Indexed OCR Text

Pages 561-580

ثلاثةِ أيّامٍ كوامل (١) بسيرِ الإِبِلِ ومَشْيِ الأقدام، فإذا أراد ذلك قصرَ
الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت(٢) خَلَفَ ظَهْره، وهو
قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
٥٧ _ (بابُ المسافرِ
يدخل المِصْرَ أو غيرَه متى يُتِمّ الصلاةَ)
١٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سالِمِ بنِ
عبد اللَّهِ، عن ابن عمر أنه قال: أُصلِّي صلاة المسافر ما لم أُجمع (٣)
الطائي، عن علي بن ربيعة قال: سألت ابن عمر إلى كم تقصر الصلاة؟ قال:
:
تعرف السويداء؟ قلت: لا، ولكني قد سمعت بها، قال: هي ثلاث ليالٍ فواصل،
فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة.
ولمّا كان السير مختلفاً باختلاف السائر والمركب اعتبروا السير الوسط وهو
سير الإِبل ومشي الأقدام، ولم يعتبروا سرعة القطع وبطؤه بغير ذلك، وتفصيله في
كتب الفقه .
(١) جمع كامل.
(٢) قوله: ويجعل البيوت خلف ظهره، هذا وقت جواز القصر(١)، لما روى
ابن أبي شيبة وعبد الرزاق أن علياً خرج من البصرة فصلّى أربعاً، وقال: إنّا لو
جاوزنا هذا الخص لصلَّينا ركعتين وهو بيت من قصب.
(٣) مِن أجمع على الأمر، عزم وصَمَّم.
(١) المسافر إذا فارق بيوت بلده قصر في الطريق عندنا كما في عامة متون الحنفية، وفيه خلاف
يسير في عبارات المشائخ، راجع له عمدة القاري ٥٤٥/٣، وفي ((المغني)) ٢٥٩/٢
لابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته ويخلفها وراء
ظهره، قال: وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور.
٥٦١

د
--- --
مُكْثاً(١) وإن حبسني ذلك اثنتي عَشْرَة ليلة.
١٩٦ - أخبرنا مالك، حدّثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه: أن عمر كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين (٢)، ثم قال(٣):
يا أهل مكة أتمُّوا صلاتكمْ فإنَّا قوْمُ سَفْر (٤).
١٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنه كان
١
(١) إقامةً، لأن حكم السفر لم ينقطع(١).
(٢) قال الباجي: كان عمر لا يستوطن مكة، لأن المهاجري ممنوع من
استيطانها .
(٣) قوله: ثم قال ... إلخ، قال أبو عمر (٢): امتثل عمر فعل الرسول وَليقول، قال
عمران بن حصين: شهدت مع رسول الله الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة
لا يصلّي إلَّ ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلّوا أربعاً، فإنّا قوم سفر. انتهى.
وهذا رواه الترمذي، وفي إسناده ضعف، كذا قال الزرقاني. وقال القاري بعد ذكر
حديث عمران: لعل وجه قصره عليه السلام أنه كان على قصد سفر مع أن من
جملة هذه المدة أيام منى وعرفة. ويُشترط أن يكون نية الإقامة في بلدة واحدة.
انتهى. أقول: فيه خطأ واضح، فإن حديث عمران في فتح مكة وأيام منى إنما
تكون في موسم الحج وكذا يوم عرفة، ولم يكن هناك حج .
(٤) بفتح فسكون، جمع مسافر کرکْب وراکب.
(١) قال المجد: المكث ثلاثاً ويحرِّك: اللبث، يعني يقصر المسافر ما لم يعزم على اللبث، قال
ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً فيمن سافر سفراً يقصر الصلاة، أنه لا يلزمه أن يتمَّ الصلاة في سفره
إلاّ أن ينوي الإقامة في مكان من سفره ويجمع نيته على ذلك، قال الترمذي: أجمع أهل
العلم على أنَّ للمسافر أن يقصر ما لم يُجمع إقامة وإن أتى عليه سنون. اهـ. أوجز المسالك
١٠٧/٣.
(٢) في الأصل: ((أبو عمرو)).
٥٦٢
" - ---

يقيم بمكة عشراً فَيَقْصُرُ الصلاةَ(١) إلَّ أن يشهدَ(٢) الصلاةَ مع الناس
فيصلي بصلاتهم(٣).
١٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، أنه سأل سالمَ بنَ
عبد الله عن المسافر إذا كان لا يدري متى يخرج (٤) يقول: أَخْرُجُ
اليوم(٥)، بل أَخْرُجُ غداً، بل الساعة، فكان كذلك حتى يأتي عليه ليال
كثيرة أيقصر (٦) أم ما يصنع؟ قال: يقصر(٧)
(١) لأنه لم ينوِ الإِقامة.
(٢) أي: يحضر صلاة الجماعة مع المقيم .
(٣) أي: صلاة تامَّة.
(٤) أي: من بلد هو فيه.
(٥) أي : يقصد الخروج اليوم، فلا يتمّ له ويقصد الغد أو الساعة فلا يتيسَّر
له.
(٦) بهمزة الاستفهام.
(٧) قوله: يقصر وإنْ تمادى به ذلك شهراً، لأن من هو على عزم السفر لم يُجمع
بالإِقامة وإن وقعت له ذلك مدة، والاعتبار الأعمال بالنيات فيُباح له القصر، ولذلك
كان النبي لم يقصر عام الفتح إذا أقام على حرب هوازن مع أنه أقام سبعة عشر
يوماً، كما أخرجه أبو داود وابن حبان، من حديث ابن عباس، أو تسعة عشر يوماً كما
أخرجه أحمد والبخاريّ من حديثه، أو ثمانية عشر يوماً كما أخرجه أبو داود،
والترمذي من حديث عمران، وأخرج البيهقي عنه قال: غزوتُ مع رسول الله وَّر،
وشهدتُ معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشر يوماً، لا يصلّي إلّ ركعتين، يقول:
يا أهل البلد صلّوا أربعاً فإنّا قوم سَفْر، أو عشرين يوماً كما أخرجه عبد بن حميد في
((مسنده)) من حديث ابن عباس، وقال البيهقي: أصح الروايات في ذلك رواية =
٥٦٣

وإن تمادى(١) به ذلك شهراً.
قال محمد: نرى قَصْرَ الصلاةِ إذا دخل المسافرُ مِصْراً(٢) من
الأمصار وإنْ(٣) عَزَمَ على المُقام إلاَّ أنْ يعزم على المقام خمسة عشر
يوماً فصاعداً فإذا عزم على ذلك أتم الصلاة .
١٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عطاء (٤) الخراساني قال: قال
= تسع عشرة يوماً، وجُمع بين الروايات السابقة باحتمال أن يكون في بعضها لم يُعَدّ
يومي الدخول والخروج وهي رواية سبعة عشر، وعدّها في بعضها وهي رواية
تسع عشرة، وعدّ يوم الدخول دون الخروج وهي رواية ثمانية عشر. قال الحافظ
ابن حجر في ((تخريج أحاديث الرافعي)): هو جمع متين: وبقي رواية خمسة عشر
شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين وهي صحيحة الإِسناد إلّ أنها شاذة، ورواية
ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإِسناد. انتهى. وقد وردت بذلك آثار كثيرة،
فأخرج عبد الرزاق أن ابن عمر أقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ورُوي عن
الحسن: كنا مع الحسن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع
ولا يزيد على ركعتين، وروي أن أنس بن مالك أقام بالشام شهرين مع
عبد الملك بن مروان يصلّي ركعتين، وفي الباب آثار أخر ذكرها الزيلعي في
((تخريج أحاديث الهداية)).
(١) أي: استمر ذلك ولو إلى مدة كثيرة.
(٢) قوله: مصراً، وإن كان وطنه الأصلي إذا كان هجره، ولذا لما دخل
النبي ◌َّ بمكة عام الفتح وعام حجة الوداع قصر، فإن لم يهجر أتم بمجرد دخوله.
(٣) الواو وصليَّة .
(٤) قوله: أخبرنا عطاء الخراساني، هو عطاء بن أبي مسلم ميسرة وقيل:
عبد الله الخراساني أبو عثمان مولى المهلب بن أبي صفرة على الأشهر، وقيل:
مولى لهذيل، أصله من مدينة بَلْخ من خراسان، وسكن الشام، ولد سنة خمسین،
وكان فاضلاً عالماً بالقرآن، عالماً، وثَّقه ابن معين، ومات سنة خمس وثلاثين ومائة،
أدخله البخاري في الضعفاء لنقل القاسم بن عاصم عن ابن المسيب أنه كذبه،
٥٦٤

سعيد بن المسيب: من أَجْمَعَ (١) على إقامة أربعة أيام فَلَيْتِمّ
الصلاة(٢).
قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، يقصر المسافر حتى يُجْمع على
إقامة خمسة عشر يوماً، وهو قول ابن عمر(٣) وسعيد بن جبير وسعيد بن
المسيّب.
وردَّه ابن عبد البر بأن مثل القاسم لا يجرح بروايته مثل عطاء أحد العلماء الفضلاء،
كذا ذكره الزرقاني .
=
(١) أي: عزم ونوى.
(٢) قال مالك: ذلك أحب مما سمعت إليَّ، وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود
وجماعة .
(٣) قوله: وهو قول ابن عمر ... إلخ، أما أثر ابن عمر فأخرجه المصنف،
في كتاب ((الآثار))(١)، عن أبي حنيفة، نا موسى بن مسلم، عن مجاهد عنه أنه
قال: إذا كنتَ مسافراً فوطّنت على نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتم الصلاة
فإن كنت لا تدري فاقصر. وأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، نا عمر بن ذر، عن
مجاهد أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتم الصلاة. وأما أثر
سعيد بن المسيب، فهو ما روي عن إبراهيم، عن داود عنه أنه قال: إذا أقام
المسافر خمس عشرة أتم الصلاة، وما كان دون ذلك فليقصر ذكره العيني، وعارض
به ما روي عنه من التحديد بأربعة أيام، وذكر صاحب الهداية أنه المأثور عن ابن
عباس، قال الزيلعي والعيني: أخرجه الطحاوي عنه. وعن ابن عمر قال: إذا قدمتَ
بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقوم خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة وإن كنت
لا تدري فاقصرها.
ومما يدل على فساد التحديد بأربعة أيام ما أخرجه الأئمة الستة، عن أنس
قال: خرجنا من المدينة إلى مكة مع النبي ◌َّه، وكان يصلي ركعتين حتى رجعنا =
(١) ص ٣٩.
٥٦٥
ix

٢٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه (١) كان
يصلي مع الإِمام (٢) أربعاً(٣)، وإذا صلَّى لنفسه صلّى ركعتين (٤).
قال محمد: وبهذا نأخذ إذا كان الإِمام مقيماً والرجل(٥) مسافراً
وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
٥٨ - (باب القراءة في الصلاة في السفر)
٢٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أنَّ ابنَ عمر كان يقرأ في
= إلى المدينة، قلت: كم أقمتم بها؟ قال: أقمنا بها عشراً، ولا يقال: لعلهم عَزموا
على السفر في اليوم الأول أو في الثاني أو الثالث وهكذا واستمرَّ بهم ذلك
عشراً، لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع فتعيَّن أنهم نووا الإقامة أكثر من أربعة
أيام لأجل قضاء النسك.
(١) في نسخة: أنه إذا صلّى كان يصلّي مع الإِمام بمنى يصلي أربعاً.
(٢) لوجوب متابعة الإِمام وترك الخلاف له، وإن اعتقد المأموم أنَّ القصر
أفضل، ولكنَّ فضيلةَ الجماعة آكد.
(٣) قوله: أربعاً(١)، هذا هو السنَّة المأثورة كما أخرجه أحمد، عن
موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنّا إذا كنا معكم صلَّينا
أربعاً، وإذا رجعنا صلَّينا ركعتين، فقال: تلك سنَّة أبي القاسم ◌ِله .
(٤) لأنه مسافر.
(٥) أي: المقتدي به.
(١) قال ابن عبد البر في (الاستذكار)): اختلفوا في المسافر يصلّي وراء مقيم، فقال مالك
وأصحابه: إذا لم يدرك معه ركعة تامة صلّى ركعتين، فإن أدرك معه ركعة بسجدتيها صلّى
أربعاً، وذكر الطحاوي أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً قالوا: يصلّي صلاة المقيم وإن
أدركه في التشهد، وهو قول الثوري والشافعي: أوجز المسالك ١١٢/٣.
٥٦٦
-
- .. .

السفر في الصبح بالعشر السور من أول المفصَّل(١) يردِّدهن(٢) في كل
ركعة سورة.
قال محمد: يقرأ(٣) في الفجر في السفر ﴿والسماء ذات
البروج﴾ ﴿والسماء والطارق﴾ ونحوهما (٤).
٥٩ - (باب الجمع بين الصلاتين
في السفر والمطر)
٢٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن
(١) وهي من أول سورة الحجرات على الأشهر.
(٢) أي: يكرِّرها.
(٣) قوله: يقرأ ... إلى آخره، يشير إلى دفع ما يُتوهّم من أثر ابن عمر أن
السنَّة في السفر كالسنَّة في الحضر من قراءة طوال المفصَّل وهي من ﴿اَلْحُجُرَاتِ﴾ إِلى
﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ وليس كذلك، فإن للسفر أثراً في التخفيف، فينتقل الوظيفة
فيه من الطوال إلى الأوساط، وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن سويد قال: خرجنا
حجاجاً مع عمر فصلّى بنا الفجر بـ ﴿ألم ترَ كيف﴾، و﴿لإيلاف﴾. وعن
ابن ميمون: صلى بنا عمر الفجر في السفر، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، و﴿قل
هو الله أحد﴾. وعن الأعمش، عن إبراهيم: كان أصحاب رسول الله يقرؤون في
السفر بالسور القصار.
(٤) قوله: ونحوهما، بل إن قرأ أقصر من ذلك جاز لما روي أن النبي وَي ﴾
صلّى الصبح بالمعوذتين، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وأحمد
والطبراني من حديث عقبة بن عامر.
٥٦٧
ـعا

رسول الله (* كان إذا(١) عَجِلَ(٢) به السَّيْرِ جَمَعَ (٣) بين المغرب
والعشاء.
(١) قوله: إذا عجل به السير، أورد البخاري في الباب ثلاثة أحاديث:
حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جدًّ به السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيَّد بما
إذا كان سائراً، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل البخاري الترجمة المطلقة إشارة
إلى العمل بالمطلق، فكأنه رأى جواز الجمع بالسفر سواء كان سائراً أم لا، كان
سيره مجدّاً أم لا. وهذا مما وقع الاختلاف فيه، فقال بالإِطلاق كثير من الصحابة
والتابعين، ومن الفقهاء الثوريّ والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال قوم: لا يجوز
الجمع مطلقاً إلّ بعرفة والمزدلفة وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه،
وأجابوا عما ورد من الأحاديث في ذلك بأن الذي وقع جَمْع صوري، وتعقّبه
الخطّابي وغيره بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيِّقاً، لأن
أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة، وقيل: يختص
الجمع بمن يجدُّ في السير، قاله الليث وهو القول المشهور عن مالك، وقيل:
يختص بالسائر دون النازل، وهو قول ابن حبيب، وقيل: يختص بمن له عذر، حُكِي
ذلك عن الأوزاعي، وقيل: يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو مروي عن
مالك وأحمد، واختاره ابن حزم، كذا في ((فتح الباري)).
(٢) بفتح العين وكسر الجيم، أسرع وحضر، ونسبة الفعل إلى السير مجاز،
تعلَّق به من اشترط في الجمع الجدّ في السير، وردّه ابن عبد البر بأنه إنما حكى
الحال التي رأى ولم يقل لا يجمع إلاّ أن يجدّ به.
(٣) قوله: جمع بين المغرب والعشاء، جمع تأخير، ففي ((الصحيح)) من
رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه: رأيت النبيَّ مَ﴿ إذا أعجله السير في السفر
يؤخر المغرب حتى يجمع بينهما. وبيَّنه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن
ابن عمر بعد أن يغيب الشفق. ولعبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن
عقبة، عن نافع: فأخّر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوى من الليل . =
٥٦٨
!

٠٠
٢٠٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر (١) حين جمع
بين المغرب والعشاء في السفر سار حتى غاب الشفق.
٢٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحصين أن
عبد الرحمن بن هرمز أخبره (٢)، قال: كان رسولُ اللهِ وَِّ يَجْمَعُ (٣) بين
الظهر والعصر في سفر (٤) إلى تبوك.
قال محمد: وبهذا نأخذ. والجمع (٥) بين الصلاتين أن تُؤَخَّرَ
والبخاري في ((الجهاد)) من طريق أسلم عنه: حتى إذا كان بعد غروب الشفق نزل،
فصلّى المغرب والعشاء. ولأبي داود، عن عبد الله بن دينار، عنه، فسار حتى غاب
الشفق وتصوَّبت النجوم.
(١) قوله: أن ابن عمر حين جمع ... إلخ، أخرج البخاري في باب السرعة
في السير من كتاب الجهاد من رواية أسلم مولى عمر: كنت مع ابن عمر بطريق
مكة فبلغه عن صفية بنت عبيد شدة وجَعٍ ، فأسرع السير حتى إذا كان بعد غروب
الشفق نزل، فصلّى المغرب والعتمة، فأفادت هذه الرواية تعيين السفر ووقت
انتهاء السير والجمع .
(٢) قوله: أخبره قال ... إلخ، قال ابن عبد البر: هكذا رواه أصحاب مالك
مرسلًا إلَّ أبا مصعب في غير الموطأ ومحمد بن المبارك الصوري ومحمد بن خالد
ومطرفاً والحنيني وإسماعيل بن داود المخراقي، فإنهم قالوا: عن مالك، عن داود،
عن الأعرج، عن أبي هريرة مسنداً.
(٣) جَمْعَ تقديم إنْ ارتحل بعد زوال الشمس، وجَمْعَ تأخير إن ارتحل قبل
الزوال على ما روى أبو داود وغيره عن معاذ.
(٤) أي: في سفره في غزوة تبوك، وهو اسم موضع على وزن شكور، وهي
آخر غزواته وقعت سنة تسع.
(٥) قوله: والجمع بين الصلاتين ... إلخ، هذا هو الجمع الصُّوري الذي =
٥٦٩

الأولى منهما، فتُصلَّى في آخر وقتها وتُعجّل الثانية فتُصلَّى في أول
وقتها .
وقد بَلَغَنا (١) عن ابن عمر أنه صلّى المغرب حين أخَّر الصلاة
قبل أن تغيب الشفق(٢)، خلاف ما روى مالك.
= حمل عليه أصحابنا الأحاديث الواردة في الجمع، وقد بسط الطحاوي الكلام فيه
في ((شرح معاني الآثار))، لكن لا أدري ماذا يُفعل بالروايات التي وردت صريحاً بأنَّ
الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مرويّة في صحيح البخاري وسنن أبي داود
وصحيح مسلم وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر فيها، فإن
حُمل على أن الرواة لم يحصل التمييز لهم فظنوا قرب خروج الوقت خروج الوقت،
فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناصِّين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء
الخَلَل في الإسناد فهو أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها،
وإن عُورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت
والتقديم في أول الوقت، فهو أعجب. كان الجمع بينها بحملها على اختلاف
الأحوال ممكن، بل هو الظاهر، وبالجملة فالأمر مشكل، فتأمَّل لعلَّ الله يحدث بعد
ذلك أمراً.
(١) قوله: وقد بلغنا ... إلخ، لما ورد على تأويل الجمع الصُّوري بأنه وإِنْ
تيسّر في حديث ابن عمر والأعرج بحسب الظاهر لكنه لا يتيسر في أثر ابن عمر.
أجاب عنه، بأنه قد بلغنا أنه جمع قبل غروب الشفق، فيكون جمعه أيضاً جمعاً
صورياً. ولقائل أن يقول: ما أخرجه مالك سنده أصح الأسانيد لا اشتباه في طريقه،
فيجمع بينه وبين هذا البلاغ باختلاف الأحوال ولا يقدح ثبوت أحدهما في ثبوت
الآخر.
(٢) قوله: قبل أن تغيب الشفق، أخرج الطحاوي، عن أسامة بن زيد، عن
نافع أنَّ ابن عمر جدّ به السير فراح روحة لم ينزل إلّا للظهر والعصر، وأخَّر المغرب
حتى صرخ سالم: الصلاة، فصمت ابن عمر حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل ،
٥٧٠
F

٢٠٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا
جمع الأمراء(١) بين المغرب والعشاء(٢) جمع معهم في المطر.
قال: ولسنا نأخذ بهذا، لا نجمع (٣) بين الصلاتين في وقتٍ
= فجمع بينهما. ففي هذا الحديث أن نزوله للمغرب كان قبل أن يغيب الشفق
فاحتمل أن يكون قول نافع بعدما غاب الشفق إنما أراد به قُربه من غيبوبة الشفق
لئلا يتضادّ ما روي في ذلك. ثم أخرج عن العطاف بن خالد، عن نافع: أقبلنا مع
ابن عمر حتى إذا كان ببعض الطريق استصرخ على زوجته بنت أبي عبيد فراخ
مسرعاً حتى غابت الشمس فنودي بالصلاة فلم ينزل، حتى إذا كاد الشفق أن يغيب
نزل فصلّى المغرب وغاب الشفق فصلّى العشاء، وقال: هكذا كنا نفعل مع
رسول الله إذا جدَّ بنا السير.
(١) جمع أمير، قال القاري: وكانوا هم الأئمة في الصدر الأول.
(٢) قال القاري: أي حذراً من فوات الجماعة.
(٣) قوله: لا نجمع ... إلخ، استدل له أصحابنا منهم الطحاوي بأحاديث،
منها قوله ويليهو: ((ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخَّرَ حتى يدخل
وقت صلاة الأخرى)). أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي قتادة في قصة ليلة
التعريس. ومنها ما أخرجه البخاريّ ومسلم، عن ابن مسعود، قال: ما رأيت
رسول الله وَل﴿ل صلَّى صلاةً لغير وقتها إلاَّ بجَمْع فإنه جمع بين المغرب والعشاء
بجَمْع وصلّى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها - أي: قبل وقتها المعتاد - ومنها
حديث: ((من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر))،
أخرجه الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعاً. وفي طريقه حسين بن قيس
الرحبي. قال أحمد: متروك الحديث. وقال ابن معين وأبو زرعة: ضعيف، وقال
البخاري: أحاديثه منكرة جداً ولا يُكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك، وقال
أحمد في ما نقله ابن الجوزي: كذاب، وفيه أقوال أخر بسطها ابن حجر في =
٥٧١

واحدٍ إِلَّ الظهر والعصر(١) بعَرَفَةً والمغرب والعشاء بمُزدلفة، وهو قول
أبي حنيفة - رحمه الله - .
قال محمد: بَلَغَنا عن عمر بن الخطاب أنه كتب في الآفاق(٢)
ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم أنَّ الجمع بين الصلاتين
في وقت واحدٍ كبيرة من الكبائر. أخبرنا بذلك الثقات(٣) عن العلاء بن
= ((تهذيب التهذيب))، وقال: حديثُهُ من جمع بين صلاتين الحديث لا يُتابع عليه
ولا يُعرف إلَّ به ولا أصل له وقد صحَّ عن ابن عباس أن النبي ◌ُّر جمع بين
الظهر والعصر. انتهى. ومنها ما أخرجه الحاكم، عن أبي العالية، عن عمر قال:
جَمْعُ الصلاتين من غير عذر من الكبائر، قال: وأبو العالية لم يسمع عن عمر، ثم
أسند عن أبي قتادة أن عمر كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين
الصلاتين إلا من عذر والفرار من الزحف ... الحديث، قال: وأبو قتادة أدرك عمر فإذا
انضمَّ هذا إلى الأول صار قويّاً. وأجاب المجوِّزون للجمع عن حديث ابن عباس
وأثر عمر أنه على تقدير صحتهما لا يضرّنا، فإنهما يدلان على المنع من الجَمْع من
غير عذر والعذر قد يكون بالسفر وقد يكون بالمطر وبغير ذلك، ونحن نقول به إلاَّ
أنَّ هذا لا يتمشّى في ما ذكره محمد ههنا من أثر عمر، فإنه ليس فيه التقييد بالعذر،
وقالوا أيضاً: من عَرَضَ له عذر يجوز له الجمع إذا أراد ذلك وأما إذا لم يكن له
ذلك ولم يُرد الجمع بل ترك الصلاة عمداً إلى أن دخل وقت الأخرى فهو إثم
بلا ريب وبه يجتمع الأخبار والآثار. والكلام في هذا المقام طويل ليس هذا
موضعه، والقدر المحقق هو ثبوت الجمع عن رسول الله وَ ر حالة السفر ولعذر
فليتدبّر.
(١) لورود جمع التقديم بعرفة وجمع التأخير بمزدلفة بالأحاديث الصحيحة.
(٢) أي: أطراف مملكته.
(٣) أي: الرواة العدول.
٥٧٢
.٥ ٠

الحارث(١)، عن مكحول(٢).
٦٠ - (باب الصلاة على الدابة في السفر)
٢٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبدُ الله بن دينار(٣)، قال: قال
عبد الله بن عمر: كان رسول الله (وَ لَّه يصلِّي (٤)
(١) قوله: عن العلاء، ابن العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي
أبو وهب أو أبو محمد الدمشقي، روى عن مكحول والزهري وعمرو بن شعيب،
وعنه الأوزاعي وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وغيرهما. قال ابن معين
وابن المديني وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: كان من خيار أصحاب مكحول، وقال
دُحيم: كان مقدَّماً على أصحاب مكحول، ثقة مات سنة ١٣٦ هـ، كذا في
((تهذيب التهذيب)).
(٢) قوله: عن مكحول، هو أبو عبد الله الهذلي الفقيه الدمشقي كثير
الإِرسال، عن عبادة وأبيّ وعائشة وكبار الصحابة، قال أبو حاتم: ما رأيتُ أفقه من
مكحول وقد كثر الثناء عليه، وتوثيقه من النقّاد كما بسطه في ((تهذيب التهذيب»
و ((تذكرة الحفاظ))، مات سنة ١١٣ هـ ، وقيل غير ذلك.
(٣) قال ابن عبد البر: كذا رواه جماعة رواة ((الموطأ))، ورواه يحيى بن
مسلمة بن قعنب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. قال: والصواب ما في
((الموطأ)).
(٤) قوله: يصلي على راحلته، قال الحافظ: قد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء
الأمصار، إلاّ أن أحمد(١) وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء =
(١) وذكر الباجيُّ الشافعيَّ مع أحمد بن حنبل في استقبال القبلة عند ابتداء التكبير، والظاهر أنه
وهم لأن الحافظ أعلم بمذهبه، لم يذكر الاستحباب إلاّ عن أحمد. وفي ((الاستذكار)): هذا
الأمر مجمع عليه، لا خلاف فيه بين العلماء كلهم أنهم يجيزون التطوع للمسافر على دابته حيث
توجّهتْ به للقبلة وغيرها، إلَّ أن منهم جماعة يستحبّون أن يفتتح المصلّي صلاته مستقبل
٥٧٣

على راحلتِهِ (١) في السفر حيثما توجَّهَتْ به، قال(٢)(٣): وكان عبد
الله بن عمر يصنع ذلك.
٢٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو بكر بن عمر (٤) بن عبد
= الصلاة، وقد أوجبه الشافعية حيث سهل. والحجَّة لذلك حديث الجارود، عن أنس
أن النبي وَ ر كان إذا أراد أن يتطوَّع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلّى حيث
توجّهت ركابه، أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني. انتهى. وحكى ابن بطّال
الإجماع على أنه لا يجوز أن تصلى المكتوبة على الدابّة ما عدا ما ذُكر في صلاة
شدة الخوف. واعلم أن الجمهور ذهبوا إلى جواز التنفّل على الدابَّة في السفر
الطويل والقصير أخذاً بإطلاق الأحاديث في ذلك. وخصَّه مالك بالسفر الطويل، قال
الطبري: لا أعلم أحداً وافقه على ذلك، قال الحافظ: ولم يتفق على ذلك عنه.
وحجَّته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره وَّة، ولم يُنقل عنه أنه سافر سفراً
قصيراً فصنع ذلك، وقد ذهب أبو يوسف ومن وافقه في التوسعة في ذلك، فجوَّزه
في الحضر أيضاً، وقال به من الشافعية الإصطخريُّ، كذا في ((ضياء الساري بشرح
صحيح البخاري)».
(١) ناقته التي تصلح لأن ترتحل.
(٢) أي: ابن دینار.
(٣) قوله: قال، عقّب الموقوف بالمرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع لبيان
أن العمل استمرَّ على ذلك، كذا قال الزرقاني.
(٤) قوله: أبو بكر بن عمر، بضمّ العين عند جميع رواة ((الموطأ)) ومنهم :
القبلة، ثم لا يبالي حيث توجّهت به راحلته، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل
وأبي ثور. اهـ.
وقال ابن عابدين من الحنفية: لا يُشترط استقبال القبلة فى الابتداء، انظر أوجز المسالك
١٢٣/٣.
٥٧٤
نظرة

الرحمن بن عبد الله بن عمر أن سعيداً(١) أخبره: أنه كان مع عبد الله بن
عمر رضي اللهعنهمافي سفر، فكنت أسيرُ معه وأتحدَّث معه، حتى إذا خشيتُ
أن يطلع الفجر تخلَّفت(٢)، فنزلتُ(٣) فأوترتُ(٤)، ثم ركبتُ، فلحقته(٥)،
قال ابن عمر: أين كنت؟ فقلت: يا أبا عبد الرحمن(٦)، نزلتُ فأوترتُ
وخشيتُ(٧) أن أصبح، فقال: أليس (٨) لك في رسول الله وَل أسوة(٩)
= يحيى على الصواب، وفتح العين وزيادة واو وَهَمُ، قاله ابن عبد البر، وقال: هو
أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، لم يُوقّف له على
اسم، القُرَشي العدويّ المدني، من الثقات، ليس له في ((الموطأ)» ولا في
الصحيحين سوى هذا الحديث الواحد، كذا في ((شرح الزرقاني)).
(١) قوله: أن سعيداً، بفتح السين، ابن يسار بتحتية مخفف السين، التابعي
الثقة المدني، مات سنة ١١٧ هـ ، وقيل: قبله بسنة، روى له الجماعة، كذا في
((شرح الزرقاني)).
(٢) أي: بقيت خلفه وتركت معيَّته.
(٣) عن مركوبي .
(٤) أي: صلَّيْت الوتر على الأرض.
(٥) أي: أدركته.
(٦) هو كنية لابن عمر.
(٧) أي: خفتُ طلوع الفجر فيفوت الوتر.
(٨) استفهام تحقيق.
(٩) بكسر الهمزة وضمها: قدوة.
٥٧٥

حسنة؟ فقلت: بلى (١) والله، قال: فإنَّ رسولَ الله وَ لل كان يوتر(٢) على البعير.
(١) فيه الحلف على الأمر الذي يُراد تأكيده.
(٢) قوله: كان يوتر على البعير(١)، استدل به الشافعي ومالك وأبو يوسف
وغيرهم على أن الوتر سنة، وليس بواجب وإلّ لم يجز على الدابة من غير عذر،
واحتجّوا لأبي حنيفة في وجوب الوتر بأحاديث، منها حديث: ((إن الله زادكم صلاةً
ألا وهي الوتر))، أخرجه الترمذي وأبو داود والطبراني وأحمد والدارقطني وابن عديّ
من حديث خارجة بن زيد، وإسحاق بن راهويه والطبراني من حديث عمرو بن
العاص، والطبراني من حديث ابن عباس، والحاكم من حديث أبي بصرة
الغفاري، والدارقطني في ((غرائب مالك))، من حديث ابن عمر، والطبراني في
((مسند الشاميين))، من حديث أبي سعيد الخدري بطرق يتقوّى بعضها ببعض على
ما بسطه الزيلعي وغيره، قالوا: من المعلوم أن المزيد يكون من جنس المزيد
عليه، فيكون الوتر كالمكتوبة التي فرضها الله تعالى، لكن لما كان ثبوته بأخبار آحاد
قلنا بوجوبه دون افتراضه، ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، عن
أبي أيوب مرفوعاً: ((الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحبّ أن يوتر بخمس
فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بواحدة
فليوتر)). ورواه أيضاً أحمد وابن حبان والحاكم وقال: على شرطهما، ومنها
ما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه مرفوعاً: ((الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا))،
ومنها حديث: (أوتروا قبل أن تصبحوا))، أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد،
ومنها ما أخرجه عبد الله بن أحمد، عن أبيه بسنده أنَّ معاذ بن جبل قدم الشام،
فوجد أهل الشام لا يوترون، فقال لمعاوية: ما لي أرى أهل الشام لا يوترون؟ فقال
معاوية: وواجب ذلك عليهم؟ فقال: نعم، سمعت رسول الله يقول: زادني ربي
صلاة وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر.
(١) زاد في النسخة المطبوعة، لموطأ الإمام مالك برواية محمد - بتحقيق عبد الوهاب عبد
اللطيف - حديث: أخبرنا مالك، أخبرني عمرو بن يحيى، عن سعيد بن يسار، عن عبد
الله بن عمر: رأيتُ رسولَ اللهِ وَله يصلي على حمار وهو متوجّه إلى خيبر. قلت: قال الدارقطني
٥٧٦
--... .

٢٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد(١) قال: رأيت
أنسَ بنَ مالك في سفرٍ يصلّي(٢) على حماره، وهو متوجّهُ إلى غيرٍ
القِبْلة يركعُ ويسجُدُ إيماء برأسه من غير أن يضعَ (٣) وَجْهَه على شيء.
٢٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أنَّ ابن عمر رضي الله
عنهما لم يصلِّ (٤) مع صلاة الفريضة
(١) الأنصاري.
(٢) التطوع.
(٣) زاد البخاري ومسلم، عن ابن سيرين، عن أنس: لولا أنّي رأيتُ
رسولَ الله ◌َل فعله لم أُفعله.
(٤) قوله: لم يصلّ ... إلخ، اتفق العلماء على جواز النوافل المطلقة في
السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبَّها
الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامة المطلقة في ندب الرواتب،
وحديث صلاته * الضحى يوم الفتح بمكة، وركعتي الصبح حين ناموا حتى
طلعت الشمس وأحاديث أخر صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على
النوافل المطلقة، ولعل النبي وسلم كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر،
فإن النافلة في البيت أفضل، أو لعلَّه تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز
تركها. وأما ما يحتجّ به القائلون بتركها من أنها لو شُرعت لكان إتمام الفريضة
أولى، فجوابه أن الفريضة متحتَّمة، فلو شُرعت تامَّة لتحتَّم إتمامُها، وأما النافلة فهي
إلى خِيَرة المكلَّف، فالرفق به أن تكون مشروعة، ويتخيَّ: إن شاء فَعَلها وحصل
ثوابُها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه، كذا في ((شرح صحيح مسلم)) للنووي(١)
- رحمه الله تعالى - .
= وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني، إنما المعروف في صلاته على راحلته أو
على البعير، انظر صحيح مسلم ٣٥٢/٢.
(١) انظر المغني ١٤١/٢، وعمدة القاري ٥٦٠/٣، وفتح الباري ١٤١/٢.
٥٧٧

في السفر التطوُّعَ(١) قبلها(٢) ولا بعدها إلاّ من جوف الليل (٣)،
فإنه کان یصلِّ نازلاً على
!
(١) أي: النوافل السنن وغيرها.
(٢) قوله: قبلها ولا بعدها، وفي ((صحيح مسلم))، عن حفص بن عاصم:
صحبتُ ابن عمر في طريق مكة، فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى
جاء رحله، وجلسنا معه، فكانت منه التفاتة فرأى ناساً قياماً، فقال: ما يصنع هؤلاء؟
قلتُ: يسبِّحون، قال: لو كنتُ مُسبِّحاً لأتممت صلاتي، صحبتُ رسول الله وِّل،
فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان كذلك، ثم
قرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾(١). وأخرج البخاري عنه المرفوع
فقط، وجاءت آثار عنه ﴿ أنه كان ربما تنفّل في السفر قال البراء: سافرتُ مع
رسول الله ثمان عشرة سفرة، فما رأيته يترك الركعتين قبل الظهر. زواه أبو داود
والترمذي، والمشهور عن جميع السلف جوازه(٢)، وبه قال الأئمة الأربعة، كذا قال
الزرقاني .
(٣) قوله: إلَّ من جوف الليل، اختلفوا في النافلة في السفر على ثلاثة
أقوال، أحدها: المنع مطلقاً، والثاني: الجواز مطلقاً، والثالث: الفرق بين الرواتب
فلا تصلّ، وبين النوافل المطلقة فتؤدَّى، وهو مذهب ابن عمر، كذا ذكره النوويّ
وغيره، وذكر الحافظ ابن حجر قولاً رابعاً: وهو الفرق بين الليل والنهار، وعليه يدل
ظاهر هذا الأثر الذي أخرجه محمد، وقولاً خامساً: وهو ترك الرواتب التي قبل
المكتوبة وأداء ما بعدها وغيرها من النوافل المطلقة كالتهجّد والضحى وغير ذلك.
(١) سورة الممتحنة: رقم الآية ٦.
(٢) قال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في
استحباب النوافل الراتبة فتركها ابن عمر وآخرون واستحبهما الشافعي والجمهور. انتهى.
والمختار عند الحنفية أن يأتي المسافر بالسنن إن كان في حال أمن واستقرار وإلاّ أن كان
في خوف وقرار، أي : سير لا يأتي به، انظر أوجز المسالك ١١٥/٣.
٥٧٨

الأرض(١)، وعلى بعيره أيثما توجَّهَ به .
قال محمد: لا بأس بأنْ يصلّيَ المسافر على دابَّته تطوّعاً إيماءً
حيث كان وجهه(٢)، يجعل السجود (٣) أخفض من الركوع، فأما الوتر
والمكتوبة فإنهما تُصَلَّيان (٤) على الأرض وبذلك جاءت الآثار.
٢١٠ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حُصَيْن(٥) قال: كان
عبد الله بن عمر يصلّي التطوُّعَ على راحلته أينما توجَّهتْ(٦) به فإذا
کانت(٧)
(١) حیث کان يعرِّس.
(٢) قوله: حيث كان وجهه، لقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تُوَلُّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾(١).
قال ابن عمر: كان النبيُّ ◌َليّه يصلي على راحلته تطوعاً أينما توجّهت به، ثم قرأ
ابن عمر هذه الآية، وقال: في هذا أنزلت. أخرجه مسلم وابن أبي شيبة وعبد بن
حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والطبراني
والبيهقي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححه عنه
قال: أُنزِلت ﴿أَيْنَمَا تَوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أن تصلي أينما توجّهتْ بك(٢) راحلتك في
التطوع.
(٣) أي: إيماءه.
(٥) بالتصغير.
(٤) بصيغة المجهول.
(٦) أي: إلى أي جهة توجهت به.
(٧) قوله: فإذا كانت الفريضة أو الوتر ... إلخ، قد اختلف عن ابن عمر،
فحكى مجاهد وحصين وغيرهما كما أخرجه المصنف أنه كان ينزل للوتر، وكذا =
(١) سورة البقرة: رقم الآية ١١٥.
(٢) في الأصل: ((به))، وهو خطأ. انظر مستدرك الحاكم ٢٦٦/٢.
٥٧٩

الفريضة أو الوتر نزل(١) فيصلَّى.
٢١١ - قال محمد: أخبرنا عمر(٢) بن ذر الهَمْداني، عن
= حكاه سعيد بن جبير، أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وحكى سعيد بن يسار أنه زجره
عن نزوله على الأرض كما أخرجه مالك. فأخذ أصحابنا بالآثار الواردة في نزوله
للوتر، وشيَّدوه بالأحاديث المرفوعة الواردة في نزوله وَ ل﴿ للوتر، وقال المجوِّزون
لأدائه على الدابة: إنه لا تعارُضَ ههنا إذ يجوز أن يكون النبي و ﴿ فَعَلَ الأمرين،
فأحياناً أدّى الوتر على الدابة، وأحياناً على الأرض، واقتدى به ابن عمر، فتارة فعل
كما رواه مجاهد وحصين، وتارة بخلافه. ويؤيده ما أخرجه الطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) عن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، قال: كان ابن عمر
يوتر على الراحلة، وربما نزل، فأوتر على الأرض. وذكر الطحاوي بعدما أخرج آثار
الطرفين: الوجه في ذلك عندنا أنه قد يجوز أن يكون رسول الله وَ لفي كان يوتر على
الراحلة قبل أن يحكم بالوتر ويغلظ أمره ثم أحكم بعد ولم يرخص في تركه. ثم
أخرج حديث: ((إن الله أمركم بصلاةٍ هي خير من حمر النعم، ما بين صلاة العشاء
إلى الفجر الوتر، الوتر))، من حديث خارجة وأبي بصرة، ثم قال: فيجوز أن يكون
ما روى ابن عمر، عن رسول الله صل﴿ من وتره على الراحلة كان منه قبل تأكيده إيّاه،
ثم نُسخ ذلك(١). انتهى. وفيه نظر لا يخفى إذ لا سبيل إلى إثبات النسخ بالاحتمال
ما لم يُعلم ذلك بنص وارد في ذلك.
(١) على الأرض.
(٢) قوله: عمر، بضم العين، ابن ذَرّ بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء
المهملة، كذا ضبطه الفَتّني في ((المغني)) لا بكسر الذال المعجمة كما ذكره =
(١) ((شرح معاني الآثار)) باب الوتر على الراحلة ٢٤٩/١، وأجاب ابن الهمام عن حديث الباب
بأنه واقعة حال لا عموم لها، فيجوز كون ذلك لعذر، والاتفاق على أن الفرض يصلّى على
الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه. شرح فتح القدير ٣٧١/١.
٥٨٠
- - ..