Indexed OCR Text

Pages 641-660

قول(١) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله.
٩ - (باب السمك يموت في الماء)
٦٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن سعيد
الجاريّ بن الجار(٢).
أخرج له الشيخان وهو ثقة، وزاد الرفع، وأخرج الترمذي من حديث جابر مرفوعاً
بلفظ: ما اصطدتموه وهو حيّ فكلوه وما وجدتموه ميتاً طافياً فلا تأكلوه. وفي رواية
الطحاوي في ((أحكام القرآن)): ما جزر عنه البحر فكُلْ وما ألقى فكل، وما وجدته
طافياً فوق الماء فلا تأكل.
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وهو قول جابر وعليّ وابن عباس
وسعيد بن المسيّب وأبي الشعثاء والنخعي وطاوس والزهري، ذكر عنهم ذلك
ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما، وأخرج الدارقطني والبيهقي إباحة الطافي عن
أبي بكر وأبي أيوب، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وبعض التابعين أخذاً من
إطلاق حديث: هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته، وحديث: أُحلّت لنا ميتتان ودمان، أما
الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال، أخرجه ابن ماجه وأحمد
وعبد بن حميد والدارقطني وابن مردويه وغيرهم، وأجاب عنه أصحابنا بأن ميتة البحر
ما لفظه البحر أو انحسر الماء عنه ليكون موته مضافاً إلى البحر، لا مامات فيه
حتف أنفه من غير آفة وطفا على الماء، كذا في ((البناية)) و ((الدراية))(١).
(٢) قوله: عن سعيد الجاري بن الجار، هكذا وُجد في نسخ عديدة، وفي
((موطأ يحيى)) عن سعيد الجاري مولى عمر بن الخطاب، وذكره السَّمعاني في
اسمه سعد بغير ياء، حيث ذكر أن الجاري نسبة إلى الجار بليدة على الساحل
بقرب المدينة النبوية، والمنتسب إليها سعد بن نوفل الجاري، كان عامل عمر،
(١) انظر: بذل المجهود ١٤١/١٦.
٦٤٢

قال: سألتُ ابنَ عمر عن الحِيْتَان(١) يقتل بعضُها بعضاً، ويموت
صَرَداً(٢) - وفي أصل ابن الصوّاف: (٣) ويموت (٤) برداً - قال: ليس
به بأس. قال: (٥) وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك.
قال محمد: وبهذا نأخذ. إذا ماتت (٦) الحِيْتان من حَرّ أو بردٍ
أو قتلٍ (٧) بعضِها بعضاً فلا بأس بأكلها، فأما إذا ماتت مِيْتَةَ(٨) نفسِها
فَطَفَتْ(٩) فهذا يُگره من السمك، فأما سوی ذلك فلا بأس به .
روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر، وعنه زيد بن أسلم. انتهى. وكذا سماه
ابن الأثير الجزري في ((جامع الأصول)».
(١) بكسر الحاء جمع الحوت.
(٢) بفتحتين أي برداً.
(٣) أي في نسخة ((الموطأ)) لابن الصّاف وهو من المشايخ.
(٤) أي مكان: ويموت صرداً(١).
(٥) أي سعيد الجاري.
(٦) في البحر.
(٧) مصدر مضاف معطوف على حرّ أو فعل ماضٍ وما بعده فاعل معطوف
على فعل سابق.
(٨) بكسر الميم أي ماتت من غير آفة خارجة، بل بموته نفسه.
(٩) أي علت على الماء.
(١) قال الباجي: ما قتل بعضه بعضاً من الحيتان أو مات صرداً يجوز أكله، وهو مما اتفق عليه
مالك وأبو حنيفة والشافعي لأنه مات بسبب. انتهى. قلت: وكذلك عند أحمد. أوجز
المسالك ١٧٤/٩.
٦٤٣

١٠ - (باب ذكاءُ(١) الجنين(٢) ذكاةُ أمه)
٦٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنّ عبد الله بن عمر كان
يقول: إِذا نُحِرَتِ النَّاقَةُ فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا(٣) ذَكَاتُهَا (٤) إذا كانَ قد تمَّ
خَلْقُه(٥) ونَبَت شعرُه، فإذا(٦) خرج من بطنها ذُبِحَ حتى يخرجَ الدمُ من
جوفه .
٦٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط(٧)،
(١) بمعنى الذبح.
(٢) هو الولد ما دام في بطن أمه.
(٣) من الولد. في ((موطأ يحيى)): فذكاة ما في بطنها في ذكاتها.
(٤) لأنه جزء منها، فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها.
(٥) أي في أجزائها .
(٦) قوله: فإذا خرج، حمله القاري على خروجه حالة الحياة حيث قال:
فإذا خرج من بطنها أي حيّاً ذبح أي اتفاقاً حتى يخرج الدم أي دم المذابحة من
جوفه أي جوف الجنين الشامل لحلقه وأوداجه. انتهى. والظاهر ما ذكره الزرقاني
حيث قال: فإذا خرج من بطن أمه ذُبح أي ندباً كما يفيده السياق حتى يخرج الدم
من جوفه، فذبحه إنما هو لإِنقائه من الدم لا لتوقّف الحل عليه، وهذا جاء بمعناه
مرفوعاً: روى أبو داود والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً: ((ذكاةُ الجنين إذا أشعر ذكاة
أمه)) ولكنه يُذبح حتى ينصاب ما فيه من الدم، ويعارضه حديث ابن عمر رفعه: ذكاة
الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر، لكن فيه مبارك بن مجاهد ضعيف، ولتعارضهما
لم يأخذ بهما الشافعية ، فقالوا: ذكاة الجنين ذكاة أمه مطلقاً، ولا الحنفية فقالوا:
لا مطلقاً، ومالك ألغى الثاني لضعفه وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف، فقيّد به
حدیث ذکاة الجنين ذکاة أمه. انتهى.
(٧) بصيغة التصغير.
٦٤٤

عن سعيد بن المسيَّب أنه كان يقول: ذكاةُ ما كان في بطن الذبيحة ذكاةً
أمه إذا كان قد نبت شعرُه وتمَّ خَلْقه(١).
قال محمد: وبهذا نأخذ إذا تَمَّ (٢) خَلقه، فذكاتُه في ذكاة أمِّه
فلا بأس بأكله. فأما أبو حنيفة فكان يَكره أكلَه حتى يخرجَ حيّاً
(١) في أعضائه.
(٢) قوله: إذا تمّ، يعني إذا خرج من بطن الذبيحة جنينٌ ميت فإن كان تامّ الخلق
نابت الشعر يؤكل، وإن لم يكن تام الخلقة فهو مضغة لا تؤكل، وبه قال مالك
والليث وأبو ثور، وقال أحمد والشافعي بحله مطلقاً، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل
مطلقاً، وبه قال زفر والحسن بن زياد، فإن خرج حيّاً ذُبح اتفاقاً، ودليل من قال
بالحلّ مطلقاً أو مقيّداً بتمام الخلقة حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه أحد عشر نفساً
من الصحابة، الأول: أبو سعيد الخدري، أخرج حديثه باللفظ المذكور أبو داود
وابن ماجه والترمذي وحسنه وابن حبان وأحمد. والثاني: جابر، أخرج حديثه
أبو داود وأبو يعلى. الثالث: أبو هريرة، أخرج حديثه الحاكم وقال: صحيح
الإِسناد، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري متفق على ضعفه، والدارقطني وفي
سنده عمروبن قيس ضعيف. الرابع: ابن عمر، أخرج حديثه الحاكم والدارقطني
وسنده ضعيف. الخامس: أبو أيوب، أخرج حديثه الحاكم. السادس: ابن مسعود،
أخرج حديثه الدارقطني، ورجاله رجال الصحيح. السابع: ابن عباس، أخرجه
الدارقطني. الثامن: كعب بن مالك، حديثه عند الطبراني. التاسع والعاشر: أبو
أمامة وأبو الدرداء، حديثهما عند البزار والطبراني. الحادي عشر: عليّ رضي الله
عنه، حديثه عند الدارقطني، وقال ابن المنذر: لم يُرْوَ عن أحد من الصحابة والتابعين
وغيرهم أن الجنين لا يؤكل إلا باستيناف الذكاة إلا عن أبي حنيفة ولا أحسب
أصحابه وافقوه، وفيه نظر، فقد وافقه من أصحابه زفر والحسن وشيخ شيخه إبراهيم
النخعي. واختار هذا القول أيضاً ابن حزم الظاهري. وقال: لا يترك القرآن وهو قوله =
٦٤٥

فَيُذَكَّى (١)، وكان(٢) يَرْوي عن حماد(٣) عن إبراهيم أنّه قال(٤): لا
تكون ذکاةُ نفسِ ذكاةَ نَفْسَيْن.
= تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ بالخبر (١) المذكور وأجاب في ((المبسوط)) بأن
حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه لا يصح، وفيه نظر، فإن الحديث صحيح وضَعْفَ
بعض طرقه غير مضرّ، وذكر في ((الأسرار)) أن هذا الحديث لعله لم يبلغ أبا حنيفة
فإنه لا تأويل له ولو بلغه لما خالفه، وهذا حسن، وذكر صاحب ((العناية)) وغيرها أنه
روي ((ذكاءُ الجنين ذكاةً أمه)) بالنصب فهو على التشبيه أي كذكاة أمه كما يُقال:
لسانُ الوزير لسانَ الأمير وفيه نظر، فإن المحفوظ عن أئمة الشأن الرفع، صرَّح به
المنذري، ويوضحه ما ورد في بعض طرق أبي سعيد الخدري قال السائل:
يا رسول الله إنّا ننحر الإِبل والناقة ونذبح البقر فنجد في بطنها الجنين أفتلقيه أم نأكله؟
فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه. وبالجملة فقول من قال بموافقة الحديث
أقوى. هذا ملخّص ما ذكره العيني في ((البناية)).
(١) أي يذبح.
(٢) أي أبو حنيفة.
(٣) ابن أبي سليمان.
(٤) هذا استبعاد بمجرّد الرأي، فلا عبرة به بمقابلة النصوص، ولعلها
لم تبلغه أو حملها على غير معناها.
(١) بسط تخريج هذه الروايات كلها الزيلعي في نصب الراية: وقال: وقال عبد الحق في
(«أحكامه)): هذا حديث لا يُحتج بأسانيده كلها، وأقره ابن القطان عليه. انظر: أوجز
المسالك ١٤٠/٩.
٦٤٦

١١ - (باب أكل الجراد(١))
٦٥٢ - أخبرنا مالك، حدّثنا(٢) عبد الله بن دينار، عن
عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنه سئل عن
الجراد؟ فقال: وَدِدتُ(٣) أنّ عندي قَفْعَةً(٤) من جراد فآكل منه .
قال محمد: وبهذا(٥) نأخذُ. فجراد ذُگی(٦) کلہ لا بأس بأکله إن
(١) قوله: باب أكل الجراد، بفتح الجيم حيوان معروف، ذكر الترمذي في
(نوادره)) أنه خُلق من الطينة التي فَضُلت من خلق آدم، ومن ثَمَّ ورد أن أول الخلق
هلاكاً الجراد، أخرجه أبو يعلى وغيره. الكلام فيه مبسوط في «حياة الحيوان)).
(٢) في نسخة: أخبرنا.
(٣) أي تمنَّيْت.
(٤) بفتح القاف وسكون الفاء، فعين مهملة، شيء شبيه بالزنبيل، قاله
القاري .
(٥) قوله: وبهذا نأخذ، قال الدميري في ((حياة الحيوان)): قالت الأئمة
الأربعة بحله (١) سواء مات حتف أنفه أو بذكاة أو باصطيادِ مجوسي أو مسلم قُطع منه
شيء أو لا، وعن أحمد إذا قتلهُ البرد لم يؤكل، وعن مالك إن قطع رأسه حلّ وإلا
فلا. والدليل على عموم حلّه حديث: أحِلّت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال
والسمك والجراد، رواه الشافعي والبيهقي والدارقطني .
(٦) ذُکي کله أي مذبوح کله أي في حكمه.
(١) وقد نقل النووي الإِجماع على حِلّ أكل الجراد، وخصّه ابن العربي بغير جراد الأندلس لما
فيه من الضرر المحض. وملخّص مذهب مالك إن قطع رأسه حل وإلا فلا. تنسيق النظام
ص ١٩٥.
٦٤٧

أُخِذَ حيّاً أو ميتاً، وهو ذكيّ على كل حال. وهو قول أبي حنيفة والعامة
من فقهائنا .
١٢ - (باب ذبائح (١) نصارى العرب)
٦٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد الدِّيلِي، عن
عبد الله(٢) بن عباس، أنه سئل عن ذبائح(٣) نصارى العرب؟ فقال:
(١) ذبح الكتابي حلال، حربياً كان أو ذميّاً، عربياً كان أو غيره.
(٢) قوله: عن عبد الله، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((الكاف-الشاف
في تخريج أحاديث الكشاف)»: هذا منقطع لأن ثوراً لم يلق ابن عباس، وإنما أخذه
عن عكرمة فحذفه مالك، وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء بن السائب عن
عكرمة عن ابن عباس قال: كلوا ذبائح بني تغلب وتزوَّجوا نساءهم.
(٣) قوله: عن ذبائح نصارى العرب، أي العرب الذين تنصَّروا ومنهم قوم
معروفون ببني تغلب، وإنما سئل عنه وإنْ كان إطلاق قوله تعالى: ﴿وطعام الذين
أُوْتُوا الكتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾(١) أي ذبائحهم عاماً لأنّ نصارى العرب ليسوا من أهل
الكتاب حقيقةً، فإنهم ليسوا من بني إسرائيل الذين هم أهل التوراة والإنجيل فكان
مَظِنَّة أن لا يحلّ ذبائحهم، فأجاب ابن عباس بأنه لا بأس بها أخذاً من عموم الآية،
وقرأ قوله تعالى: ﴿ومن يتولّهم منكم فإنه منهم﴾ إشارة إلى أن الخطاب في هذه
الآية إلى العرب، وغرضه سبحانه وتعالى منه أن من تولّى اليهود والنصارى من
العرب وأخذ بشرائعهم وعمل حسب عملهم فهومنهم فنصارى العرب إذا تدیَّنوا بدين
النصارى صاروا منهم حكماً وإن لم يكونوا منهم حقيقة، فدخلوا في عموم الآية =
(١) سورة المائدة: الآية ٥.
٦٤٨

لا بأس بها، وتلا هذه الآية (١) ﴿ومن يتولّهم منكم فإنه منهم﴾.
قال محمد: وبهذا نأخذ. وهو قول أبي حنيفة والعامة.
١٣ - (باب ما قَتَل الحجر (٢))
٦٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع قال: رميْتُ طائرين بحجر (٣)
وأنا بالجُرُف (٤)، فأصبتُهما، فأما أحدهما فمات (٥)، فطرحه (٦)
عبد الله بن عمر، وأما الآخر فذهب(٧) عبد الله
-
-
= المذكورة، وبهذا ظهر سخافة ما قال الزرقاني (١): لعل مراده بتلاوتها أنها وإن جاز
أكل ذبائحهم لكن لا ينبغي للمسلم أن يتخذهم ذبّاحين لأن في ذلك موالاةً لهم.
انتهى. فإن هذا التوجيه يقتضي أن يكون قراءة الآية أمراً على حدة.
ءُ
(١) تمامها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياءَ بعضُهم
أولياءُ بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم﴾(٢).
(٢) أي بسبب ثقله عليه.
(٣) في نسخة: بحجرين.
(٤) بضم الجيم وضم الراء وسكون الراء موضع بقرب المدينة.
(٥) أي قبل ذبحه.
(٦) لأنه صار ميتة (٣) فإن الحجر أصابه بثقله.
(٧) أي أراد أن يذبحه.
(١) الزرقاني. ٨٢/٣ والأوجز. ١٣١/٩.
(٢) سورة المائدة: الآية ٥١.
(٣) قال الخرقي: لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر، لأنه موقوذ، قال الموفق: يعني الحجر
الذي لا حدّ له، فأما المحدد كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحدِّه أبيح وإن قتل بعرضه
أو ثقله فهو وقيذ لا يُباح، ووهذا قول عامة الفقهاء. أوجز المسالك. ١٤٤/٩.
٦٤٩

يذكِّيه بقَدُوم(١) فمات قبل أن يذكِّيه فطرحه أيضاً.
قال محمد: وبهذا نأخذ. ما رُمي به الطير، فقُتل به قبل أن تُدْرَك(٢)
ذكاتُه لم يؤكل، إلا أن يخرق (٣) أو يُبَضَّع فإذا خرق وبضّع فلا بأس
بأكله وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
١٤ - (باب الشاة وغير ذلك
تُذَكَّى (٤) قبل أن تموت)
٦٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبي مُرَّةَ (٥)
أُنّه سأل(٦)
(١) بفتح القاف وضم الدال: آلة مشهورة للنجّار.
(٢) بصيغة المجهول، فما بعده مرفوع. أو بالمعروف فما بعده منصوب.
(٣) من الخرق. بمعنى القطع وهو بالراء المهملة، وفي بعض النسخ خزق (١)
بالمعجمة، وفي بعضها خزف بالمعجمة آخره فاء.
(٤) أي تذبح .
(٥) بضم الميم وتشديد الراء هو مولى أم هانىء، ويقال: مولى
عقيل بن أبي طالب.
(٦) قوله: أنه سأل أبا هريرة عن شاة، قال القاري: هي كانت مريضة
أو مضروبة ونحوها. انتهى. وهذا مجرد احتمال لا يشفي (٢) العليل، وحقيقة الواقعة
في المتردِّية، ففي رواية عند ابن عبد البر عن يوسف بن سعد عن أبي مرّة قال:
كانت عناق كريمة، فكرهتُ أن أذبحها فلم ألبث(٣) أن تردّدت، فذبحتها، فركضت =
(١) أي طعن.
(٢) في الأصل: لا يسقى وهو تحريف.
(٣) في الأصل: (فلم ألبس) وهو تحريف.
٦٥٠

أبا هريرة عن شاةٍ ذبحها فتحرّك(١) بعضُها؟ فأمره(٢) بأكلها،ثُمَّ سأل زيد
ابن ثابت فقال: إنّ الميتة لتتحرك (٣)، ونهاه (٤).
قال محمد: إذا تحرّكتْ تحرّكاً: أكبرُ الرأي فيه و(٥) الظنُّ أنها
حيّة (٦) أُكلت(٧)، وإذا كان تحرُّكها شبيهاً بالاختلاج (٨)، وأكبر الرأي
والظن في ذلك أنها ميتة لم تؤكل.
= برجلها (فتحرك بعضها) فأمره أبو هريرة أن يأكلها، ذكره الزرقاني(١).
(١) أي بعد ذبحها.
(٢) قوله: فأمره بأكلها، أي لأن الحركة دليل الحياة فيكون مذكّى، ويوافقه
ما أخرجه ابن جرير عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة وهي
تتحرك يداً أو رجلاً فكلها.
(٣) فلا يفيد ذبحها .
(٤) قوله: ونهاه، أي عن أكلها. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من
الصحابة وافق زيداً على ذلك. وقد خالفه أبو هريرة وابن عباس وعليه الأكثر.
(٥) عطف تفسيري .
(٦) أي كانت حيّة قبل الذبح .
(٧) أي جاز أكلها .
(٨) أي باضطراب الأعضاء.
(١) ٨٣/٣ وكذا في الأوجز ١٣٧/٩.
٦٥١

١٥ - (باب الرجل يشتري اللحم
فلا يدري(١) أَذَكِيٌّ هو أم غير ذَكِيّ)
٦٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه(٢) أنّه قال
سُئِل رسول الله وَ # فقيل(٣): يا رسول الله إنّ ناساً(٤) من أهل البادية
يأتون(٥)
(١) أي لا يعلم أن ذلك اللحم من الحيوان المذبوح الشرعي أم لا .
(٢) هو عروة بن الزبير بن العوام. قوله: عن أبيه أنه قال ... إلخ،
لم يختلف عن مالك في إرساله، وتابعه الحمّادان وابن عيينة ويحيى القطان عن
هشام، ووصله البخاري في ((الذبائح)) من طريق أسامة بن حفص المدني، وفي
((التوحيد)) من طريق أبي خالد سليمان الأحمر، وفي ((البيوع)) من طريق الطفاوي
محمد بن عبد الرحمن والإِسماعيلي من طريق عبد العزيز الدراوردي وابن أبي شيبة
عن عبد الرحيم بن سليمان والبزار من طريق أبي أسامة، الستة عن هشام عن أبيه
عن عائشة، قال الدارقطني: وإرساله أشبه بالصواب يعني لأن رواته أضبط وأحفظ،
وأجيب بأن الحكم للوصل إذا زاد عدد من وصل على من أرسل واحتفّ بقرينة
تقوّي الوصل كما ههنا إذ عروة معروف بالرواية عن عائشة، والأولى أن يقال: إن
هشاماً حدثه به على الوجهين مرسلاً وموصولاً، كذا في ((شرح الزرقاني)».
(٣) بيان للسؤال. قوله: فقيل، عند البخاري في الذبائح: إن قوماً قالوا
للنبي سر: إن قوماً يأتونا باللحم، وفي آخره قالت عائشة: وكانوا أي القوم
السائلون حديثي عهد بالكفر.
(٤) عند النسائي: إن ناساً من الأعراب.
(٥) قوله: يأتون بلُحمانٍ بضم اللام جمع لحم، وفي روايتنا: يأتوننا.
٦٥٢

بلُحْماٍ فلا ندري هل سَمَّوْا (١) عليها أم لا؟ قال(٢): فقال رسول
الله وَ﴾ُ: سَمُّوا(٣) الله عليها، ثم كلوها.
(١) أي عند الذبح .
(٢) الضمير إلى عروة.
(٣) أي عند الأكل. قوله: سَمُّوا الله عليها، قال الطَّيبي في ((حواشى
المشكاة)): هذا من أسلوب الحكيم كأنه قيل لهم لا تهتموا بذلك، ولا تسألوا عنه
والذي يهمكم الآن أن تذكروا اسم الله عليه. انتهى. وقال القسطلاني: ليس المراد
منه أنّ تسميتهم على الأكل قائمة مقام التسمية عند الذبح، بل طلب التسمية التي
لم تفت وهي التسمية على الأكل. انتهى. واستدلّ بهذا الحديث من ذهب إلى أن
التسمية عند الذبح ليس بشرط للحلّ(١) حتى لو ترك التسمية عامداً حلّ، فإنه
لو كانت التسمية شرطاً لما أمرهم النبي 8# بالأكل عند الشك فيها، وأجاب عنه
العيني وغيره من أصحابنا أن هذا الحديث دليل لنا، فإنهم لما سألوا عن حالة
اللحم الذي شكّ في التسمية فيه علم أنه كان من المعروف عندهم اشتراط التسمية
وإلا لما سألوه، وإنما أمرهم بالأكل إشعاراً بأن الظاهر من حال الذابح المسلم أن لا يدع
التسمية، فكأنه قال: إنكم لستم بمأمورين لحصول التيقن والتجسس لإِيراثه إلى
الوسوسة والحرج، فسَمُّوا الله عند الأكل، وكلوا ولا تُلْقُوا أنفسكم في الشك
والوسوسة .
(١) قال الحافظ: اختلفوا في كونها شرطاً في حل الأكل فذهب الشافعي وطائفة وهي رواية
عن مالك وأحمد: أنها سنّة فمن تركها عمداً أو سهواً لم يقدح في حِلّ الأكل، وذهب أحمد
في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة: إلى أنها واجبة لجعلها شرطاً في حديث عدي، وذهب
أبو حنيفة والثوري ومالك وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهياً لا عمداً، لكن
اختلف عن المالكية هل تحرم أو تكره؟ وعند الحنفية تحرم، وعند الشافعية في العمد ثلاثة
أوجه، أصحها يكره الأكل. انظر فتح الباري ٦٠١/٩.
٦٥٣

قال(١): وذلك في أول الإِسلام(٢).
قال محمد: وبهذا نأخذ. وهو قول أبي حنيفة إذا كان الذي
يأتي بها(٣) مسلماً أو من أهل الكتاب (٤)، فإن أتى بذلك مجوسي (٥)،
وذكر أن مسلماً ذبحه أو رجلاً من أهل الكتاب لم يُصدَّق(٦) ولم يُؤْكَلْ
بقوله .
(١) الضمير راجع إلى مالك كما صرح به في ((موطأ يحيى)). قال مالك:
وذلك في أول الإِسلام.
(٢) قوله: وذلك في أول الإِسلام، كأنه يشير إلى أنه لا يصح الاستدلال
بهذا الحديث على عدم وجوب التسمية عند الذبح، فإنه كان في أول الإِسلام قبل
نزول قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يُذكَر اسمُ الله عليه وإنه لفسق﴾(١) وقال
ابن عبد البر: هذا قول ضعيف لا دليل عليه ولا يُعرف وجهه، والحديث نفسه يردّه
لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل، فدل على أن الآية كانت قد نزلت، وأيضاً اتفقوا
على أن الآية مكّية، وأن هذا الحديث بالمدينة وأن المراد أهل باديتها. انتهى.
أقول: في الوجه الأول نظر فإن الآية لا تدل على التسمية عند الأكل بل على
التسمية عند الذبح فلا دلالة لسياق الحديث على ما ذكره، والحق أن سياق الحديث
لا يُثبت ما أثبتوه من عدم اشتراط التسمية بل اشتراطه كما ذكرنا.
(٣) أي باللحمان .
(٤) أي من اليهود والنصارى.
(٥) وكذا الوثني وغيره من الكفار غير أهل الكتاب.
(٦) قوله: لم يُصَدَّقْ، أي ذلك الكافر في قوله ولم يؤكل المذبوح بمجرد
قوله فإن قول الكافر غير مقبول في باب الدِّيانة والحلّ والحرمة .
(١) سورة الأنعام: الآية ١٢١.
٦٥٤

١٦ - (باب صيد الكلب المعلّم)
٦٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان
يقول: في الكلب(١) المعلّم: كُلْ ما أمْسَكَ عليك، إن قَتَل(٢)
أو لم يَقْتُلْ.
قال محمد: وبهذا نأخذ. كل ما قُتل وما لم يُقتل إذا ذَكَّيْتَه(٣)
ما لم يأكل منه، فإنْ أكل فلا تأكل (٤) فإنما أمسكه على نفسه.
وكذلك(٥) بلغنا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وهو قولُ
أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا رحمهم الله .
(١) قوله: في الكلب المعلّم، بصيغة المفعول من التعليم، وهو الذي
إذا زُجر انزجر، وإذا أُرسل أطاع، والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لكم
الطيبات وما علّمتم من الجوارح مكلِّبين تعلِّمونهنّ مما علّمكم الله فكُلُوا مما أمسكن
عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾(١).
(٢) لكن إذا لم يُقتل وأدركه صاحبه حيّاً يحتاج إلى التذكية.
(٣) متعلَّق بما إذا لم يقتل أي ذبحته.
(٤) قوله: فلا تأكل، وهو أصح قولي الشافعي لما في ((الصحيح)): وإن أكل
فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. ورخّص بعضهم في الأكل: منهم ابن عمر
وسلمان الفارسي وسعد، وبه قال مالك والشافعي في رواية. والمسألة مبسوطة
بتفاريعها ودلائلها في ((الهداية)) وشروحها.
(٥) قوله: كذلك بلغنا عن ابن عباس، فإنه قال: آية المعلّم من الكلاب أن
يُمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه. وقال أيضاً: إذا أكل الكلب فلا تأكل
فإنما أمسك على نفسه، أخرجهما ابن جرير، ذكره السيوطي في ((الدّرّ المنثور))،
ويوافقه من المرفوع حديث عديّ بن حاتم عند الأئمة الستة، وفيه قال النبي ◌َّ : =
(١) سورة المائدة: الآية ٤. ذكر شيخنا في الأوجز حول هذه الآية عدة أبحاث فارجع إليه. ١٥٥/٩.
٦٥٥

١٧ - (باب(١) العقيقة)
٦٥٨ - أخبرنا مالك، حدّثنا زيد بن أسلم،
= إن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه. ويخالفه حديث أبي ثعلبة الخشني عند
أبي داود والنسائي وابن ماجه قال رسول الله : إذا أرسلتَ كلبك المعلّم وذكرتَ
اسمَ الله عليه فكّل، قال: وإن أكل، قال: وإن أكل(١). وهو حديث معلول أعلّه
البيهقي، كذا ذكره الحافظ في ((التلخيص)).
(١) قوله: باب العقيقة(٢)، هي الذبيحة عن المولود يوم السابع، وقد
اختلف فيه، فعند مالك والشافعي هو سُنّة مشروعة، وقال أبو حنيفة: هي مباحة
ولا أقول: إنها مستحبة، وعن أحمد روايتان أشهرهما أنها سنة، والثانية أنها واجبة
واختارها بعض أصحابه. وهي عن الغلام شاتان، وعن الجارية واحدة، وقال مالك:
عن الغلام أيضاً شاة وهو في اليوم السابع بالاتفاق، ولا يُمَسّ رأس المولود
بدم العقيقة بالاتفاق. وقال الشافعي وأحمد: يستحبّ أن لا تُكسر عظام العقيقة،
بل يُطبخ أجزاؤها تفاؤلاً بسلامة المولود، كذا في «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة)).
وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على مشروعيتها واستحبابها. من ذلك
حديث عائشة: أمرنا رسول الله أن نعقّ عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة،
أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي واللفظ لابن ماجه. ومن ذلك حديث
سمرة مرفوعاً: الغلام مرتهن بعقيقة يُذبح عنه في اليوم السابع ويُحلَق رأسه ويسمَّى،
أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والبيهقي من حديث الحسن عن سَمُرة،
وصححه الترمذي والحاكم وعبد الحق. وفي رواية لهم: ويُدَمَّى. قال أبو داود: يُسَمَّى
أصح ويُدَمَّى غلط من همّام. ومن ذلك حديث أم كرز مرفوعاً: عن الغلام شاتان =
(١) قال الجمهور: إذا قتل الكلب وأكل منه فهو حرام، وبه قال الحنفية، وهو أصح قولي أحمد
وأصح قولي الشافعي، وعند مالك يجوز لحديث أبي ثعلبة. انظر هامش بذل المجهود
٩٨/١٣.
(٢) في العقيقة عشرة أبحاث لطيفة. انظر أوجز المسالك ٢٠٣/٩ - ٢٢٣.
٦٥٦

١
= وعن الجارية شاة، أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وابن حبان. وله
طرق عند الأربعة والبيهقي. ومن ذلك حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: كنّا في
الجاهلية إذا وُلد لأحد غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإِسلام كنّا
نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران، أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من
حديث عائشة. ومن ذلك حديث ابن عباس أن النبي ◌ّ﴿ عقّ عن الحسين والحسن
كبشاً كَبْشاً، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه عبد الحق وابن دقيق العيد، ورواه
البيهقي والحاكم وابن حبان من حديث عائشة بزيادة: اليوم السابع وسمّاهما، وأمر
أن يُماط عن رؤوسهما الأذى، وصححه ابن السكن بأتم من هذا، وفيه: وكان أهل
الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم
النبي ◌َ أن يجعلوا مكان الدم خلوقاً. ورواه أحمد والنسائي من حديث بريدة،
وسنده صحيح، والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني في
((المعجم الصغير)) من حديث قتادة عن أنس، والبيهقي من حديث فاطمة،
والترمذي والحاكم من حديث علي. هذا ملخص ما أورده الحافظ ابن حجر في
((التلخيص الحبير)): وقال تلميذه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السَّخاوي
المصري في كتابه ((ارتياح الأكباد بأرباح فَقَد الأولاد)» بعد ذكر حديث: الغلام
مرتهن بعقيقته: ذكر البيهقي عن سليمان بن شرحبيل نا يحيى بن حمزة قال: قلت
لعطاء الخراساني: ما مرتهن بعقيقته؟ فقال: يحرم شفاعة ولده. وكذا قال الإِمام
أحمد: إنه مرتهن عن الشفاعة لوالديه، واستحسنه الخطابي حيث قال: تكلّم
الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد أن هذا في الشفاعة يريد أنه إذا لم يعقّ
عنه فمات طفلاً لم يشفع في والديه. وقيل: معناه أنه مرتهن بشعره. انتهى. وفي
الباب أخبار وأحاديث أخر أيضاً مذكورة في مظانِّها وهي كلها تشهد بمشروعيته
العقيقة، بل بعضها يدل على الوجوب، وبه استدل من قال به، لكن أكثرها يدل على
خلافه، فإن لم يكن واجباً فلا أقلّ من أن يكون مستحبّاً بل سنة ولعلها لم تبلغ إمامنا
حيث قال: إنها مباحة وليست بمستحبة، ولعل لكلامه وجهاً لست أحصّله. وستطّلع =
٦٥٧

عن رجل (١) من بني ضَمْرة عن أبيه أنّ النبيّ وَّ سُئل عن العقيقة؟
قال: لا أحبّ (٢) العقوق، فكأنه (٣).
= على زيادة التفصيل عن قريب.
(١) قوله: عن رجل من بني ضمرة عن أبيه، قال ابن عبد البر: لا أعلمه
رُوي معنى الحديث عن النبي ◌َ﴾ إلا من هذا الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده، أخرجه أبو داود والنسائي. قال: وأصل العقيقة كما قال
الأصمعي وغيره: الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت الشاة
التي تذبح عنه عقيقة لأنه يُحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح، قال أبو عبيد: فهو من
تسمية الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه(١). قال ابن عبد البر: وفي هذا
الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول الله وَلا يحب الاسم
الحسن، قال: وكان الواجب بظاهر هذا الحديث أن يُقال الذبيحة المولود نسيكة،
ولا يقال عقيقة، لكني لا أعلم أحداً من العلماء مال إلى ذلك، ولا قال به وأظنّهم
تركوا العمل به لما صحّ عندهم في غيره من الأحاديث من لفظ العقيقة. انتهى.
كذا في ((تنوير الحوالك على موطأ مالك)) للسيوطي، وقال الزرقاني في ((شرحه)):
لعل مراد ابن عبد البر من العلماء: المجتهدون، وإلا فقد قال ابن أبي الدم عن
أصحابهم الشافعية يستحبّ تسميتها نسيكة أو ذبيحة، ويُكره تسميتها عقيقة كما يُكره
تسمية العشاء عَتَمة .
(٢) قوله: قال لا أحب العقوق، قال الخطّابي في ((شرح سنن أبي داود)):
وليس فيه توهين العقيقة ولا إسقاط لوجوبها، وإنما استُبشع الاسم، وأحب أن
يسمِّيَه بأحسن منه كالنسيكة والذبيحة. انتهى.
(٣) قوله: فكأنه ... إلخ، هذا قول بعض الرواة يعني أنه لم يرد بقوله
((لا أحب العقوق)) كراهة العقيقة بدليل أنه رغَّب إليه بقوله: من وُلد له ولد فأحب
أن يَنْسُك عن ولده فليفعل، بل إنما كره الاسم أي إطلاق لفظ العقيقة فإنه يُنبيء =
(١) شرح الزرقاني ٩٦/٣.
٦٥٨

إنما كره الاسم، وقال(١): من وُلد له ولدٌ فَأَحَبُّ(٢)
= عن العقوق، وهو مستعمل في العصيان وترك الإِحسان ومنه عقوق الوالدين. وهذا
كما كره النبي * تسمية العشاء بالعتمة وتسمية المدينة النبوية بيثرب، وحينئذ
فلا يمكن أن يَستَدل به أحد على نفي مشروعية النسيكة للمولود أو على نفي
استحبابها. أو على أنها كانت من عمل الجاهلية ثم نسخ، كيف وهناك أخبار كثيرة
قد مرّ نُبَذٌ منها تدل على مشروعيتها والترغيب إليها .
(١) أي النبي ◌َّ.
(٢) قوله: فأحب أن ينسك، استدل به جماعة من أصحابنا الحنفية منهم
صاحب ((البدائع)) وغيره على أن العقيقة ليست بسنة لأنه علق العقّ بالمشيئة، وهذا
أمارة الإِباحة وردّه علي القاري بقوله: لا يخفى أن المشيئة تنفي الفرضية دون
السنية. انتهى. وأقول: هذا الحديث نظير حديث ((من أراد منكم أن يضحّ
فلا يأخذن من أظفاره وشعره شيئاً حتى يضخِّ، أخرجه الجماعة إلا البخاري، وقد
استدل به الشافعية على عدم وجوب الأضحية بأنه علق الأضحية على الإِرادة
والمشيئة ولو كان واجباً لما فعل كذلك، وأجاب عنه أصحابنا منهم صاحب
((الهداية)) و((البناية)) وغيرهما بأنه ليس المراد به التخيير بين الترك والفعل، بل
القصد فكأنه قال: من قصد منكم أن يضحي، وهذا لا يدل على نفي الوجوب كما
في قوله: من أراد الصلاة فليتوضأ، وقوله: من أراد الجمعة فليغتسل، ولم يرد هناك
التخيير، فكذا هذا. إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول مثل ذلك في هذا الحديث بأنه
ليس المراد بقوله من أحب أو من شاء كما في بعض الكتب التخيير والتعليق على
المشيئة، بل المراد به القصد، وحينئذ فلا يكون له دلالة على نفي الوجوب أيضاً
فضلاً عن نفي السنية أو الاستحباب، وأيضاً لقائل أن يقول: ليس المراد بالحبّ
الحبّ الطبعي والمشيئة التخييرية، بل المراد به الحب الشرعي، فالمعنى من وُلد له
ولد فأحبّ أن ينسك عن ولده اتّباعاً للشريعة فليفعل، وحينئذ لا دلالة له على نفي
السنية، على أنه لو سلّمنا أنه دالّ على نفي السنية فليس له دلالة على نفي =
٦٥٩

= الاستحباب الشرعي بوجه من الوجوه، فإنه معلّق بالمشيئة البتة إذ لا حرج في تركه
فلا يثبت به الإِباحة المعرّاة عن الاستحباب، ومع عزل النظر عن ذلك كله نقول:
هذا الحديث إن دلّ على نفي الاستحباب والسنية دلّ عليه بإشارته، وغيره من
الأحاديث دلّ على الاستحباب بعبارته بل بعضها يدل على الوجوب والاستنان كما
مرّ ذكرها، ومن المعلوم أن العبارة مقدّمة على الإِشارة. ومن النصوص الدالة على
الاستحباب ما أخرجه الطبراني في ((معجمه الأوسط)) في ترجمة أحمد بن القاسم
من حديث عطاء عن ابن عباس أنه قال: سبع من السُّنّة في الصبي يوم السابع:
يسمَّى، ويُختتن، ويُماط عنه الأذى، ويُثقب أذنه، ويُعقّ عنه، ويُحلق رأسه،
ويلطّخ بدم عقيقته، ويُتَصَدّق بوزن شعره ذهباً أو فضة. فإن قلت: فيه رواد بن
جراح وهو ضعيف كما ذكر ابن حجر، قلت: لا بأس، فإن الضعيف يكفي في
فضائل الأعمال، فإن قلت كيف يقول: ويُماط عنه الأذى مع قوله يُلطّخ بدم؟ قلت:
لا إشكال فيه، فلعل إماطة الأذى يقع بعد التلطّخ، والواو لا يستلزم الترتيب قاله
الحافظ في ((التلخيص)): فإن قلت: ذكر في هذا الحديث التدمية؟ والجمهور على
منعها، قلت: قد ذُكر ذلك في بعض الأخبار المرفوعة أيضاً، ففي ((سنن أبي داود))
من طريق همام قال: نا قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب قال: قال
رسول الله 9: كل غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه يوم السابع ويُحلق رأسه ويُدمِّى.
فكان قتادة إذا سُئل عن الدم كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحت العقيقة أُخذت منها
صوفة واستقبلت به أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل
الخيط ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. قال أبو داود(١): هذا وهم من همام: ويُدمَّى.
ثم أخرج من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً: كل غلام رهينة
بعقيقته يُذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمَّى. ثم قال أبو داود: يسمَّى أصح، كذا
قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل وأشعث عن الحسن. انتهى كلامه . =
(١) بذل المجهود ٨٤/١٣.
٦٦٠

أن يَنْسُكَ(١) عن ولده فليفعل (٢).
٦٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر أنه
لم یکن(٣) يسأله أحد من أهله.
= وقد ردّ عليه الحافظ في ((التلخيص)) بقوله: قال أبو داود: يُدمَّى غلط من همام،
قلت: يدل على أنه ضبطها أنّ في رواية بهز عنه ذكرَ الأمرين التسمية والتدمية، وفيه
أنهم سألوا قتادة عن هيئة التدمية فذكرها لهم، فكيف يكون تحريفاً من التسمية،
وهو يضبط أنه سأله عن كيفية التدمية. انتهى. ولعل هذا هو منشأ ذكر ابن عباس
التدمية من جملة السنن، وإنما لم يأخذ الجمهور بهذا لما مرّ من حديث عبد الله بن
بريدة أنه كان من أعمال الجاهلية وترك ذلك في الإِسلام، ولرواية ابن ماجه من
حديث يزيد المزني أن رسول الله وَّر قال: يعق عن الغلام ولا يُمَسّ رأسه بدم.
(١) بضم السين أي يُذبح.
(٢) وفي رواية أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فلينسك عن
الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة.
(٣) قوله: إنه لم يكن يسأله ... إلخ، أي لم يكن يسأله أحد من أهل بيته ذبيحة
عقيقة ليذبح بها في يوم العقيقة إلا أعطاها إياه، وكان ابن عمر يعقّ عن وَلَّده
- بفتحتين أو بضم الأول - أي من أولاده الذكور والإناث بشاة شاة قياساً على
الأضحية واتباعاً لما روي أن النبي ولو ذبح عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وبه
قال مالك. وقال غيره: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. ثبت ذلك عن
رسول الله ◌َ ه بطرق عديدة قولاً كما مرّ ذكرها، واختلف في فعله فروي عنه في عقيقة
الحسنين الواحد، وروي الاثنان(١)، فالمرجح يكون هو التعدد للغلام ولهذا قال =
(١) أخرج النسائي من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: عق عن الحسن والحسين
بکیشین کیشین. الجوهر النقي ٢٢٣/٢، وفتح الباري ٥٩٠/٩.
٦٦١