Indexed OCR Text
Pages 461-480
الحصى (١) تسويةً(٢) خفيفة.
وقال أبو جعفر: كنت يوماً أصلّي، وابنُ عمر ورائي (٣)، فالتفتُّ
فوضع يده في قفاي فغمزني (٤).
(١) الحصى جمع حصاة (سنگريزة)(١). قوله: سوّى الحصى، حكى النووي
اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصباء وغيرها في الصلاة. وفيه نظر، لحكاية
الخطابي، عن مالك أنه لم يَرَ به بأساً فكأنه لم يبلغه الخبر، كذا في الفتح والأوْلى
إن صحَّ ذلك عن مالك أنه كان يفعله مرة واحدة مسحاً خفيفاً كفعل ابن عمر.
(٢) قوله: تسوية، أي: مرةً واحدةً خفيفةً تحرّزاً عن الإِيذاء، وعن العمل
الكثير، وقد ورد ذلك مرفوعاً، فأخرج الأئمة الستة عن مُعَيْقيب أن النبي ◌َّ قال:
لا تمسح الحصى وأنت تصلي، فإن كنتَ لا بدّ فاعلاً فواحدة. وأخرج
ابن أبي شيبة، عن جابر، سألت رسول الله وَلثر عن مسح الحصى؟ قال: واحدة،
ولأن تُمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق. وروى عبد الرزاق، عن
أبي ذر سألت النبي ◌َّر عن كل شيء حتى عن مسح الحصى، فقال: واحدة،
أو دَعْ. وكذلك رواه ابن أبي شيبة وأبو نعيم في ((الحلية)). وكذلك أخرجه أحمد،
عن حذيفة.
(٣) أي: واقفاً أو قاعداً خلفي .
(٤) الغمز: العصر والكبس باليد، قوله: فغمزني، تنبيهاً على كراهة
الالتفات في الصلاة، أي: النظر يميناً وشمالاً، لما أخرجه أبو داود والنسائي عن
أبي ذر مرفوعاً: لا يزال الله مُقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا
التفت انصرف عنه. وأخرج البخاري عن عائشة: سألت رسول الله والقر عن التفات
الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وأخرج
الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي هريرة مرفوعاً: إياكم والالتفات في الصلاة، فإن
أحدكم يناجي ربَّه ما دام في الصلاة.
(١) بالفارسية .
٤٦١
"7
١٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا مُسْلم(١) بن أبي مريم(٢)، عن
علي (٣) بن عبد الرحمن المُعاوي (٤) أنه قال: رآني عبدُ الله بن عمر
وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرفتُ (٥) نهاني (٦) وقال:
أصنع كما كان (٧) رسول الله وَله يصنع، فقلت: كيف كان
رسول الله وَ لو يصنع؟ قال: كان رسولُ اللهِ وَلله إذا جلس في الصلاة
(١) وثَّقه أبو داود والنسائي وابن معين، مات في خلافة المنصور، كذا في
«الإِسعاف».
(٢) اسمه يسار المدني .
(٣) وثّقه أبو زرعة والنسائي، كذا قال السيوطي.
(٤) بضم الميم، قال ابن عبد البر : منسوب إلى بني معاوية ، فخذ من
الأنصار، تابعي، مدني، ثقة، روى له مسلم وأبو داود، قاله الزرقاني .
(٥) أي: فرغت من الصلاة.
(٦) قوله : نهاني(١)، وإنما لم يأمره بالإِعادة لأن ذلك والله أعلم كان منه
يسيراً لم يشغله عن صلاته، ولا عن حدودها. والعمل اليسير في الصلاة
لا يفسدها، كذا قال ابن عبد البر(٢).
(٧) لعل عبثه كان في حالة الجلوس، فلذلك علَّمه كيفية الجلوس
النبويّ .
(١) عن ذلك لكراهته في الصلاة، ولم يأمر بالإِعادة لأن العمل إذا لم يكثر لا يكون مفسداً،
وهذا إجماع من الأئمة الأربعة، وإن كان العمل يسيراً، لم يبطلها، والمرجع في ذلك
إلى العرف، مختصراً من أوجز المسالك ١١٥/٢ .
(٢) الاستذكار ٢٠٠/٢ .
٤٦٢
- - -
وضع كفّه اليمنى (١) على فخذه اليمنى، وقبض أصابعَه كلَّها(٢)، وأشار
بإصبعه(٣) التي تلي الإِبهام، ووضع كفّه اليسرى على فخذه اليسرى.
(١) قوله: وضع كفه اليمنى، قال ابن الهُمام في ((فتح القدير)). لا شك أن
وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقةً، فالمراد - والله أعلم - وضعُ
الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك للإشارة. وهو المرويّ عن محمد، وكذا عن
أبي يوسف في ((الأمالي)). انتهى. وقال عليّ القاريّ في رسالته ((تزيين العبارة
لتحقيق الإِشارة)): المعتمد عندنا أنه لا يَعقد يُمناه إلّ عند الإِشارة لاختلاف ألفاظ
الحديث وأصناف العبارة. وبما ذكرنا يحصل الجمع بين الأدلة، فإن البعض يدل
على أن العقد من أول وضع اليد على الفخذ، وبعضها يشير إلى أنه لا عقد أصلاً،
فاختار بعضهم أنه لا يعقد ويشير بعضهم أنه يعقد عند قصد الإشارة ثم يرجع إلى
ما كان عليه. والصحيح المختار عند جمهور أصحابنا أن يضع كفيه على فخذيه ثم
عند وصوله إلى كلمة التوحيد يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والإِبهام،
ويشير بالمسبِّحة رافعاً لها عند النفي واضعاً عند الإِثبات ثم يستمر على ذلك لأنه
ثبت العقد عند ذلك بلا خلاف ولم يوجد أمر بتغييره، فالأصل بقاء الشيء على
ما هو علیه. انتھی .
(٢) قوله: وقبض أصابعه كلَّها، ظاهره العقد بدون التحليق، وثبت التحليق
بروايات أخر صحيحة فيُحمل الاختلاف على اختلاف الأحوال والتوسع في الأمر،
وظاهر بعض الأخبار الإِشارة بدون التحليق والعقد، والمختار عند جمهور أصحابنا
هو العقد والتحليق، والثاني أحسن كما حققه عليَّ القاري في رسالته: ((تزيين
العبارة)) بعدما أورد نُبَذاً من الأخبار.
(٣) قوله: بإصبعه(١)، وهي السبابة، زاد سفيان بن عُيَيْنة، عن مسلم بإسناده =
(١) وفي الحديث استحباب الإِشارة بالسبّابة وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة. ((أوجز
المسالك)) ١١٦/٢.
٤٦٣
قال محمد: وبصنيع رسول الله وَ﴾ نأخذ، وهو (١) قول
أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - .
= المذكور وقال: هي مذبَّة للشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه. قال
الباجي: فيه أن معنى الإِشارة دفع السهو وقمع الشيطان.
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال القاري في رسالته: مفهومه أن أبا
يوسف مخالف لما قام عنده من الدليل وما ثبت لديه من التعليل والله أعلم بصحته .
وإن لم يكن لنا معرفة بثبوته. انتهى. وفيه نظر، فإن من عادة محمد في هذا الكتاب
وكذا في كتاب ((الآثار)) أنه ينص على مأخوذه ومأخوذ أستاذه أبي حنيفة فحسب،
ولا يتعرض لمسلك أبي يوسف لا نفياً ولا إثباتاً فلا يكون تخصيصه بذكر مذهبه
ومذهب الإِمام دالاً على أن أبا يوسف مخالفٌ لهما، وقد ذكر ابن الهُمام في ((فتح
القدير)) والشّمُني في ((شرح النقاية)) وغيرهما أنه ذكر أبو يوسف في ((الأمالي)) مثل
ما ذكر محمد، فظهر أن أصحابنا الثلاثة اتفقوا على تجويز الإِشارة(١) لثبوتها عن
النبي ◌َّم وأصحابه بروايات متعددة وطرق متكثّرة لا سبيل إلى إنكارها ولا إلى
ردّها، وقد قال به غيرهم من العلماء، حتى قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف في
ذلك، وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى
كصاحب ((الخلاصة)) و(البزازية الكبرى)) و((العتابية)) و((الغيائية)) و((الولوالجية))
و ((عمدة المفتي)) و((الظهيرية)) وغيرها حيث ذكروا أن المختار هو عدم الإِشارة، بل
ذكر بعضُهم أنها مكروهة، والذي حملهم على ذلك سكوت أئمتنا عن هذه المسألة =
(١) اختلفت الأئمة فيما بينهم في مسألتين: أولاهما في كيفية الإِشارة، في ((المغني)) ثلاث
صور: الأولى التحليق، والثانية العقد، والثالثة الإِشارة باسطاً يديه ثم قال: والأول أولى.
وذكر في المندوبات في نيل المآرب وفي الروض المربع التحليق فقط دون غيره.
وأما الثانية: فهي تحريك الأصابع، فلا يحرك الإصبع عندنا الحنفية وكذا عند الحنابلة،
وهي المفتى به عند الشافعية. وبه قال ابن القاسم من المالكية والمشهور عند المالكية
التحريك. انظر أوجز المسالك ١١٧/٢ .
٤٦٤
..
فأما تسوية الحصى فلا بأس بتسويته مرة واحدة، وتركها أفضل (١)
وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
٤١ - (باب التشهد(٢) في الصلاة)
١٤٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه، عن عائشة أنها كانت تتشهَّد فتقول: التحياتُ(٣) الطيباتُ
= في ظاهر الرواية، ولم يعلموا أنه قد ثبت عنهم بروايات متعددة ولا أنه ورد في
أحاديث متكثرة. فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه
مخالفاً لما ثبت عن النبي ◌َّ وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضاً، بل لو ثبت عن أئمتنا
التصريح بالنفي وثبت عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه الإِثبات لكان
فعل الرسول وأصحابه أحق وألزم بالقبول، فكيف وقد قال به أئمتنا أيضاً؟!
(١) قوله: أفضل، لقوله ◌َلخير: ((إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى
فإن الرحمة تواجهه)). أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذرّ رضي الله
عنه .
(٢) هو تفعّل من تشهد، سمِّي به لاشتماله على النطق بالشهادة، والتشهُّد:
ليس عند مالك في التشهد شيء مرفوع وإن كان غيره قد رفع ذلك، ومعلوم أنه
لا يُقال بالرأي. ولمّا علم مالك أن التشهد لم يكن إلاّ توقيفاً، اختار تشهّد عمر لأنه
كان يعلّمه الناس وهو على المنبر من غير نكير(١)، كذا في ((الاستذكار)).
(٣) فسَّرها بعضهم بالمُلك وبعضهم بالبقاء وبعضهم بالسلام.
(١) قال الباجي ١٧٠/١: فإن قال قائل فقد أثبتُّم أن تشهُّد عمر بن الخطّاب هو الصواب
المأمور به وأن ما عداه ليس بمأمور به ... فالجواب أن مالكاً رحمه الله اختار تشهُّد عمر بن
الخطاب على سائر ما روي فيه بالدليل الذي ذكرناه إلاّ أنه مع ذلك يقول: من أخذ بغيره
لا يأثم ولا يكون تاركاً للتشهد في الصلاة ... إلخ.
٤٦٥
-
الصلواتُ(١) الزاكياتُ لله، أشهد أن لا إله إلَّ اللَّهُ وحده لا شريكَ له،
وأشهد أن محمداً عبدُهُ ورسولُه، السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم.
١٤٧ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عبد الرحمن (٢) بن عبد(٣) القاريّ أنه سمع عمر بن الخطاب على
المنبر يعلّم الناس التشهُّد، ويقول: قولوا: التحيات (٤) لله،
الزاكيات (٥) للّه الطيّبات (٦) الصلوات (٧) لله السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته، السلام(٨)
(١) أي: الدعوات الصافيات.
(٢) قوله: عبد الرحمن، عامل عمر على بيت المال، ذكره العجلي في
ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة وقال تارة: تابعي،
مات سنة ٨٨هـ ، كذا قال ابن حجر.
(٣) بغير إضافة (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى قارة بطن من خزيمة بن
مدركة، كذا قال الزرقاني .
(٤) قوله: التحيات، عن القتبي أن الجمع في لفظ التحيات سببه أنهم
كانوا يحيّون الملوك بأثنية مختلفة كقولهم: أنعم صباحاً، وعش كذا سنة، فقيل:
استحقاق الأثنية كلَّها لله تعالى، كذا في ((التنوير)).
(٥) قال ابن حبيب: هي صالح الأعمال.
(٦) أي: طيبات القول.
(٧) قوله: الصلوات، قال القاضي أبو الوليد: معناه أنها لا ينبغي أن يُراد بها
غير الله، وقال الرافعي: معناه الرحمة لله على العباد.
(٨) قوله: السلام، قيل السلام هو الله، ومعناه الله على حفظنا، وقيل هو
جمع سلامة .
٤٦٦
علينا(١) وعلى عباد الله الصالحين(٢)، أشهد أن لا إله إلَّ الله، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله.
١٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان
يتشهد فيقول: بسم الله(٣)، التحيات لله، والصلوات الله،
والزاكيات لله، السلام عليك (٤) أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين شهدتُ أن لا إله إلَّ الله، وشهدت أن
محمّداً رسول الله .
يقول(٥) هذا في الركعتين الأولَيَّيْن، ويدعو(٦) بما بدا
(١) يريد به المصلّ نفسه والحاضرين من الإِمام والمأمومين والملائكة.
(٢) استنبط منه السبكي أن في الصلاة حقاً للعباد مع حق الله.
(٣) قوله: بسم الله، قد ذكر السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) أن زيادة
البسملة في التشهد غير صحيحة، وقد أوضحته في رسالتي ((إحكام القنطرة في
أحكام البسملة)»، لكن لا يخفى أن سند مالك صحيح، وفيه الزيادة موجودة فيُحمل
على كونها أحياناً ولا يُنكر أصل الثبوت.
(٤) قوله: السلام عليك، كذا رأيتُه في نسخ هذا الكتاب، وذكر الزرقاني
في ((شرح الموطأ))، برواية يحيى: (السلام على النبي) بإسقاط كاف الخطاب
ولفظ: أيها.
(٥) أي: ابن عمر.
(٦) أي: ابن عمر، أجازه مالك في رواية ابن نافع، والمذهب كراهة الدعاء
في التشهد الأول.
٤٦٧
له (١) إذا قضى تشهُّدَه، فإذا جلس في آخر صلاته تشهد كذلك (٢) إِلَّ أنه
يقدِّم التشهد ثم يدعو بما بدا له(٣)، فإذا أراد أن يسلم قال: السلام (٤)
على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
السلام عليكم عن يمينه، ثم يردّ(٥) على الإِمام، فإن سلّم عليه (٦) أحد
عن يساره ردًّ(٧) عليه .
(١) قوله: ويدعو بما بدا له(١)، فيه جواز الدعاء في التشهد الأول، وبه
أخذ ابن دقيق العيد حيث قال: المختار أن يدعو في التشهد الأول كما في التشهد الأخير
لعموم الحديث: ((إذا تشهَّد أحدكم فليتعوَّذ بالله من أربع)). وتُعُقّب بأنه ورد في
الصحيح، عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا فَرَغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ ... ))،
وروى أحمد وابن خزيمة، عن ابن مسعود: علّمني رسول الله وَلّ التشهد في أول
الصلاة وآخرها: فإذا كان في وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد، وإذا كان في
آخره دعا لنفسه ما شاء. وقال القاري: هذا عندنا محمول على السنن والنوافل.
(٢) أي: مثل ما مرَّ.
(٣) أي: ظهر له.
(٤) هذه زيادة، كان ابن عمر اختاره ليختمه بالسلام على النبي وعلى
الصالحين .
(٥) أي: ينوي في سلامه الرد عليه .
(٦) بأن كان مصلّياً مع الإِمام.
(٧) أي: نواه في سلامه عن يساره.
(١) ظاهر الحديث أن المصلّي يدعو بما شاء، قال العيني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو
به الإِنسان في صلاته، فعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلَّ بالأدعية المأثورة
أو الموافقة للقرآن العظيم، وقال الشافعي ومالك: يجوز أن يدعو فيها بكلّ ما يجوز أن
يدعو به خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين. انظر: ((أوجز المسالك)) ١٣٧/٢.
٤٦٨
قال محمد: التشهُّد الذي ذُكر كلُّه حسن (١) وليس يشبه تشهُّد
(١) قوله: الذي ذُكر كلُّه حسن، قد رُوي عن جماعة (١) من الصحابة
التشهُّد مرفوعاً، وموقوفاً بألفاظ مختلفة على ما بسطه الحافظ ابن حجر في ((تخريج
أحاديث الرافعي)».
فمنهم أبو موسى الأشعري، قال: إن رسول الله ﴿ ﴿ خطبنا وبيَّن لنا سنّتنا
وعلَّمنا صلاتنا فقال: إذا صلَّيْتم فكان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم:
التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّ اللّه، وأشهد أنَّ محمداً عبده
ورسوله. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني.
ومنهم ابن عمر، أخرج أبو داود عنه، عن رسول الله صلير في التشهد:
التحيات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله - قال
ابن عمر: زدتُ فيها وبركاته - السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن
لا إله إلّ الله - قال ابن عمر: زدت وحده لا شريك له ــ وأشهد أنَّ محمداً عبده
ورسوله. ورواه الدارقطني، عن ابن أبي داود، عن نصر بن علي، عن أبيه، عن
شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عنه، وقال: إسناده صحيح، وقد تابعه على
رفعه ابن أبي عدي، عن شعبة، ووقفه غيرهما، ورواه البزار، عن نصر بن
علي، وقال: رواه غير واحد، عن ابن عمر ولا أعلم أحداً رفعه، عن شعبة غيره،
وقولُ الدارقطني يرد عليه، وقال يحيى بن معين: كان شعبة يضعِّف حديث
أبي بشر، عن مجاهد، وقال: ما سمع منه شيئاً، إنما رواه ابن عمر، عن أبي بكر
موقوفاً.
ومنهم عائشة، روى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي، عن القاسم بن =
(١) جملة من روى التشهد بألفاظ مختلفة من الصحابة أربعة وعشرون صحابياً كما في
((التلخيص)) وأشار إلى رواياتهم ومثله في ((عمدة القاري)) ١٧٨/٣.
٤٦٩
-...
= محمد قال: علّمتني عائشة قالت: هذا تشهُّد النبيّ ◌َّ: التحيات لله الصلوات
والطيبات ... إلخ، ووقفه مالك، ورجّح الدارقطني في ((العلل)) وقفَه، ورواه
البيهقي من وجه آخر وفيه التسمية، وفيه محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث
لكن ضعَّفها البيهقي لمخالفته من هو أحفظ منه.
ومنهم سمرة، روى أبو داود عنه مرفوعاً: قولوا: التحيات لله، الطيبات
والصلوات، والمُلك لله، ثم سلِّموا على النبي وسلِّموا على أقاربكم وأنفسكم،
وإسناده ضعيف.
ومنهم عليّ، أخرج الطبراني في ((الأوسط)) من حديث عبد الله بن عطاء، عن
النهدي: سألت الحسن بن علي، عن تشهُّد النبي وَلّ فقال: سلْني عن تشهد
عليّ، فقلت: حدِّثْني بتشهُّد علي، عن النبي وَلَّ، فقال: التحيات لله والصلوات
والطيبات والغاديات والرائحات(١) والزاكيات والناعمات السابغات الطاهرات لله.
وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن مردويه من طريق آخر ولم يرفعه وفيه زيادة: ما طاب
فهو لله وما خبث فلغيره.
ومنهم ابن الزبير، أخرج الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، من حديث
ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد سمعت أبا الورد، سمعت ابن الزبير يقول: إن تشهد
رسول اللَّهِ وَله، بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات لله والصلوات والطيبات
أشهد أن لا إله إلَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله
بالحق بشيراً ونذيراً، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور،
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني، هذا في الركعتين الأوليين.
ومنهم معاوية، أخرج الطبراني في ((الكبير)» مثل تشهُّد ابن مسعود.
ومنهم سلمان، أخرج الطبراني والبزّار مثل تشهّد ابن مسعود، وقال في
في الأصل: ((الرابحات))، وهو تحريف.
٤٧٠
= آخره: قلها في صلواتك، ولا تزد فيها حرفاً ولا تنقص منها حرفاً، وإسناده ضعيف.
ومنهم أبو حميد أخرج الطبراني عنه مرفوعاً مثله، ولكن زاد بعد الطيبات:
الزاكيات، وأسقط واو الطيبات، وإسناده ضعيف.
ومنهم ابن عباس، أخرج مسلم والشافعي والترمذي عنه: كان رسول الله وكل
يعلِّمنا التشهُّد كما يعلّمنا السورة من القرآن، فكان يقول التحيات المباركات
الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي .. إلخ، وأخرجه الدارقطني
وابن ماجه وابن حبان وغيرهم.
ومنهم ابن مسعود، أخرج تشهُّدَه الأئمة الستة، ورواه أبو بكر بن مردويه في
كتاب ((التشهُّد)) له من حديث أبي بكر مرفوعاً وإسناده حسن، ومن رواية عمر
مرفوعاً وإسناده ضعيف، ومن حديث الحسين بن علي، ومن حديث طلحة بن
عبيد الله وإسناده حسن. ومن حديث أنس وإسناده صحيح، ومن حديث أبي هريرة
وإسناده صحيح، ومن حديث أبي سعيد وإسناده صحيح، ومن حديث الفضل بن
عباس وأم سلمة وحذيفة والمطّلب بن ربيعة وابن أبي أوفى، وفي أسانيدهم مقال،
ومنهم عمر أخرجه مالك ومن طريقه الشافعي ورواه الحاكم والبيهقي، وفي رواية
للبيهقي في أوله: (بسم الله خير الأسماء) وهي منقطعة، وقال الدارقطني :
لم يختلفوا في أن هذا موقوف على عمر، ورواه البعض، عن ابن أبي أويس، عن
مالك مرفوعاً، وهو وهم.
ومنهم جابر. أخرج النّسائي وابن ماجه والطبراني والحاكم كلهم من طريق
أيمن، عن أبي الزبير، عنه: كان رسول اللّه وَل يعلّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة
من القرآن: بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله
إلَّ اللّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الجنة وأعوذ بالله من النار، ورجاله
ثقات إلَّ أن أيمن أخطأ في إسناده، وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي
الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاووس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال =
٤٧١
عبد الله بن مسعود، وعندنا(١) تشهُّدُه لأنه(٢) رواه عن رسول الله وَله،
وعليه العامة عندنا .
= حمزة بن محمد الحافظ: قوله، عن جابر خطأ، ولا أعلم أحداً قال في التشهد
باسم الله وبالله إلاّ أيمن، وقال الدارقطني: ليس بالقويّ، خالف الناس.
هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر، فهذه التشهدات المروية مرفوعة أو موقوفة
كلها حسنة دالَّة على كون الأمر موسَّعاً، وقد ذكر ابن عبد البر أنَّ الاختلاف في
التشهُّد وفي الأذان والإقامة وعدد التكبير على الجنائز وعدد التكبير في العيدين
ورفع الأيدي عند الركوع والرفع في الصلاة ونحو ذلك كله اختلاف في مباح،
وبمثله ذكر أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في ((منهاج السنَّة))، فلْيُحْفَظ.
(١) قوله: وعندنا، أي: المختار عندنا تشهُّد ابن مسعود، وعند الشافعي
تشهُّد ابن عباس، وعند مالك تشهُّد عمر، ولكلٍّ وجوه توجب ترجيح ما ذهب إليه،
والخلاف إنما هو في الأفضلية (١) كما صرَّح به جماعة من أصحابنا، ويشير إليه
كلام محمد ههنا، فما اختاره صاحب ((البحر)) من تعيين تشهّد ابن مسعود وجوباً
وكون غيره مكروهاً تحريماً مخالف الدراية والرواية فلا يُعوَّل عليه.
(٢) قوله: لأنه رواه ... إلخ، هذا الوجه إنما يستقيم بالنسبة إلى ما رواه
مالك من تشهُّد ابن عمر وعمر وعائشة موقوفاً وإلَّ فقد روى غير ابن مسعود أيضاً
تشهُّدَه عن النبيِ وَ كما مرَّ بسطه، وهناك وجوه أخر ترجِّح تشهد ابن مسعود على
غيره، منها: أن حديثه أصح كما قال الترمذي: هو أصح حديث روي في التشهد،
وقال البزّار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود، روي عن نيِّف
وعشرين وجهاً ولا يُعلم روي عن رسول الله وَّر أثبتَ منه ولا أصح إسناداً ولا أشهر
رجالاً ولا أشد تضافراً بكثرة الأسانيد، وقال مسلم: إنما اجتمع الناس على تشهُّد
ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه، وقال =
(١) وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها، كذا قال النووي في ((شرح المهذب))
٤٥٧/٣.
٤٧٢
١٤٩ - قال محمد: أخبرنا مُحِلّ بن مُحرِز الضّبِّي، عن
شقيق بن سلمة بن وائل الأسدي(١)، عن عبد الله بن مسعود، قال:
كنا(٢) إذا صلَّينا خلف رسول الله وَالـ
= محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد، وروى
الطبراني في ((الكبير))، عن بريدة بن الخصيب قال: ما سمعتُ أحسن من تشهُد
ابن مسعود، كذا ذكر الحافظ ابن حجر. ومنها: أن الأئمة الستّة اتفقوا على تخريجه
لفظاً ومعنى، وهو نادر، وتشهد ابن عباس من أفراد مسلم، وغيره في غيرهما، ذكره
الزيلعي. ومنها: أنَّ فيه تأكيد التعليم كما أخرجه أبو حنيفة، عن القاسم، قال:
أخذ علقمة بيدي، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله وسل ◌ّم أخذ بيده
وعلَّمه التشهّد، وليس ذلك في غيره، ذكره ابن الهُمام. ومنها: أن فيه زيادة الواو
وهي لتجديد الكلام بخلاف تشهّد ابن عباس ذكره صاحب ((الهداية)) وغيره. ومنها:
ما ذكره الزيلعي وابن الهُمام وابن حجر أن الترمذي أخرج بسنده عن خُصَيْف أنه
رأى النبي و 18 في المنام، فقال: [(١) يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد، فقال: ]
عليك بتشهّد ابن مسعود. ومنها: أنه وافقه جمع من الصحابة دون غيره (٢).
(١) نسبة إلى أسد، بفتحتين، اسم عدة قبائل.
(٢) قوله: كنا ... إلخ، فيه دليل على أن أوَّل ما فُرضت الصلاة لم يكن
التشهُّد مشروعاً فيها لا فرضاً ولا سنَّة. يؤخذ ذلك من قوله: كنا إذا صلينا ... إلخ،
فدلَّ على أنهم بقُوا زماناً كذلك إلى اليوم الذي سمع النبي ◌َّرَ، فنهاهم وأمرهم
بالتحيات لله والصلوات ... إلخ، وفيه دليل على أن ما كان من زيادة ذكر أو دعاء
في الصلاة لا يفسدها لأن النبي والقر لم يأمرهم بإعادة الصلاة التي تقدَّمت، كذا في
((بهجة النفوس شرح مختصر البخاري)) لابن أبي جَمْرة.
-
(١) زاد في نسخة.
(٢) عدَّ الشيخ محمد حسن السنبهلي اثنين وعشرين وجهاً للترجيح ولكنها مدخولة. من شاء
فليراجع ((تنسيق النظام)): ص ٧٧.
٤٧٣
قلنا(١): السلام على الله(٢)، فقضى رسول اللّه ◌ُع ◌َل صلاته ذاتَ يوم(٣)
ثم أقبل علينا، فقال: لا تقولوا (٤) السلام على الله فإن الله (٥) هو
السلام (٦)، ولكن قولوا(٧): التحيّاتُ الله والصلواتُ والطيّبات، السلام
(١) أي: في قعود التشهد.
(٢) قوله: على الله، وفي رواية البخاري ومسلم وغيرهما: السلام على الله
قبل عباده، والسلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان أي: على ملك من
الملائكة أو نبي من الأنبياء، كذا في ((المرقاة))(١).
(٣) أي: في يوم من الأيام .
(٤) قوله: لا تقولوا، كان الصحابة يسلّمون في القعود على الله وعلى
الملائكة فنهاهم من التسليم على اللّه. وأما السلام على الملائكة فلم ينكر عليهم
بل أرشدهم إلى ما يعمّ المذكورين وغيرهم بقوله: ((وعلى عباد الله الصالحين))،
وقال: ((إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض))، وهذا من جوامع
الكلام، كذا في «التوشيح شرح صحيح البخاري)) للسيوطي.
(٥) في نسخة: فاللّه.
(٦) أي: هو الذي يعطي السلامة لعباده، فأنَّى يُدعى له، قوله: فإن الله هو
السلام، بقي ههنا بحث وهو أنه: لِمَ نهاهم عن أن يقولوا: السلام على الله من
عباده، ثم أمرهم أن يقولوا: التحيات؟ والانفصال عنه أن السلام هو الأمان وليس
على الله خوفٌ من أحد فنهاهم لأنه تعالى يُطلب منه الأمان وهو الذي يؤمن، كذا
في ((بهجة النفوس)) .
(٧) قوله: قولوا، الأمر فيه للوجوب كما قاله ابن ملك فينجبر بسجود
السهو، وكذا القعود الأول واجب، وأما الأخير، ففرض عندنا، كذا في «مرقاة
المفاتيح)).
(١) ٥٥٦/١.
٤٧٤
' ----
عليك(١) أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلّ الله
(١) قوله: السلام عليك ... إلخ، ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود
ما يقتضي المغايرة بين زمانه 18 وما بعده في الخطاب(١)، ففي الاستئذان من
صحيح البخاري من طريق أبي معمر عنه بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو
بين أظهرنا(٢)، فلما قُبض قلنا: السلام يعني على النبي. وأخرجه أبو عَوَانة في
صحيحه وأبو نعيم والبيهقي من طرق متعددة بلفظ: فلمّا قُبض قلنا السلام على
النبي، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة. قال السبكي في ((شرح المنهاج)) بعد
أن ساقه مسنداً إلى أبي عوانة وحده: إن صح عن الصحابة هذا دلَّ على أن
الخطاب في السلام بعد رسول الله وَ﴿ غير واجب. انتهى. قلت: قد صحَّ
بلا ريب، وقد وجدتُ له متابعاً قوياً، قال عبد الرزاق: أنا ابن جريج، أخبرني
عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي وَلُّ حيّ: السلام عليك أيها النبي، فلمّا
مات قالوا: السلام على النبي، وإسناده صحيح. وأما ما روى سعيد بن منصور
من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي ◌َّ علَّمهم(٣) التشهد
فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان
حياً، فقال ابن مسعود: هكذا علَّمناه، وهكذا نعلُّم، فظاهره أن ابن عباس قاله
بحثاً، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصح لأن أبا عبيدة
لم يسمع من أبيه والإِسناد إليه مع ذلك ضعيف، فكذا في ((فتح الباري)).
(١) في بذل المجهود ٢٨٣/٥: لوكان كذلك كان ينبغي أن يُقال في حياته و ◌َلّ عند
الْغَيْبَة في السفر وغيره بدون لفظ الخطاب ولم يثبت بعد، بل كانوا يقولون في الحضور
والغيبة بلفظ الخطاب، فينبغي أن يُقال بعد وفاته وَل# أيضاً كذلك.
(٢) هكذا في أصل الكتاب والصواب بين ظهرانينا. وقال الحافظ جمال الدين الملطي في
معتصره: ٣٥/١ بعد ذكر الحديث المذكور من قوله: بين ظهرانينا - إلى - على النبي:
منكر لا يصح، وذلك مخالف لما عليه العامة .
(٣) في الأصل: ((علَّمه))، والظاهر: ((علَّمهم)) كما في ((فتح الباري)) ٣١٤/٢.
٤٧٥
وأشهد(١) أن محمداً عبده ورسوله .
قال محمد: وكان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يَكره (٢)
أن يُزاد فيه حرف أو يُنقص(٣) منه حرف .
(١) قوله: أشهد أن، قال الرافعي: المنقول أن النبي صلّ كان يقول في
تشهده أشهد أني رسول الله، ولا أصل لذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه الر،
كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله أو عبده ورسوله، كذا في ((التلخيص (١)
الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير)» لابن حجر رحمه الله.
(٢) قوله: يَكره أن يُزاد، لأنه تلقّاه من فِي رسول الله وَّ وعلَّمه كما كان
يعلّم السورة من القرآن، فأحبَّ أن لا يُزاد فيه ولا ينقص. وقد أخرج الطحاوي عن
المسيّب بن رافع أنه سمع عبد الله بن مسعود رجلاً يقول في التشهد: بسم الله،
التحيات الله، فقال له: أتأكل؟ وأخرج أيضاً، عن الربيع بن خيثم أنه لقي علقمة
فقال: إنه قد بدا لي أن أزيد في التشهد ((ومغفرته))، فقال علقمة: ننتهي إلى
ما عُلّمناه. وأخرج عن أبي إسحاق قال: أتيت أبا الأسود، فقلت: إن
أبا الأحوص قد زادَ ((والمباركات))، قال: فأته، فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول
لك: إن علقمة بن قيس تعلّمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن عدَّهن
عبد الله في يده(٢).
(٣) قوله: أو ينقص، هذا ينافي ما روي أنه كان يقول بعد وفاة النبي والد
((على النبي))، وكذا روي عن غيره كما بسطه ابن حجر في ((فتح الباري))، ولعلَّه
كَرِه نقصاناً يخلُّ بالمعنى لا مطلقاً.
(١) في الأصل: ((تلخيص الحبير))، وهو تحريف.
(٢) في ((شرح معاني الآثار» ١٥٦/١: ((إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلاة)).
٤٧٦
٤٢ - (باب السنة في السجود)
١٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا
سجد وضع كفّيْه على الذي(١) يَضَعُ جبهتَه عليه، قال: ورأيتُهُ في برد
شديد وإنه(٢) لَيُخْرِجُ كَفِّيْه(٣) من بُرْنُسِهِ(٤) حتى يضَعَهما على
الحصى .
١٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان
يقول: من وضع (٥) جبهته بالأرض (٦) فَلْيَضَعْ كفَّيْه، ثم إذا رفع جبهته
فلیرفع كفيه، فإن اليدين(٧) تسجدان(٨) كما يسجد الوجه.
(١) أي: على المكان الذي يضع جبهته عليه يعني بقربه.
(٢) بكسر الهمزة، أي: والحال أنه.
(٣) تحصيلاً للأفضل.
(٤) قوله: برنسه، البُرنُس كل ثوب رأسه منه مُلتزق به(١)، من دُرّاعة أو جبّة
أو مِمْطر أو غيره، كذا في ((النهاية)).
(٥) أي: أراده.
(٦) في نسخة: في الأرض.
(٧) فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يستقبل بأصابعه القبله، كذا في «مرقاة
المفاتیح)).
(٨) قوله: فإنّ اليدين تسجدان، يشير إلى قوله وَل: ((إذا سجد العبد سجد معه
سبعةُ آراب: وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه وأبو نعيم وابن حبان وغيرهم من حديث عباس. وأخرج الطحاوي في
((شرح معاني الآثار))، عن سعد مرفوعاً: ((أمر العبد أن يسجد على سبعة آراب:
وجهه وکفیه وركبتيه وقدمیه)».
(١) سقط في الأصل: ((به)). انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) ١٦٨/١.
٤٧٧
قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا وضع (١) جبهته
ساجداً أن يضع(٢) كفيه بحذاء(٣) أذنيه (٤) ويجمع (٥) أصابعه نحو
القِبلة، ولا يفتحها. فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك(٦).
(١) أي: قصده مريداً للسجدة.
(٢) قبل وضع الجبهة .
(٣) قوله: بحذاء أذنيه، كل من ذهب إلى أن الرفع في افتتاح الصلاة إلى
المنكبين جعل وضع اليدين في السجود حيال المنكبين، وقد ثبت في ما تقدم
تصحيح قول من ذهب في الرفع في الافتتاح إلى حيال الأذنين، فتحقق بذلك أيضاً
قول من ذهب في وضع اليدين في السجود بحيال الأذنين وهو قول أبي حنيفة
ومحمد وأبي يوسف، كذا في ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي .
(٤) قوله: أذنيه، هكذا رُوي عن النبي لل أنه وضع وجهه بين كفّيه من
حديث وائل. أخرجه مسلم وأبو داود وإسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة
والطحاوي، ومن حديث البراء أخرجه الترمذي. وأخرج البخاري وأبو داود
والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي { ل18 وضع اليدين حذو
المنكبين. وبه أخذ الشافعي ومن تبعه، وقال ابن الهُمام في ((فتح القدير)»: لو قال
قائل: إن السنّة أن تفعل أيهما تيسّر جمعاً للمرويّات بناءً على أنه عليه السلام كان
يفعل هذا أحياناً وهذا أحياناً إلاّ أن بين الكفين أفضل، لأن فيه تخليص المجافاة
المسنونة ما ليس في الآخر كان حسناً. انتهى. وأقرَّه تلميذُه ابنُ أمير حاج في
((الحِلْبة))(١).
(٥) لما أخرجه ابن حبان في صحيحه، عن وائل: أنه عليه السلام كان إذا
سجد ضمَّ أصابعه .
(٦) قوله: مع ذلك، أي: بدون زيادة التأخير، وإلّ فرفع اليدين بعد رفع
الجبهة .
+ ۔۔
(١) في الأصل: ((الحلية))، وهو تحريف.
٤٧٨
فأما (١) من أصابه برد يؤذي، وجعل يديه على الأرض من تحت كساء
أو ثوب فلا بأس بذلك، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
٤٣ - (باب الجلوس في الصلاة)
١٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر:
أنه صلّى إلى جنبه رجل(٢)، فلما جلس الرجل تربَّع وثنّى (٣) رجليه،
فلما انصرف ابنُ عمر عاب (٤) ذلك عليه، قال الرجل: فإنك تفعله!
قال: إني أشتكي (٥).
١٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن (٦)
(١) قوله: فأمّا من، يشير إلى أن ما اختاره ابن عمر من إخراج اليدين عن
البرنس في البرد الشديد ليس مما لا بدَّ منه.
(٢) قوله: رجل، لعله هو ابنه عبد الله على ما في الرواية الآتية، فقد
أخرجها البخاري أنه كان يرى أباه يتربّع في الصلاة ... الحديث وفي آخره:
فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجليَّ لا تحملاني، وكذلك أخرجه أبو داود
والنسائي .
(٣) أي: عطف إحداهما إلى الأخرى.
(٤) قوله: عاب، فيه: أن التربُّع لا يجوز للجالس في صلاته من الرجال إذا
كانوا أصحّاء، واختلف فيه للنساء، وفيه دليل على أنَّ من لم يَقْدر على الإِتيان بسنَّة
الصلاة أو فريضة جاء بما يقدر عليه منها مما يناسبها، كذا في ((الاستذكار)).
(٥) قال الباجي: لأنه كان فُدِع بخيبر فلم تعد رجلاه إلى ما كانت عليه.
(٦) قوله: عن، في رواية معن وغيره، عن مالك، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه، عن عبد الله، وكان عبد الرحمن سمعه من أبيه، عنه، ثم لقيه
أو سمعه من معه، ذكره الحافظ.
٤٧٩
عبد الله (١) بن عبد الله بن عمر: أنه كان يرى أباه(٢) يتربَّع في الصلاة
إذا جلس (٣)، قال(٤): ففعلتُه(٥) وأنا يومئذ حديثُ السنّ (٦) فنهاني(٧)
أبي، فقال(٨): إنها ليست بسنَّةِ الصلاة، وإنما سُنّة (٩) الصلاة أن
تنصب(١٠) رجلَكَ الیمنی وتثني (١١) رجلَكَ اليُسرى.
(١) قوله: عبد الله بن عبد الله، بتكبير الاسمين، وهو عبد الله بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المدني تابعي ثقة باتفاق. وكان
وصيّ أبيه، مات بالمدينة سنة ١٠٥ هـ، روى له الجماعة ما عدا ابن ماجه، كذا في
((ضياء الساري))، وقد وُجد في كثير من نسخ هذا الكتاب، عن عبيد الله بن
عبد الله .
(٢) وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(٣) للتشهُّد.
(٤) أي: عبد الله.
(٥) أي: التربُّع.
(٦) أي: شابٌ.
(٧) عن التربُّع.
(٨) وفي رواية: وقال، وفي رواية: قال.
(٩) هذه الصيغة حكمها الرفع.
(١٠) أي: لا تلصقها بالأرض.
(١١) بفتح المثنّاة، أي: تعطفها، وقوله: وتثني رجلك اليسرى، لم يبِيِّن
في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها: هل يجلس فوقها أو يجلس على وركه؟ ووقع
في ((الموطأ))، عن يحيى بن سعيد: أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في ط
٤٨٠