Indexed OCR Text
Pages 341-360
يدعُونَ (١) بالمصابيح (٢) من جوفِ الليل فينظرن إلى الطَّهْر (٣)،
فكانت (٤) تعيب (٥) عليهن (٦) وتقول(٧): ما كان النساءُ(٨) يَصْنَعْنَ هذا.
(١) أي: يطلبن.
(٢) السُّرُج.
(٣) أي: إلى ما يدل على الطهر.
(٤) ابنة زيد.
(٥) قوله: تعيب، فإن قلت: لِمَ عابتْ وفعلُهُنَّ يدل على حرصهن بالطاعة،
قلت: لأن فعلهن يقتضي الحرج وهو مذموم، لأن جوف الليل ليس إلَّ وقت
الاستراحة، كذا في ((الكواكب الدراري)).
(٦) قوله: عليهن، يحتمل أن يكون العيب لكون الليل لا يتبيَّن به البياض
الخالص من غيره، فيحسبن أنهنَّ طهرن وليس كذلك، فيصلِّين قبل الطهر.
(٧) قوله: وتقول ما كان النساء ... إلخ، تشير إلى أن ما يفعلن لو كان فيه خير
لابتدرت إليه نساء الصحابة، فإنهن كنَّ ممن يتسارع إلى الخيرات، فإذا لم يفعلن
عُلم أنه لا خير فيه، وليس في الدين حرج، وإنما يجب النظر إلى الطهر إذا حانت
الصلاة لا في جوف الليل.
ويُستنبط من الحديث جواز العيب على من ابتدع أمراً ليس له أصل، وجواز
الاستدلال بنفي شيء مع عموم البلوى في زمن الصحابة على عدم كونه خيراً،
والتنبيه على حسن الاقتداء بالسلف، وجواز إسراج السرج بالليل.
(٨) اللام للعهد، أي: نساء الصحابة.
٣٤١
٢٦ - (باب المرأة تَغْسِل بعضَ أعضاءِ الرجل وهي حائض)
٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان تغسل
جواريه(١) رجلَيْه ويُعطينَهُ الخُمرة(٢) وهنَّ حُيَّض (٣).
قال محمد: لا بأس (٤) بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله .
(١) جمع جارية بمعنى الأمة والبنت(١).
(٢) قوله: الخُمْرة، بضم الخاء المعجمة وسكون الميم، سجّادة صغيرة
منسوجة من سعف النخل، مأخوذة من الخمر بمعنى التغطية ، لأنها تغطي جبهة
المصلي من الأرض، هذا حاصل ما في الضياء. وأغرب ابن بطال حيث قال: فإن
كان كبيراً قدر الرجل أو أكبر يقال له حصير لا خمرة. انتهى. وغرابته لا تخفى،
كذا قال القاري .
(٣) جمع الحائض حيض وحوائض.
(٤) قوله: لا بأس بذلك، لأن أعضاء الحائض طاهرة، ولذلك لا يُكره
مضاجعتها، ولا الاستمتاع بها بما فوق السرة، ولا يُكره وضع يدها في شيء من
المائعات، وغَسْلُها رأس زوجها وترجيلُه، وطبخها وعجنها، وغير ذلك من
الصنائع. وسؤرها وعرقها طاهران، وكل هذا متفق عليه، وقد نقل أبو جعفر
محمد بن جرير الطبري إجماع المسلمين في ذلك، كذا ذكره النووي في ((شرح
صحيح مسلم)).
(١) قوله كان يغسل جواريه رجليه: لعله كان لشغل أو ضعف أو لبيان الجواز إلاّ أنه يشكل عليه
ما تقدَّم في الوضوء من القُبلة أن ابن عمر كان يقول: جسُّها بيده من الملامسة، ويحتمل أنه
رضي الله عنه كان يفرق بين ملامسة الرجل المرأة وملامسة المرأة الرجل كما هو مقتضى
ألفاظ الأثرين، لكن لم أره عند أحد، أو يقال: إنه يرى الملامسة الناقضة مقيّدة بالشهوة كما
هو مذهب بعضهم، وإلّ فبين عموم الأثرين تعارض كما لا يخفى. أوجز المسالك
(٣٠٨/١).
٣٤٢
٨٨ - أخبرنا مالك(١)، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة قالت: كنتُ(٢) أُرجِّل (٣) رأسَ (٤) رسولِ اللَّهِ وَلِ وأنا
حائض (٥) .
قال محمد: لا بأس بذلك، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
والعامَّةِ من فقهائنا .
(١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري من طريق مالك.
(٢) قوله: كنت: في ترجيل عائشة لرأس رسول الله وَلقر وهي حائض دليل
على طهارة الحائض، وأنه ليس موضع منها نجساً غير موضع الحيض، وفي
ترجيله ﴿ لشعره وسواكه وأخذه من شاربه ونحو ذلك دليل على أنه ليس من السنّة
والشريعة ما خالف النظافة وحسن الهيئة في اللباس والزينة. ويدل على أن
قوله : ((البذاذة من الإِيمان)) أراد به طرح الشهرة في اللباس والإِسراف فيه الداعي
إلى التبختر والبطر، لتصحّ معاني الآثار ولا تتضادّ، كذا في ((الاستذكار)).
(٣) بضم الهمزة وشدة الجيم: أمشّط.
(٤) قوله: رأس، أي: شعر رأس، فهو من مجاز الحذف ومن إطلاق
المحل على الحال مجازاً.
(٥) قوله: وأنا حائض، فيه تفسير لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
المحِیض ﴾، لأن اعتزالھنَّ یحتمل أن یکون بأن لا يجتمع معهن ولا یقربهن،
ويحتمل أن يكون اعتزال الوطي خاصة، فأتت السُّنَّة بما في الحديث أنه أراد به
الجماع.
٣٤٣
سناهند
٢٧ - (باب الرجل يغتسلُ أو يتوضأ بسؤر المرأة)(١)
٨٩ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع، عن ابن عمر، أنه قال:
لا بأس بأن يغتَسلَ (٢) الرجلُ بفضلٍ وَضوء المرأة(٣) ما لم تكن (٤) جُنُباً
أو حائضاً.
(١) قوله: بسؤر المرأة، بضم السين وهمز العين، اسم للبقية، من سأر
يسأر كفتح يفتح، أفضل فضلة، ذكره العيني .
(٢) في نسخة: يتوضأ.
(٣) أي: ما فضل من الماء بعدما توضأت المرأة منه.
(٤) قوله: ما لم تكن جنباً أو حائضاً، يخالفه ما ورد عن عائشة: كنت أغتسل
أنا ورسول الله وَله من إناء واحد ونحن جنبان. وورد عنها: كنت أغتسل أنا
ورسول الله وَلو من إناء واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي ونحن جنبان.
وعن أم سلمة: أنها كانت تغتسل ورسولُ اللهِ وَّر من الجنابة. وعن ميمونة: أن
رسول الله * اغتسل من فضل ماء اغتسلت به من الجنابة. وعن عائشة: كنت
أشرب وأنا حائض ثم أُناوله النبيَّ ◌َ ﴿، فيضع فاه على موضع فيّ، فيشرب.
وأتعرَّق العَرَق وأنا حائض ثم أُناوله، فيضع فاه على موضع فيّ. أخرجها مسلم
وأصحاب السنن وغيرهم.
إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على طهارة سؤر الحائض والجنب، وطهارة
فضل وضوئهما وغسلهما. وقول الصحابي إذا خالف فعلَ النبيِّ وَّ أو قولَه،
فالحجة في المرفوع، ويُعذر بأنه لعله لم يبلغه ذلك أو ترجَّح عنده دليل آخر،
فلذلك أعرض أكثر العلماء في هذا الباب عن قول ابن عمر وأخذوا بالأحاديث
المجوِّزة.
٣٤٤
١
قال محمد: لا بأس بفضل وَضوء المرأة وغسلها وسؤرها وإن
كانت جنباً أو حائضاً(١).
بَلَغَنا أن النبيّ وَِّ(٢) كان يغتسل هو وعائشة من إناء واحد
ليتنازعان(٣) الغسل (٤) جميعاً، فهو (٥) فضل غسل المرأة الجنب، وهو
قول أبي حنيفة رحمه الله (٦) .
(١) قوله: وإن كانت جنباً أو حائضاً، قال العيني في ((البناية)): ممن قال
بطهارة سؤر الجنب الحسن البصري ومجاهد والزهري ومالك والأوزاعي والثوري
وأحمد والشافعي، ورُوي عن النخعي، أنه كره فضل شرب الحائض، وروى عن
جابر، أنه سئل عن سؤر الحائض هل يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، ذكره ابن المنذر
في ((الإِشراف))(١) .
(٢) قوله: بلغنا ... إلخ، يشير إلى أن تقليدَ الصحابي واجبٌ، وقوله حجةٌ
عندنا ما لم ينفِهِ شيء من السُّنَّة، وقد صرح به ابن الهُمام في كتاب الجمعة من
((فتح القدير))، وها هنا قد نفى قولَ ابن عمر ورودُ سُنَّة، فالعبرة بالسنة لا به.
(٣) فيبادرها فتقول: دع لي، دع لي، أخرجه مسلم، وفي رواية الطحاوي:
ابق لي ابق لي. وفي نسخة: يتنازعان.
(٤) قوله: الغَسل، بفتح الغين، فهو مصدر أي: يتبادرأن فيه، ويجوز أن
يكون بضم الغين، أي: في مائها أو استعماله.
(٥) في نسخة: فهذا.
(٦) وهو قول الجمهور.
(١) وفي الأصل: ((الإشراق))، وهو تحريف. ذكر فؤاد سزكين ((كتاب الإِشراف في اختلاف
العلماء على مذاهب أهل العلم على مذاهب الأشراف» لابن المنذر. انظر: تاريخ التراث
العربي (١٨٥/٢).
٣٤٥
٢٨ - (باب الوضوء بسؤر الهِرّة)
٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق(١) بنُ عبد الله بنٍ
أبي طلحة (٢) أنَّ امرأتَه حُمَيدةً(٣) (٤) ابنةَ (٥) عبيدٍ بن رفاعة، أخبرته عن
خالتها(٦) كَبْشة (٧) (٨) ابنة كعب بن مالك وكانت تحت ابنٍ
(١) وثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن معين: ثقة حجة، مات
سنة ١٣٤ هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٢) زيد بن سهل الأنصاري.
(٣) الأنصارية الزرقية أم يحيى المدنيّة، وثّقها ابن حبان، كذا في
«الإسعاف)».
(٤) قوله: حُميدة، بضم الحاء المهملة وفتح الميم عند رواة الموطأ إلاّ
يحيى الليثي، فقال: بفتح الحاء وكسر الميم، نَّه عليه أبو عمر(١)، قاله الزرقاني.
(٥) قوله: ابنة عبيد بن رفاعة، قال يحيى: بنت أبي عبيدة بن فروة، وهو
غلط منه، وأما سائر رواة الموطأ، فيقولون: بنت عبيد بن رفاعة إلاّ أن زيد بن
الحباب قال فيه، عن مالك: بنت عبيد بن رافع، والصواب رفاعة بن رافع
الأنصاري، قاله ابن عبد البر.
(٦) قوله: عن خالتها، قال ابن مندة: حميدة وخالتها كبشة لا يعرف لهما
رواية إلَّ في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من
الوجوه. ونقل الزيلعي، عن تقي الدين بن دقيق العيد: أنه إذا لم يُعرف لهما
رواية، فلعلَّ طريق من صحَّحه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتهما مع
شهرته بالتثُّت. انتهى. وقال العيني: لا نسلم ذلك، فإن لحميدة حديثاً آخر في
تشميت العاطس رواه أبو داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم، وروى عنها إسحاق بن
عبد الله، وهو ثقة، وأما كبشة، فيقال: إنها صحابية، فإن ثبت فلا يضر الجهل بها.
(٧) وثَّقها ابن حبان.
(٨) قوله: كبشة، بفتح الكاف والشين المعجمة بينهما موحّدة، الأنصارية.
(١) في الأصل: ((أبو عمرو))، وهو تحريف.
٣٤٦
---
أبي قتادة(١): أنَّ أبا قتادة (٢) أمرها فسكَبَتْ(٣) له وضوءاً (٤) فجاءت
هِرَّةٌ فشربت منه، فأصغى (٥) لها الإِناءَ فشربت، قالت كبشة: فرآني
أنظر (٦) إليه فقال: أتعجبينَ يا ابنة أخي (٧)؟ قالت: قلت: نعم، قال:
إن رسول الله وَ ل قال: إنها ليست بنَجَس (٨) إنها من الطوافين(٩)
قال ابن حبان: لها صحبة. وتبعه (١) المستغفري، قاله الزرقاني (٢) .
(١) قوله: ابن أبي قتادة، عبد الله بن أبي قتادة، المدني الثقة التابعي،
المتوفى سنة ٩٥هـ. وقال ابن سعد: تزوَّجها ثابت بن أبي قتادة، فولدت له. وفي
رواية ابن المبارك، عن مالك: وكانت امرأة أبي قتادة، قال ابن عبد البر: وهو وهم
منه وإنما هي امرأة ابنه، قاله الزرقاني .
(٢) قيل: اسمه الحارث، وقيل: النعمان. وقيل: عمرو بن ربعي السلمي،
شهد أحداً وما بعدها، مات سنة ٩٤هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٣) قوله: فسكبت، قال الرافعي: يقال سكب يسكب سكباً، أي: صبَّ،
(٤) الماء الذي يُتوضأ به.
فسكب سكوباً، أي: انصبَّ.
(٥) بالغين المعجمة، أي: أمال. (٦) نظر المنكر أو المتعجّب.
(٧) من حيث الصحبة لأن أباها صحابي مثله، وسلمى من قبيلته.
(٨) قوله: بنجس، قرىء بكسر الجيم، وقال المنذري، ثم النووي ثم
ابن دقيق العيد ثم ابن سيِّد الناس: بفتح الجيم من النجاسة، كذا في ((زهر الربى
على المجتبى)».
(٩) قوله: من الطوافين، قال الخطابيّ: هذا يُتأوَّل على وجهين، أحدهما
أنه شبَّهها بخدم البيت ومن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة المهنة، والثاني: أن
(١) في الأصل: ((تبعها))، وهو تحريف.
(٢) مثله في التقريب أيضاً ٦١٢/٢، وفيه ٥٩٥/٢: ((حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية
مقبولة)). وفي تهذيب التهذيب ٤١٢/٢، ذكرها ابن حبان في الثقات.
٣٤٧
عليكم و(١) الطوّافات(٢).
قال محمد: لا بأس (٣) بأن يتوضَّأَ بفضل سُور الهرة، وغيرُهُ
يكون شبَّهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، يريد أن الأجر في مؤاساتها كالأجر في
مؤاساة من يطوف للحاجة، كذا في ((مرقاة الصعود)).
(١) قوله: والطوافات، ورد في بعض الروايات أو الطوافات بكلمة ((أو)).
قال ابن ملك: هو للشك من الراوي، وقال ابن حجر: ليست للشك لوروده بالواو
في روايات أُخَر، بل هي للتنويع، كذا في ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابیح)) .
(٢) قوله: الطوافات، الطوافون هم بنو آدم يدخل بعضهم على بعض
بالتكرار، والطوافات هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس مثل الغنم والبقر
والإِبل، جعل النبي ◌َّ الهرة من القبيلتين لكثرة طوافها واختلاطها(١)، كذا ذكره
العيني في ((البناية))، وفي الحديث من الفوائد:
جواز استخدام زوجة ابنه .
• وإصغاء الإِناء للهرة وغيرها من الحيوانات، فإن في كل ذات كبد رطبة
أجراً كما ورد به الخبر.
· وجواز إطلاق ما يُطلق على المحارم على امرأة الإِبن.
• ويُستنبط من قوله {وَل#1: ((فإنها من العطوّافين))، عدم نجاسة سؤر جميع
سواكن البيوت لوجود هذه العلة فيها.
(٣) قوله: لا بأس، لأن سؤر الهرة ليس بنجس فلا بأس بشربه والوضوء
منه، وهو مذهب عباس وعلي وابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي قتادة والحسن
والحسين، واختلف فيه عن أبي هريرة، فَرَوى عطاء عنه: أن الهر كالكلب يُغسل
منه الإِناء سبعاً، وروى أبو صالح عنه: أن السُّنَّوْر من أهل البيت، كذا ذكره =
(١) في الأصل: ((طوافه واختلاطه))، وهو تحريف.
٣٤٨
سماحمه
= ابن عبد البر، وقال: لا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله و ﴿ روى عنه في الهرّ أنه
لا یتوضأ بسؤره إلاّ أبا هريرة على اختلاف عنه. انتهى.
قلت: قد علمت ما لم يعلمه، فقد أخرج الطحاوي في ((شرح معاني
الآثار))، عن يزيد بن سنان، نا أبو بكر الحنفي، نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن
ابن عمر، أنه كان لا يتوضأ بفضل الكلب والهر، وما سوى ذلك فليس به بأس.
وأخرج أيضاً، عن ابن أبي داود، نا الربيع بن يحيى، نا شعبة، عن واقد بن محمد،
عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: لا توضأوا من سؤر الحمار ولا الكلب ولا السّنَّور.
وأما التابعون ومن بعدهم فاختلفوا فيه أيضاً بعد اتفاقهم على أن سؤر الهرة ليس
بنجس إلَّ ما يُستفاد مما حكاه صاحب ((رحمة الأمة في اختلاف الأئمة))، عن
الأوزاعي والثوري: أن سؤر ما لا يؤكل لحمه نجس غير الآدمي، فإنه يقتضي أن
يكون سؤر الهرة نجساً عندهما. والأحاديث الواردة في ذلك تردّهما، ومن عداهما
بعدما اتفقوا على الطهارة، منهم: من كره سؤر الهرة، وهو قول أبي حنيفة
ومحمد، وبه قال طاؤوس وابن سيرين وابن أبي ليلى ويحيى الأنصاري، حكاه
عنهم العيني، وبه أخذ الطحاوي(١) حيث روى عن إبراهيم بن مرزوق، نا وهب بن
جرير، نا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن سعيد، قال: إذا ولغ السِّنَّوْر في
الإِناء، فاغسله مرتين أو ثلاثاً. ثم روى عن محمد بن خزيمة، نا حجاج،
نا حماد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب في السِّنّوْر يلغ في الإِناء، قال
أحدهما: يغسله مرة، وقال الآخر: يغسله مرتين. ثم روى عن سليمان بن سعيد،
نا الخصيب بن ناصح (٢)، نا هشام، عن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب والحسن
يقولان: اغسل الإِناء ثلاثاً ثلاثاً، يعني من سؤر الهرة. ثم روى عن روح العطار،
نا سعيد بن كثير بن عفير، حدَّثني يحيى أنه سأل يحيى بن سعيد عمّا لا يُتوضأ =
-- -
۔
(١) شرح معاني الآثار: (١٢/١).
(٢) في الأصل: ((الحصب بنا نافع))، وهو تحريف. وفي ((تهذيب التهذيب)) (١٤٣/٣):
الخصيب بن ناصح الحارثي البصري (ت ٢٠٨).
٣٤٩
أحبُّ(١) إلينا منه،
= بفضله من الدواب، فقال: الكلب والخنزير والهرة، ثم قال بعدما ذكر دليلاً عقلياً
على الكراهة: فبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة. انتهى. ومنهم من طهر من غير
كراهة وهو قول مالك وغيره من أهل المدينة، والليث وغيره من أهل مصر،
والأوزاعي وغيره من أهل الشام، والثوري ومن وافقه من أهل العراق، والشافعي
وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد، وعلقمة وعكرمة وإبراهيم
وعطاء بن يسار، والحسن في ما روى عنه الأشعث، والثوري في ما روى عنه
أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، كذا ذكره ابن عبد البر، وبه قال أبو يوسف،
حكاه العيني والطحاوي وهو رواية عن محمد، ذكره الزاهدي في ((شرح مختصر
القدوري)) والطحاوي .
(١) قوله: أحب، ظاهر كلامه أن الكراهة في سؤر الهرة تنزيهية، وهو ظاهر
كلامه في ((كتاب الآثار))، حيث روى عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم في
السُّنَّوْر يشرب في الإِناء، قال: هي من أهل البيت، لا بأس بشرب فضلها، فسألته
أَيُتطهِّر بفضلها للصلاة؟ فقال: إن الله قد رخّص الماء. ولم يأمره ولم ينهه، ثم
قال: قال أبو حنيفة: غيره أحبُّ إليَّ منه، وإن توضأ به أجزاه وإن شربه فلا بأس
به، وبقول أبي حنيفة نأخذ. انتهى .
وبه صرَّح جمع من أصحابنا، فقال الزاهدي في ((المجتبى)): الأصح أن
كراهة سؤره عندهما كراهة تنزيه، وقال أبو يوسف لا يكره، وعن محمد مثله.
انتهى. وقال يوسف بن عمر الصوفي في ((جامع المضمَرات))، نقلاً عن الخلاصة:
سؤر حشرات البيت كالحية والفأرة والسِّنَّوْر مكروه كراهة تنزيه، وهو الأصح. انتهى.
وفي ((البناية)): اختلفوا في تعليل الكراهة، فقال الطحاوي: كون كراهة سؤر
الهرة لأجل أن لحمها حرام، لأنها عُدَّتْ من السباع وهو أقرب إلى التحريم، وقال
الكرخي : لأجل عدم تجانبها النجاسة، وهو يدل على أن سؤرها مكروه كراهة
تنزيه، وهو الأصح والأقرب إلى موافقة الحديث. انتهى ملخّصاً. قلت: لقد صدق
في قوله إنه أقرب إلى موافقة الحديث، وأشار به إلى أن القول بعدم الكراهة أوفق بالأحاديث:
٣٥٠
=
منها حديث أبي قتادة الذي أخرجه مالك، ومن طريقه أخرجه الترمذي،
وقال: حسن صحيح، وأبو داود ولفظه: أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءاً فجاءت
هرة، فشربت منه، فأصغى لها الإِناء ... الحديث. وابن ماجه ولفظه، عن كبشة،
وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة: أنها صبَّت لأبي قتادة ماء يتوضأ به، فجاءت
هرة تشرب فأصغى لها الإِناء، فجعلت أنظر إليه، فقال: يا ابنة أخي، أتعجبين؟
قال رسول الله وقالله: ((إنها ليست بنجس هي من الطوافين أو الطوافات)). والنسائي
والدارمي في سننه، وابن حبان في النوع السادس والستين من القسم الثالث من
صحيحه، والحاكم والدارقطني والبيهقي والشافعي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن منده
في صحیحیھما.
ومنها ما أخرجه أبو داود من طريق داود بن صالح بن دينار التمار، عن أمه أن
مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة، فوجدتها تصلّ، فأشارت إلى أنْ ضَعيها،
فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة وقالت: إن
رسول الله ﴾ قال: ((إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم))، وقد رأيت
رسول الله وال* يتوضأ بفضلها، وأخرجه الدارقطني وقال: تفرَّد به عبد الرحمن
الدراوردي، عن داود بن صالح بهذه الألفاظ.
ومنها ما أخرجه الدارقطني من حديث حارثة، وقال: إنه لا بأس به، عن
عَمْرة، عن عائشة، قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله وَل ﴿ من إناء واحد، وقد
أصابت الهرة منه قبل ذلك. وكذلك أخرجه ابن ماجه، وأخرجه الخطيب من وجه
آخر وفيه سلمة بن المغيرة ضعيف، قاله ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي،
وأخرجه الطحاوي، عن عمرة، عن عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله وَلجم من
الإِناء الواحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك.
-
ومنها ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن عائشة، قالت: إن
رسول الله وَ﴾ قال: ((إنها ليست بنجس، إنها كبعض أهل البيت)). أخرجه عن
سليمان بن مشافع بن شيبة الحجبي، قال: سمعت منصور بن صفية بنت شيبة =
٣٥١
1
= يحدث عن أمه صفية، عن عائشة. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) وقال: على شرط
الشيخين، ورواه الدارقطني بلفظ: كبعض متاع البيت.
ومنها ما أخرجه الطحاوي، عن عائشة: أن رسول الله ◌َ لو كان يُصغي الإِناء
للهرّ ويتوضأ بفضلها. وفي إسناده صالح بن حسان البصري المديني متروك، قاله
العيني. وأخرجه الدارقطني، عن يعقوب بن إبراهيم، عن عبد ربه بن سعيد، عن
أبيه، عن عروة، عن عائشة: كان رسول اللّهِ وَلل تمرّ به الهرة فيصغي لها الإِناء،
فتشرب ثم يتوضأ بفضلها، وضعَّف عبد ربه. وعن محمد بن عمر الواقدي، نا
عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة: أن
رسول الله * كان يصغي للهرة الإِناء حتى تشرب منه ثم يتوضأ بفضلها. قال
ابن الهُمام في ((فتح القدير)): ضعَّفه الدارقطني بالواقدي، وقال ابن دقيق العيد في
((الإِمام)): جمع شيخنا أبو الفتح(١) ابن سيِّد الناس في أول كتابه ((المغازي والسِّيَر))
من ضعَّفه ومن وثّقه، ورجّح توثيقه، وذكر الأجوبة عما قيل فيه. انتهى.
ومنها ما أخرجه ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) من طريق محمد بن
إسحاق، عن صالح، عن جابر: كان رسول الله وَلّ يُصغي الإِناء للسُّنَّوْر يلغ فيه،
ثم يتوضأ من فضله.
ومنها ما أخرجه الطبراني في ((معجمه الصغير)»: نا عبد الله بن محمد بن
الحسن الأصبهاني، نا جعفر بن عنبسة الكوفي، نا عمرو بن حفص المكي، عن
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، علي بن الحسين، عن أنس: خرج
رسول الله (1848 إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان، فقال: ((يا أنس، اسكب لي
وضوءاً)، فسكبت له، فلما أقبل أتى الإِناءَ وقد أتى هرّ فولغ في الإِناء، فوقف له
وقفة حتى شرب الهر، ثم سألته، فقال: ((يا أنس، إن الهر من متاع البيت لن يقذر
شيئاً ولن ينجسه)).
(١) هو ابن سيِّد الناس في كتابه ((عيون الأثر)) ١٧/١ - ٢١، وقال الإِمام ابن الهمام في ((فتح
القدير)) ٤٩/٥: الواقدي عندنا حسن الحديث. ولكن انتقد عليه المحدثون. («المغني))٦١٩/٢.
٣٥٢
وهو قول أبي حنيفة(١) رحمه الله .
٢٩ - (باب الأذان والتثويب)(٢)
٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابنُ شهاب، عن عطاءِ(٣) بنِ يزيدَ
الليثيِّ، عن أبي سعيد(٤) الخُدْري (٥).
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال ابن نصر (١) المروزي: خالفه أصحابه
فقالوا: لا بأس به. انتهى. قال ابن عبد البر: ليس كذلك وإنما خالفه من أصحابه
أبو يوسف، وأما محمد وزفر والحسن بن زياد وغيرهم، فإنهم يقولون بقول
أبي حنيفة، ويحتجّون لذلك بما يروون عن أبي هريرة، وابن عمر، أنهما كرها
الوضوء بسؤر الهر، وهو قول ابن أبي ليلى، ولا أعلم لمن كره سؤر السِّنَّوْر حجة
أحسن من أنه لم يبلغه حديث قتادة، أو لم يصح عنده. انتهى ملخّصاً.
قلت: الكراهة التنزيهية، بسبب غلبة اختلاطها النجاسة لا تُنافي حديث
أبي قتادة وغيره، نعم يشكل الأمر على من اختار كراهة التحريم، وأما كراهة
التنزیه فأمر سهل.
(٢) هو الإِعلام بعد الإِعلام.
(٣) قوله: عطاء، المدني من ثقات التابعين ورجال الجميع، مات سنة
خمس أو سبع ومائة، واسم أبيه يزيد، كذا في ((الإِسعاف)) و((التقريب))، وفي بعض
النسخ : زید.
(٤) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، شهد ما بعد أُحُد، ومات بالمدينة
سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل أربع وسبعين، كذا في ((جامع الأصول)).
(٥) قوله: الخُذري، بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، نسبة
إلى خدرة وهو الأبجر بفتح الألف وسكون الباء الموحّدة وفتح الجيم ثم راء مهملة.
ابن عوف بن الحارث بن الخزرج، وبنو خدرة قبيلة من الأنصار الخزرجيين منسوبة
إلى خدرة، ومنهم أبو سعيد الخدري، كذا في ((أنساب)) السمعاني و «جامع الأصول)).
(١) في الأصل: ((أبو نصر المروزي))، وهو تحريف. وفي ((سير أعلام النبلاء)): (٣٣/١٤):
محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوزي، أبو عبد الله، (ت ٢٩٤ هـ).
٣٥٣
أن رسول الله وَ له قال: إذا سمعتُمُ (١) النِّداءَ(٢) فقولوا(٣) مثلَ (٤) ...
(١) قوله: إذا سمعتم، ظاهره أنه لو لم يسمع لصممٍ أو بُعْدٍ لا إجابة عليه،
وبه صَرَّح النوويّ في «شرح المهذَّب)».
(٢) أي: الأذان، سُمِّي به لأنه نداء ودعاء إلى الصلاة.
(٣) قوله: فقولوا، استُدلَّ به على وجوب إجابة المؤذن، حكاه الطحاوي،
عن قوم من السلف، وبه قال الحنفية والظاهرية وابن وهب، واستدل الجمهور
بحديث مسلم وغيره: أنه * سمع مؤذناً، فلمّا كَبَّر قال: على الفطرة، فلما تشهَّد قال:
خرج من النار. فلما قال ﴿ُ غيرَ ما قال المؤذن عُلم أن الأمر للاستحباب. وتُعُقِّب
بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أنه قاله ولم ينقُلْه الراوي اكتفاءً
بالعادة، قاله الزرقاني .
(٤) قوله: مثل ما يقول، ظاهره أنه يقول مثله في جميع الكلمات، لكن
حديث عمر وحديث معاوية في البخاري وغيره دلَّ على أنه يُستثنى من ذلك (حَيَّ
على الصلاة حَيَّ على الفلاح)، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلَّ بالله، وهو
المشهور عند الجمهور، وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)): الحوقلة في الحيعلتين
وإن خالفت ظاهر قوله: فقولوا مثل ما يقول المؤذن، لكنه ورد فيه حديث مفسّر
كذلك عن عمر، رواه مسلم. فحملوا ذلك العامَّ على ما سوى هاتين الكلمين، وهو
غير جارٍ على قاعدتنا، لأن عندنا المخصص الأول ما لم يكن متصلاً به لا يخصص
بل يعارض فيجري فيه حكم المعارضة، أو يقدَّم العامّ، والحق هو الأول. انتهى.
ثم قال: قد رأينا من مشائخ السلوك من يجمع بينهما ليعمل بالحديثين. انتهى.
قلت: الجمع حسن عملا بالحدیثین.
وذكر بعض أصحابنا مكان حيّ على الفلاح (ما شاء الله كان وما لم يشأ
لم يكن)، ذكره في ((المحيط)) وغيره، لكن لا أصل له في الأحاديث، ولا أعلم من
أين اخترعوه، وقد نبّه على ذلك المحدث عبد الحق الدهلوي في ((شرح سفر
السعادة)».
٣٥٤
....
ما يقول المؤذِّنُ(١).
قال مالك، بَلَغَنا (٢) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه
(١) قوله: المؤذن، ادَّعى ابن وضّاح أن هذا مدرج وأن الحديث انتهى
بقوله: ما يقول. وتُعُقُّب بأن الإِدراج لا يثبت بمجرَّد الدعوى، كذا في ((شرح
الزرقاني)).
(٢) قوله: بلغنا، قال ابن عبد البر: لا أعلم أنه رُوي من وجه يُحتج به
وتُعلم صحَّتُه، وإنما فيه حديث هشام بن عروة، عن رجل يقال له إسماعيل
لا أعرفه، ذكر ابن أبي شيبة: نا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن رجل
يقال له إسماعيل، قال: جاء المؤذِّن يؤذن عمر لصلاة الصبح، فقال: الصلاة خير
من النوم، فأعجب به عمر، وقال للمؤذِّن: أقرها في أذانك. انتهى. وردَّه الزرقاني
بأنه قد أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنّفه، عن العمري، عن
نافع، عن ابن عمر، عن عمر، وأخرج أيضاً، عن سفيان، عن محمد بن عجلان،
عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه قال المؤذِّنه: إذا بلغتَ حيّ على الفلاح في
الفجر، فقل: الصلاة خير من النوم. انتهى. قلت: وها هنا أخبار وآثار أُخَر تدل
على صحة ما أمر به عمر من تقرير هذه الزيادة في الأذان، فذكر ابن أبي شيبة: نا
أبو خالد الأحمر، عن حجّاج، عن عطاء: كان أبو محذورة يؤذّن لرسول الله وكل
ولأبي بكر وعمر، وكان يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم. قال: ونا حفص بن
غياث، عن حجّاج، عن طلحة، عن سويد، عن بلال، وعن حجّاج، عن عطاء،
عن أبي محذورة: أنهما كانا يثوِّبان في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم. قال:
ونا وكيع، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سويد: أنه أَرسل إلى مؤذَّنه إذا
بلغتّ حَيّ على الفلاح فقل: الصلاة خير من النوم، فإنه أذان بلال. وذكر
ابن المبارك وعبد الرزاق في مصنّفه، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن
المسيب: أن بلالاً أذن ذات ليلة ثم جاء يؤذن للنبي وَّر، فنادى الصلاة خير من
النوم، فأُقرَّت في صلاة الصبح. وفي ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي: كره قوم أن
يقال في أذان الصبح الصلاة خير من النوم، واحتجّوا بحديث عبد الله بن زيد في =
٣٥٥
= الأذان الذي أمره رسول الله و ﴿ل بتعليمه بلالاً، وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبّوا
أن يقال ذلك في التأذين، وكان من الحجة لهم أنه وإن لم يكن في تأذين عبد الله
فقد علَّمه رسول الله أبا محذورة بعد ذلك، وأمره أن يجعله في أذان الصبح: نا
علي بن معبد، نا روح بن عبادة، نا ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، عن أم
عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة: أن النبي ◌ّ ل﴿ علَّمه في الأذان
الأول من الصبح الصلاة خير من النوم. نا علي، نا الهيثم بن خالد، نا أبو بكرة بن
عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، سمعت أبا محذورة قال: كنت غلاماً صبيّاً فقال
لي رسول الله وَّ قل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. قال أبو جعفر:
فلما علَّم رسول الله و # # أبا محذورة ذلك كان ذلك زيادة على ما في حديث
عبد الله بن زيد ووجب استعمالها، وقد استعمل ذلك أصحابه من بعده. نا
ابن شيبة، نا أبو نعيم، نا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: كان في الأذان الأول بعد حَيّ على الفلاح الصلاة خير من النوم، الصلاة خير
من النوم. نا علي بن شيبة، نا يحيى بن يحيى، نا هيثم، عن ابن عون، عن
محمد بن سيرين، عن أنس، قال: كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن
حَيّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم. فهذا ابن عمر وأنس يخبران أن ذلك
مما كان المؤذِّن يؤذّن به في أذان الصبح، فثبت بذلك ما ذكرناه. وهو قول
أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. انتهى كلامه. وفي سنن النسائي، عن
أبي محذورة: كنت أؤذِّن لرسول الله وَ له وكنت أقول في أذان الفجر: حي على
الفلاح، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلّ الله. وفي ((معجم
الطبراني))، عن بلال أنه أتى رسول الله وَالخير يوماً يؤذنه لصلاة الصبح فوجده راقداً،
فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فقال رسول الله ومثلقول: ما أحسن هذا يا بلال،
اجعله في أذانك. وروى ابن خزيمة والبيهقي، عن ابن سيرين، قال: من السنَّة أن
يقول المؤذِّن في أذان الفجر حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم(١).
(١) قلت: إسناده صحيح. رواه الدارقطني ٢٤٣/١.
٣٥٦
المؤذِّن يُؤْذِنْهُ(١) لصلاةِ الصبح فوجده نائماً فقال المؤذِّن(٢): الصَّلاةُ
خيرٌ من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح .
(١) أي: يخبره من الإِيذان أو من التأذين.
(٢) قوله: فقال المؤذن ... إلخ، يُستنبط من هذا الأثر أمور:
● أحدها: جواز التثويب وهو الإِعلام بعد الإِعلام لأمراء المؤمنين وبه قال
أبو يوسف، واستبعده محمد، لأن الناس سواسية في أمر الجماعة، ويُدفع استبعاده
بما رُوي في الصحاح أن بلالاً كان يؤذن الفجر ثم يأتي رسول الله بص فر على باب
الحجرة، فيؤذنه بصلاة الصبح، وكذا في غير صلاة الفجر. لكن قد يُخدش ذلك
بما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، عن مجاهد، أن أبا محذورة قال: الصلاة
الصلاة، فقال عمر: ويحك أمجنون أنت؟ أما كان في دعائك الذي دعَوتنا
ما نأتيك؟
وقد حقَّقت الأمر في هذه المسألة في رسالتي ((التحقيق العجيب في
التثويب)).
وثانيها: جواز النوم بعد طلوع الصبح أحياناً.
• وثالثها: كون الصلاة خير من النوم في نداء الصبح.
• ورابعها: كون ذلك بأمر عمر. وقد يُستشكل هذا بأن دخوله في نداء
الصبح كان بأمر رسول الله ﴿ لبلال، وكان ذلك شائعاً في أذان بلال وأذان
أبي محذورة وغيرهما من المؤذنين في عصر رسول اللّه وَ ل﴿ل كما هو مخرَّج في سنن
ابن ماجه وجامع الترمذي وأبي داود ومعجم الطبراني ومعاني الآثار وغيرها، وقد
فصَّلته في رسالتي المذكورة، فما معنى جعله في نداء الصبح بأمر عمر؟ وأُجيب
عنه بوجوه: أحدها: أنه من ضروب الموافقة ذكره الطيبي في ((حواشي المشكاة))
وردَّه عليّ القاريّ بأن هذا كان في زمان خلافة عمر، ويبعد عدم وصوله إليه سابقاً . =
٣٥٧
٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه کان یکبِّر
في النداء(١) ثلاثاً(٢) ويتشهَّدُ ثلاثاً، وكان أحياناً(٣) إذا قال حيَّ على
الفلاح قال على إِثْرِها(٤)
= وثانيها: أنه لعله بلغه ثم نسيه فأمره، وفيه بُعد أيضاً. وثالثها: أن معنى أمره أن
يجعلها في نداء الصبح أن يبقيها فيه ولا يجاوزها إلى غيره. قال ابن عبد البر:
المعنى فيه عندي والله أعلم أنه قال: اجعل هذا في الصبح لا ها هنا، كأنه كره أن
يكون نداء الفجر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء، وإنما حملني على هذا
التأويل، وإن كان الظاهر من الخبر خلافه، لأن قول المؤذن الصلاة خير من النوم
أشهر عند العلماء والعامة من أن يُظَنّ بعمر أنه جهل ما سنَّ رسولُ اللهِ وَِّ وأمر به
مؤذِّنَه بالمدينة بلالاً وبمكة أبا محذورة.
(١) أي: الأذان.
(٢) قوله: ثلاثاً، اختلفت الروايات في عدد التكبير والتشهد، ففي بعضها
ورد التكبير في ابتداء الأذان أربع مرات، وفي بعضها مرتين، والأول هو المشهور
في بَدْء الأذان وأذان بلال وغيره، وبه قال الجمهور والشافعي وأحمد وأبو حنيفة،
ومالك اختار الثاني .
وأما الشهادتان، فورد في المشاهير أن كلّ منهما مرتين مرتين، وبه أخذ
أبو حنيفة ومن وافقه، وورد في أذان أبي محذورة الترجيع وهو أن يخفض صوته
بهما ثم يرفع، وبه أخذ الشافعي ومن وافقه، وأما فعل ابن عمر من تثليث التشهد
والتكبير فلم أَطّلع له في المرفوع أصلاً، ولعله لبيان الجواز.
(٣) فيه إشارة إلى أنه ليس بسنَّة بل هو لبيان الجواز.
(٤) بكسر الهمزة، أي: على عقبها.
٣٥٨
حَيَّ على خير العمل(١).
(١) قوله: حي على خير العمل، أخرجه البيهقي كذلك عن عبد الوهاب بن
عطاء، عن مالك، عن نافع، وعن الليث بن سعد، عن ابن عمر: أنه كان إذا قال
حي على الفلاح قال على إثرها: حي على خير العمل، قال البيهقي: لم يثبت هذا
اللفظ، عن رسول الله وَلهر في ما علَّم بلالاً ولا أبا محذورة، ونحن نكره الزيادة فيه.
وروى البيهقي أيضاً، عن عبد الله بن محمد بن عمار وعمار وعمر ابني سعد بن
عمر بن سعد، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أنه كان ينادي بالصبح،
فيقول: حيّ على خير العمل، فأمره رسول الله ﴿ أن يجعل مكانها الصلاة خير من
النوم، وترك حي على خير العمل. قال ابن دقيق العيد: رجاله مجهولون يُحتاج إلى
كشف أحوالهم، كذا في ((تخريج أحاديث الهداية)» للزيلعي. وقال النووي في
(شرح المهذب)): يُكره أن يُقال في الأذان: حيَّ على خير العمل، لأنه لم يثبت
عن رسول الله وسير، والزيادة في الأذان مكروهة عندنا. انتهى. وفي ((منهاج السنّة))
لأحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية: هم أي الروافض زادوا في الأذان شعاراً
لم يكن يُعرف على عهد النبي ◌َّر وهي حي على خير العمل، وغاية ما يُنقل إنْ
صح النقلُ أن بعض الصحابة كابن عمر كان يقول ذلك أحياناً على سبيل التوكيد
كما كان بعضهم يقول بين النداءين: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا
يُسمَّى نداء الأمراء، وبعضهم يسمّيه التثويب، ورخّص فيه بعضهم وكرهه أكثر
العلماء، ورووا عن عمر وابنه وغيرهما كراهة ذلك، ونحن نعلم بالاضطرار أن
الأذان الذي كان يؤذِّنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله محلي بالمدينة،
وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظي في قباء لم يكن في آذانهم هذا الشعار
الرافضي، ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يُهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه، فلمّا
لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ذكر هذه الزيادة، عُلم أنها بدعة باطلة، وهؤلاء
الأربعة كانوا يؤذَّنون بأمر النبي وَّةَ، ومنه تعلَّموا الأذان، وكانوا يؤدِّنون في أفضل
المساجد مسجد مكة والمدينة ومسجد قباء، وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة.
انتھی کلامه.
-. -
٠٠
٣٥٩
١٠
قال محمد: الصلاةُ خيرٌ من النوم يكون ذلك في نداء الصبح
بعد الفراغ(١) من النداء،
(١) قوله: بعد الفراغ من النداء، فيه أنه قد ثبت هذه الزيادة في الأذان بأمر
رسول اللّه ◌َ﴾، وتعارف ذلك المؤذّنون من غير نكير، ففي حديث أبي محذورة في
قصة تعليم النبيّ ◌َ ر الأذان له، قال فيه: إذا كنتَ في أذان الصبح، فقلت: حَيَّ
على الفلاح، فقل: الصلاة خير من النوم مرتين. أخرجه أبو داود وابن حبان مطوَّلاً،
وفي سنده محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو غير معروف الحال،
والحارث بن عبيد، وفيه مقال. وقال بقي بن مخلد: نا يحيى بن عبد الحميد، نا
أبو بكر بن عياش، ثني عبد العزيز بن رفيع، سمعت أبا محذورة يقول: كنت غلاماً
صبيّاً أَذَّنت بين يدي رسول الله ﴿ الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على
الفلاح قال: ألحِقْ فيها الصلاة خير من النوم. ورواه النسائي من وجه آخر،
وصحَّحه ابن حزم. وروى الترمذي وابن ماجه وأحمد من حديث عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن بلال، قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((لا تثوبنَّ في شيءٍ من الصلاة إلاّ
صلاة الفجر)). وفي سنده الملائي وهو ضعيف مع الانقطاع بين عبد الرحمن
وبلال. ورواه الدارقطني من طريق آخر، عن عبد الرحمن، وفيه أبو سعد البقال(١)
وهو ضعيف. وروى ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي، عن أنس، قال: من السنَّة
إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حيَّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم.
وصحَّحه ابن السكن ولفظه: كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذِّن: حي
على الفلاح. وروى ابن ماجه من حديث ابن المسيِّب، عن بلال، قال: أنه أتى
النبي صل﴾ يؤذنه لصلاة الفجر، فقيل هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين،
فأُقِرَّتْ في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك. وفيه انقطاع مع ثقة رجاله. وذكره
ابن السكن من طريق آخر، عن بلال، وهو في معجم الطبراني من طريق الأزدي،
عن حفص بن عمر، عن بلال، وهو منقطع أيضاً. ورواه البيهقي في ((المعرفة)) من
(١) في نسخة: «أبو سعيد البقال))، وهو تحريف. وهو سعيد بن المرزبان العبسي أبو سعد،
البقال الكوفي (ت ١٤٠هـ). انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٧٩/٤).
٣٦٠