Indexed OCR Text

Pages 581-600

٢٩ - (باب المرأة
يطلِّقها زوجها طلاقاً يملك الرجعة(١)
فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها)
٦٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن(٢)
محمد بن يحيى بن حبان: أنَّه(٣) كان(٤) عند جَدِّه امرأتان
(١) أي طلاقاً رجعياً.
(٣) قوله: عن محمد بن يحيى بن حَبّان، بفتح الحاء المهملة وتشديد
الموحدة، هو مدني ثقة فقيه، قال: كانت عند جَدِّي حبّان بن منقذ بذال معجمة،
الأنصاري المازني الصحابي، كذا قال الزرقاني .
(٣) ضمير الشان .
(٤) قوله: أنه كان عند جده ... إلخ، هذا الأثر في هذا الباب غير موافق
لما عنون به الباب، فإن المقصود في الباب ذكر حكم من ارتفع حيضها بعد حيضة
أو حيضتين، وفي هذه القصة زوجة حبان لم تكن آيسة ولا كان ارتفع حيضها بعد
حيضة أو حيضتين فإنها إن كانت آيسة فقد مضت عدتها بعد ثلاثة أشهر من وقت
الطلاق، فكيف يمكن أن يحكم بتوريثها من حبان، وكان موته عند رأس السنة من
وقت الطلاق، بل كانت هي مرضعة عند الطلاق، والمرضعة لا تحيض، فعدتها
كانت بالحيض، فما لم تحض لم تخرج من العدة، فلذلك ورثها عثمان. ويوضحه
ما أخرجه الشافعي عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن رجلاً من الأنصار يقال له
حبان بن منقد طلَّق امرأته، وهو صحيح، وهي تُرضع ابنته، فمكثت سبعة عشر
شهراً لا تحيض، يمنعها الرضاع أن تحيض، ثم مرض حبّان، فقلت له: إن المرأة
تريد أن ترث، فقال لأهله: احملوني إلى عثمان، فحملوه إليه، فذكر له شأن امرأته
وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، فقال لهما عثمان: ما تريان؟ فقالا: نرى
أنها ترثه إن مات، ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللاتي(١) قد يئسن من:
(١) في الأصل: ((التي))، وهو تحريف.
٥٨٢

هاشميةٌ(١) وأنصاريةٌ(٢) فطلَّق الأنصارية و(٣) هي تُرضع (٤)، وكانت لا
تحيض(٥) وهي تُرضع فمرَّ بها قريب من سنة، ثم هلك(٦) زوجها حبّان
عند رأس السنة، أو قريب من ذلك لم تحض، فقالت: أَنَّا أَرِثُه ما لم
أحض (٧)، فاختصموا(٨) إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه -
فقضی لها
= المحيض، وليست من الأبكار اللاتي(١) لم يبلغن المحيض، ثم هي على عدة حيضها
ما كان من قليل أو كثير، فرجع حبان إلى أهله وأخذ ابنته، فلما فقدت الرضاع
حاضت حيضة، ثم حاضت حيضة أخرى، ثم توفي حبان قبل أن تحيض الثالثة،
فاعتدت عدة المتوفّى عنها زوجها وورثته، كذا أورده السيوطي في ((الدر المنثور)).
ويمكن أن يقال المقصود في الباب ذكر حكم من تأخر أو ارتفع حيضها مطلقاً آيسة
كانت أو غير آيسة، وما ذكره في عنوان الباب ليس قيداً احترازياً.
(١) أي من قبيلة بني هاشم.
(٢) أي من قبيلة الأنصار.
(٣) الواو حالية.
(٤) حال آخر.
(٥) أي لأجل الرضاع.
(٦) أي مات.
(٧) لأنها لم تبلغ من الإِياس، فما دام لم تحض لم تنقض العدة(٢).
(٨) أي ورثة حبان معها.
(١) في الأصل: ((التي))، وهو تحريف.
(٢) قال الباجي: وذلك أن ارتفاع حيض المطلّقة يكون لسبب معروف أو غير معروف، فأما
ما كان بسبب معروف كالرضاع والمرض فإنها تؤخر للرضاع فإنها لا تعتدُّ إلَّ بالأقراء طال
الوقت أو قصر، وقد احتج القاضي أبو محمد في ذلك بالإجماع. المنتقى ٨٧/٤.
٥٨٣

بالميراث فلامت الهاشمية عثمان(١) فقال: هذا عملُ ابنٍ عمِّك (٢) هو
أشار (٣) علينا بذلك، يعني (٤) علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه .
٦١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط(٥)
ويحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال(٦) عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: أيّما امرأةٍ طُلَّقَتْ فحاضت حيضة أو حيضتين
ثم رُفِعَتْ(٧)
(١) في حكمه بالتوريث.
(٢) خطاب إلى الهاشمية .
(٣) أي أشار علينا بهذا الحكم ابنُ عمِّك علي، ولست أنا بمتفرِّد ومستقلّ
في هذا الرأي .
(٤) أي يريد عثمان بابن عمها علياً.
(٥) مصغراً.
(٦) قوله: قال عمر رضي الله عنه ... إلخ، في ((موطأ يحيى)) وشرحه قال
مالك: الأمر عندنا في المطلقة التي ترفع حيضتها أنها تنتظر تسعة أشهر، فإن
لم تحض فيهن اعتدَّت ثلاثة أشهر بعد التسعة فإن حاضت قبل أن تستكمل الأشهر
الثلاثة استقبلت الحيض لأنها صارت من ذوات القروء، فإن مرت بها تسعة أشهر
قبل أن تحيض حيضة ثانية اعتدَّت ثلاثة أشهر، فإن حاضت الثانية قبل أن تستكمل
أشهر الثلاثة استكملت عدَّة الحيض، وحلَّت، فإن لم تحض استكملت ثلاثة
أشهر. ولزوجها عليها في ذلك أي مدة الانتظار والاستقبال الرجعة قبل أن تحل
لبقاء عدتها إلاّ أن يكون قد بتَّ طلاقها. انتهى. وفيه خلاف لأصحابنا كما بيّنه
المصنف بإيراد روايتين من غير طريق مالك.
(٧) بصيغة المجهول.
٥٨٤

حيضتها فإنها تنتظر (١) تسعة أشهر (٢) فإن استبان بها حَملٌ فذلك(٣) وإلاّ
اعتدَّت (٤) بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلَّت(٥).
٦١١ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد (٦) عن
(١) لإِتيان الحيضة.
(٢) لأنه غالب وضع الحمل.
(٣) أي فلا تحلُّ إلَّ بوضع الحمل.
(٤) لما أنه علم حينئذٍ أنها آيسة.
(٥) أي خرجت من العدة(١).
(٦) ابن أبي سليمان.
(١) قال الباجي: التي تحيض في عدتها ثم ترفعها حيضتها تنتظر تسعة أشهر، وهو قول عامة
أصحابنا على الإطلاق غير ابن نافع فإنه قال: إن كانت ممن تحيض فحاضت حيضة
أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها فإنها تنتظر خمس سنين أقصى أمد الحمل، وإن كانت يائسة
من المحيض اعتدَّت بالسنة تسعة أشهر ثم ثلاثة أشهر، قال سحنون: وأصحابنا لا يفرقون
بينهما، وما قاله الجمهور أولى لأن التسعة أشهر هي أمد الحمل المعتاد، ثم قال: والمعتدة
من الطلاق على ضربين: حائض وغير حائض، وأما الحائض فهي التي قد رأت الحيض
ولو مرة في عمرها ثم لم تبلغ سنة الإِياس منها. فهذه إذا طلقت فحكمها أن تعتد بالأقراء،
فإن لم ترَ حيضاً انتظرت تسعة أشهر، وهذا مذهب عمر رضي الله عنه، وبه قال ابن عباس
والحسن البصري، وقال أبو حنيفة والشافعي: تنتظر الحيض أبداً، والدليل على ما نقوله أن
هذا إجماع الصحابة لأنه روي عن عمر - رضي الله عنه - وابن عباس وليس في الصحابة
مخالف. المنتقى للباجي ١٠٨/٤.
ويقول مالك قال أحمد وقال الشافعي في الجديد: تكون في عدة أبداً حتى تحيض أو تبلغَ
سن الإِياس فتعتد حينئذٍ بثلاثة أشهر، ومذهب أبي حنيفة في ذلك موافق لجديد قول
الشافعي. انظر الأوجز ٢٠٨/١٠.
٥٨٥

إبراهيم(١): أن علقمة بن قيس طَلَّقَ امرأته طلاقاً يملك الرجعة
فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها عنها ثمانية(٢) عشر
شهراً، ثم ماتت (٣) فسأل علقمةُ عبدَ الله بن مسعود عن ذلك، فقال:
هذه امرأة حبس (٤) اللَّهُ عليك ميراثها فَكُلْه.
٦١٢ - أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن
الشعبي (٥): أن علقمة بن قيس سأل ابن عمر(٦) عن ذلك (٧) فأمره
بأكل (٨) ميراثها .
قال محمدُ: فهذا(٩) أكثر (١٠) من تسعة أشهر وثلاثة أشهر بعدها،
(١) ابن يزيد النخعي.
(٢) قوله: ثمانية عشر شهراً، أخرجه البيهقي أيضاً عن علقمة بسند
صحيح، وقال فيه: سبعة عشر شهراً أو ثمانية، ذكره ابن حجر في ((التلخيص)).
(٣) أي المرأة قبل أن تكمل العدة بالحيضة.
(٤) أي أوقفه لك بتطويل العدة.
(٥) اسمه عامر.
(٦) في بعض النسخ: ابن معمر.
(٧) أي عن حكم ما تقدم.
(٨) في نسخة: بأكله.
(٩) أي العدد المذكور في قصة علقمة.
(١٠) قوله: أكثر، يشير به إلى معارضة فتوى عمر بفتوى ابن مسعود
وابن عمر، فإن عمر أفتى في مثل ذلك بأنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تعتدُّ بثلاثة أشهر
وابن مسعود أفتى بعدم انقضاء العدة، وإن مضت ثمانية عشر شهراً من وقت الطلاق =
٥٨٦

فبهذا(١) نأخذُ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، لأن (٢) العدة
= ما لم تحض، وذلك لأنها ليست بآيسة بل ارتفع حيضها بالرضاع أو غيره، فلا تخرج
من العدة ما لم تحض.
(١) أي بقول ابن مسعود.
(٢) قوله: لأن العدة ... إلخ، توجيه لترجيح فتوى ابن مسعود، وحاصله أن
العدة المذكورة في كتاب الله على أربعة أوجه لأربعة أقسام، أحدها: العدة للحامل
سواء كانت مطلقة أو متوفّى عنها زوجها، وهي وضع الحمل في قوله تعالى :
﴿وأولاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أنْ يضعنَ حملَهنَّ﴾(١) وثانيها: العدة للآيسة التي أيست
لِكَبِّرِها فارتفع حيضها. وثالثها: العدة للصغيرة التي لم تبلغ مبلغ الحيض، وهي
ثلاثة أشهر، في قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتُم
فعدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر واللائي لم يحضن﴾(٢). ورابعها: العدة للمطلقة التي تحيض
وهي ثلاثة قروء في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (٣).
وهذه كلها للمطلقة. ووجه خامس: وهو عدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل في
قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفُّوْن منكم ويذرون أزواجاً يتربَّصْنَ بأنفسهن أربعة أشهر
وعشراً﴾ (٤). وهذا الذي أفتى به عمر في المطلّقة التي ارتفع حيضها بعد حيضة
أو حيضتين من الانتظار إلى تسعة أشهر، ثم الاعتداد ثلاثة أشهر ليس بعدَّة الحائض
ولا غيرها، فالقول ما قال ابن مسعود (٥).
(١) سورة الطلاق: الآية ٤.
(٢) سورة الطلاق: الآية ٤.
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.
(٤) سورة البقرة: الآية ٢٤٠ .
(٥) قال البيهقي: رجع الشافعي في ((الجديد)) إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه، وحمل كلام
عمر على كلام عبد الله، فقال: قد يحتمل قول عمر رضي الله عنه، أن يكون في المرأة
قد بلغت السن التي من بلغها من نسائها يئسن من المحيض، فلا يكون مخالفاً لقول
ابن مسعود - رضي الله عنه - وذلك وجه عندنا. انظر: أوجز المسالك ٢٠٨/١٠.
٥٨٧

في كتاب الله عزَّ وجلّ على أربعة أوجهٍ لا خامس لها(١): للحامل (٢)
حتى تضع، والتي لم (٣) تبلغ الحيضة ثلاثة أشهر، والتي (٤) قد يئست
من المحيض ثلاثة أشهر، والتي تحيض ثلاث حيض، فهذا الذي
ذكرتُم (٥) ليس بعدَّة الحائض ولا غيرها.
٣٠ - (باب عدة المستحاضة(٦))
٦١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن سعيد بن
المسيّب قال: عِدَّة المستحاضة سنة (٧).
۔۔
(١) في نسخة: لهنَّ.
(٢) قوله: للحامل حتى تضع، سواء كانت مطلَّقة أو متوفّى عنها زوجها.
(٣) قوله: التي لم تبلغ الحيضة، إما لصِغَرها أو لبلوغها بالسن، فإنها إذا
بلغت بالسن بخمس عشرة سنة فعدَّتها أيضاً بالشهور.
(٤) قوله: والتي قد يئست، أي لكبرها. واختلف في سن الإِياس، فقال
محمد في الروميات خمس وخمسون سنة، وفي المولدات ستون سنة، وعن
أبي حنيفة من خمس وخمسين إلى ستين، وقال الزعفراني: خمسون سنة، وبه قال
سفيان الثوري وابن المبارك، وقيل: سبعون سنة، وقيل غير مقدَّر بشيء، بل هو
مختلف بحسب اختلاف البلاد والأوقات، كذا في ((البناية)).
(٥) من الاعتداد ثلاثة أشهر بعد انتظار تسعة أشهر.
(٦) قوله: المستحاضة، التي ترى الدم أكثر من أكثر الحيض أو أكثر من
النفاس أو أقلّ من أقل الحيض.
(٧) قوله: سنة، به قال مالك في رواية، وفي أخرى أنَّه إن لم تُميِّز بين =
٥٨٨

قال محمدٌ: المعروف عندنا أن عدَّتها على أقرائها(١) التي كانت
تجلس فيما مضى، وكذلك قال إبراهيم النخعي وغيره من الفقهاء، وبه
نأخذ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، ألا ترى (٢) أنها تترك
الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس لأنها فيهنَّ حائض؟ فكذلك تعتدُّ
بهن، فإذا مضت ثلاثة قروء منهنّ(٣) بانت إن كان ذلك أقلُّ من سنة
أو أكثر.
٣١ - (باب الرَّضاع (٤)
٦١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان
= الدمين فسنة. وإن ميّزت فبالأقراء، ذكره الزرقاني(١).
(١) قوله: أقرائها، بالفتح أي أيام حيضها التي كانت اعتادت الحيض فيها
قبل أن تبتلى بالاستحاضة(٢).
(٢) تأييد لكون العدَّة بالأيام المعتادة.
(٣) أي من تلك الأيام.
(٤) قوله: باب الرضاع، بفتح الراء وكسرها لغة، وقال القاضي عياض : =
(١) ٢١٢/٣.
(٢) قال الموفق: في عدة المستحاضة لا تخلو إما أن يكون لها حيض محكوم به بعادة أو تمييز
أو لا تكون؟ فإن كان لها حيض محكوم به بذلك فحكمها فيه حكم غير المستحاضة إذا
مرّت لها ثلاثة قروء فقد انقضت عدتها، قال أحمد: المستحاضة تعتدُّ أيامٍ أقرائها التي
كانت تعرف وإن علمت أن لها في كل شهر حيضة ولم تعلم موضعها فعدتها ثلاثة أشهر،
وإن شكَّت في شيء تربصت حتى تستيقن أن القروء الثلاث قد انقضت، وإن كانت مبتدأة
لا تمييز لها أو ناسية لا تعرف لها وقتاً ولا تمييزاً فعن أحمد فيها روايتان إحداهما: أن
عدتها ثلاثة شهور، والرواية الثانية: تعتدُّ سنة لا تدري ما رفعها وهو قول مالك
وإسحاق. اهـ. انظر المغني ٤٦٧/٧ .
٥٨٩

يقول: لا رضاعة إلَّ لمن أُرْضِعَ (١) في الصِّغَر(٢).
٦١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر(٣)، عن
عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله وَلو كان عندها،
وإنها سمعت رجلاً يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلتُ(٤):
= الرضاع والرضاعة بفتح الراء وكسرها فيهما، وأنكر الأصمعيّ الكسر في الرضاعة،
وهو مصُّ الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص وهو يفيد التحريم قليلاً كان
أو كثيراً إذا حصل في مدة الرضاع، كذا روي عن علي وابن مسعود وابن عمر
وابن عباس، وبه قال الحسن البصري وسعيد بن المسيب وطاوس وعطاء ومكحول
والزهري وقتادة وعمرو بن دينار والحكم وحماد والأوزاعي والثوري وابن المبارك
والليث بن سعد ومجاهد والشعبي والنخعي، وقال ابن المنذر: هو قول أكثر
الفقهاء، وقال النووي: هو قول جمهور العلماء وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد
في رواية، وقال الشافعي: لا يثبت التحريم إلَّ بخمس رضعات، وبه قال أحمد في
رواية وإسحاق، وعن أحمد ثلاث، ومدة الرضاع ثلاثون شهراً عند أبي حنيفة، وقال
أبو يوسف ومحمد: سنتان، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال: زفر ثلاث سنين(١)،
كذا في «البناية)).
(١) بصيغة المجهول.
(٢) أي لا يثبت الرضاعة في الكِبر حكمها.
(٣) ابن محمد بن عمرو بن حزم.
(٤) كأنها استبعدت استئذان الأجنبي في بيت حفصة، فأخبرت مريدةً
الاطّلاعَ على حقيقة الأمر.
(١) بسط في البذل ٤٢/١٠ في تقدير المدة التي يقتضي الرضاع فيه التحريم تسعة مذاهب
للعلماء فارجع إليه لو شئت التفصيل.
٥٩٠

1
يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك(١)، قال رسول الله وَلاين :
أُراه (٢) فلاناً لعمِّ(٣) لحفصة من الرضاعة، قالت (٤) عائشة: يارسول الله
لو كان عمِّي فلان من الرضاعة حيّاً دخل عليَّ؟ قال(٥): نعم(٦).
(١) الذي فيه حفصة.
(٢) أي أظنه .
(٣) قوله: لعمٌّ لحفصة، تفسير لفلاناً، وكان النبي و## سماه أو ذكره بما
تعرفه، ولم تذكر عائشة اسمه، ولا ما يعرف به في روايتها، وقال الحافظ ابن حجر
في ((الفتح))(١) و((مقدمته)): لم أقف على اسم عمِّ حفصة المذكور في هذه الرواية،
وكذا على اسم عم عائشة المذكور في قوله: لو كان عمي فلاناً حياً، ووهم من
فسره بأخي أبي القعيس والد عائشة من الرضاعة، فإنَّ أفلح وإن كان عمَّها من
الرضاعة لكنه عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فامتنعت، فأمرها رسول الله وَالقر أن
تأذن له، والمذكور ههنا عمُّها أخو أبيها أبي بكر من الرضاعة أرضعتهما امرأة
واحدة، ويحتمل أنها ظنت أنه مات لُبُعْد عهدها به، ثم قدم بعد ذلك فاستأذن .
(٤) كأنها أرادت استكشاف أن هذا الحكم خاصّ بعمِّ حفصة أم عامٌ.
(٥) قوله: قال: نعم، زاد في ((موطأ يحيى)) بعده: إن الرضاعة تحرِّم
ما تحرِّم الولادة، وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق
مالك. وفي رواية للبخاري ومسلم والنسائي عن عائشة، وأحمد ومسلم والنسائي
والبخاري عن ابن عباس، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ذكره القاري .
(٦) أي كان يجوز أن يدخل عليك(٢).
(١) فتح الباري ١٤١/٩.
(٢) في رواية يحيى زيادة: ((إن الرضاعة تُحرّم ما تحرّم الولادة))، فإذا أرضعت المرأة رضيعاً
يحرم على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم على ولدها من النسب،
٥٩١

٦١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن(١)
سليمان بن يسار، عن عائشة: أن رسول الله وض 8* قال: يحرِّم من
الرضاعة ما يُحرِّم من الولادة(٢).
٦١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه(٣)، عن عائشة أنَّه كان يَدْخُلُ عليها (٤) من أرضعته أخواتُها وبناتُ
أخيها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء(٥) إخوتها.
(١) قوله: عن سليمان، في ((موطأ يحيى)): عن سليمان بن يسار، وعن
عروة بن الزبير، عن عائشة، قال ابن عبد البر: هذا خطأ من يحيى: أي زيادة
الواو، ولم يتابعه أحد من رواة الموطأ عليه، والحديث محفوظ في ((الموطأ)) وغيره
عن سليمان، عن عروة، عن عائشة .
(٢) أي مثل ما يحرم من النسب.
(٣) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
(٤) أي في بيتها من غير حجاب.
(٥) قوله: نساء إخوتها، لأن المرضع إنما هو المرأة دون الرجل فلا يحرم
عند جماعة كابن عمر وجابر وجماعة من التابعين وداود وابن(١) علية، كما حكاه ابن
عبد البر وقال: حجتهم أنّ عائشة كانت تفتي بخلاف ما روي من قصة أفلح وهو
ما روى مالك وغيره أن عمَّها أفلح أخا أبي القعيس والدها من الرضاعة جاء يستأذن
عليها بعد ما أُنزل الحجاب، فأبت عائشة أن تأذن له، فأمرها رسول الله وَ ر أن تأذن =
ولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع ولا على أخيه، ولا يحرم عليك أم أختك من الرضاع
إذا لم تكن أمك ولا زوجة أبيك. ويتصوَّر هذا في الرضاع ولا يتصور في النسب. أوجز
المسالك ٢٩٦/١٠.
(١) في الأصل: داود بن علية، سقط الواو بين داود وبين ابن.
٥٩٢

٦١٨ - أخبرنا مالك، أخبرني الزهري، عن عمرو (١) بن
الشَّريد: أن ابن عباس سُئل عن رجل كانت له امرأتان(٢)، فأرضعت
إحداهما غلاماً، والأخرى جارية، فسُئل هل يتزوج الغلام الجارية؟
قال: لا، اللَّقاح(٣) واحد.
= له، فقالت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل، فقال: تربت يمينك يحرم
من الرضاعة ما يحرم من النسب. ومن المعلوم أن العبرة عند قوم برأي الصحابي
إذا خالف مرويَّه. قال ابن عبد البر: ولا حجة لهم في ذلك لأن لها أن تأذن لمن
شاءت من محارمها وتحجب ممن شاءت، ولكن لم يعلم أنها حجبت عمن ذُكر إلاّ
بخبر واحد كما علِمنا المرفوع بخبر واحد، فوجب علينا العمل بالسنّة إذ لا يضر من
خالفها. انتهى. وقد نسب المازري إلى عائشة القول بأن لبن الفحل لا يحرّم.
واستبعده بعضهم مع مشافهة النبي و 18 إياها في حديث أفلح بأنه يحرّم، وقيل:
الإِسناد إليها صحيح، وكثيراً ما يخالف الصحابيُّ مرويَّه لدليلٍ قام عنده، فيحتمل
أنها فهمت أن ترخيصه لها في أفلح لا يقتضي تعميم الحكم في كل ذكر، كذا في
شرح الزرقاني (١). وبه يظهر خطأ القاري حيث كتب تحت قوله نساء إخوتها أي إذا
كان لبنُهنَّ من غير إخوتها.
(١) قوله: عن عَمرو، بفتح العين بن الشَّريد - بفتح المعجمة - الثقفي
الطائفي، من ثقات التابعين، قاله الزرقاني وغيره.
(٢) وفي رواية: جاريتان.
(٣) قوله: اللّقاح واحد، بفتح اللام أي ماء الفحل يعني أن سبب العلوق
واحد، كذا قال ابن الأثير في ((النهاية))، وفيه إخبار بأن لبن الفحل يُحَرِّم، وبه قال
جمهور الصحابة ومن بعدهم، وبه قال أبو حنيفة وتابعوه والأوزاعي وابن جريج =
(١) انظر شرح الزرقاني ٢٤٢/٣؛ والأوجز ٣٠٤/١٠.
٥٩٣

٦١٩ - أخبرنا مالك(١)، أخبرنا إبراهيم(٢) بن عُقبة(٣): أنه
سأل سعيد بن المسيَّب عن الرضاعة؟ فقال: ما كان في الحَوْلين (٤)
وإن (٥) كانت مصَّة(٦) واحدة فهي تحرِّم (٧) وما كان بعد الحولين
فإنما (٨) طعام يأكله .
= ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وحجتهم حديث عائشة في قصة أفلح
أخي أبي القعيس، وحُكي خلافه عن ابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وزينب
بنت أم سلمة، ونقله ابن بطال عن عائشة، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم
وسليمان بن يسار وإبراهيم النخعي وأبو قلابة وإياس بن معاوية وغيرهم، ولا يخفى
على ذوي العقول أن القول ما قال الرسول # والبحث مبسوط في شرح ((مسند
الإِمام)) (١) لبعض الأعلام.
(١) وفي بعض النسخ: أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن إبراهيم بن
عقبة .
(٢) قال في ((الإِسعاف)): وثقه أحمد ويحيى والنسائي.
(٣) بضم العين، المدني.
(٤) هو مدة الرضاع.
(٥) في نسخة: ولو.
(٦) أي وإن كانت قطرة واحدة دخلت في جوف الطفل بمصة واحدة.
وقوله: مصة، في نسخة: قطرة المصَّة بفتح الميم وتشديد الصاد.
(٧) من التحريم.
(٨) قوله: فإنما هو طعام يأكله، أي هو في حكم الغذاء لا يحرّم شيئاً، =
(١) هو كتاب ((تنسيق النظام في مسند الإمام)) للعلامة محمد حسن السنبهلي ص ١٤٢ .
٥٩٤

٦٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل عن
عُروة بن الزبير فقال له مثل(١) ما قال سعيد بن المسيَّب.
٦٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثَور(٢) بن زيد: أن ابن عباس
كان يقول: ما كان في الحولين وإن كانت مصَّة واحدة فهي تحرّم .
٦٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر، أن
سالم بن عبد الله أخبره: أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
= ولا يثبت حكم الرضاعة، فلا يكون رضاعة الكبير مفيدة بشيء، ويؤيده من الأخبار
حديث: ((لا رضاع إلّ ما أنبت اللحم وأنشز العظم)). أخرجه أبو داود من حديث
أبي موسى الهلالي عن أبيه، عن ابن مسعود، وأخرجه البيهقي من وجه آخر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الزهري قال: سُئل ابن عمر
وابن عباس عن الرضاع بعد الحولين فقرأ: ﴿والوالداتُ يُرضعن أولادهن ... ﴾(١)
ولا نرى رضاعاً يحرم بعد الحولين شيئاً. وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى
قال: سمعت ابن عباس يقول: لا رضاع إلاّ في هذين الحولين، وأخرج الترمذي
وصححه عن أم سلمة قال رسول الله والقهر: لا يحرم من الرضاع إلّ ما فتق الأمعاء
وكان قبل الفطام. وأخرج ابن عدي والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعاً:
لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان في الحولين، وأخرج الطيالسي والبيهقي عن جابر
مرفوعاً: لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام. وأخرجه الطبراني في معجمه
وعبد الرزاق عن علي مرفوعاً مثله، كذا ذكره الزيلعي والسيوطي.
(١) من أن ما كان في الحولين يحرم وما لا فلا.
(٢) قوله: ثور بن زيد، الديلي مولاهم، المدني، وثقه ابن معين وأبو زرعة
والنسائي، مات سنة ١٣٥، كذا في ((الإِسعاف)).
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.
٥٩٥

أرسلت(١) به وهو يُرضَعُ إلى أختها أُمِّ كُلثوم(٢) بنت أبي بكر، فقالت:
أرضعيه عشر(٣) رضعات حتى يدخل عليَّ، فأرضعتني أُم كُلثوم بنت
أبي بكر ثلاث رضعات، ثم مَرِضَتْ، فلم ترضعني غير ثلاث
مِرار(٤)،
(١) قوله: أرسلت به، أي أرسلت بسالم بن عبد الله بن عمر، والحال أنه
كان يُرِضَعُ بصيغة المجهول أي كان صغيراً يُرضَع إلى أختها لترضعه، فيكون لها
محرماً، فيدخل عليها بعد البلوغ أيضاً.
(٢) قوله: أم كلثوم، بضم الكاف، تابعية، مات أبوها أبو بكر رضي الله عنه
وهي حمل، فوُضعت بعد وفاته، وقد أرسلت حديثاً فذكرها بسببه ابن منده وابن
السكن في الصحابة فوهِمًا، كذا قال الزرقاني.
(٣) قوله: عشر رضعات، قال السيوطي في ((التنوير)) (١): هذه خصوصية
لأزواج النبي و لو خاصة دون سائر النساء، قال عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر
أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: كان لأزواج النبي وَلّ رضعات معلومات وليس
لسائر النساء رضعات معلومات، ثم ذكر حديث عائشة هذا، وحديث حفصة الذي
بعده وحينئذٍ فلا يُحتاج إلى تأويل الباجي. وقوله: لعله لم يظهر لعائشة نسخ العشر
بالخمس إلَّ بعد هذه القصة. انتهى. قال الزرقاني: وبه يرد إشارة ابن عبد البر إلى
شذوذ رواية نافع هذه بأن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم عروة
والقاسم وعمرة رووا عنها خمس رضعات، فوهم من روى عنها عشر رضعات لأنه
صحَّ عنها أن الخمس نسخن العشر، ومحال أن تعمل بالمنسوخ، كذا قال، وهذا
سهوً لأن نافعاً قال: إن سالماً أخبره عن عائشة، وكل منهما ثقة حجة حافظ وقد
أمكن الجمع بأنها خصوصية للزوجات الشريفة، كما قاله طاوس.
(٤) في نسخة: مرات.
(١) ٤٣/٢.
٥٩٦

فلم أكن أدخل(١) على عائشة من أجل أنَّ أُمَّ كلثوم لم تُتَمَّ (٢) لي عشر
رضعات .
٦٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن صفيَّة(٣) ابنة
أبي عُبيد: أنها أخبرته أن حفصة أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد
إلى فاطمة بنت عمر (٤) ترضعه عشر رضعات ليدخل(٥) عليها،
ففعلت(٦)، فكان يَدْخل (٧) عليها وهو (٨) يوم أرضعتْه صغير يُرضَع(٩).
٦٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة،
عن عائشة قالت(١٠): كان فيما أنزل الله تعالى من القرآن: عشر رضعات
معلومات يُحرِّمْنَ، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتُوفي رسول الله وَلّم
وهنَّ مما يُقرأ من القرآن.
(١) أي من غير حجاب.
(٢) حتى أكون محرماً لها.
(٣) زوجة مولاه ابن عمر.
(٤) ابن الخطاب.
(٥) أي إذا بلغ.
(٦) أي أرضعته فاطمة عشر رضعات.
(٧) أي على حفصة بعد بلوغه.
(٨) أي كان عاصم حين أرضعته فاطمة صغيراً يُرضّع.
(٩) معروف من الرضاعة أو مجهول من الإِرضاع.
(١٠) قوله: قالت كان ... إلخ، أي كان سابقاً في القرآن هذه الآية: ﴿عشر
رضعات معلومات يُحرّمن﴾ بضم الياء وتشديد الراء المكسورة متلوّة، ثم نُسخن =
٥٩٧

٦٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: جاء
رجل (١) إلى عبد الله بن عمر، وأنا معه(٢) عند دار القضاء، يسأله عن
= تلك العشرة بخمس معلومات، ونزلت خمس رضعات معلومات يُحرّمن، فتوفي
رسول الله و * وآية الخمس تُتلى في القرآن يعني أن العشر نسخت بخمس ، وتأخر
نسخ الخمس حتى توفي رسول الله وَلقر. وبعض الناس لم يبلغه نسخه فصار يتلوه
قرآناً، فالعشر على قولها منسوخة التلاوة والحكم، والخمس منسوخة التلاوة فقط
كآية الرجم، قال ابن عبد البر: به تمسّك الشافعي في قوله: لا يقع التحريم إلاّ
بخمس رضعات تصل إلى الجوف. وأُجيب عنه بأنه لم يثبت قرآناً وهي قد أضافته
إلى القرآن، واختلف العمل عنها فليس بسنَّة ولا قرآن، وقال المازري: لا حجة فيه
لأنه لم يثبت إلاّ من طريقها، والقرآن لا يثبت بالآحاد، ولهذا لم يأخذ به الجمهور من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كذا في ((شرح الزرقاني)). وذكر ابن الهُمام وغيره
ما حاصله: أنه لا يخلو إما أن يُقال بنسخ الخمس أيضاً أو لا؟ على الثاني يلزم
ذهاب شيء من القرآن لم يثبته الصحابة ولا يثبت بقول عائشة وحدها كونه من
القرآن، وعلى الأول فلما ثبت نسخ التلاوة فبقاء حكمه بعده يحتاج إلى دليل، وإلاّ
فالأصل أنَّ النسخ الأول(١) يرفعه. وأما ثبوت رجم الزاني مع كون آية منسوخة
التلاوة فبإجماع الصحابة، وههنا لا إجماع من الصحابة، بل كثير من الصحابة أفتوا
بالتحريم بمصَّة واحدة، ويؤيده إطلاق قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي
أرضعنکم﴾(٢).
(١) قال الزرقاني: لم يسمَّ (١).
(٢) قوله: وأنا معه، أي مع عبد الله بن عمر عند دار القضاء بالمدينة، وهي =
(١) في الأصل نسخ الدال، والظاهر ما أثبتناه.
(٢) سورة النساء: الآية ٢٣.
(١) قال الباجي: هو أبو عبس عبد الرحمن بن جبير الأنصاري، سأل ابن عمر عن رضاعة
الكبير فأخبره ابن عمر بما عنده في ذلك عن أبيه، قلت: أبو عيسى رجل من أكابر الصحابة =
٥٩٨

رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاء (١) رجل إلى عمر بن
الخطاب، فقال: كانت لي وليدة(٢) فكنت أصيبها(٣)، فعمدَتْ (٤)
امرأتي إليها، فأرضعتْها، فدخلت عليها(٥)، فقالت امرأتي: دونك(٦):
والله قد أرضعتها، قال عمر رضي الله عنه: أوجِعْهَا(٧) وائتٍ
جاريتَك (٨) فإنما الرضاعة رضاعة الصغير (٩).
= دار كانت لعمر بن الخطاب، فلما استشهد كان عليه دَيْن فبيعت لقضاء دَيْنه فسميت
دار القضاء، قاله ابن الصلاح، كذا قاله القاري .
(١) قوله: جاء رجل، قال ابن عبد البر: الرجل هو أبو عبس بن جبير
الأنصاري ثم الحارثي البدري.
(٢) أي أمة .
(٣) أي أجامعها .
(٤) أي توجهت امرأتي إليها وقصدت أن تُحرّمَ عليَّ فأرضعتها.
(٥) أي على امرأتي أو على الأمة.
(٦) أي خذ حذرك منها، فإنها حرمت عليك.
(٧) أي أدِّب امرأتك.
(٨) أي يحلُّ لك أن تجامع الجارية.
(٩) يعني رضاعة الكبير لا تُحَرِّم.
شهد بدراً وما بعدها، توفي سنة ٣٤هـ عن سبعين سنة، كما في ((التقريب))، ولم يذكروا
ابن عمر رضي الله عنه في مشايخه، وفسَّر الزرقاني ٢٤٦/٣ حكاية عن أبي عمر الرجل
السائل عن عمر بذلك. أوجز المسالك ٣١٤/١٠.
٥٩٩

٦٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، وسئل عن رضاعة
الكبير؟ فقال: أخبرني (١) عُروة بن الزبير أن(٢) أبا حُذيفة بن عُتبة بن
ربيعة كان من أصحاب رسول الله ﴿ ل﴿ شهد بدراً(٣) وكان تَبَنَّى (٤)
سالماً(٥) الذي يُقال له مولى أبي حُذيفة ..
(١) قوله: أخبرني عروة، قال ابن عبد البر: هذا حديث يدخل في المسند
أي الموصول للقاء عروة عائشةً وسائر أزواجه ◌َّر، وللقائه سهلة بنت سهيل، وقد
وصله جماعة، منهم معمر وعقيل ويونس وابن جرير عن ابن شهاب عن عروة عن
عائشة بمعناه، ورواه عثمان بن عمر وعبد الرزاق كلاهما عن مالك عن ابن شهاب
عن عروة عن عائشة(١).
(٢) قوله: أن أبا حذيفة، هو أبو حذيفة بضم الحاء ابن عُتبة بضم العين
ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، اسمه هاشم، وقيل: هُشم بضم
الهاء، كان من فضلاء الصحابة، هاجر الهجرتين وشهد بدراً وأحداً والخندق
والحديبية والمشاهد كلها، وقُتل يوم اليمامة شهيداً في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
وزوجته سهلة بفتح السين بنت سهل بن عمرو القرشية العامرية، وَلَدَت لأبي حذيفة
محمد بن أبي حذيفة، وولدت الشماخ بن سعيد بكير بن شماخ، وولدت
لعبد الرحمن بن عوف سالم بن عبد الرحمن، كذا في ((الاستيعاب)).
(٣) أي حضر غزوة بدر وغيرها.
(٤) أي جعله متبنّى.
(٥) قوله: سالماً، قال البخاري: كان مولى امرأة من الأنصار، قال
ابن حبان: يقال لها ليلى ويقال ثُبَيْتة بضم الثاء وفتح الباء وسكون الياء بنت يعار =
(١) قال الحافظ بعدما بسط الكلام على طرق الرواية: لكنه عند أكثر الرواة عن مالك مرسل.
انظر: أوجز المسالك ٣٠٨/١٠.
٦٠٠

كما كان تبنَّى (١) رسولُ الله زيدَ(٢) بن حارثة،
: بفتح التحتية ابن زيد بن عبيد، وكانت امرأة أبي حذيفة بن عتبة، وبهذا جزم
ابن سعد وقيل: اسمها سلمى، وقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو
سالم بن معقل مولى فاطمة بنت يعار الأنصارية أعتقته سائبة فوالى أبا حذيفة فتبنّاه
أي اتخذه ابناً وكان مع أبي حذيفة في معركة اليمامة وكان معه لواء المهاجرين
وقاتل إلى أن صُرع، فقال: ما فعل أبو حذيفة؟ فقيل: قُتل، فقال: فأضْجِعوني
بجنبه(١)، فمات فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثبيتة، فقالت: إنما أعتقته سائبة.
فجعله في بيت المال، رواه ابن المبارك، كذا في شرح الزرقاني(٢).
(١) أي أخذ ابناً.
(٢) قوله: زيد بن حارثة، هو أبو أسامة زيد بن حارثة بن شرحبيل بن
كعب بن عبد العزى القرشي نسباً الهاشمي ولاءً، مولى رسول الله وَله وحِبّه
وأبو حِبِّه، كان أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم بنو القين، فأخذوا زيداً،
وقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة فوهبته للنبي وَّر وهو
ابن ثمان سنين، فأعتقه وتبنّاه، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ماكنا ندعوه إلا
زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾(٣) وهاجر إلى المدينة
وشهد بدراً والخندق والحديبية وغيرها، ولم يذكر الله في القرآن من أصحاب
النبي ◌َ له وغيره من الأنبياء إلا زيداً بقوله: ﴿فلما قضى زيدٌ منها وطراً﴾ (٤) الآية،
استشهد في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة، كذا في ((تهذيب الأسماء واللغات))
للنووي .
(١) في الأصل بجنبي، وهو تحريف.
(٢) ٢٤٤/٣ .
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥.
(٤) سورة الأحزاب: الآية ٣٧.
٦٠١