Indexed OCR Text

Pages 321-340

ثم شأنك(١) بأعلاها.
قال محمد: هذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وقد جاء ما هو
أرخص(٢) من هذا(٣) عن عائشة أنها قالت (٤):
=
أو أريد به الحدث مجازاً، أو بتقدير أنه مؤوّل بالمصدر، فإن قلت: كيف يستقيم
هذا جواباً عن قوله ما يحلّ لي؟ قلت: يستقيم مع قوله: ((ثم شأنك بأعلاها)) كأنه
قيل له: يحلّ لك ما فوق الإِزار، وشأنَك منصوب بإضمار فعل، ويجوز رفعه على
الابتداء والخبر محذوف، تقديره مباح أو جائز، كذا في ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح)) لعلي القاري.
(١) بالنصب، أي: دونك.
(٢) أي: أيسر وأسهل.
(٣) أي: مما ذكر من حل ما فوق الإِزار.
(٤) قوله: أنها قالت، يؤيِّده ما أخرجه أبو داود والبيهقي عن بعض أزواج
النبي 14: أنه كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً ثم صنع
ما أراد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي، عن عائشة: أنها سُئلت ما للرجل
من امرأته وهي حائض؟ فقالت(١): ((كل شيء إلّ فرجها))، وأخرج ابن جرير، عن
مسروق: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل
شيء إلاّ الجماع. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم
والنحاس والبيهقي وابن حبان، عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم
أخرجوها من البيت، ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت. فسئل
رسول اللّهِ وَ﴿ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... ) الآية، فقال
رسول الله ◌َ﴾: ((جامعوهنَّ في البيوت واصنعوا كل شيء إلّ النكاح ... )) الحديث.
(١) وفي الأصل: ((فقال))، وهو تحريف.
٣٢١

يجتنب(١) شعار(٢) الدم، وله ما سوى ذلك.
٢١ - (باب إذا التقى الختانان (٣) هل يجب الغسل؟)
٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن سعيد(٤) بن
المسيب(٥): أن عمرَ وعثمانَ (٦) وعائشةً كانوا يقولون (٧) :
(١) مجهول أو معروف.
(٢) قوله: شعار، بالكسر، بمعنى العلامة وبمعنى الثوب الذي يلي
الجسد، ذكره في ((النهاية))، والمراد موضع الدم أو الكرسف.
(٣) قوله: الختانان، المراد به ختان الرجل وهو مقطع جلدته، وخفاض
المرأة. وهو مقطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك بينها وبين مدخل الذكر
جلدة رقيقة .
(٤) قوله: عن سعيد بن المسيب، أبو محمد المخزومي المدني، سيِّد فقهاء
التابعين. قال قتادة: ما رأيت أحداً قطّ أعلمَ بالحلال والحرام منه، مات سنة ثلاث
وتسعين، كذا في ((الإِسعاف)).
(٥) ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.
(٦) قوله: عثمان، بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد
مناف القرشي، أمير المؤمنين، ذو النورين، قُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خَلَت من
ذي الحجة سنة ٣٥هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٧) قوله: كانوا يقولون ... إلخ، هذا حديث صحيح، عن عثمان بأن
الغسل يوجبه التقاء الختانين، وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير، عن
أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجُهَني أخبره أنه سأل عثمان،
قال: قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ للصلاة
ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله وَله، قال: وسأل ذلك عليّاً والزبير وطلحة
٣٢٢

إذا مسَّ (١) الخِتانُ(٢) الخِتانَ (٣) فقد وجب الغُسْل (٤).
٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر(٥) مولى عمر بن
عبيد الله، عن أبي سلمةً(٦) بنِ عبد الرحمن: أنه سأل عائشةً
ما يوجب الغسل؟ فقالت(٧): أتدري ما مَثَلُكَ(٨).
= وأبيّ بن كعب، فأمروه بذلك. هذا حديث منكر لا يُعرف من مذهب عثمان ولا من
مذهب عليّ ولا مذهب المهاجرين، انفرد به يحيى بن أبي كثير، وهو ثقة إلاّ أنه
جاء بما شذَّ فيه، وأنكر عليه، كذا في ((الاستذكار)).
(١) قوله: إذا مسَّ، المراد بالمسّ والالتقاء في خبر: ((إذا التقى ... ))
المجاوزةُ، كرواية الترمذي: (((إذا جاوز))، وليس المراد حقيقة المسّ، لأنه
لا يتصور عند غيبة الحشفة، فلو وقع مسٌّ بلا إيلاج لم يجب الغُسل بالإِجماع.
(٢) أي: موضع القطع من الذكر.
(٣) أي: موضع القطع من فرج الأنثى.
(٤) وإن لم ينزل.
(٥) سالم بن أبي أمية.
(٦) قوله: أبي سلمة، ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قيل اسمه
عبد الله، وقيل إسماعيل، وقيل اسمه كنيته، وثّقه ابن سعد وغيره، مات بالمدينة
سنة ٩٤ هـ، كذا في ((الإسعاف)».
(٧) تلاطفه وتعاتبه .
(٨) قوله: ما مثلك ... إلخ، فيه دليل على أن أبا سلمة كان عندها ممن
لا يقول بذلك، وأنه قلَّد فيه من لا علم له به، فعاتَبَتْه بذلك، لأنها كانت أعلم
الناس بذلك المعنى، وقد تقدَّم عن أبي سلمة روايته، عن عطاء بن يسار، وعن
أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((الماء من الماء))، وأن أبا سلمة كان يفعل ذلك،
فلذلك نفرته عنه، قاله ابن عبد البر.
٣٢٣

يا أبا سلمة (١)؟ مَثَلُ (٢) الفَرّوجِ (٣) يسمع الدِّيَكَة (٤) تصرخ(٥) فيصرخ
معها إذا جاوز(٦) الختان الختان فقد وجب الغسل.
٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد(٧)، عن
عبد الله بن كعب (٨) مولى عثمانَ بنِ عفان: أنّ محمودَ(٩) بن لَبيد(١٠)
(١) وكأنه قال: لا، فقالت: مَثَل ...
(٢) قوله: مثل الفروج، قال الباجي: يحتمل معنيين، أحدهما أنه كان صبياً
قبل البلوغ، فسأل عن مسائل الجماع الذي لا يعرفه ولم يبلغ حده، والثاني أنه
لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم.
(٣) قال المجد: كتنّور ويضم كسُبّوح فرخ الدجاج.
(٤) بوزن ◌ِنَّبَة جمع ديك، ويُجمع أيضاً على ديوك ذَكَر الدجاج.
(٥) تصيح.
(٦) بيّنت الحكم بعدما زجرته.
(٧) ابن قيس الأنصاري. ولِقَيس صحبة.
(٨) الحميري المدني صدوق، روى له مسلم والنسائي، قاله الزرقاني.
(٩) قوله: أن محمود بن لبيد، الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل،
وُلد على عهد النبيّ وَ ه، وحدَّث عن النبي ◌َّ بأحاديث، وذكره مسلم في الطبقة
الثانية من التابعين، فلم يصنع شيئاً ولا علم منه ما علم غيره، مات سنة ست
وتسعين، كذا في ((الاستيعاب)).
(١٠) بفتح اللام وكسر الموحّدة، ابن عقبة بن رافع.
٣٢٤

سأل زيدَ(١) بنَ ثابت عن الرجلِ يُصيبُ أهلَه ثم يُكْسِل(٢)؟ فقال
زيدُ بنُ ثابت: يغتسلُ (٣)، فقال له محمودُ بنُ لبيد: فإنَّ أَبيَّ بن كعب
لا يَرِى الْغُسْل، فقال زيدُ بنُ ثابت: نَزَعَ (٤) قبل أن يموت(٥).
قال محمد: وبهذا نأخذ إذا التقى الخِتانان و(٦)
(١) النجاري المدني أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة، كاتب الوحي أحد من
جمع القرآن على عهد رسول الله ب لتر، مات سنة ٤٥هـ، وقيل: سنة ٤٨ هـ،
وقيل: سنة ٥١هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٢) أكسل الرجل، إذا جامع ثم أدركه فتور فلم ينزل.
(٣) قوله: يغتسل، روى ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن، عن
رفاعة بن رافع، قال: كنت عند عمر، فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتي الناس في
المسجد بأنه لا غُسل على من يجامع ولم ينزل، فقال عمر: عَلَيَّ به، فأتي به،
فقال: يا عدوّ نفسه، أَوَبَلَغَ من أمرك أن تفتي برأيك؟ قال: ما فعلت، وإنما حدَّثني
عمومتي عن رسول الله وَله، قال: أيّ عمومتك؟ قال: أُبيّ بن كعب وأبو أيوب
ورفاعة، فالتفت عمر إليّ، قلت: كنّا نفعله على عهد رسول اللّه وَّر، فجمع عمر
الناس فاتَّفقوا على أن الماء لا يكون إلاّ من الماء إلّ عليَّ ومعاذ فقالا: إذا التقى
الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر، فقال عليّ
لعمر: سل أزواج النبي وس، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا أعلم، فأرسل إلى
عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. فتحطّم عمر - أي:
تغيَّظ ـ وقال: لا أُوتى بأحد فعله ولم يغتسل إلَّ أَنْهَكْتُه عقوبة، فلعل إفتاء زيد
لمحمود بن لبيد، كان بعد هذه القصة، كذا في شرح الزرقاني.
(٤) أي: أقلع ورجع عنه.
(٥) في رجوعه دليل على أنه قد ضح(١) عنده أنه منسوخ.
(٦) عطف بياني للالتقاء.
(١) في الأصل: ((صح))، والظاهر: ((قد صحّ)).
٣٢٥

توارَتْ(١) الحَشَفَةُ(٢) وجب الغُسْلُ أَنْزَلَ أو لم يُنْزِل، وهو قول أبي
حنيفة(٣) رحمه الله .
(١) أي: غابت.
(٢) رأس الذكر المختون .
(٣) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي والثوري وأحمد
وإسحاق وأبو ثور والطبري وأبو عبيد وغيرهم من علماء الأمصار، وإليه ذهب جمهور
أصحاب داود، وبعضهم قالوا: لا غسل ما لم يُنزل، تمسُّكاً بحديث ((الماء من
الماء)) وغيره. واختلف الصحابة فيه، فذهب جمع كثير إلى وجوب الغسل وإن
لم يُنزل. وبعضهم قالوا بالوضوء عند عدم الإِنزال، ومنهم من رجع عنه، فممن قال .
بوجوب الغسل عائشة وعمر وعثمان وعلي وزيد كما ذكره مالك. وابن عباس
وابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة عنهما. وأبو بكر أخرجه عبد الرزاق، والنعمان بن
بشير وسهل بن سعد وعامة الصحابة والتابعين ذكره ابن عبد البر، ولم يُختلف في ذلك عن
أبي بكر وعمر، واختلف فيه عن عليّ وعثمان وزيد، وقد صحَّ عن أبيّ بن
كعب أنه قال: كان ذلك - أي: وجوب الوضوء فقط بالإِكسال ـ- رخصة في بَدْء
الإِسلام ثم نُسخ، ولذلك رجع عنه أبيّ بعدما أفتى به، وروى عائشة وأبو هريرة
وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، وغيرهم مرفوعاً: ((إذا التقى الختانان
وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل))(١)، ذكر كل ذلك مع زيادات نفيسة ابن عبد البر=
(١) انظر نصب الراية (٨٤/١) أيضاً.
قد اتفق الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب على وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة وإن لم ينزل،
وكان فيه خلاف في الصدر الأول، فقد رُوي عن جماعة من الصحابة ومن الأنصار أنهم
لم يروا غسلًا إلَّا من الإِنزال، ثم رُوي أنهم رجعوا عن ذلك، وصحَّ عن عمر أنه قال:
من خالف في ذلك جعلته نكالاً، فانعقد الإِجماع في عهده. وخالف فيه داود الظاهري
ولا عبرة بخلافه عند المحقّقين، كما تجد تحقيقه في ((شرح التقريب)) للسبكي. وقد وقعت
عبارة البخاري في صحيحه موهمة للخلاف حيث قال: قال أبو عبد الله : الغسل أحوط . =
٣٢٦

٢٢ - (باب الرجل (١) ينام هل ينقض ذلك وضوءه؟)
٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيدُ(٢) بنُ أسلم، قال: إذا نام(٣)
أحدكم وهو مضطجع فليتوضّأ.
٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينام
وهو قاعد فلا يتوضّأ(٤).
= في ((التمهيد)) و((الاستذكار))، وقد بسط الكلام فيه الطحاويُّ في ((شرح معاني
الآثار))، وأثبت وجوب الغسل بالالتقاء بالأخبار المرفوعة والآثار الموقوفة، فليُراجع.
(١) قيد اتفاقي، فإن الرجل والمرأة في ذلك سواء.
(٢) العدوي وكان من العلماء بالتفسير وله كتاب فيه.
(٣) قوله: قال إذا نام ... إلخ، ليحيى: مالك عن زيد بن أسلم: أن
عمر بن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعاً فليتوضأ.
(٤) لأن النوم ليس بحدث وإنما هو سبب، وقد كان نومه خفيفاً ..
=
فأوهم أنه يقول باستحباب الغسل دون الوجوب، وهذا مخالف لما أجمع عليه جمهور
الأئمة، ويحتمل قول البخاري: ((الغسل أحوط))، يعني في الدين من حديثين تعارضا،
فقدَّم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، وهو باب مشهور في أصول الدين، وهو الأشبه،
لا أنه ذهب إلى الاستحباب والندب. هذا ملخّص ما قاله القاضي في ((العارضة)). فهكذا
وجه القاضي في ((العارضة)) وقال: والعجيب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في
إيجاب الغسل ... وبين حديث عثمان وأبيّ في نفي الغسل ... إلخ، ثم علَّل عدم صحة
التعلّق بحديثهما. وراجع ((عمدة القاري)) (٧٧/٢).
والذي اختاره ابن حجر في ((فتح الباري)) (٢٧٥/١) أن الخلاف كان مشهوراً بين التابعين
ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب، والله أعلم. انتهى كلامه.
ولكنه يقول في ((التلخيص)) (ص ٤٩): لكن انعقد الإجماع أخيراً على إيجاب الغسل قاله
القاضي وغيره. اهـ، فكأنه اختار هنا غير ما اختاره في ((الفتح))، وانظر ((عمدة القاري)) من
(٦٩/٢) (٧٢/٢ و٧٦ و٧٧).
٣٢٧

قال محمد: وبقول ابن عمر (١) في الوجهين جميعاً نأخذ، وهو
قول أبي حنيفة رحمه الله(٢).
٢٣ - (باب المرأة ترى(٣) في منامها ما يرى الرجل)
٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
أنّ(٤) أُمَّ سُلَیْم
(١) قوله: وبقول ابن عمر ... إلخ، فيه أنه لم يذكر قول ابن عمر في الوجه
الأول، فتأمَّل، كذا قال القاري.
(٢) قوله: وهو قول أبي حنيفة، اختلف العلماء فيه فقال مالك: من نام
مضطجعاً أو ساجداً فليتوضأ، ومن نام جالساً فلا، إلاّ أن يطول نومه، وهو قول
الزهري وربيعة والأوزاعي وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء إلاّ على من
نام مضطجعاً أو متورِّكاً، وقال أبو يوسف: إن تعمد النوم في السجود فعليه الوضوء.
وقال الثوري والحسن بن حَيّ وحماد بن أبي سليمان والنخعي: إنه لا وضوء إلاَّ
على من اضطجع، وقال الشافعي: على كلِّ نائمٍ الوضوء إلَّ الجالس وحده.
ورُوي عن أبي موسى الأشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أي
حال كان، كذا ذكره ابن عبد البر.
وقد أجمل في بيان مذهب الحنفية، والذي يُفهم من كتب أصحابنا أن كل
نوم يسترخي فيه المفاصل كالاضطجاع والاستلقاء والنوم على الوجه والبطن ومتَّكئاً
على أحد وركيه فهو ناقض، وما ليس كذلك فليس بناقض، وكذلك النوم قاعداً
وساجداً وراكعاً وقائماً، ومن الأخبار المرفوعة المؤيدة لكون النوم من النواقض
قوله (#: «وکاء السَّه العينان، فمن نام فليتوضأ» أخرجه أبو داود وأحمد من حديث
عليّ، والطبراني والدارمي من حديث معاوية بألفاظ متقاربة.
(٣) أي في حكم احتلامها.
(٤) قوله: أن أم سليم، قال ابن عبد البر: كذا هو في الموطأ، وقال فيه : =
٣٢٨
· نشدد

:
:
!
-
قالت(١) لرسولِ اللَّهِ وَله: يا رسول الله(٢)، المرأةُ ترى في المنام مثلَ
ما يرى الرجلُ أتغتسل(٣)؟ فقال (٤) رسول الله وَال :
= ابن أبي أويس عن عروة عن أم سليم، وكل من رَوى هذا الحديث عن مالك
لم يَذكر فيه ((عن عائشة)) في ما علمت إلّ ابن أبي الوزير وعبد الله بن نافع فإنهما
روياه عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أم سليم. انتهى. وقد
وصله مسلم وأبو داود من طريق عروة، عن عائشة. وأم سليم هي بنت ملحان بن
خالد بن زيد بن حرام بن جندب، واختلف في اسمها فقيل سهلة، وقيل رميلة،
وقيل مليكة، وقيل الغميصاء، كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في
الجاهلية، فولدت له أنساً فلما أسلمت عرض الإِسلام على زوجها، فغضب وهلك
هناك، وخلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري فولدت له عبد الله بن أبي طلحة،
كذا في ((الاستيعاب)).
(١) ولمسلم عن أنس جاءت أم سليم إلى رسول الله ﴿ فقالت له وعائشة
عند رسول الله چالخ .
(٢) ولأحمد قالت: يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في
المنام .
(٣) أي أيجب عليها الغسل؟ وفيه استحباب عدم الحياء في المسائل
الشرعية .
(٤) قوله: فقال ... إلخ، وعند ابن أبي شيبة فقال: هل تجد شهوة؟ قالت:
لعله، قال: هل تجد بللًا؟ قالت: لعله، قال: فلتغتسل، فلقيتها النسوة فقلن:
فَضَحْتِينا عند رسول الله، قالت: ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حلِّ أنا أم في
حرام، ففيه وجوب الغسل على المرأة بالإِنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، لكن
رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النّخَعي وإسناده جيد، فيدفع استبعاد النووي صحته
عنه، كذا في شرح الزرقاني.
٣٢٩

نعم (١) فَلْتَغْتَسِلْ، فقالت(٢) لها عائشة(٣): أفٍّ لك(٤)، وهل ترى(٥)
ذلكِ(٦) المرأة؟ قال(٧): فالتفتَ إليها رسولُ اللهِ وَلِّ فقال: تَرِبَتْ
یمینُك(٨)،
(١) إذا رأت ماءاً.
(٢) قوله: فقالت، قال الوليّ العراقي: أنكرت مع جواب المصطفى لها،
لأنه لا يلزم من ذكرحكم الشيء تحققه.
(٣) قوله: عائشة، في حديث آخر أن أم سلمة هي القائلة ذلك، قال
القاضي عياض: يحتمل أن كلتيهما أنكرتا عليها وإن كان أهل الحديث يقولون: إن
الصحيح ههنا أم سلمة لا عائشة، قال ابن حجر: وهذا جمع حسن لأنه لا يمتنع
حضور عائشة وأم سلمة عند النبيّ ◌َلغز في مجلس واحد.
(٤) قوله: أُفٍّ لك، قال عياض: أي استحقاراً لك، وهي كلمة تستعمل في
الاستحقار، وأصل الأف وسخ الأظافير، وفيه عشر لغات: أف بالكسر والضم
والفتح دون تنوين وبالتنوين أيضاً، وذلك مع ضمّ الهمزة فهذه ستة. وأفه بالهاء.
وإف بكسر الهمزة وفتح الفاء، وأف بضم الهمزة وتسكين الفاء، وأفى بضم الهمزة
والقصر، قلت: فيه نحو أربعين لغة حكاها أبو حيان في ((الارتشاف))، كذا في
((التنوير)).
(٥) قوله: وهل ترى، قال ابن عبد البر: فيه دليل على أنه ليس كل النساء
يحتلمن وإلَّ لَمَا أنكرت ذلك عائشة وأم سلمة، قال: وقد يوجد عدم الاحتلام في
بعض الرجال، قلت: وأي مانع من أن يكون ذلك خصيصة لأزواج النبي وَالقر أنهنَّ
لا يحتلمن كما أن الأنبياء لا يحتلمون، لأن الاحتلام من الشيطان فلم يسلّط عليهم
وكذلك على أزواجه تكريماً له، كذا في ((التنوير)).
(٦) بكسر الكاف.
(٧) في نسخة: قالت.
(٨) قوله: تربت يمينك، قال النووي: في هذه اللفظة خلاف كثير منتشر =
٣٣٠
. دها

ومن أين يكون الشَّبَه(١)؟!
قال محمد: وبهذا نأخذ(٢) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
= السلف والخلف، والأصحّ الأقوى الذي عليه المحققون أنها كلمة معناها افتقرت،
ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فيذكرون تربت
يداك، وقاتله الله، ولا أمَّ لك، وثكلته أمه، وويل أمه، وما أشبهَهُ، يقولونها عند
إنكارهم الشيء أو الزجر عنه، كذا في («زهر الربى على المجتبى)) للسيوطي.
(١) قوله: الشبه، بكسر الشين وسكون الباء، وشبه بفتحهما لغتان
مشهورتان، قال النووي: معناه أن الولد متولد من ماء الرجل وماء المرأة، فأيهما
غلب كان الشبه له، وإذا كان للمرأة مني فإنزاله وخروجه(١) منها ممكن، كذا في
((زهر الربى)».
(٢) قوله: وبهذا نأخذ، أي بوجوب الغسل على المرأة إذا رأت مثل ما يرى
الرجل ورأت بللاً، ورُوي عنه في غير رواية الأصول أنها إذا تذكرت الاحتلام
والإِنزال والتلذذ ولم تر البلل كان عليها الغسل(٢)، لكن قال شمس الأئمة الحلواني:
لا تؤخذ بهذه الرواية، ذكره صدر الشريعة، وقد عوَّل على تلك الرواية صاحب
((الهداية)) في مختارات النوازل وفي التجنيس والمزيد، لكنه تعويل ضعيف لأن =
(١) في الأصل: ((فإنزالها وخروجها))، وهو خطأ، والصواب: ((فإنزاله وخروجه)) كما في «زهر
الربى)) (١٣١/١).
(٢) قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم
أو جامع ولم يجد بللًا أن لا غسل عليه، واختلفوا فيمن رأى بللًا، ولم يتذكر احتلاماً، فقالت
طائفة: يغتسل، روينا ذلك عن ابن عباس، وعطاء والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي، وقال
أحمد: أحبّ إليّ أن يغتسل إلَّ رجل به أبردة: وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال
حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف، وظاهر الباب يؤيِّد
الفريق الأول، هذا ملخّص ما في ((العمدة)) (٥٦/٢ و٥٧) و((معالم السنن)) (٧٩/١)، وراجع
((المغني)) لابن قدامة (١ /٢٠٥)، فقد قيَّد البلل بالمني في وجوب الغسل ونسب ذلك إلى مالك
والشافعي، وهذا خلاف ما في ((المعالم)) و ((العمدة)) وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني.
٣٣١

٢٤ - (باب المستحاضة)(١)
٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن
أمَّ سلمة(٢) زوجِ النبي ◌َّ: أن امرأة(٣) كانت تُهراقُ(٤) الدَّمَ (٥) على
= سياق النصوص الواردة في هذه المسألة شاهد على أن وجوب الغسل برؤية البلل
لا بمجرد التذكر.
(١) قال الجوهري: استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيَّامها فهي
مستحاضة(١).
(٢) قوله: عن أم سلمة، قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك وأيوب، ورواه
الليث بن سعد وصخر وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سليمان أن رجلاً أخبره
عن أم سلمة، وقال النووي في الخلاصة: حديث صحيح رواه مالك والشافعي
وأحمد وأبو داود والنسائي بأسانيد على شرط البخاري ومسلم فلم يعرِّج على دعوى
الانقطاع .
(٣) قوله: أنَّ امرأة، قال الباجي: يقال هي فاطمة بنت أبي حُبَيْش، وقد
بَّن ذلك حماد بن زيد وسفيان بن عيينة في حديثهما عن أيوب، عن سليمان بن
يسار، قلت: وكذا هو مبيَّن في ((سنن أبي داود)) من رواية وهيب عن أيوب، كذا
في ((التنوير)).
(٤) قوله: تهراق، قال الباجي: الهاء في ((هراق)) بدل من همزة ((أراق)) يقال
أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه هراقة، كذا في ((التنوير)).
(٥) منصوب أي تهراق هي الدم، وهي منصوبة على التمييز، قال الباجي :
ويجوز رفعه على تقدير تهراق دماؤها.
(١) إن الروايات في المستحاضة مختلفة جداً. يشكل الجمع بينها وقد جمع بينها شيخنا في
((أوجز المسالك)) (٢٤٠/١)، فارجع إليه .
٣٣٢
ساف -د.
- - .

عهدِ رسولِ الله(١) وَّ فاستفتتْ(٢) لها أُمُّ سَلَمَةَ(٣) رسول اللهِوَلَه
فقال: لِتَنْظُر اللياليَ (٤) والأيّام(٥) التي كانت تحيضُ(٦) من الشهر قبل أن
يُصيبَها الذي أصابها(٧)، فلتتركْ (٨) الصلاةَ(٩) قَدْرَ ذلك من الشهر، فإذا
خَلَّفَتْ (١٠) ذلك فلتغتسِلْ ثم لِتَسْتَثْفِرِ (١١) بثوبٍ فَلْتُصَلِّ.
(١) أي في زمانه.
(٢) بأمرها لذلك، ففي رواية الدارقطني: فأمرت فاطمة أن تسأل لها.
(٣) وإنما لم تستفتٍ بنفسها للحياء.
(٤) قوله: لتنظر الليالي والأيام ... إلخ، احتج به من قال إن المستحاضة
المعتادة تُرَدّ لعادتها ميَّزتْ أم لا، وافق تمييزُها عادتها أم لا، وهو مذهب أبي حنيفة
وأحد قولَي الشافعي، وأشهر الروايتين عن أحمد. وأصح قولَي الشافعي وهو مذهب
مالك أنها تُرَدُّ لعادتها إذا لم تكن مميِّزة، وإلَّ رُدَّت إلى تمييزها، ويدل له قوله وَيّ
في حديث فاطمة: ((إذا كان دمُ الحيض فإنه دمٌ أسودُ يُعرف)) رواه أبو داود. وأجابوا
عن هذا الحديث باحتمال أنه بغير علم أنها غير مميّزة فحكم عليها بذلك، ولعلها
كانت لها أحوال كانت في بعضها مميّزة وفي بعضها ليست بمميِّزة، كذا قال الزرقاني .
(٥) قوله: والأيام، قد يُستنبط منه أن أقل مدة الحيض ثلاثة وأكثره عشرة،
لأن أقل ما يطلق عليه لفظ الأيام ثلاثة وأكثره عشرة، وأما دون ثلاثة فيقال يومان،
وفوق عشرة يقع التمييز يوماً، وهو استنباط لطيف لفظي .
(٧) أي من الاستحاضة.
(٦) أي في تلك الأيام.
(٨) قوله: فلترك الصلاة، فيه دلالة على ترك الصلاة للحائض ولا قضاء
عليها، وهذا أمر إجماعي خلافاً للخوارج، ذكره ابن عبد البر.
(٩) والصوم ونحوهما.
(١٠) أي تركتْ أيّامَ الحيض التي كانت تعهد وراءها.
(١١) قوله: ثم لتستثفر، قال في النهاية: هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة
بعد أن تحتشي قطناً وتوثق طرفَيْها في شيء تشدّه على وسطها، وهو مأخوذ من ثفر
الدابَّة الذي يجعل تحت ذنبها.
٣٣٣

قال محمد: وبهذا نأخذ(١) وتتوضَّأ لوقتٍ كلِّ صلاة وتصلِّي(٢)
إلى الوقتِ الآخر وإن سال دمُها، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُميّ (٣) مولى أبي بكر بنٍ
عبد الرحمن، أن القَعْقَاع (٤) بنَ حكيم وزيدَ بن أَسْلَم أرسلاه(٥) إلى
سعيد بن المسيَّب يسأله عن المستحاضة كيف تغتسل؟ فقال سعيد :
تغتسلُ من طُهْرٍ إلى طُهْرِ (٦) وتتوضّأ
(١) قوله: وبهذا نأخذ، أي بوجوب الغسل مرة عند ذهاب الأيام المعهودة،
وقال قوم: يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، والمغرب والعشاء
غسلاً واحداً، وللصبح غسلاً واحداً، ورُوي مثله عن علي وابن عباس، وقال
آخرون: تغتسل في كل يوم مرة في أي وقت شاءت، روي ذلك عن علي، وقال
قوم تغتسل من ظهر إلى ظهر، ولكلٍّ وجهة هو مولِّيها، وقد بسط الكلام فيه ابن
عبد البر في ((التمهيد)) وحمل أصحابنا الأخبار الواردة في الغسل لكل صلاة ونحو
ذلك على الاستحباب بدليل الأخبار الدالّة على كفاية الغسل الواحد.
(٢) ما شاءت من الفرائض والنوافل.
(٣) أبو عبد الله القرشي المخزومي المدني، وثّقه أحمد وأبو حاتم، كذا في
«الإِسعاف».
(٤) الكناني المدني، وثّقه أحمد ويحيى وغيرهما، كذا في ((الإِسعاف)).
(٥) فيه جواز إرسال رسول للاستفتاء من العالم وقَبول خبر الواحد.
(٦) قوله: من طهر إلى طهر، قال ابن سيِّد الناس: اختلف فيه، فمنهم من
رواه بالطاء المهملة، ومنهم من رواه بالظاء المعجمة، وقال ابن العراقي: المرويُّ
إنما هو الإِعجام، وأما الإِهمال فليس رواية مجزوماً بها، وقال ابن عبد البر: قال
مالك: ما أری الذي حدثني به من ظھر إلاّ وقد وهم، قال أبو عمر: ليس ذلك
:
٣٣٤
-ماقسط
- -. ..

لكل صلاةٍ(١) فإنْ غَلَبَها الدَّمُ استثفرتْ بثوب(٢).
قال محمد: تغتسلُ إذا مضتْ أيامُ أَقرائها(٣) ثم تتوضَّأُ لكل
صلاةٍ(٤) وتصلِّي ،
= بوهم لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه. وقد رواه كذلك السفيانان، عن
سميّ به بالإِعجام، وقال الخطابيّ: ما أحسن ما قاله مالك، لأنه لا معنى للاغتسال
في وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ولا أعلمه قولاً لأحد، وتعقّبه ابن العربي
بأن له معنى، لأنه إذا سقط لأجل المشقة اغتسالها لكل صلاة فلا أقل من الاغتسال
مرة في كل يوم للتنظيف، وقال ابن العراقي: قوله لا أعلمه قولاً لأحد، فيه نظر لأن
أبا داود نقله عن جماعة من الصحابة والتابعين، كذا في ((شرح الزرقاني)).
(١) قوله: لكل صلاة، أي: لوقت كل صلاة، فاللام للوقت كما في قوله
تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةٌ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: وقت دلوكها.
(٢) رواه أبو داود بلفظ: ((استذفرت بثوب))، فقيل: قلب الثاء ذالاً، وقيل
معناه فلتستعمل طيباً.
(٣) قوله: أَقرائها، بالفتح جمع قَرء بالفتح، ويُجمع على قروء أيضاً، وهو
من الأضداد: يقع على الطهر، وإليه ذهب الشافعي وأهل الحجاز في قوله تعالى:
﴿ثلاثةَ قُروءٍ﴾، وعلى الحيض وإليه ذهب أبو حنيفة وأهل العراق، كذا في ((النهاية))
لابن الأثير الجزري، والمرادُ ها هنا بأيام أقرائها أيام حيضها، كما في حديث:
((تدعُ الصلاة أيّام أَقرائها)).
(٤) قوله: لكل صلاة، أي: لوقت كل صلاة كما مرَّ ويأتي، ويصلي ما شاء
من الفرائض والنوافل، وبه قال الأوزاعي والليث وأحمد، ذكره عن أحمد
أبو الخطاب في ((الهداية))، وفي («مغني ابن قدامة)): تتوضأ لكل صلاة، وبه قال
الشافعي وأبو ثور، وقال ابن تيمية: هذه رواية عن أحمد، وقال مالك: لا يجب
الوضوء على المستحاضة ومن به سَلِسُ البول ونحوه، وهو قول ربيعة وعكرمة
وأيوب، وإنما هو مستحب لكل صلاة عنده، كذا ذكره العيني في ((البناية))، وقال =
٣٣٥

حتى تأتِيَها أيامُ أَقرائها، فَتَدَعُ(١) الصلاةَ، فإذا مضَت اغتسلتْ غُسلًا
واحداً، ثم توضَّأَتْ لكلِّ وقتٍ صلاةٍ وتصلي، حتى يدخُلَ الوقتُ الآخر(٢)
ابن عبد البر في ((الاستذكار)): ممَّنْ أوجب الوضوء لكل صلاة سفيان الثوري
11
وأبو حنيفة وأصحابه والليث والشافعي والأوزاعي. انتهى. وفيه مسامحة حیث سوّی
بين مذهبي(١) أبي حنيفة والشافعي، وليس كذلك كما عرفت. أما الذين قالوا
بالوضوء لكل صلاة، فاستدلوا بظاهر قوله ﴿: ((توضَّئي لكل صلاة وصلِّي)).
أخرجه أبو داود في حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وهو معلق في صحيح البخاري
ومخرج في سنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان وجامع الترمذي بألفاظ متقاربة،
وأخرج أبو يعلى، والبيهقي، عن جابر أن النبي ◌َّر أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل
صلاة. وأما أصحابنا فاستندوا بقوله وَله: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) رواه
أبو حنيفة. وذكر ابن قدامة في ((المغني)» في بعض ألفاظ حديث فاطمة: ((وتوضّئي
لوقت كل صلاة))، وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده، عن حمنة بنت جحش أن
النبي ولي أمرها أن تغتسل لوقت كل صلاة، كذا ذكره العيني، وقالوا: الأول
محتمل لاحتمال أن يراد بقوله: ((لكل صلاة)) وقت كل صلاة، والثاني محكم فأخذنا
به، وقوّاه الطحاوي بأن الحدث إما خروج خارج وإما خروج الوقت، كما في
مسح الخفين، ولم نعهد الفراغ من الصلاة حدثاً، فرجحنا هذا الأمر المختلف فيه
إلى الأمر المجمع عليه.
(١) أي: تترك.
(٢) قوله: حتى يدخل الوقت الآخر، ظاهره أن الناقض هو دخول الوقت
الآخر، فلو توضأت في وقت الصبح ينبغي أن تجوز به الصلاة إلى أن يدخل وقت
الظهر، لكن المذكور في كتب أصحابنا المعتمدة أن الناقض هو خروج الوقت
فحسب عند أبي حنيفة ومحمد، ودُخوله فحسب عند زفر، وأيهما كان عند
أبي يوسف.
--------
(١) في الأصل: ((مذاهب))، والظاهر: ((مذهبي)).
٣٣٦

ما دامت ترى الدم(١)، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامَّةِ من فقهائنا .
٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
ليس على المستحاضةِ (٢) أن تغتسلَ إلاَّ غُسلاً واحداً(٣)، ثم تتوضَّأَ(٤)
بعد ذلك للصلاة .
٢٥ - (باب المرأة ترى الصُّفرة والكُدْرة)(٥)(٦)
٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَلْقَمةُ(٧)(٨) بن أبي علقمة، عن
أمِّه(٩) مولاةٍ عائشةَ زوجِ النبيِّ وَّرِ أنها قالت: كان النساءُ يبعثن(١٠)
(١) أي: المتوالي، فإذا ذهب ذلك عاد الحكم المقرَّر للكل.
(٢) أي: لا يجب عليها.
(٣) عند القضاء: المدة التي كانت تحيض فيها.
(٤) وجوباً عند الجمهور، واستحباباً عند مالك.
(٥) بضم الكاف: هي التي لونها كلون الماء الكدر، قاله العيني.
(٦) وفي نسخة: أو الكدرة.
(٧) مات سنة بضع وثلاثين ومائة.
(٨) المدني. وثقه أبو داود والنسائي وابن معين واسم أبيه هلال، كذا في
((الإسعاف)).
(٩) اسمها مرجانة وثقها ابن حبان، كذا في ((الإِسعاف)).
(١٠) قوله: كان النساء يبعثن ... إلخ، في هذا الحديث من الفوائد:
• جواز معاينة كرسف المرأة للمرأة، يؤخذ ذلك من بعثهن الكرسف لرؤية
عائشة .
• وأنه ينبغي للنساء الاستفتاء في أمورهن من أعلمهن.
٣٣٧

إلى عائشة بالدُّرْجِةِ (١) (٢) فيها الكُرْسُف(٣) فيه الصُّفْرة من الحيض
فتقول: لا تَعْجَلَنَّ (٤) حتى ترين (٥) القَصَّة البيضاء.
● وجواز الحياء في مثل هذه الأمور من الرجال إذا لم يُحتج إليه، ولذلك
بعثن الكرسف إلى عائشة لا إلى رجال الصحابة.
· وجواز وضع كرسف في ظرف.
· وعدم التعجيل في أداء العبادة قبل أوانه، بحيث يفوت شرط من شروطه.
● وجواز التعليم بالإِشارة حيث لم يُخِلّ بالمقصود.
وغير ذلك مما لا يخفى على الماهر.
(١) قوله: بالدُّرجة، بضم دال فسكون، حُقّة تضع المرأة فيها طيبها ونحوه،
والحُقَّة بالضم: وعاء من خشب، وقال الشيخ ابن حجر في ((فتح الباري)): الدِّرَجَة
بكسر أوله وفتح الراء والجيم جمع دُرْج بضم فسكون، قال ابن بطال: كذا يرويه
أصحاب الحديث، وضبطه ابن عبد البر في ((الموطأ)) بضم وسكون، وقال: إنه
تأنیث درج.
(٢) المراد ما تحتشي به المرأة من قطنة أو غيرها، لتعرف هل بقي من أثر
الحيض شيء أم لا .
(٣) بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء مهملة هو القطن.
(٤) بالتاء والياء خطاباً وغَيبة.
(٥) قوله: ترين القصة، بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: الجص هي
لغة حجاز. وفي الحديث: ((الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء)»، أي:
حتى تخرج القطنة التي تحشى (١) كأنها جصة لا تخالطها صفرة، يعني أفتت عائشة
للمستفتيات(٢) عن وقت الطهارة عن الحيض، بأنه لابد من رؤيتهن القطنة شبيهة =
(١) في الأصل: ((تجيء))، والظاهر: ((تحشى)).
(٢) في الأصل: ((للمتنقبات))، وهو تحريف.
٣٣٨

تريد(١) بذلك(٢) الطهر من الحيض.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا تطهرُ المرأةُ ما دامتْ ترى حمرةً
أو صُفرةً أو كُدرة(٣)، حتى ترى البياض (٤) خالصاً، .
= بالجصة، كذا في ((الكواكب الدراري)) و((فتح الباري))، وذكر العيني في ((البناية))
أن القصة هي الجصة، شبّهت عائشة الرطوبة الصافية بعد الحيض بالجص، وقيل:
القصة شيء يشبه الخيط الأبيض يخرج من قُبُل النساء في آخر أيّامهن يكون علامة
لطهرهن.
(١) أي: عائشة.
(٢) أي: برؤية القصة البيضاء.
(٣) قوله: أو كدرة، خرجت قبل الدم أو بعده خلافاً لأبي يوسف في كدرة
خرجت قبل الدم، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، حكاه العيني .
1
(٤) قوله: حتى ترى البياض، لقول عائشة حتى ترين القصة البيضاء.
فجعلت علامة الطهر البياض الخالص. فعُلم أن ما سواه حيض، ومثله لا يُعرف إلّ
سماعاً، لأنه ليس مما يهتدي إليه العقل.
........-* -*
!
وقد ذَكَرَ هاهنا ثلاثة ألوان وترك ثلاثة أخرى، وهي الخضرة والسواد والتربيّة.
والكل حيض إذا كانت في أيام الحيض عندنا. أما كون الصفرة حيضاً، فقد ثبت
من أثر عائشة. وأما كون السواد حيضاً فثبت من قوله صل﴿ لفاطمة: ((إذا كانت دم
الحيضة، فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة)). أخرجه أبو داود والنسائي
وغيرهما. وأما الحمرة، فهي أصل لون الدم، ووقع في رواية العقيلي عن عائشة:
((دم الحيض أحمر قاني، ودم الاستحاضة كغسالة اللحم))، ذكره العيني. وأما
الخضرة، فاختلفوا فيه، والصحيح أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء يكون
حيضاً، وكذا الكدرة والتربيّة. وعند أبي يوسف الكدرة ليس بحيض إلاّ بعد الدم.
٣٣٩

وهو قول أبي حنيفة رحمه الله(١).
٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله (٢) بن أبي بكر(٣)، عن
عمَّته(٤)، عن ابنة (٥) زيد بن ثابت: أنه (٦) بلغها(٧) أن (٨) نساءً كُنَّ
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، رأيت في ((الاستذكار)): أما قول الشافعي
والليث بن سعد فهو أن الصفرة والكدرة لا تُعَدُّ حيضاً وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
انتهى. وأظن أن كلمة ((لا)) من زيادة الناسخ.
(٢) وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، مات سنة ١٣٥هـ،
وقيل: سنة ١٣٦هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٣) ابن محمد بن عمرو بن حزم.
(٤) قوله: عن عمته، قال ابن الحذاء: هي عمرة بنت حزم عمة جد
عبد الله بن أبي بكر، وقيل لها عمته مجازاً، قلت: لكنها صحابية قديمة، روى
عنها جابر الصحابي، ففي روايتها عن بنت زيد بُعد، فإن كانت ثابتة فرواية
عبد الله عنها منقطعة لأنه لم يدركها، ويحتمل أن يكون المراد عمته الحقيقية وهي
أم عمرو أو أم كلثوم كذا في «الفتح».
(٥) قوله: عن ابنة زيد، ذكروا أن لزيد من البنات حسنة وعمرة وأم كلثوم
وغيرهن. ولم أرَ الرواية لواحدة إلّ لأم كلثوم زوج سالم بن عبد الله بن عمر، فكأنها
هي المبهمة ها هنا، وزعم بعض الشُّرَّاح أنها أم سعد، لأن ابن عبد البر ذكرها في
الصحابة. وليس في ذكره لها دليل على المدَّعى، لأنه لم يقل إنها صاحبة هذه
القصة، كذا في ((الفتح)).
(٦) ضمير شأن.
(٧) أي: عمة عبد الله أو ابنة زيد.
(٨) فاعل لبلغ.
٣٤٠
<. .