Indexed OCR Text

Pages 521-540

لا يُفصل بينهنَّ بتسليم(١).
= إبراهيم قال: بلغ ابن مسعود أن سعداً يوتر بركعة فقال: ما أجزأت ركعة قط.
وأخرج الطحاويّ، عن أنس أنه قال: الوتر ثلاث ركعات. وأخرج عن ثابت قال:
صلّى بي أنس الوتر أنا عن يمينه، وأم ولده خلفنا ثلاث ركعات، لم يسلّم إلَّ في
آخرهن. وأخرج عن المِسْور، قال: دفنّا أبا بكر، فقال عمر: إني لم أوتر، فقام،
فصففنا وراءه، فصلّى بنا ثلاث ركعات، لم يسلّم إلاّ في آخرهن. وأخرج عن
أبي الزناد عن الفقهاء السبعة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد
وأبي بكر بن عبد الرحمن وحارثة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار
في مشيخة سواهم: أن الوتر ثلاث، لا يسلم إلَّ في آخرهن. فهذه الآثار والأخبار
كلَّها مؤيِّدة لمذهبنا. ويخالفها آثار أخر، فأخرج الطحاوي عن عبد الرحمن
التيمي: وجدتُ حِسّ رجل من خلف ظهري، فنظرت فإذا عثمان بن عفان، فتقدَّم
فاستفتح القرآن حتى ختم، ثم ركع وسجد، فقلت: أَوَهِمَ الشيخ؟ فلما صلّى قلت:
يا أمير المؤمنين إنما صليتَ ركعة واحدة، قال: أجل هي وتري. وأخرج أيضاً عن
سعد بن أبي وقاص، أنه كان يوتر بركعة. وفي ((صحيح البخاري))، عن معاوية
وسعيد بن جبير أنه أوتر بركعة. وفي ((سنن سعيد بن منصور)» أن ابن عمر صلّ
ركعتين من الوتر، ثم قال: يا غلام ارحل لنا، ثم قام فصلّى ركعة. والقول الفيصل
في هذا المقام أن الأمر في ما بين الصحابة مختلف، فمنهم من كان يكتفي على
الركعة الواحدة، ومنهم من كان يصلّي ثلاثاً بتسليمتين، ومنهم من كان يصلي ثلاثاً
بتسليمة، والأخبار المرفوعة أيضاً مختلفة بعضها شاهدة للاكتفاء بالواحدة، وبعضها
بالثلاث، والكل ثابت، لكن أصحابنا قد ترجَّحت عندهم روايات الثلاث بتسليمة
بوجوه لاحت لهم، فاختاروه وحملوا المجمّل على المفصل.
(١) أي: في القعدة الأولى.
٥٢١
i.s.

٤٧ - (بابُ الحدَثِ في الصلاة)
١٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيلُ(١) بنُ أبي الحكيم،
عن عطاء(٢) بن يسارْ: أن (٣) رسول الله وَل كَبَّر في صلاة(٤) من
الصلوات، ثم أشار(٥) إليهم بيده أن امْكُثُوا، فانطلق رسولُ الله ◌َ ،
ثم رجع(٦) وعلى جلده أثر فصلّى(٧).
(١) القرشي، وثّقه ابن معين والنسائي، مات سنة ١٣٠هـ، كذا ذكره
الزرقاني .
(٢) قوله: عطاء، أخو سليمان وعبد الله وعبد الملك موالي ميمونة
أم المؤمنين كاتّبَتْهم وكلَّهم أخذ عنها العلم، وعطاء أكثرهم حديثاً، وكلهم ثقة، ذكره
الزرقاني .
(٣) قوله: أنَّ، قال ابن عبد البر: هذا مرسل، وقد رُوي متَّصلا مسنداً من
حديث أبي هريرة وأبي بكرة. قلت: حديث أبي هريرة أخرجه البخاري(١) ومسلم
وأبو داود والنسائي، وحديث أبي بكرة. أخرجه أبو داود، وكذا في ((التنوير)».
(٤) هي الصبح كما في رواية أبي داود من حديث أبي بكرة.
(٥) قوله: ثم أشار، مثله في رواية أبي هريرة، فقوله في رواية
الصحيحين: (فقال لنا: مكانكم) من إطلاق القول على الفعل.
(٦) وفي رواية أبي هريرة: فاغتسل ثم رجع إلينا ورأسه يقطر فكبّر.
(٧) زاد الدارقطني فقال: إني كنت جنباً فنسيتُ أن أغتسل.
(١) أخرجه البخاري في: ٥ - كتاب الغسل، ١٧ - باب إذا ذَكَر في المسجد أنه جنب يخرج
:
كما هو ولا يتيمَّم، ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٩ - باب متى يقوم
الناس للصلاة، حديث ١٥٧، ١٥٨.
٥٢٢
با
-

قال محمد: وبهذا نأخذ، من سبقه حدث في صلاة، فلا
٠
بأس (١) أن ينصرف ولا يتكلم فيتوضأ،
(١) قوله: فلا بأس ... إلخ، أقول: استنباط هذه المسألة من حديث الباب
كما فعله محمد غير صحيح .
أما أوَّلاً: فلأنه قد رُويت قصة انصراف النبي ◌َّر من الصلاة من حديث
أبي هريرة بلفظ: خرج رسول الله وّ وقد أُقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف حتى إذا
قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر فانصرف، وفي رواية: فلما قام في مصلاه ذكر أنه
جنب، فقال لنا: مكانكم. وهذا دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة،
نعم ورد في ((سنن أبي داود)) من حديث أبي بكرة أنه دخل في صلاة الفجر، فكبّر
ثم أومأ إليهم، والجمع بينهما بحمل قوله کبر على أنه أراد أن يكِر، وأبدی عیاض
والقرطبي احتمال أنهما واقعتان، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان،
فإن ثبت التعدّد فذاك، وإلاّ فما في ((الصحيحين)) أصح كذا في ((فتح الباري)). إذا
عرفت هذا فنقول: إن اختير طريق الجمع وحمل المجمل على المفصل فقوله:
(كَبَّر) في حديث الباب يكون محمولاً على إرادة التكبير فلا يكون له دلالة على
انصراف من سبقه حدث في الصلاة.
وأما ثانياً: فلأن انصراف رسول الله ﴿ المرويّ في حديث الباب إنما كان
لأجل أنه كان جنباً فنسي ودخل في الصلاة قبل الغسل كما أوضحه ما في رواية
الدارقطني، ثم رجع وقد اغتسل فقال: إني كنت جنباً فنسيتُ أن أغتسل. وقد ورد
في ((صحيح البخاري)) وغيره أيضاً التصريح بأنه اغتسل ثم رجع ورأسُهُ يقطر ماءاً.
فَعُلم أن انصرافَه كان لحدثٍ سابق على الصلاة لا لحدث في الصلاة، والمقصود
هذا لا ذاك.
وأما ثالثاً: فلأنه قد ورد في ((صحيح البخاري)) وغيره أنه رجع بعدما اغتسل
ورأسه يقطر ماءاً، والحدث الذي يجوز بحدوثه في الصلاة البناء إنما هو الحدث =
٥٢٣
-..

= الذي يوجب الوضوء لا الذي يوجب الغسل.
وأما رابعاً: فلأن الإِمام إذا أحدث في الصلاة فذهب للتوضؤ فلا بدَّ له أن
يستخلف فلو لم يستخلف فسدت صلاته وصلاة من اقتدى به كما هو مصرَّح في
موضعه، ولم يُنقل في الأخبار أنه عليه السلام استخلف أحداً، فكيف يستقيم الأمر.
وأما خامساً: فلأنه ورد في حديث أبي هريرة: ثم رجع إلينا ورأسه يقطر ماءاً
فكبّر. وهذا نص في أنه لم يبنٍ على ما سبق، بل استأنف التكبير. وكيف يجوز له
البناء على التكبير السابق إن ثبت أنه خرج بعدماكبّر؟ فإنه كان قد أدّاه على غير
طهارة، ولا يجوز البناء على ما أداه بغير طهارة، بل على ما أدّاه بطهارة.
وبالجملة إذا جُمعت طرق حديث الباب ونُظر إلى ألفاظ رواياته وحُمل بعضها
على بعض عُلم قطعاً أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد رحمه الله. وبه يظهر
أنه لا يصح إدخال هذا الحديث في باب الحدث في الصلاة(١)، لأنه لم يكن هناك =
(١) قال شيخنا في الأوجز ٢٩٤/١: إن رواية الموطأ هذه ورواية الصحيحين المذكورة
لو حُملتا على أنهما واقعة واحدة فلا إشكال أصلاً، إلَّ أن الظاهر عندي أنهما واقعتان
مختلفتان، ولما كان عند الإمام مالك حكم الحدث السابق واللاحق واحداً، يعني إذا صلّى
الإِمام ناسياً محدثاً أو جنباً ثم تذكَّر، وكذلك إذا أحدث في وسط الصلاة ففي كلا الحالين
تفسد صلاته عند المالكية، ولا يجوز البناء، فلذا ذكر هذا الحديث في إعادة الصلاة لأن
(كبّر) لو حمل على ظاهره بطلت الصلاة عند المالكية أيضاً وتجب الإِعادة فيصح إدخال
الحديث في باب الإِعادة.
وأما عند الحنفية، فحديث الباب ليس من باب الجنابة بل من باب سبق الحدث في الصلاة
ولذا أدخله الإِمام محمد في ((موطئه)) .. وليست هذه قصة الجنابة المذكورة في الصحيحين
وغيرهما، وإيرادات العلامة عبد الحيّ في حاشية ((الموطأ))، من المستغربات، وقد تقدم أنَّ
عياضاً والقرطبي والنووي وابن حبان كلهم قالوا بتعدد القصة، وما أورد الشيخ عبد الحيّ
على استنباط الإِمام محمد، فمبنيّ على وحدة القصتين إلاّ قوله: ولم ينقل أنه استخلف
أحداً، وأنت خبير بأنَّ اتحاد القصتين خلاف ما عليه الجمهور وعدم النقل لشيء يغاير نقل
العدم والحجة في الثاني دون الأول، وحديث الباب في حمله على قصة الجنابة مع شروع
الصلاة مشكل على الجمهور كلهم كما تقدم من أقوال الحنفية والمالكية، وقال الشافعي :
٥٢٤
- . . .

٠
ثم يبني (١) على ما صلّى، وأفضل ذلك أن يتكلم ويتوضَّأ ويستقبل
صلاته، وهو قول أبي حنيفة (٢) - رحمه الله - .
٤٨ - (باب فضل القرآن
وما يُستحبُّ من ذكر الله عز وجل)
١٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٣)
= حدث في الصلاة، ولعلَّ محمداً نظر إلى قوله: (كبّر)، فحمله على الدخول في
الصلاة وإلى قوله: (ثم رجع وعلى جلده أثر الماء)، فحمله على أنه توضأ، وحمل
قوله: (فصلّى) على أنه بنى، وأيَّده بأنه أشار إليهم أن امكثوا، ولم يتكلّم كما هو
شأن الباني، فاستنبط منه ما استنبط.
(١) قد ذكرت الأحاديث الدالة على هذا في باب الوضوء من الرعاف، فانظر
هناك.
(٢) وبه قال جماعة، وخالفهم جماعة في البناء كما مرَّ منّا ذكره في باب
الوضوء من الرعاف.
(٣) قوله: أخبرنا عبد الرحمن، قال الحافظ ابن حجر: هذا هو المحفوظ،
رواه جماعة عن مالك، فقالوا عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، أخرجه
النسائي والإِسماعيلي والدارقطني وقالوا: الصواب الأول.
لو أن إماماً صلّى ركعة ثم ذكر أنه جنب، فخرج واغتسل وانتظره القوم وبنى على الركعة
الأولی فسدت علیه وعلیھم صلاتهم لأنھم یأتمّون به عالمین أن صلاته فاسدة ولیس له أن
يبني على ركعة صلاها جنباً، ولو علم بعضهم دون بعض فسدت صلاة من علم. اهـ.
وكذلك عند الحنابلة ، فعلم أنَّ حديث الباب في حمل قوله: (كَبّر) على معناه
الحقيقي لا يوافق أحداً من الأئمة، فإما أن يحمل على المجاز من قوله أراد (أن يكبر)،
أو يحمل على تعدُّد القصّة. اهـ. مختصراً.
٥٢٥

١
عبدُ الرحمن(١) بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه(٢) أنه أخبره
عن أبي سعيد(٣) الخُذْري أنه سمع رجلاً (٤) من الليل يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردِّدها(٥)، فلما أصبح حدَّث النبيَّ وَلَ كأنَّ(٦) الرجل(٧)
يُقَلِّلُها(٨)، فقال النبي ◌َّ: ((والذي نفسي بيده إنها(٩)
(١) قوله: عبد الرحمن، الأنصاري المازني، وثقه النسائي وأبو حاتم، مات
في خلافة المنصور كذا في ((الإِسعاف)).
(٢) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة التابعي الثقة، كذا قال
الزرقاني .
(٣) سعد بن مالك بن سنان.
(٤) هو قتادة بن النعمان أخو أبي سعيد الخدري لأمِّه كما صرح به في
رواية ((مسند أحمد)).
(٥) لأنه لم يحفظ غيرها، أو لما رجاه من فضيلتها قاله أبو عمر (١).
(٦) بفعل ماض أو بشد النون.
(٧) بالنصب أو الرفع الذي جاء وذكر، وهو أبو سعيد.
(٨) أي: يعتقد أنها قليلة.
(٩) قوله: إنها لتعدل (٢)، أي: تساوي ثلث القرآن لأن معاني القرآن
ثلاثة علوم: علم التوحيد، وعلم الشرائع، وعلم تهذيب الأخلاق. وسورة
الإِخلاص يشمل على القسم الأشرف منها الذي هو كالأصل للقسمين، وهو علم
التوحيد، وقال الطيبي: ذلك لأن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام،
وصفات الله و﴿قل هو الله ... ﴾ متمخّضة للصفات فهي ثلث القرآن، وقيل : =
(١)) في الأصل: ((أبو عمرو)).
(٢) أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٣ - باب فضل: قل هو الله أحد.
٥٢٦

لَتَعْدِلُ ثُلُثَ(١) القرآن)).
٠
= ثوابها يُضاعَف بقدر ثلث القرآن، فعلى الأول لا يلزم من تكريرها استيعاب القرآن
وختمه وعلى الثاني يلزم، وقال ابن عبد البر: من لم يتأوَّل هذا الحديث أخلص
ممن اختار الرأي، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، فإنهما حَمَلا الحديث على أن معناه
أن لها فضلاً في الثواب تحريضاً على تعلُّمها لا أن قراءتها ثلاث مرات كقراءة
القرآن، قال: وهذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة، كذا في ((مرقاة المفاتيح))(١).
(١) قوله: ثلث القرآن، قد وقع النزاع بين طَلَبَتي المستفيدين مني
بحضرتي سنة إحدى وتسعين بعد الألف والمائتين في أنه إذا قرأ سورة الإِخلاص
هل يجد ثواب قراءة تمام القرآن؟ فقال بعضهم: نعم، مستنداً بهذا الحديث، ورده
بعضهم بأنَّ جميع الأثلاث إنما يبلغ إلى الواحد التام إذا كانت من جنس واحد، وإلّ
فلا، وليس في الحديث تصريح بشيء من ذلك، فحضروا لديَّ سائلين تحقيق الحق
في ذلك، فقلت: قد صرَّح جمع من الفقهاء والمحدثين بذلك فقالوا: غرضنا أنه
هل يُستنبط ذلك من هذا الحديث أم لا؟ فقلت: إن كانت الثلثية معلَّلة باشتمالها
على ثلث معاني القرآن، وهو التوحيد كما هو رأي جماعة. فلا دلالة لهذا الحديث
على حصول ثواب ختم القرآن بالتثليث لأن التثليث حينئذٍ يكون تثليثاً لآيات
التوحيد فقط ولا يشتمل على ما(٢) في القرآن،وإن حمل ذلك علی کون ثوابه بقدر ثواب
ثلث القرآن مع قطع النظر عن ما ذُكر يُمكن ثواب الختم التام بالتثليث، فانقطع
النزاع منهم. ثم وجدت في ((معجم الطبراني الصغير)) أنه أخرج عن أحمد بن
محمد البزار الأصبهاني، نا الحسن بن علي الحلواني، نا زكريا بن عطية، نا
سعد بن محمد بن المسور بن إبراهيم، حدثني عمِّي سعد بن إبراهيم، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾
بعد صلاة الصبح اثني عشر مرة، فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضلَ أهل
الأرض يومئذٍ إذا اتّقى، فصار هذا أدلّ على المقصود قاطعاً للنزاع .
(١) ٣٤٩/٤، وانظر: فتح الباري ٦٠/٨.
(٢) في الأصل: ((ما في القرآن))، والصواب: ((على ما في القرآن)).
٥٢٧
.. . .-

١٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد قال: سمعت
سعيدَ بنَ المسيّب يقول: قال معاذ بن جبل(١): لَأَنْ أذكرَ اللَّهَ من
بُكْرة(٢) إلى الليل أحبُّ(٣) إليّ من أن أحمل على جِياد(٤) الخيل من
بكرة حتى الليل.
قال محمد: ذكرُ الله حَسَنٌ على كل حال(٥).
١٧٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أن النبيَّ وَ لّم
(١) قوله: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي
أبو عبد الرحمن المدني شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلَّها، وكان أحد الأربعة الذين
جمعوا القرآن على عهد رسول اللهِ وَ ﴿، ومات في طاعون عَمَواس، كذا في
«الإِسعاف)).
(٢) أي: من أول النهار.
(٣) قوله: أحبّ إليَّ ... إلخ، فيه تفضيل الذكر على الجهاد وهو أمر توقيفي
لا يُدرك بالرأي، وقد ورد به حديث مرفوع أيضاً، وورد بعض الأحاديث بتفضيل
الجهاد على جميع الأعمال، والجمع بينهما أن الجهاد الكامل المتضمِّن لبذل المال
وإظهار الحجة والبيان وتدبير الأمور بالرأي والتوجّه بالدعاء والقلب والقتال باليد
أفضل الأعمال مطلقاً، وما سواه من أنواعه يفضل عليه الذكرُ، كذا حققه برهان
الدين إبراهيم بن أبي القاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن جعمان الشافعي في
((عمدة المتحصنين شرح عدة الحصن الحصين)).
(٤) بالکسر جمع جید.
(٥) قوله: على كل حال، حتى حالة التغوّط والجماع فإنه وإن كان الذكر
اللساني منهّاً عنه عند ذلك لكن لا شبهة في حُسْن الذكر القلبي، وقد ورد من
حديث عائشة أن النبي ولو كان يذكر الله على كل أحيانه.
٥٢٨
..

٠
قال: إنما مثلُ صاحبِ القرآن كمثل صاحبٍ(١) الإِبل المُعَلَّقة(٢)، إن
عاهَدَ(٣) عليها أمسكها وإن أطلقها ذَهَبَتْ.
٤٩ - (باب الرجل يُسلَّم (٤) عليه وهو يصلي)
١٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أنَّ ابنَ عمرَ مرَّ على رجلٍ
يصلِّي، فسلَّم عليه(٥) فردَّ(٦) عليه السلامَ، فَرَجَع إليه ابنُ عمَرَ، فقال:
إذا سُلُّم على أحدِكم وهو يصلِّي فلا يتكلّمْ(٧)
(١) قال الطِّيبي: وذلك لأن القرآن ليس من كلام البشر، بل كلام خالق
القُوَى والقُدَر، وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة لأنه حادث، وهو قدیم،
والله سبحانه بلطفه منَّ عليهم ومنحهم هذه النعمة .
(٢) العقال: الحبل الذي يُشدّ به ذرع البعير، كذا في ((مرقاة المفاتيح)).
(٣) المعاهدة: المحافظة وتجديد العهد.
(٤) بصيغة المجهول.
(٥) أي: سلّم ابن عمر عليه، ولعله لم يدرِ أنه يصلي .
(٦) أي: كلاماً.
(٧) برد السلام لأنه مفسد، قوله: فلا يتكلم، فيه إشارة إلى أن السلام كلام
لأن فيه خطاباً ومواجهة بالغير، والكلام في الصلاة منهي عنه، وقد دلَّت عليه
أحاديث مرفوعة أيضاً، فأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال: كنا نقوم في
الصلاة، فنتكلم ويسارّ الرجل صاحبه، ويخبره، ويردّون عليه إذا سلَّم حتى أتيتُ
فسلَّمت فلم يردّوا عليَّ، فاشتدَّ ذلك عليَّ، فلما قضى النبيُّ ◌َِّ صلاته قال: أما
إنّه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلاّ أنّا أُمرنا أن نقوم قانتين. وأخرج أيضاً عنه : =
٥٢٩

٠
وَلْيُشِرْ(١) بيدِهِ .
=
كنا نتكلم في الصلاة، فسلَّمت على النبيِ مَ﴿، فلم يردّ عليَّ، فلما انصرفت قال:
لقد أحدث الله أن لا تكلموا في الصلاة، ونزلت: ﴿وَقُوْمُوْا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(١). وأخرج
أيضاً عنه أن النبي ◌ِ ◌ّيّ كان عوَّدني أن يردَّ عليَّ السلام في الصلاة فأتيتُهُ ذات يوم
فسلَّمتُ فلم يردَّ عليّ، وقال: إنّ الله يحدث في أمره ما شاء، وإنه قد أحدث لكم أن
لا يتكلم أحد إلّ بذكر الله وما ينبغي من تسبيح وتمجيد ﴿وقوموا للَّهِ قَانِتِينَ﴾،
وأخرج البخاريّ ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عنه: كنّا نسلِّم على
رسول الله ◌َّه وهو في الصلاة فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشيّ سلَّمنا عليه
فلم يردّ علينا، فقلنا: كنا نسلَّم عليك، فتردّ علينا، فقال: إنَّ في الصلاة شغلاً.
(١) قوله: وليشر بيده، أي: بأصبعه لما أخرج أبو داود والترمذي، عن
صهيب: مررت برسول الله وَّ﴾ وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه فردّ إليَّ إشارةً، وأخرج
البزار، عن أبي سعيد أن رجلاً سلّم على رسول الله وَ له وهو في الصلاة، فردَّ
رسولُ اللهِ وَلَّ إشارة، فلما سلَّم قال له: إنّا كنّا نردّ السلام في صلاتنا، فُهينا عن
ذلك. وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني، عن أنس: كان رسول الله وله
يشير في الصلاة .
وبه أخذ الشافعي، فاستحب الردّ إشارة، وعن أحمد كراهة الرد بالإِشارة
في الفرض دون النفل، وعن مالك روايتان، ذكره العيني. واختلف أصحابنا:
فمنهم من كرهه ومنهم الطحاويّ وحملوا الأحاديث على أن إشارته و # كان للنهي
عن السلام لا لردِّه، وهو حَمْلٌ يحتاج إلى دليل مع مخالفته لظاهر بعض الأخبار،
ومنهم من قال لا بأس به(٢).
(١) سورة البقرة: آية ٢٣٨ .
(٢) جمع في بذل المجهود ٢٠٧/٥ بين الحديثين، بأن الحديث الأول محمول على الأولوية،
وأما الثاني، فعلى تعليم الجواز.
٥٣٠
ـــعاً
:
- .

.--
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للمصلّي أن يردّ السلامَ إذا
سُلُّم عليه وهو في الصلاة، فإن فعل (١) فسدتْ صلاتُهُ، ولا ينبغي (٢)
أن يسلَّمَ عليه وهو (٣) يصلِّي، وهو قولُ أبي حنيفة ــ رحمه الله ـ.
٥٠ - (باب الرجلانِ يصلِّيانِ جماعة)
١٧٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُبَيدِ الله بن
عبد الله بن عُتْبَةَ، عن أبيه(٤) قال: دخلتُ على عمرَ بنِ الخطاب ...
(١) قوله: فعل، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء،
وكان ابن المسيّب والحسن وقتادة لا يَرَوْن به بأساً، كذا ذكره العيني، ولعلٌ من
أجازه لم يبلغه الأحاديث فإنها صريحة في أن السلام كلام ممنوع عنه.
(٢) قوله: ولا ينبغي، لأنه في شغل عن ردِّه، إنما السلام على من يمكنه
الرد، وأجازه بعضهم لحديث: كان الأنصار يدخلون ورسول الله وَّل يصلّي
ويسلمون فيردَّ عليهم إشارة بيده، كذا في ((الاستذكار)).
(٣) قوله: وهو يصلّي، فإن سلَّم عليه هل يجب عليه الرد؟ فذكر العيني
وغيره أن عند أبي يوسف لا يردّ في الحال ولا بعد الفراغ، وعند أبي حنيفة يردّه
في نفسه، وعند محمد يرد بعد السلام، لما أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى، عن
ابن مسعود كنا نسلَّم بعضنا على بعض في الصلاة فمررت برسول الله ويّةٍ فسلّمت
عليه، فلم يردّ عليّ، فوقع في نفسي أنه نزل فيه شيء، فلما قضى رسولُ الله
صلاتَه، قال: وعليك السلام. وأخرج الطحاوي، عن جابر: كنا مع النبي ◌َّ في
سفر، فبعثني في حاجة، فانطلقت إليها، ثم رجعت وهو يصلَي على راحلته
فسلَّمتُ عليه فلم يردّ عليَّ، ورأيته يركع ويسجد فلما سلَّم ردًّ.
(٤) قوله: عن أبيه، هو عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ابن أخي =
٥٣١

بالهاجِرَةِ(١) فوجدتُهُ يسبِّحُ (٢) فقمْتُ (٣) وراءَه فَقَرَّبَنِي، فجعلني بحِذائِهِ (٤)
عن يمينه، فلما جاء يَرْفَاءُ(٥) تأخّرْتُ فَصَفَفْنَا وراءه (٦).
١٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أنه قام عن يسارِ ابنِ عمرَ في
صلاته، فجعلني عن يمينه(٧) .
١٧٩ - أخبرنا مالك، حدثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنٍ
= عبد الله بن مسعود، ووثّقه جماعة وهو من كبار التابعين، مات بعد السبعين، كذا
في ((التقريب)) وغيره.
(١) وقت الحرّ.
(٢) قوله: يسبح، يُطلَق التسبيح على صلاة النافلة، ويقال للذِّكْر ولصلاة
النافلة سُبحة، يقال: قضيتُ سُبحتي، وإنما خُصَّت النافلة بالسبحة وإن شاركتها
الفريضة في التسبيح لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة:
سبحة، لأنها نافلة كالتسبيحات، كذا في ((النهاية))، والمراد ههنا: نافلة الظهر إن
كان الهاجرة بمعنى ما بعد الزوال أو صلاة الضحى إن حُمل على الحرّ.
(٣) فيه جواز الإِمامة في النافلة .
(٤) بكسر الحاء وفتح الذال والمدّ، أي: بمقابلته.
(٥) قوله: يرفاء، حاجب عمر أدرك الجاهلية، وحجَّ مع عمر في خلافة
أبي بكر، وله ذكر في ((الصحيحين)) في قصة منازعة علي والعبّاس في صدقة
رسول الله وَلقر، كذا قال الزرقاني.
(٦) أي: خلف عمر.
(٧) أي: ابن عمر.
٥٣٢

٠
أبي طلحة(١)، عن أنس بن مالكٍ: أن جدَّتَه(٢) دعت رسولَ الله وَلـ
(١) هو زید بن سهل.
(٢) قوله: أن جدته ، قال ابن عبد البر: إن جدَّته مليكة، يقوله مالك،
والضمير في جدته عائد إلى إسحاق، وهي جَدَّة إسحاق أمُّ أبيه عبد الله بن أبي طلحة،
وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري، وهي أم أنس بن مالك كانت
تحت أبيه مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك والبراء بن مالك، ثم خلف
عليها أبو طلحة، قال: وذكر عبد الرزاق هذا الحديث، عن مالك، عن إسحاق،
عن أنس، أن جدَّته مليكة، يعني جدة إسحاق، وساق الحديث بمعنى ما في
((الموطأ)). انتهى. وقال النووي: الصحيح أنها جدة إسحاق فتكون أم أنس، لأن
إسحاق ابن أخي أنس لأمه، وقيل: إنها جدَّة أنس وهي بضم الميم وفتح اللام،
وهذا هو الصواب، وعن الأصيلي: بفتح الميم وكسر اللام، وهذا غريب مردود،
وقال الحافظ ابن حجر: الضمير في جدَّته يعود إلى إسحاق، جزم به ابن عبد البر
وعبد الحق وعياض، وصحَّحه النووي، وجزم ابن سعد وابن مندة بأنها جدة أنس،
وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في ((النهاية)) ومن تبعه وكلام عبد الغني في
((العمدة)) وهو ظاهر السياق، ويؤيِّده ما رويناه في فوائد العراقيين لأبي الشيخ من
طريق القاسم بن يحيى المقدسي، عن عبيد بن عمر، عن إسحاق بن
أبي طلحة، عن أنس، قال: أرسلَتْني جدَّتي إلى رسول الله مَرَ، واسمها مليكة،
فجاءنا فحضرت الصلاة، الحديث قال: ومقتضي من أعاد الضمير إلى إسحاق أن
يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق، عن
أنس، قال: صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ◌َّه وأمي أم سليم خلفنا. هكذا
أخرجه البخاري والقصة واحدة، طوَّلها مالك، واختصرها سفيان، قال: ويحتمل
تعدّدها، وقد ذكر ابن سعد في ((الطبقات)) أمَّ أنس وهي أم سليم بنت ملحان وقال:
هي الغميصا، ويقال: الرميصا، ويقال: اسمها سهلة، ويقال أنيفا، ويقال: رُميثة،
ويقال: رميلة، وأمها مليكة بنت مالك، كذا في ((التنوير))(١).
(١) ص ١٦٩ .
٥٣٣
ـعنا
...

٠
الطعام، فأكل (١) ثم قال: قوموا فَلْنُصَلُّ بكم(٢). قال أنس: فقمتُ إلى
حصير لنا قد اسوَدَّ من طول ما لُبِسَ (٣) فنضحتُهُ(٤) بماءٍ، فقام(٥) عليه
رسولُ اللَّهِ وَلِ﴾ قال: فصففتُ أنا واليتيم(٦)
(١) قوله: فأكل، زاد فيه إبراهيم بن طحان وعبد الله بن عون، عن مالك
وأكلت منه، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال: قم فتوضأُ ومُرْ العجوز فلتتوضأ،
ولأصلٍّ لكم.
(٢) قال السهيلي: الأمر ها هنا بمعنى الخبر. قوله: فلنصلَّ بكم، قال
الحافظ: أورد مالك هذا الحديث في ترجمة صلاة الضحى، وتُعقّب بما رواه
البخاري، عن أنس أنه لم يرَ النبيَّ ◌َل* يصلّي الضحى إلاّ مرة واحدة في دار
الأنصاري الضخم الذي دعاه ليصلّي في بيته. وأجاب صاحب ((القبس)) بأن مالكاً
نظر إلى الوقت الذي وقعت فيه تلك الواقعة وهو وقت صلاة الضحى.
(٣) أي: استعمل. ولُبْسُ كلِّ شيء بحسبه، قال الرافعي: يريد فُرش، فإن ما
فُرش فقد لبسته الأرض.
(٤) قوله: فنضحته، لِيَلِين لا لنجاسة، قاله إسماعيل القاضي، وقال غيره:
النضح طهور لما شكَّ فيه لتطبيب النفس.
(٥) قوله: فقام عليه، فيه جواز الصلاة على الحصير، وما رواه ابن
أبي شيبة وغيره، عن شريح بن هانىء أنه سأل عائشة: أكان رسول الله وهل يصلّي
على الحصير والله يقول: ﴿وَجَعَلنا جهنم للكافرين حَصِيراً﴾(١)؟! فقالت: إنه لم يكن
ليصلّي على الحصير. ففيه يزيد بن المقدام ضعيف، وهو خبر شاذٍّ مردود بما هو
أقوى منه كحديث الباب، ولما في البخاري، عن عائشة: أن النبي ◌َّ كان له
حصير يبسطه ويصلّي عليه.
(٦) بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع، وبالنصب مفعول معه. قوله:
واليتيم، هو ضميرة بن أبي ضمرة مولى رسول الله وهو، كذا سمّاه عبد الملك بن =
(١) سورة الإِسراء: الآية ٨.
٥٣٤
....---

٠
وراءَه والعجوزُ(١) وراءَنا، فصلَّى بنا ركعتين ثم انصرف(٢).
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، إذا صلَّى الرجل الواحدُ مع الإِمام
قام عن يمين الإِمام، وإذا صلَّى الاثنان قاما(٣) خلفه وهو قول
أبي حنيفة - رحمه الله - .
= حبيب، وجزم البخاري بأن اسم أبي ضمرة سعد الحميري، ويقال: سعيد، ونسبه
ابن حبان ليثياً، ويقال: اسمه روح، ووهم من قال اسم اليتيم روح كأنه انتقل ذهنه
من الخلاف في اسم أبيه، وكذا وهم من قال: اسمه سليم، كما بيَّنه في الفتح،
كذا في ((شرح الزرقاني))(١).
(١) قال النووي: هي أم سليم، وقال الحافظ: هي مليكة المذكورة.
(٢) أي: إلى بيته أو من الصلاة.
(٣) قوله: قاما(٢) خلفه: هذا هو مذهب أكثر العلماء، وبه قال عمر
وعلي وابن عمر وجابر والحسن وعطاء ومالك وأهل الحجاز والشام والشافعي
وأصحابه وأكثر أهل الكوفة، ومذهب ابن مسعود أنهم إذا كانوا ثلاثة قام الإِمام
وسطهم، فإن كانوا أكثر من ذلك قدموا أحدهم، وبه قال النخعيُّ ونفر يسير من أهل
الكوفة، كذا في ((الاعتبار)) للحازمي. وفي ((صحيح مسلم)) أن ابن مسعود صلّى
بعلقمة والأسود، فقام بينهما، وكذا أخرجه أبو داود والبيهقي ومحمد في كتاب
((الآثار)) والطحاوي وغيرهم، وفي بعضها أنه قال: هكذا كان النبي ◌ّ* يفعل
وأجاب الجمهور عنه بوجوه: منها أنه لم يبلغه حديث أنس وغيره الدالّ صريحاً
على تقدّم الإِمام على الاثنين، وفيه بُعْد، ومنها أنه فعل ما فعل لعذر، أو لبيان
الجواز، لا لبيان أنه السنّة، ومنها أنه منسوخ بأحاديث أخر.
(١) ٣٠٩/١.
(٢) لا خلاف في أن سنّة النساء القيام خلف الرجال ولا يجوز لهن القيام معهم في الصف.
أوجز المسالك ١٤١/٣.
٥٣٥

٥١ - (بابُ الصلاةِ في مرابضٍ (١) الغنم)(٢)
١٨٠ - أخبرنا مالك، عن محمدِ(٣) بن عمرو بن حَلْحَلَةً
الدُّوَّلِي (٤)، عن حُميد(٥) بنِ مالكِ بنِ الخَيْثَمِ ، عن أبي هريرة أنَّه
(١) هي المواضع التي تربض فيها الغنم، قوله: في مرابض، من ريض في
المكان يربض إذا لصق بها وأقام ملازماً لها، يقال: حتى تربَّض الوحش في كناسها،
كذا في ((النهاية)).
(٢) قوله: الغنم، قال الجوهري: هو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على
الذكور والإناث من الشأة، وثبت في ((صحيح البخاري)) - وسنن ابن ماجه -
واللفظ له، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما بعث الله نبياً إلَّ راعي غنم، فقال أصحابه:
وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط، كذا في ((حياة
الحيوان)» لكمال الدين محمد بن موسى الدَّميري الشافعي .
(٣) هو المدني، وثقة ابن معين والنسائي، ذكره السيوطي .
(٤) قوله: الدؤلي، بضم الدال وفتح الهمزة وذكر في ((التقريب)) في نسبته
الدِّيلي بكسر الدال بعدها ياء، وهما نسبتان إلى قبيلة.
(٥) قوله: عن حميد بن مالك بن الخيثم، هكذا وجدنا العبارة في بعض
النسخ، وعليه شرح القاري، وضبطه بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية ففتح
المثلّثة، وضبطه ابن حجر في ((التقريب)) بصيغة التصغير حيث قال: حميد بن
مالك بن خُثَيم بالمعجمة والمثلثة مصغراً، ويقال مالك جَدّه، واسم أبيه عبد الله
ثقة. انتهى. وذكر في ((تهذيب التهذيب)) في ضبطه اختلافاً حيث قال في ترجمته:
قال ابن سعد: كان قديماً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وجَدّه ذكره
البخاري في ((التاريخ)) فضبطه في الرواة عنه بلفظ الخُتّم بضم المعجمة وفتح
المثناة الخفيفة، وضبطوه في رواية ابن القاسم في ((الموطأ)) كذلك، لكن بالمثلثة،
وضبطه مسلم كذلك، لكن بتشديد المثناة، وضبطوه في ((الأحكام)) لإسماعيل -
٥٣٦
نقدية
----..

قال: أحسِنْ إلى غَنَمِك، وأطِبْ مُراحَها(١)، وصلّ(٢) في (٣) ناحيتها،
فإنها من دوابِّ الجنة .
= القاضي بتشديد المثلثة. انتهى ملخصاً. وضبطه ابن الأثير في ((النهاية)) بمثل ما في
((التقريب)).
(١) بضم الميم، موضع تروح إليه الماشية، أي: تأوي إليه ليلاً، كذا في
((النهاية)).
(٢) قوله: وصلِّ في ناحيتها، روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن
البراء: سئل رسول الله صل عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضّؤوا منها، وسئل عن
لحوم الغنم، فقال: لا توضؤوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإِبل؟ فقال:
لا تصلّوا في مبارك الإِبل فإنها مأوى الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض
الغنم؟ فقال: صلّوا فيها، فإنها مباركة. وروى النسائي وابن حبان من حديث
عبد الله بن المغَفَّل أن رسول الله وسلم قال: إن الإِبل خُلقت من الشياطين، كذا في
«حياة الحيوان)».
(٣) قوله: في ناحيتها، روى يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
ابن عمر مرفوعاً: ((صلّوا في مُراح الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل))(١)، ووردت
هذه الرواية عن جماعة من الصحابة وأصح ما قيل في الفرق أن الإِبل لا تكاد تهدأ
ولا تقرّ بل تثور، فربما تقطع الصلاة، وجاء في الحديث: ((إنها خُلقت من
جنّ)).
(١) الحديث الصحيح: ((جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) يدلّ: بعمومه على جواز الصلاة
في أعطان الإِبل وغيرها بعد أن كانت طاهرة، وهو مذهب جمهور العلماء وإليه ذهب أبو
حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف وأحمد وآخرون وكرهها الحسن البصري وإسحاق
وأبو ثور، وعن أحمد في رواية مشهورة عنه أنه إذا صلّى في أعطان الإِبل فصلاته فاسدة،
وهو مذهب أهل الظاهر. أوجز المسالك ٢٨١/٣.
٥٣٧

m
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالصلاة في مُراح(١) الغنم،
وإن كان فيه (٢) أبوالُها وبعرُها(٣) ما أكلتَ(٤) لحمَها فلا بأس (٥)
بولها .
(١) بضم الميم، موضع تروح إليه الماشية، أي: تأوي إليه ليلاً، كذا في
((النهاية)) وقال الباجي: مُراح الغنم مجتمعها من آخر النهار ذكره السيوطي، وهما
متقاربان قاله القاري .
(٢) قوله: وإن كان فيه ... إلخ، قال القاري: فيه أنه لا دلالة في الحديث
على أنه يصلّي فوق بولها وبعرها من غير سجّادة ونحوها، بل قول أبي هريرة صلِّ
في ناحية، تأبى عن هذا المعنى، وأيضاً فلا يحصل الفرق حينئذٍ بين مرابض الغنم
وأعطان الإِبل، والشارع فرَّق بينهما. انتهى. وقد يُقال أيضاً: لا وجه لذكر البعر
فإنه نجس عند صاحب الكتاب أيضاً، فليتأمل.
(٣) بسكون العين وفتحها، هو الإِبل والغنم ، والروث للفرس والحمار،
والخثي بالكسر للبقر، ذكره العيني .
(٤) بصيغة الخطاب. وفي نسخة: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله.
(٥) قوله: فلا بأس بيولها، لما روي أن رسول الله له أمر العرينيين بشرب
أبوال الإبل، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف(١) بول ما يؤكل كبول ما لا يؤكل نجس،
وأما البعرة، فاتفق الثلاثة على نجاستها إلَّ أنهما قالا: نجاسة خفيفة، وقال
أبو حنيفة: غليظة، وزفر خفّف في مأكول اللحم وغّظ في غير المأكول اللحم،
وتفصيله في كتب الفقه.
(١) وبه قال الشافعي، وعند مالك وأحمد ومحمد بول ما يؤكل لحمه طاهر. أوجز المسالك
٢٨٢/٣.
٠٠٠
٥٣٨

1
٥٢ - (باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها)
١٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن
رسول الله وَل﴾ قال: لا يتحرَّى(١) أحدُكُم فيصَلَّيَ(٢) عند(٣) طلوعٍ
الشمسِ ولا عند غروبِها.
١٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيدُ بن أسلم، عن عطاءِ بنِ
يسار، عن عبدِ الله (٤)
(١) قوله: لا يتحرى، بلا ياء عند أكثر رواة ((الموطأ)) على أن لا ناهية، وفي
رواية التنيسي والنيسابوري بالياء على أن لا نافية، قال الحافظ: كذا وقع بلفظ
الخبر، وقال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع أي: لا يكون إلَّ هذا،
وقال العراقي : يحتمل أن يكون نهياً والألف إشباع .
(٢) بالنصب، في جواب النفي أو النهي والمراد نفي التحري. والصلاة معاً.
(٣) قوله: عند ... إلخ، قال الحافظ: اختلف في المراد به، فقيل: هو
تفسير لحديث الصحيحين، عن عمر: أن النبي وقَّ نهى عن الصلاة بعد الصبح
حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. فلا تكره الصلاة بعدهما إلاّ لمن
قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى هذا احتجَّ بعض أهل الظاهر، وقوّاه
ابن المنذر، وذهب الأكثر إلى أنه نهي مستقل، وكره الصلاة في الوقتين قَصَد
أُم لم يقصد .
(٤) قوله: عن عبد الله الصنابحي، هكذا قال جمهور الرواة، وقال مطرِّف
وإسحاق بن عيسى الطباع، عن أبي عبد الله الصنابحي، قال ابن عبد البر: هو
الصواب، وهو عبد الرحمن بن عسيلة، تابعي، ثقة، ورواه زهير بن محمد، عن
زيد، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي قال: سمعت رسول الله، وهو خطأ، فإن
الصنابحي لم يلقه، قال الحافظ في ((الإِصابة)): ظاهره أنّ عبد الله الصنابحي =
٥٣٩
أ

الصُّنابحي(١): أن رسولَ اللهِ وَّه قال: إنَّ الشمسَ تطلُعُ ومعها(٢)قرن
= لا وجود له، وفيه نظر، فقد قال يحيى بن معين: عبد الله الصنابحي روى عنه
المدنيون يشبه أن يكون له صحبة، وقال ابن السَّكّن: يقال: إنه له صحبة، ورواية
مطرِّف والطباع عن مالك شاذّة، ولم ينفرد به مالك، بل تابعه حفص بن ميسرة،
عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي، سمعت رسول الله وليه،
وكذا زهير بن محمد عند ابن مندة، وكذا تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير
وخارجة بن مصعب، الأربعة عن زيد به، وأخرجه الدارقطني من طريق إسماعيل بن
الحارث وابن مندة، من طريق إسماعيل الصائغ، عن مالك، عن زيد به، مصرِّحاً
بالسماع، كذا ذكره الزرقاني .
(١) بضم المهلمة وفتح النون وكسر الباء نسبةً إلى صنابح، بطن من مراد،
ذكره الزرقاني .
(٢) قوله: ومعها قرن الشيطان، للعلماء في معنى الحديث قولان:
أحدهما: أن هذا اللفظ على حقيقته وإنها تطلع وتغرب على قرن شيطان، وعلى
رأس شيطان وبين قرني شيطان على ظاهر الحديث حقيقة لا مجازاً، وقال آخرون:
معناه عندنا على المجاز واتساع الكلام، وأنه أريد بقرن الشيطان ههنا أمَّة تعبد
الشمس وتسجدها وتصلّي حين طلوعها وغروبها تقصد بذلك الشمس من دون الله
كذا في ((آكام المرجان في أحكام الجان))، وفي ((الكاشف))، ذكر فيه وجوهاً:
أحدها: أن الشيطان ينتصب قائماً في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها(١) بين
قرنيه، أي: فوديه(٢) فيكون مستقبلاً لمن يسجد الشمس، فيصير عبادتهم له، فنهوا
عن الصلاة في ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان، وثانيها: أن يُراد بقرنيه حزباه
اللذان يبعثهما حينئذٍ لإغواء الناس، وثالثها: أنه من باب التمثيل شبّه الشيطان في =
(١) في الأصل: ((طلوعه))، والصواب: ((طلوعها)).
(٢) أي رأسه، أي ناحيتيه، كل واحد منهما فود. مجمع بحار الأنوار ١٨١/٤.
٥٤٠
-