشاورة عليّ، ولئن سُلُّم يُحمل على الانتساخ لأنه كان في الابتداء تغليظ في
الحدود(١).
(١) بقوله: اللَّهم عليك.
(٢) قوله: أشدّ، قال الزرقاني: لأن فيها حظّاً للنفس في الجملة بخلاف
الدعاء عليها، أو لما في ذلك من عدم المبالاة بالكبائر.
(٣) قوله: أنها قالت، يخالف ما أخرج عبد الرزاق عنها من طريق معمر،
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: كان رجل أسود يأتي أبا بكر فُيُدنيه
ويقرئه القرآن حتى بُعث ساعياً أو قال سريّة، فقال: أُرسِلْني معه، فقال: بل امكث
عندنا، فأبى فأرسله واستوصى به خيراً، فلم يغب إلا قليلاً حتى جاء، وقد قُطعت
يده، فلما رآه أبو بكر فاضت عيناه، فقال: ما شأنك؟ فقال: ما زدت على أنه كان =
(١) قال الشافعي: هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم. التلخيص الحبير ٦٩/٤.
-
٦٧

اليمنى(١)، فقطع أبو بكر رجله اليسرى، وكانت تُنكر أن يكون (٢) أُقطع
اليد والرجل، وكان ابنُ شهاب أعلمَ (٣) من غيره بهذا(٤) ونحوه من أهل
بلاده(٥). وقد بَلَغنا(٦) عن عمر بن الخطاب وعن عليّ بن أبي طالب
أنّهما لم يزيدا في القطع على قطع اليمنى أو الرجل اليسرى، فإن أُتي
= يوليني شيئاً من عمله فخُنتُ فريضةٌ واحدة، فقطع يدي، فقال أبو بكر: تجدون
الذي قطع هذا يخون أكثر من عشرين فريضة، والله لئن كنتَ صادقاً لأقيِّدنّك منه،
ثم أدناه، فكان يقوم الليل، فإذا سمع أبو بكر صوته قال: بالله لَرَجُلٌ قَطَعَ يَدَ هذا
لقد اجترأ على الله، قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى فَقَدَ آل أبي بكر حليّاً لهم
ومتاعاً، فقال أبو بكر: طرق الحي الليلة، فقام الأقطع، فاستقبل القِبلة ورفع يده
الصحيحة فقال: اللَّهم أظهر من سَرّقهم، فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع
عنده، فقال أبو بكر: إنك لقليل العلم بالله وأمر به فقُطعت يده، كذا ذكره في
((التلخيص))(١).
(١) أي عند سرقة الحلي.
(٢) أي عن أن يكون الذي قطعه أبو بكر.
(٣) يشير إلى ترجيح رواية الزهري على عبد الرحمن.
(٤) أي بهذا الخبر.
(٥) هي المدينة وما حولها.
(٦) قوله: وقد بلغنا ... إلخ، قال المصنف في ((كتاب الآثار)) أخبرنا
أبو حنيفة، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، قال: إذا سرق
السارق قُطعت يده اليمنى، فإن عاد قُطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن
(١) ٧١/٤.
٦٨

= حتى يُحدث خيراً، إني أستحي على الله أن أدَعَه ليس له يد يأكل أو يستنجي بها
ورِجْل يمشي عليها. ومن طريقه رواه الدارقطني. وروى عبد الرزاق، عن معمر،
عن جابر، عن الشعبي، قال: كان عليّ لا يقطع إلا اليد والرجل. وإن سرق بعد
ذلك سجنه. ورواه ابن أبي شيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه، قال: كان عليّ لا يزيد على أن يقطع السارق يداً ورجلاً، فإذا أُتي بعد
ذلك قال: إني أستحي أن أدعه لا يتطهر لصلاة، ولكن احبسوه. وأخرج البيهقي
عن عبد الله بن سلمة، عن عليّ مثله. وأخرج ابن أبي شيبة أن نجدة كتب إلى
ابن عباس يسأله عن السارق فكتب إليه بمثل قول عليّ. وأخرج عن سماك أن عمر
استشارهم في سارق فاجتمعوا على مثل قول عليّ. وأخرج عن مكحول أن عمر
قال: إذا سرق السارق اقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده
الأخرى وذَروه يأكل بها، ويستنجي، ولكن احبسوه عن المسلمين. وقال سعيد بن
منصور: نا أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، قال: حضرت
عليّاً أُتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق، فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟
فقالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين، قال: قتلته إذاً وما عليه القتل، بأيّ شيء يأكل
الطعام، وبأيّ شيء يتوضأ للصلاة، بأيّ شيء يغتسل من الجنابة، بأيّ شيء يقوم
إلى حاجته، فردّه إلى السجن أياماً، ثم استخرجه، فاستشار أصحابه ، فقالوا له(١)
مثل قولهم الأول، فقال لهم مثل ما قال فجلده جلداً شديداً، ثم أرسله. وقال سعيد
أيضاً: نا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: أُتي
عمر بأقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر بقطع رجله، فقال عليّ: قال الله: ﴿إنما
جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾(٢) الآية، فقُطعت يدُ هذا ورجلُه فلا ينبغي أن
يقطع رجله فتدعه وليس له قائمة، إما أن تُعِزّروه، وإما أن تودعه في السجن؛
فاستودعه السجن. قال ابن حجر: قد رواه البيهقي أيضاً وإسناده جيد، وإسناد رواية =
(١) في الأصل ((لهم))، وهو خطأ.
(٢) سورة المائدة: الآية ٣٣.
٦٩

به (١) بعد ذلك لم يقطعاه وضمّناه(٢). وهو (٣) قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا رحمهم الله .
٦ - (باب العبد يأبِقُ (٤) ثم يسرِق(٥))
٦٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أنّ عبداً لعبد الله بن عمر
سرق وهو آبق، فبعث به ابن عمر إلى سعيد (٦) بن العاص ليقطع يده،
= سعيد الأولى ضعيف، قال ابن الهمام في ((الفتح))(١): هذا كله ثبت ثبوتاً لا مردّ له،
فبعيد أن يقع في زمن رسول الله ﴿ مثل هذه الحوادث التي غالباً تتوفر الدواعي
إلى نقلها ولا خبر بذلك عند عليّ وابن عباس وعمر من الأصحاب الملازمين، بل
أقل ما في الباب أن كان يُنقل لهم أنهم غابوا بل لا بد من علمهم بذلك، وبذلك
تقتضي العادة فامتناع عليّ بعد ذلك إما لضعف الروايات المذكورة في الإِتيان على
أربعة وإما لعلمه أن ذلك ليس حداً مستمرّاً، بل هو على رأي الإِمام.
(١) أي بعد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.
(٢) أي أخذاً منه ضمان المال.
(٣) قوله: وهو، أي عدم القطع بعد قطع اليد والرجل والتضمين عند عدم
القطع وأما عند القطع فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي وغيره،
والمسألة مبرهنة في كتب الأصول.
(٤) بكسر الباء من باب يضرب ويفتحه من باب يفرح: أي يهرب من
سیّده.
(٥) بكسر الراء.
ئے
(٦) كان أميراً على المدينة من جهة معاوية، وهو صحابي، وكان سنّه يوم
موت رسول الله وّير تسع سنين، وكانت وفاته سنة ٥٣، قاله الزرقاني.
(١) ١٥٥/٥.
٧٠

فأبى (١) سعيد أن يقطع يده، قال: لا تُقْطَعُ يدُ الآبق إذا سرق، فقال
له عبد الله بن عمر: أفي (٢) كتاب الله وجدت هذا: إن العبد الآبق لا تقطع
يده؟ فأمر به(٣) ابن عمر فَقُطِعَتْ يدُه.
قال محمد: تُقطع يد الآبق وغير الآبق إذا سرق (٤) ولكن لا ينبغي
أن يقطع السارق أحدٌ إلا الإِمام الذي يحكم(٥)، لأنه حدٌّ لا يقوم به إلا
(١) أي أنكر وامتنع من قطع يده.
(٢) بهمزة الاستفهام للإِنكار والتوبيخ.
(٣) قوله: فأمر به ابن عمر، لعل سعيداً ظنّ أنّ العبد الآبق لا يُقطع يده من
السرقة مطلقاً من سيّده سرق أو من غيره، وذلك لأن الغالب على العبد الآبق
الجوع والهلاك، ولا قطع على من سرق زمن المجاعة، كما ورد به الخبر، ورأى
ابن عمر خلافه، فأمر بقطع يده لقوة دليل ما ظنه من دون أمر سعيد، وهذا موافق
لما اختاره الشافعي ومالك(١) وغيرهما أن للسيد أن يقيم الحدّ على عبده بلا إذن
الإِمام، وقال أصحابنا: ليس له ذلك، وقال الترمذي: القول الأول أصح، لموافقته
حدیثاً رواه.
(٤) أي من مال غيره، وأما إذا سرق من مال سيّده فلا، لما مرّ سابقاً.
(٥) في نسخة: إليه الحكم.
(١) قال صاحب ((المحلّى)): وبه أخذ مالك أنه يقطع يد الآبق ولكنه قال: لا يقطع السيد يد
العبد إذا أبى السلطان أن يقطعه، كذا قال الشافعي في ((الأمّ)). قلت: لعل مسلك
ابن عمر رضي الله عنه كان أن للسيد إقامة الحد على عبده بقطع اليد في السرقة كالشافعية
وإلا فقد تقدم أن المرجّح من مسلك الإِمام أحمد وهو مذهب الإمام مالك أنه ليس للسيد
قطع يد عبده في السرقة، وليس ذلك إلا إلى الإِمام، وأما الحنفية فليس عندهم للسيد حق
في إقامة الحد على عبده مطلقاً، أوجز المسالك ٢٩٢/١٣.
٧١

الإِمام أو من ولآه(١) الإِمام ذلك وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٧ - (باب المختلس(٢))
٦٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلاً اختلس شيئاً
في زمن مروان(٣) بن الحكم، فأراد (٤) مروان قطعَ يده، فدخل عليه
زيد بن ثابت فأخبره أنه لا قطع (٥) علیه .
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا قطع في المختلس (٦). وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
(١) أي نائبه والأمیر من جهته.
(٢) الاختلاس: أخذ الشيء بسرعة ظاهراً على غَفْلة، ليلاً كان أو نهاراً.
(٤) ظناً منه أنه في حكم السرقة.
(٣) أي حين كان أمير المدينة.
(٥) قوله: أنه لا قطع عليه، لحديث جابر مرفوعاً: ليس على المختلس
والمنتهب والخائن قطع. أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم وابن حبان
والبيهقي وغيرهم. وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف رواه ابن ماجه بإسناد
صحيح وآخر من رواية الزهري عن أنس أخرجه الطبراني في «الأوسط»، ورواه
ابن الجوزي من حديث ابن عباس، وضعفه كذا في ((التلخيص الحبير))(١).
(٦) فإن القطع(٢) إنما ورد في السرقة، وأخذ الشيء على سبيل الخفية
معتبر في حقيقتها وليس ذلك في الاختلاس.
(١) ٤ / ٦٥.
(٢) لأن القطع ثبت بالنص في السرقة، والانتهاب والاختلاس والخيانة ليست بسرقة لأن في
الانتهاب ليس الأخذ خفية، وفي الخيانة ليس الأخذ من الحرز. بذل المجهود ٣٣٩/١٤.
قال الموفق: فإن اختطف أو اختلس لم يكن سارقاً، ولا قطع عليه عند أحد علمناه غير
إياس بن معاوية. المغني ٢٤٠/٨.
٧٢

(أبواب الحُدودِ في الزنَاء)
١ - (باب الرجم (١))
٦٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس: أنّه سمع عمر بن الخطاب
يقول(٢): الرجم في كتاب الله تعالى حقّ(٣) على من زنى إذا .
(١) أي رجم الزاني بالحجارة حتى يموت.
(٢) قوله: يقول، هذا مختصر من خطبة خطبها عمر في المدينة بعد الفراغ
من حجته. أخرجها البخاري وغيره بطولها.
(٣) قوله: حق، أي ثابت حكماً(١) وإن نُسخت آيته تلاوةً، وهي (الشيخ
والشيخة إذا زنّيا فارجموهما البتّة نَكَالاً من الله والله عزيز حكيم). والمراد بالشيخ
والشيخة المحصن والمحصنة وإن كان شاباً سِنّاً، قال السيوطي: خطر لي في نسخ
هذه الآية تلاوةً نكتةٌ حسنة وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها
وكتابتها في المصحف وإن كان حكماً باقياً لأنه أثقل الأحكام وأشدّها وأغلظ
الحدود. انتهى كلامه في ((الإتقان في علوم القرآن)»، وفيه أيضاً: أخرج الحاكم
من طريق كثير بن الصَّلَّت قال: كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان =
(١) أي الحكم غير منسوخ.
٧٣
--

أُخْصن(١) من الرجال والنساء، إذا قامت عليه البيّنة(٢) أو كان
الحَبْل (٣).
= المصحف فمرّا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله يقول: ((الشيخ
والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة))، فقال عمر: لمّا نزلتْ أتيتُ النبيِ وَ ل﴿ فقلت:
أكتبها؟ فكأنه كره ذلك، وقال: ألا ترى إلى أنَّ الشيخ إذا زنا ولم يُحْصَن جُلد،
وأنَّ الشابّ إذا زنا وقد أُحصن رجم. قال الحافظ في ((الفتح)): يُستفاد من هذا
الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها، وقال
أبو عبيدة: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن المبارك بن فضالة، عن عاصم بن
أبي النَّجُود، عن زربن حبيش قال: كانت سورة الأحزاب تعدل سورة البقرة وإنْ
كنا لنقرأ فيها آية الرجم (إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله
والله عزیز حکیم). وقال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن اللیث، عن خالد بن یزید،
عن سعيد بن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن أبي أمامة بن سهل أن خالته
قالت: لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم: (إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما
قضيا من اللذة).
(١) قوله: إذا أحصن، أي كان الزاني محصناً - وهو بفتح الصاد وبكسره -
مأخوذ من الإِحصان بمعنى المنع، وهو عبارة عن كونه حرّاً عاقلاً بالغاً مسلماً وطىء
بنكاح صحيح، وفي اشتراط الإِسلام خلاف الشافعي وأحمد. والبسط في كتب
الفقه .
(٢) أي شهدت على الزناء الشهود وهم أربعة رجال.
(٣) قوله: أو كان الحَبْل، قال القسطلاني في ((إرشاد الساري))، بفتح الحاء
وسكون الباء أي الحمل، أي وُجدت المرأة الخلية من زوج(١) أو سيد حُبلى =
(١) في الأصل: الزوج، وهو تحريف.
٧٤

أو الاعتراف (١).
٦٩٢ - أخبرنا مالك، حدَّثنا يحيى بن سعيد أنَّه سمع سعيد بن
المسيِّب يقول: لما صَدَرَ(٢) عمر بن الخطاب من مِنى أناخ (٣) بالأبطح (٤)
ثم كَوَّمَ (٥) كَوْمة من بطحاء(٦) ثم طرح عليه ثوبه، ثم استلقى ومدَّ(٧)
= ولم تذكر شبهة ولا إكراهاً. انتهى. وقال السيوطي في ((الديباج بشرح صحيح
مسلم بن الحجاج)): هذا مذهب عمر بن الخطاب وحده(١)، وأكثر العلماء أنه
لا حدّ عليها بمجرد ظهور الحبل مطلقاً .
(١) أي إقرار الزاني.
(٢) أي رجع من حجته وكان آخر حجاته في سنة ثلاثة وعشرين التي قُتل
فيها .
(٣) أي راحلته.
(٤) وادٍ بين مكة ومنى يسمّى بالمحصَّب.
(٥) بتشديد الواو من التكويم وهو الجمع.
(٦) قوله: بطحاء، بالفتح هي صغار الحصى، والكومة بالفتح وبالضم
القطعة أي جمع قطعة من الحصى وألقى عليه رداءه واستلقى على قفاه واضعاً رأسه
عليها .
(٧) أي رفعهما للدعاء.
(١) قال النووي: هذا قول عمر رضي الله عنه وتابعه مالك وأصحابه فقالوا:
إذا حبلت ولم يُعلم لها زوج ولا سيد ولا عرفنا إكراهاً لزمها الحد إلاّ أن تكون غريبة،
وتدَّعي أنه من زوج أو سيد. وقال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: لا حدَّ عليها بمجرد
الحمل، لأن الحدود تسقط بالشبهات. أوجز المسالك ٢٢٩/١٣.
٧٥

يديه إلى السماء، فقال: اللَّهم كبِرَتْ(١) سِيِّ، وضَعُفَتْ(٢) قوَّتي،
وانتشرتْ(٣) رعيَّتي، فاقبضني (٤) إليك غير مضيِّع(٥) ولا مُفْرِط. تم قدِم
المدينة(٦)، فخطب(٧) الناسَ فقال: أيها الناس، قد سُنَّتْ(٨) لكم
السُّنَن، وفُرِضت لكم الفرائض، وتُرِكْتُمْ (٩) على الواضحة -وصَفَّقَ(١٠)
(١) قوله: كبرت سنّي، أي طال عمري، يقال كبر في القدر والرتبة من باب
كرم، وكَبِر في السنّ من باب علم، كذا في ((المغرب)).
(٢) قوله: وضعفت قوتي، أي أعضائي في سكوني وحركتي.
(٣) قوله: وانتشرت رعيتي، أي كثرت وتفرقت في البلاد رعيَّتي التي أقوم
بسياستها وتدبيرها .
(٤) قوله: فاقبضني إليك، هذا دعاء بالموت وهو جائز إذا خاف الفتنة في
الدين وإلاّ فمنهيٌّ عنه، وقد بسط الأخبار في هذا الباب الحافظ السيوطي في ((شرح
الصدور بشرح حال الموتى والقبور)) فلتُطالَع، فإنه كتاب منفرد في بابه لم يُصنّف
مثلُه لا قبله ولا بعده.
(٥) قوله: غير مضيِّع، أي لما أمرتني وشرعتني، من التضييع، ولا مُفْرِط
اسم فاعل من الإفراط بمعنى الزيادة، أي اقبضني إليك حال كوني غير مبتلىَّ بالفتنة
في الدين بأن أنقض في شيء أو أزيد شيئاً.
(٦) في آخر ذي الحجة. (٧) أي يوم الجمعة كما في رواية البخاري.
(٨) قوله: قد سُنَّت، بضم السين وتشديد النون المفتوحة أي شُرعت لكم
الشرائع أو السنن النبوية.
(٩) قوله: وتُركتم، بصيغة المجهول أي ترككم نبيّكم على الطريقة
الواضحة الظاهرة المسهَّلة البيضاء.
(١٠) قوله: وصفَّق، قال القاري: من التصفيق أي ضرب عُمَر بإحدى يديه :
٧٦

بإحدى يديه على الأخرى - إلَّ (١) أن لا تضلّوا بالناس يميناً(٢) وشمالاً،
ثم إياكم(٣) أن تَهلِكوا عن آية الرجم، أن (٤) يقول قائل: لا نجد
حدّين (٥) في كتاب الله، فقد رَجَم رسولُ اللهِ وَّهِ ورجمنا(٦)، وإني والذي
نفسي بيده لولا (٧) أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله
على الأخرى، وكانت العرب تضرب إحدى اليدين على الأخرى إذا أراد أن ينبِّه
غيره، وربما فعله إذا صاح على شيء أو تعجب من شيء.
(١) قوله: إلَّ، قال القاريّ: بكسر الهمزة وتشديد اللام أي لكن أن
لا تضلّوا بالناس. وإنْ شرطية والباء للتعدية، ولا يبعد أن يكون ألا للتنبيه وأن زائدة.
(٢) أي بالانتقال عن طريق الوسط الواضح.
(٣) أي احذروا عن أن تهلكوا بسبب الغفلة عن آية الرجم.
(٤) بفتح الهمزة وسكون النون: بيان الهلاك.
(٥) أي الجلد والرجم.
(٦) نحن معاشر الصحابة.
(٧) قوله: لولا أن يقول ... إلخ، قال الزركشي في ((البرهان)): ظاهره أن
كتابتها(١) جائزة وإنما منعه قول الناس، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج
ما يمنعه، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة. وقد يُقال: لو كانت التلاوة باقية لبادر
عمر، ولم يعرِّج على مقالة الناس، لأن مقال الناس لا يصلح مانعاً. وبالجملة فهذه =
(١) وفي الكواكب الدرّي ٣٧٦/٢: ليس المراد أن أكتبه حيث تكتب آيات الكتاب لأنه حرام،
فكيف يُكتفى بالكراهة، وإنما يعني أن أكتبه في حواشي المصاحف حتى ينظر إليه من يقرأ
المصحف إلاّ أن الأمر بتجريد القرآن يمنعني عن ذلك لئلا ينجرّ الأمر بالآخرة إلى إدخاله
فيه.
٧٧

لكتبتُها(١): الشيخ والشيخة إذا زَنّيًا فارجموهما البتّة(٢)، فإنا قد قرأناها.
قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحجّة(٣) حتى قُتل عمر.
٦٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن
اليهود (٤) جاؤوا إلى النبي وَله وأخبروه أن رجلاً منهم وامرأة زَنَّيًا، فقال
= الملازمة مشكلة، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت
الحكم. انتهى. وردَّه السيوطي في ((الإِتقان)) بأنَّ قوله لعله كان يعتقد أنه خبر واحد
مردود، فقد صح أنه تلقّاها من رسول الله وَّر. انتهى. والأظهر في هذا المقام
ما قاله الزرقاني وغيره أن مراد عمر من هذا الكلام المبالغة والحث على العمل
بالرجم، لأن معنى الآية باقٍ وإن لم يَبْقَ لفظها.
(١) أي في المصحف.
(٢) أي جزماً.
(٣) أي الذي خطب فيه الخطبة المذكورة.
(٤) قوله: أن اليهود كانوا جاؤوا، من خيبر. ذكر ابن العربي عن الطبري
والثعلبي من المفسِّرين منهم: كعب بن الأشرف وكعب بن أسعد وسعيد بن عمرو
ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحُقيق وشاس بن قيس ويوسف بن غازوراء،
وكان مجيئهم بهذه الواقعة إلى رسول الله و لهم في السنة الرابعة في ذي القعدة، والرجل
الذي زنى منهم لم يُسَمَّ، والمرأة اسمها بُسرة بالضم. وعند أبي داود من حديث
أبي هريرة زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا
النبي، فإنه بُعث بالتخفيف. فإنْ أفتانا بفُتيا دون الرجم قَبِلناها، واحتججنا بها
عند الله وقلنا نبيّ من أنبيائك، قال: فأَتَّوْا النبيَّ وَّر وهو جالس في المسجد في
أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما تَرَى في رجل وامرأة زنيا؟ كذا ذكره الحافظ
ابن حجر والقسطلاني في ((شرح صحيح البخاري)).
٧٨

لهم رسولُ اللهِ وَالهو: ما تجدون(١) في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا:
نفضحهما(٢) وَيُجْلَدَان، فقال لهم عبد الله(٣) بن سلام(٤): كذبتم إن فيها
الرجم، فَأَتَّوْا(٥) بالتوراة، فنشروها(٦)، فجعل(٧) أحدهم(٨) يده على
آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال(٩) عبد الله بن سلام: ارفع
يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم (١٠)، فقال:
(١) قوله: ما تجدون، قال القسطلاني: ما مبتدأ من أسماء الاستفهام،
وتجدون جملة في محل الخبر، والمبتدأ والخبر معمول للقول، وإنما سألهم إلزاماً
لهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق للإِسلام إقامةً للحجة عليهم وإظهاراً لما كتموه
وبدَّلوه من حكم التوراة، فأرادوا تعطيل نصها ففضحهم الله، وذلك إما بوحي
من الله إليه أنه موجود في التوراة وإما بإخبار من أسلم منهم كعبد الله بن سلام.
(٢) قوله: فقالوا نفضحهما، أي نجد في التوراة في حكم الزانيين أن نخذلهما ،
ويُجْلدان، وليس فيها رجم، وفي رواية: قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، وفي
رواية قالوا: نسوِّد وجوههما ونُحِّمهما، ونخالف بين وجوههما ويُطاف بهما.
(٣) هو من أحبار اليهود كان قد أسلم.
(٤) بتخفيف اللام.
(٥) أي اليهود.
(٦) أي فتحوها.
(٧) قصداً للإِخفاء عن الحضرة النبوية.
(٨) قال الحافظ ابن حجر: هو عبد الله بن صوريا.
(٩) أي للذي وضع يده.
(١٠) قوله: فإذا فيها آية الرجم، وفي رواية للشيخين: فإذا آية الرجم تحت
يده، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة ذكر لفظ الآية: المُحْصَن والمُحْصَنة إذا =
٧٩

صدقت(١) يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله وَله فرُجما(٢).
قال ابن عمر: فرأيت .
= زنيا وقامت عليهما البيِّنة رُجِما وإنْ كانتْ المرأة حُبلى تُرُبِّص بها حتى تضع ما في
بطنها. وعنده أيضاً من حديث جابر: قالوا: إنّا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم
رَأَوْا ذَكَرَهُ في فَرْجها مثلَ الميل في المُكْحُلة رجما. وفي رواية البزار: قال
النبي ◌َّ: فما منعكم أن ترجموهما؟ قالوا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. زاد في
حديث البراء: نجد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه
وإذا أخذنا الضعيف أخذناه بالحدّ، فقلنا: تعالَوْا نجتمع على شيء نقيمه على
الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم.
(١) في نسخة: صدق.
(٢) قوله: فرُجما، أي اليهوديان، الزاني والزانية، وهذا صريح في أن
الإِسلام ليس بشرط في الإِحصان كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو يوسف في
رواية، وعند أبي حنيفة ومحمد والمالكية الإِسلام شرط(١). واستدلوا بأحاديث
وردت في ذلك، وأجابوا عن رجم اليهوديَّيْن بأن ذلك كان في ابتداء الإِسلام بحكم
التوراة، ولذلك سألهم عن ما فيها، ثم نزل حكم الإِسلام بالرجم باشتراط
الإِحصان، واشتراط الإِسلام فيه بقوله وقتله: من أشرك بالله فليس بمحصن. أخرجه
إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن ابن عمر مرفوعاً. وأخرجه الدارقطني في ((سننه))
وقال: الصواب أنه موقوف. وأخرج الدارقطني وابن عديّ، عن كعب بن مالك أنه
أراد أن يتزوج يهوديَّة، فقال رسول الله وَله: لا تتزوجها فإنها لا تحصنك، وفيه =
(١) قال الزرقاني ١٣٦/٤: وأجابوا عن الحديث بأنه # إنما رجمها بحكم التوراة تنفيذاً
للحكم عليهم بما في كتابهم، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وهو فعل وقع في
واقعة حال عينية محتملة لا دلالة فيها على العموم في كل كافر. انتهى.
٨٠