Indexed OCR Text
Pages 281-300
في الخُفَّيْنِ وهما (١) طاهرتان(٢) فامسَحْ عليهما، قال عبد الله(٣): وإن جاء أحدنا من الغائط (٤)؟ قال: وإنْ جاء أحدُكُم من الغائط. ٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع: أن ابنَ عمر بال بالسوق(٥) (٦)، ثم توضّأ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعي (١) قوله: وهما طاهرتان، استدلَّ الشافعية على اشتراط اللُّبْس على طهارة كاملة بأحاديث، منها ما في الصحيحين من حديث المغيرة ((دعهما فإني أدخلتُهما طاهرتين)). ومحل الخلاف يظهر في مسألتين: إحداهما: إذا أحدث ثم غسل رجليه ثم لبس الخفين ثم مسح عليهما ثم أكمل وضوءه. الثانية: إذا أحدث ثم توضأ، فلما غسل إحدى رجليه لبس عليها الخُفّ، ثم غسل الأخرى ثم لبس الخُفّ، فإن هذا المسح جائز عندنا في الصورتين خلافاً لهم، وهم يطلقون النقل عن مذهبنا ويقولون: الحنفية لا يشترطون كمال الطهارة في المسح، كذا في ((نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية)) للزيلعي رحمه الله . (٢) أي: عند وجود الحدث بعد المسح . (٣) قوله: قال عبد الله وإن جاء أحدنا ... إلخ، وفي البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن سعد: أن النبيّ وَّ مسح على الخفين، وابن عمر سأل أباه عن ذلك، فقال: نعم، إذا حدَّثك شيئاً سعدٌ عن النبي 18 فلا تسأل عنه غيره. (٤) قوله: من الغائط، الغوط عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئنّ من الأرض غائط، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة الغائط، لأن العادة أن تُقضى في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتَّسِع فيه حتى صار يُطلق على النَّجْو نفسه، وقد تكرَّر في الحديث بمعنى الحدث والمكان، كذا في (النهاية)). (٥) لعله في موضع أُعِدَّ هناك لذلك. (٦) سُمِّي السوق به لأن الناس يُساقون إليه، وقيل: هو بالفتح اسم موضع. ٢٨١ لجنازة (١) حين دخل المسجد(٢) ليصلِّ عليه(*)، فمَسَحَ(٣) على خُفَّيْهِ(٤) ثم صلّى(٥)(٦). ٥١ - أخبرنا مالكٌ، أخبرني هشامُ بنُ عروة، عن أبيه: أنه رأى (٧) أباه يمسَحُ على الخُفَّيْنِ (١) أي: للصلاة على جنازة. (٢) النبوي . (٣) قوله: فمسح على خفيه، قال أبو عمر: تأخير مسح الخفين محمول عند أصحابنا أنه نسي، وقال غيره: لأنه كان برجليه علَّة، فلم يمكنه الجلوس حتى أتى المسجد، فجلس ومسح، والمسجد قريب من السوق، وقال الباجي: يُحتمل أنه نسي، وأنه اعتقد جواز تفريق الطهارة، وأنه لعجز الماء عن الكفاية، وقد قال ابن القاسم في ((المجموعة)): لم يأخذ مالك بفعل ابن عمر في تأخير المسح، كذا قال الزرقاني، وفيه ما لا يخفى. (٤) فيه جواز تفريق فرائض الوضوء خلافاً للمالكية، فإن الولاء عندهم ضروري، وقد أوَّلوا هذا الأثر بتأويلات ركيكة. (٥) على الجنازة. (٦) ومن المعلوم أنه لا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها في اعتبار شرائطها. (٧) قوله: أنه رأى أباه، قال القاري: أي الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة. انتهى. وهو مبنيّ على أن ضمير ((أباه)) راجع إلى عروة المذكور في قوله ((عن أبيه)) وكذا ضمير ((أنه))، لكنْ في موطأ يحيى وشرحه للزرقاني: ((مالك، عن هشام بن عروة، أنه رأى أباه يمسح على الخفين)). قال هشام: وكان عروة لا يزيد إذا مسح على الخفين على أن يمسح ظهورهما ولا يمسح بطونهما. انتهى. ومثله في ((استذكار)) ابن عبد البر، فعلى هذا، الضميران راجعان إلى هشام، والمراد (*) هكذا في الأصل، والصواب: ((عليها)) كما في نسخ الموطأ. انظر (الأوجز: ٢٤٩/١). ٢٨٢ ....... - على ظهورِهما(١) لا يمسَحُ بطونهما، قال: ثم يرفعُ العِمَامة فيمسَحُ برأسِه. = بالأب في كلا الموضعين هو عروة بن الزبير والد هشام، لا الزبير والد عروة، ويكون قوله: ((أنه رأى أباه)) بياناً لقوله: ((عن أبيه))، والمعنى: أخبرني هشام عن حال أبيه عروة وهو أنه أي هشام رآه يمسح على الخفين ... إلخ. (١) قوله: على ظهورهما ... إلخ، لم يختلف قول مالك أن المسح على الخفين على حسب وصفه ابن شهاب أنه يدخل إحدى يديه تحت الخف والأخرى تحته(١)، إلَّ أنه لا يرى الإعادة على من اقتصر على مسح ظهور الخفين إلَّ في الوقت. وأما الشافعي فقد نصَّ أنه لا يجزئه المسح على أسفل الخف ويجزئه على ظهره فقط، ويُستحب أن لا يُقْصر أحد عن مسح ظهور الخفين وبطونهما معاً كقول مالك. وهو قول عبد الله بن عمر، ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يمسح ظهور خُفَّيْه وبطونهما، والحجة لمالك والشافعي حديث المغيرة بن شعبة عن النبيّ وَ﴿ أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله، رواه ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، ولم يسمعه ثور من رجاء، وقد ذكر علَّته في ((التمهيد))، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: يمسح ظهور(٢) الخفين دون بطونهما، وبه قال أحمد وإسحاق وداود، وهو قول عليّ بن أبي طالب، وقيس بن سعد بن عبادة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وجماعة، والحجة لهم ما ذكره أبو داود، عن عليّ، قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخف أَوْلى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﴿ يمسح على ظاهره. وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة، قال: رأيت رسول الله ولم يمسح ظهور الخفين. وهذان الحديثان يدلان على بطلان قول أشهب ومن تابعه في أنه يجوز الاقتصار في المسح على باطن الخف، كذا في ((الاستذكار)). = (١) هكذا في الأصل والصواب فوقه. انظر (الاستذكار ٢٨٤/١). (٢) قال أبو حنيفة: يجزئه قدر ثلاثة أصابع، وقال مالك بالاستيعاب، وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم المسح، وقال أحمد: الأكثر (أوجز المسالك ٢٥٤/١). ٢٨٣ قال محمد: وبهذا كلُّه (١) نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، ونرى(٢) المسْحَ للمقيم يوماً وليلةً(٣) وثلاثةَ أيامٍ وليالِيَها للمسافر. = (١) من نفس المسح، وكونه على الظهر، وجواز التفريق بينه وبين باقي الفرائض، وجوازه في الحضر والسفر بعد لُبسه على طهارة كاملة، وغير ذلك. (٢) أي: نعتقد. (٣) قوله: يوماً وليلة، هكذا ورد في حديث عليّ، عن النبي ◌َّر، أنه جعل المسح ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. أخرجه مسلم وأبو داود، وأخرج الترمذي وصحَّحه، والنَّسائي، وابن ماجه، عن صفوان: كان رسول الله ﴿ يأمرنا إذا كنّا سَفْراً أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثةَ أيامٍ وليالِيَهن إلاّ عن جنابة. وأخرج أبو داود والترمذي، عن خزيمة مرفوعاً: المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة. وأخرج نحوه أحمد وإسحاق والبزّار والطبراني من حديث عوف بن مالك، وابن خزيمة، والطبراني من حديث أبي بكرة. فيهذه الأخبار وأمثالها قال أصحابنا بالتوقيت، وبه قال سفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن حَيّ، والشافعي، وأحمد، وداود، كذا في ((الاستذكار)). وفيه أيضاً: ثبت التوقيتُ عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص على اختلافٍ عنه، وعمّار بن ياسر، وحذيفة، وأبي مسعود، والمغيرة، وهو الاحتياط عندي. انتهى. وقالت طائفة: لا توقيت في المسح، يُروى ذلك عن الشعبي وربيعة والليث وأكثر أصحاب مالك، كذا ذكره العيني. وذكر ابن عبد البَرّ، أنه رُوي مثله عن عمر وسعد وعقبة بن عامر، وابن عمر، والحسن البصري. والحجة لهم في هذا حديث أبيّ بن عمارة، قلت: يا رسول الله، أَمْسَحُ على الخفين؟ قال: نعم، قلت: يوماً، قال: نعم، قلت: ويومين، قال: نعم، قلت: وثلاثة، قال: نعم، وما شئت. أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني، وهو حديث ضعيف ضعَّفه البخاري، وقال أبو داود: اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال أبو زرعة: رجاله = ٢٨٤ ۔ وقال مالكُ بنُ أنس(١): لا يمسَحُ المقيمُ على الخُفَّيْن. وعامَّةُ هذه الآثار(٢) التي روى مالك في المسح إنما هي في المقيم، ثم (٣) قال: لا يمسح المقيم (٤) على الخُفَّيْن. = لا يعرفون، وقال ابن حبان: لستُ أعتمد على إسناد خبره، وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس إسناده بقائم، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي(١). (١) قوله: وقال مالك بن أنس ... إلخ، هذا الذي حكاه عنه إنما هو رواية عنه غير معتمدة. فقد روي عنه في ذلك ثلاث روايات: إحداها: وهي أشد نكارة من إنكار المسح في الحضر والسفر، والثانية: كراهة المسح في الحضر وجوازه في السفر، والثالثة: إجازة المسح في الحضر والسفر، كذا ذكره ابن عبد البر. وذكر العيني نقلاً، عن النووي، أنه رُوي عنه ست روايات: إحداها: لا يجوز المسح أصلاً، ثانيها: يُكره، ثالثها: يجوز من غير توقيت وهي المشهورة عند أصحابه، ورابعها: يجوز مؤقتاً، وخامسها: يجوز للمسافر دون المقيم، وسادسها: يجوز لهما. وقال ابن عبد البر: موطأ مالك يشهد للمسح في الحضر والسفر. (٢) قوله: وعامة هذه الآثار ... إلخ، ردّ على مالك بأن أثر ابن عمر وسعد وأنس وعمر التي ذكرها في الموطأ دالّة على جواز المسح في الحضر، فكيف يجوز إنكاره مع ورودها. واحتج بعض أصحابه بأن المسح شُرع لمشقة السفر وهي مفقودة في الحضر، ورده ابن عبد البر بأن القياس والنظر لا يعرّج عليه مع صحة الأثر. ومنهم من قال: أحاديث المسح في الحضر لا يثبت شيء منها، وفيه مبالغة واضحة. (٣) أي بعدما رواها . (٤) قوله: المقيم، قال عبد الله بن سالم المكي في ((ضياء الساري)) : - (١) ونقل النووي في شرح المهذب (٤٨٤/١) اتفاق الأئمة على ضَعْفه. وانظر أحاديث عدم التوقيت في نصب الراية (١٧٥/١) وما بعدها. ٢٨٥ ١٤ - (باب المسح على العمامة(١) والخِمار)(٢) ٥٢ - أخبرنا مالكٌ، قال: بلغني(٣) عن جابر(٤) بن عبد الله(٥) أنه سئل عن العمامة (٦)؟ فقال: لا، حتى يمسَّ(٧) الشعرَ الماءُ. قال محمد: وبهذا(٨) نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. ٥٣ - أخبرنا مالكٌ، حدَّثَنا نافع قال: رأيت صفيَّةَ(٩) ابنةً = المعروف عن المالكية الآن قولان: الجواز مطلقاً، والجواز للمسافر دون المقيم، وجزم بهذا ابن الحاجب، وصحح الباجي الأول، ونقل أن مالكاً إنما كان يتوقّف فيه في خاصة نفسه مع إفتائه بالجواز. (١) بكسر العين ما يعتّم به الرجل رأسه. (٢) بالكسر ما تقنّع به المرأة رأسها. (٣) قوله: بلغني، قال سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قويّ، كذا قال القاري . (٤) قوله: عن جابر، أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو محمد، غزا مع النبي ◌َ ﴿ تسعَ عَشْرَةَ غزوة، ولم يشهد بدراً، ومات بالمدينة، وقيل بمكة سنة ثمان وسبعين، وقيل تسع، وقيل سبع، وقيل أربع، كذا في ((الإِسعاف)). (٥) ابن عمرو بن حرام بن ثعلبة الأنصاري المدني . (٦) أي عن المسح عليها. (٧) قوله: حتى يمسّ، من الإِمساس أو المسّ أي يصيب (الشعر) بالنصب على أنه مفعول مقدَّم، (الماءُ) بالرفع أو النصب. (٨) أي بعدم جواز المسح على العمامة. (٩) قوله: صفية، امرأة عبد الله بن عمر، تزوّجها في حياة أبيه، وأصدقها عمر عنه أربع مائة درهم، ووَلَدَتْ له واقداً، وأبا بكر، وأبا عبيدة، وعبيد الله، وعمر، وحفصة، وسودة، قال ابن منْدَه: أدركت النبي وَ ل ولم تسمع منه، وأنكره الدارقطني، وذكرها العجلي وابن حبان في ثقات التابعين، كذا قال الزرقاني . ٢٨٦ أبي عُبَيد(١) تتوضَّأُ وتنزِعُ خِمَارَها(٢)، ثم تمسَحُ برأسها. قال نافع: وأنا يومئذٍ صغير(٣). قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يُمسَحُ على الخِمار ولا العِمامة (٤)، بَلَغَنا (٥) أن المسح على العِمامة كان (٦) فتُرك، وهو قول (١) ابن مسعود، الثقفية . (٢) بكسر المعجمة: ما تغطي به المرأة رأسها . (٣) لم يبلغ فلذلك رآها. (٤) قوله: لا يمسح على الخمار ولا العمامة، اختلفت فيه الآثار، فروي عن النبي صل# أنه مسح على عمامته من حديث عمرو بن أمية الضمري وبلال بن المغيرة بن شعبة وأنس، وكلها معلولة، ورُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين ذكرهم المصنفون: ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن المنذر وغيرهم. وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن حنبل وإسحاق، للآثار الواردة في ذلك وقياساً على الخفّيْن. وقالت طائفة من هؤلاء بجواز مسح المرأة على الخمار، وروَوْا عن أم سلمة زوج النبي ◌ّيها أنها كانت تمسح على خمارها. وأما الذين لم يروا المسح على العمامة والخمار فعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشَّعبي والنَّخَعي وحمّاد بن أبي سليمان. وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، والحجة ظاهر قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، ومن مسح على العمامة لم يمسح برأسه. كذا في ((الاستذكار)(١). (٥) قوله: بلغنا ... إلخ، لم نجد إلى الآن ما يدل على كون مسح العمامة منسوخاً، لكن ذكروا أن بلاغات محمد مسندة، فلعل عنده وصل بإسناده. (٦) أي في بَدْء الأمر. (١) وقال في بذل المجهود في حل أبي داود (٣٥٩/١): والحديث في العمامة محتمل التأويل فلا يُترك المتيقّن للمحتمل والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس. انظر تفصيل أطرافِ هذا البحث في فتح المُلهم (٤٣٤/١) وما بعدها. ٢٨٧ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا(١). ١٥ - (باب الاغتسال من الجنابة) ٥٤ - أخبرنا مالكٌ، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا اغتَسَلَ من الجنابة أَفرغ (٢) على يده اليُمنى فغسَلَها، ثم غسَل فَرْجَه(٣) ومَضْمَضَ (٤) واستنشق، وغسل وجهه، ونضح (٥) في عينيه، ثم غسل يدَهُ اليُمنى ثم الْيُسْرى، ثم غَسَل رأسه، ثم اغتسَل و(٦) أفاضَ الماءَ على جلده. (١) قوله: والعامة من فقهائنا، إلى عدم الاقتصار على المسح على العمامة ذهب الجمهور، وقال الخطابي: فرض الله المسح بالرأس والحديث في مسح العِمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقّن للمحتمل، قال: وقياسه على الخف بعيد، لأنه يشق نزعها. وتُعُقِّب بأن الذين أجازوا شرطوا فيه المشقة في نزعها، وقالوا: الآية لا تنفي ذلك، ولا سيما عند من يحمل المشترك على حقيقته ومجازه، وإلى هذا ذهب الأوزاعي والثوري - في رواية عنه - وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن خزيمة وابن المنذر، وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر. وقد صح أن النبيّ ﴿ه قال: ((إن يُطِعِ الناسُ أبا بكر وعمر يرشدوا)). كذا في ((فتح الباري)). (٢) أي صب الماء. (٣) بشماله. (٤) بيمينه . (٥) قوله: ونضح، أي رشّ في عينيه، هذا شيء لم يُتابع عليه، لأن الذي عليه غسل ما ظهر لا ما بطن، وله رحمه الله شدائد شذ فيها، حمله الورع عليها، وفي أكثر الموطآت: سئل مالك عن نضح ابن عمر الماء في عينيه؟ فقال: ليس على ذلك العمل عندنا، كذا في ((الاستذكار)). (٦) عطف تفسير. ٢٨٨ ٠٠. قال محمد: وبهذا(١) كلِّه نأخُذُ إلَّ النَّضْحَ في العينين، فإنَّ ذلك ليس بواجبٍ(٢) على الناس في الجنابة، وهو قول أبي حنيفة ومالكِ بنِ أنس والعامَّة . ١٦ - (باب الرجل تصيبه (٣) الجنابة من الليل) ٥٥ - أخبرنا مالكٌ، أخبرنا عبدُ الله(٤) بنُّ دينار(٥)، عن (١) قوله: وبهذا كله نأخذ، أي بما أفاده هذا الحديث من الأفعال فبعضها فرائض عندنا، كالمضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن، وباقيها من تقديم غسل اليدين وتعقيبه بغسل الفرج وإن لم يكن عليه نجاسة والتوضَّىء وغير ذلك سنن. (٢) قوله: ليس بواجب، بل ليس بسنة أيضاً(١). (٣) بالاحتلام أو غيره. (٤) مولی عبد الله بن عمر. (٥) قوله: عبد الله بن دينار، هكذا رواه مالك في الموطأ باتفاق من رواة الموطأ، ورواه خارج الموطأ عن نافع بدل عبد الله بن دينار، قال أبو علي : والحديث لمالك عنهما جميعاً، وقال ابن عبد البر: الحديث لمالك عنهما جميعاً، لكن المحفوظ عن عبد الله بن دينار، وحديث نافع غريب. انتهى. وقد رواه عنه كذلك خمسة أوستة فلا غرابة، وإن ساقه الدارقطني فمراده خارج الموطأ، فهي غرابة خاصة بالنسبة إلى رواية الموطأ، كذا في ((الفتح)). (١) قال الطحطاوي على ((المراقي)): ولا يجب إيصال الماء إلى باطن العينين ولو في الغسل للضرر، هذه العلة تنتج الحرمة، وبه صرح بعضهم وقالوا: لا يجب غسلها من كحل نجس ولو أعمى لأنه مضر مطلقاً، وفي ابن أمير الحاج: يجب إيصال الماء إلى أهداب العينين وموقَيْهما. قلت: وما يخطر في البال - والله أعلم - أن ابن عمر رضي الله عنه استنبطه من قوله : ((أشربوا الماء أعينكم)). أخرجه الدارقطني بسند ضعيف كما ذكره ابن رسلان، وكأنّ معنى قوله ◌َّهر عند العامة هو تعاهد الماقين لكنّ ابن عمر رضي الله عنه حمله على ظاهره فكان ينضح في عينيه، فتأمل وتشكر (أوجز المسالك ٢٨٣/١). ٢٨٩ ابن عُمَرَ أن عمر (١) رضي الله عنه ذكَرَ لرسولِ الله وَّلِ أنه(٢) تُصيبُهُ الجنابةُ من الليل، قال: توضّأْ(٣) واغسِلْ ذكرَك(٤) ونَمْ. (١) قوله: أن عمر ذكر، مقتضاه أنه من مسند ابن عمر، كما هو عند أكثر الرواة، ورواه أبو نوح عن مالك فزاد فيه عن عمر، وقد بيَّن النسائي سبب ذلك في روايته من طريق ابن عون عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة، فأتى عمر فذكر ذلك له. فأتى عمر النبي # فاستأمره، فقال: ((ليتوضأ ويرقد))، وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب ((أنه تصيبه)) يعود إلى ابن عمر، لا على عمر، وقوله في الجواب ((توضأ)) يحتمل أن يكون ابن عمر حاضراً فوجه الخطاب إليه، كذا قال الزرقاني . (٢) روى ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي : إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة، كذا في «الفتح)). ٢ (٣) قوله: توضأ، قال ابن الجوزي: الحكمة فيه أن الملائكة تبتعد عن الوسخ والريح الكريهة، وأن الشياطين تقرب من ذلك. وقال النووي: اختلف في حكمة هذا الوضوء، فقال أصحابنا: لأنه يخفّف الحدث، وقيل: لعله أن ينشط إلى الغسل إذا بلّ أعضاءه، وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه، وأخرج الطبراني في ((الكبير)) بسند لا بأس به عن ميمونة بنت سعد، قلت: يا رسول الله، هل يأكل أحدنا وهو جنب؟ قال: لا، حتى يتوضأ، قلت: هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، فإني أخشى أن يُتَوَفَّى فلا يحضره جبريل. وقال الباجي: لا يبطل هذا الوضوء ببول ولا غائط، قلت: يخرج من هذا لُغز لطيف، فيقال: لنا وضوء لا يبطله الحدث وإنما يبطله الجماع. كذا في ((التنوير)). (٤) قوله: واغسل ذكرك، في رواية أبي نوح: ذكرك ثم توضأ ثم نم، وهو يردّ على من حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر، لأنه = ٢٩٠ - - قال محمد: وإن لم يتوضَّأْ ولم يغسِلْ ذكره حتى ينام فلا بأس(١) بذلك أيضاً. = ليس بوضوء يُنقض بالحدث، وإنما هو للتعبّد، إذ الجنابة أشدّ من مس الذكر، وقال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر، وجاء بصيغة الشرط، وهو متمسَّك لمن قال بوجوبه، وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وهو شذوذ، وقال ابن العربي: قال مالك والشافعي : لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ، واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل وقال: لم يقل الشافعي بوجوبه ولا يعرف ذلك أصحابه، وهو كما قال، لكن كلام ابن العربي محمول على أنه أراد نفي الإِباحة المستوية الطرفين، لا إثبات الوجوب، أو أراد وجوب سنة أي متأكد الاستحباب، ونقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق السَّبيعي عن الأسود عن عائشة أنه عليه السلام كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماءً، رواه أبو داود وغيره، وتُعُقِّب بأن الحفاظ قالوا: إن أبا إسحاق غلط فيه، وبأنه لو صح حُمل على أنه تَرَك الوضوء لبيان الجواز لئلا يُعتقد وجوبه، أو أن معنى قولها(١): ((لم يمس ماءً))، أي للغسل، وأورد الطحاوي ما يدل على ذلك، ثم جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث: كان يتوضأ وهو جنب، ولا يغسل رجليه، كما رواه مالك في الموطأ عن نافع. وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة من رواية عائشة فيُعتمد ويحمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أنه كان للعذر. وقال جمهور العلماء: المراد بالوضوء ههنا الوضوء الشرعي، كذا في ((الفتح)). (١) قوله: فلا بأس بذلك أيضاً، يشير إلى أنه ليس بضروري حتى لو ترك (١) في الأصل: ((قوله))، وهو تحريف. ٢٩١ ٥٦ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن أبي إسحاقَ السَّبِيعي(١)، عن الأسودِ(٢) بن يزيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان = لزمه إثم، بل هو أمر مستحب مَنْ فَعَل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، وهذا هو قول الثوري كما قال ابن عبد البر. قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء وأحب إليهم أن يتوضأ، وقال الليث: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلاً كان أو امرأة، ولا أعلم أحداً أوجبه إلاَّ طائفة من أهل الظاهر، وسائر الفقهاء لا يوجبونه وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين. انتهى ملخّصاً. فظهر من ههنا أنه لا خلاف في هذه المسألة بين أصحابنا وبين الشافعية وغيرهم ما عدا الظاهرية إلّ أن يكون الاستحباب عندهم متأكداً وعند أصحابنا غير متأكد. (١) قوله: عن أبي إسحاق السبيعي، هو عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال علي، السبيعي نسبة إلى سَبيع بالفتح قبيلة من همدان، الكوفيّ، وُلد لسنتين بَقِيتا من خلافة عثمان، وروى عن عليّ بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وقد رآهما ولم يسمع منهما، وعن سليمان بن صُرَد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، والأسود بن يزيد النَّخَعي، وأخيه عبد الرحمن بن يزيد، وابنه عبد الرحمن بن الأسود، وسعيد بن جبير، والحارث الأعور، وغيرهم، وعنه ابنه يونس، وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الآخر يوسف بن إسحاق، وقتادة، وسليمان التيمي، ومسعر، والثوري، وسفيان بن عيينة وآخرون، قال أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم: ثقة، وله مناقب جمّة مبسوطة في ((تهذيب التهذيب))، وكانت وفاته سنة ١٢٨ هـ أو سنة ١٢٩هـ أو سنة ١٢٦ هـ أو سنة ١٢٧ هـ، قاله غير واحد. (٢) قوله: عن الأسود بن يزيد، هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي. نسبة إلى نَخَع قبيلة بالكوفة، روى عن أبي بكر، وعمر، وحذيفة، وبلال، وعائشة، وأبي محذورة، وأبي موسى، وابن مسعود، وكان فقيهاً زاهداً، مفتياً من أصحابه، = ٢٩٢ رسولُ اللهِوَلّهِ يصيبُ(١) من أهله، ثم ينام ولا يَمَسَّ ماءً(٢)، فإن استيقظَ من آخر الليل عاد(٣) واغتسل. قال محمد: هذا الحديث أرفق بالناس (٤) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . = روى عنه أبو إسحاق السُّبيعي، وإبراهيم النخعي، وهو ابن أخته، وأبو بردة بن أبي موسى وجماعة، وثقه أحمد ويحيى وابن سعد والعجلي، توفي بالكوفة سنة ٧٥هـ، وقيل سنة ٧٤هـ، قاله ابن أبي شيبة، كذا في ((تهذيب التهذيب)). (١) أي يجامع . (٢) ولا يمسَّ ماء(١)، قال يزيد بن هارون: هذا الحديث خطأ. وقال الترمذي: يريد أن قوله من غير أن يمسّ ماء خطأ من السبيعي. وقال البيهقي : طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهّموها مأخوذة من غير الأسود، وأن السبيعي دلَّس. قال البيهقي: وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية، لأنه بيَّن سماعه من الأسود، والمدلس إذا بَّن سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لردِّه. قال النووي: فالحديث صحيح، وجوابه من وجهين، أحدهما: ما رواه البيهقي عن ابن شريح واستحسنه أن معناه لا يمس ماء للغسل، والثاني: أن المراد كان يترك الوضوء في بعض الأحوال لبيان الجواز وهذا عندي حسن أو أحسن، كذا في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي . (٣) إلى الوطء. (٤) لكن الحديث الأول أصح وأرجح. (١) في نسخة سقطت هذه العبارة. ٢٩٣ .... ١٧ - (باب الاغتسال يوم الجُمُعة)(١) ٥٧ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسول الله وَ* قال: إذا أتى (٢) أحدُكم (٣) الجمعةَ(٤) فليغتسِلْ(٥). ٥٨ - أخبرنا مالك، حدثنا صفوان (٦) بن سُلَيم (٧)، عن عطاء (٨) بن يسار، (١) بضم الجيم والميم لغة الحجاز، وفتح الميم لغة تميم، وإسكانها لغة عقیل. (٢) أي أراد أن يجيء كما في رواية الليث عن نافع عند مسلم: إذا أراد أحدكم أن يأتي . (٣) قوله: أحدكم، بإضافة أحد إلى ضمير الجمع، وذلك يعم الرجال والنساء والصبيان . (٤) قوله: الجمعة، أي الصلاة أو المكان الذي تُقام فيه، وذكر المجيء لكونه الغالب، وإلّ فالحكم شامل لمن كان مقيماً بالجامع. (٥) قوله: فليغتسل، قال الحافظ ابن حجر: رواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهور(١) جداً قد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في صحيحه فساقه من طريق سبعين نفساً، رووه عن نافع، وقد تتبعت ما فاته وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد فبلغت أسماءُ من رواه عن نافع مائةٌ وعشرون نفساً. (٦) المدني أبو عبد الله الزهري . (٧) بضم السين. (٨) قوله: عطاء بن يسار، الهلالي أبو محمد المدني، عن ابن مسعود وزيد وابن عمر، وعنه أبو حنيفة، وزيد بن أسلم، وآخرون، وثّقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثلاث ومائة كذا في ((الإِسعاف)). (١) هكذا في الأصل، والصواب: ((مشهورة)). ٢٩٤ منقطر. عن أبي سعيد(١) الخُدْري: أنَّ رسول الله وَ ◌ِّ قال: غُسْل يومٍ الجمعةِ(٢) واجبٌ(٣) على كل مُحْتَلِم (٤). ٥٩ - أخبرنا مالكٌ، حدَّثنا الزهري، عن ابن (٥) السَّبَّاق(٦): أنَّ (٧) رسول الله ◌َلّ (١) قوله: أبي سعيد، اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأنصاري الخدري، وخدره وخداره بطنان من الأنصار، كان من الحفاظ المكثرين الفضلاء العقلاء، مات سنة ٧٤هـ، كذا في ((الاستيعاب)). (٢) قوله: غسل يوم الجمعة، ظاهر إضافته لليوم حجة لأنَّ الغُسل لليوم لا للجمعة، وهو قول جماعة، ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه للصلاة لا لليوم، وقد روى مسلم هذا الحديث بلفظ: ((الغسل يوم الجمعة))، وكذا رواه الشيخان من وجه آخر عن أبي سعيد، قاله الزرقاني . (٣) قوله: واجب، أي متأكَّد، قال ابن عبد البر: ليس المراد أنه واجب فرضاً، بل هو مؤوّل أي واجب في السنة، أو في المروءة، أو في الأخلاق الجميلة، كما تقول العرب: وجب حقُّك. (٤) قوله: محتلم، أي بالغ، وهو مجاز، لأن الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإِنزال موجِبٌ للغسل سواء كان يوم الجمعة أم لا، كذا في ((الكواكب الدراري». (٥) عبيد المدني الثقفي وثَّقه ابن حبان. (٦) بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة. (٧) قوله: أنّ، قال السيوطي: وصله ابن ماجه من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، عن ابن السباق، عن ابن عباس به. واسم ابن السباق عبيد، وهو من ثقات التابعين بالمدينة، كذا قاله القاري . ٠٢٩٥ قال(١): يا معشر المسلمين (٢)، هذا يومٌ جعله الله تعالى (٣) عيداً للمسلمين، فاغتسلوا (٤)، ومن كان عنده طِيبٌ فلا يضرُّه أن يمسَّ منه(٥)، وعليكم(٦) بالسِّواكِ(٧) (٨). ٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرني المَقْبُرِيُّ(٩)، عن أبي هريرة أنه (١) في جمعة من الجمع. (٢) قوله: يا معشر المسلمين، قال النووي في شرح مسلم: المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والأنبياء معشر، وكذا ما أشبههه . (٣) أي لهذه الأمة خَاصَّة، جزم به أبو سعد في ((شرف المصطفى))، وابن سراقة . (٤) قوله: فاغتسلوا، الأمر عندنا محمول على الندب والفضل بدليل قول عائشة: كان الناس عُمّال أنفسهم، وكانوا يشهدون الجمعة بهيآتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم، لئلا يؤذي بعضهم بعضاً بريحه، كذا في ((الاستذكار)). (٥) قوله: أن يمس منه، فيه استحباب مسّ الطيب لمن قدر عليه يوم الجمعة والعيدين، وذلك مندوب إليه حسن مرغوب فيه، وقد كان أبو هريرة يوجب الطيب، ولعله وجوب سنَّة أو أدب، كذا في ((الاستذكار)). (٦) أي الزموه . (٧) قوله: وعليكم بالسواك، العلماء كلَّهم يندبون إليه ويستحبونه وليس بواجب عندهم، قال الشافعي: لو كان واجباً لأمرهم به شقّ أو لم يشقّ وقد قال: (لولا أن أَشُقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك)). (٨) قوله: بالسواك، قال الرافعي في شرح المسند: السواك فيما حكى ابن دُرَيد من قولهم: سُكْت الشيء إذا دلكته سوكاً. (٩) قوله: المقبّري، هو بضم الموحدة وفتحها، كان مجاوراً للمقبرة فنُسب إليها، اختلط قبل موته بأربع سنين، وكان سماع مالك ونحوه قبله، قاله الزرقاني، ٢٩٦ قال: غُسْلُ يومِ الجمعة واجبٌ على كل محتلم كغُسْل الجنابة (١). ٦١ - أخبرنا مالكٌ، أخبرني نافع: أنَّ ابنَ عمر كان لا يَرُوح(٢) إلى الجمعة إلَّ اغتسل(٣). ٦٢ - أخبرنا مالكٌ، أخبرني الزهري، عن سالم بن عبد الله (٤) عن أبيه: أنَّ رجلاً(٥) من أصحاب رسولِ الله وَّ دخل المسجد يومَ واسمه سعيد بن أبي سعيد كيسان المدني، اتفقوا على توثيقه، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، كذا في ((الإسعاف)). (١) قوله: كغسل الجنابة، قد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعن عمار بن ياسر وغيرهما الوجوب الحقيقي وهو قول الظاهرية ورواية عن أحمد، فلا يُؤَوَّل قول أبي هريرة بأنه في الصفة لا في الوجوب، لأنه مذهبه، كذا قال الزرقاني . ٢ (٢) أي لا يذهب. (٣) قوله: إلَّ اغتسل، اقتداءً بالنبي ◌َّ﴿، فإنه كان يغتسل يوم الجمعة والعيدين، ويوم عرفة، أخرجه أحمد والطبراني من حديث الفاكه. ولأبي داود من حديث عائشة: كان رسول الله وس* يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت. وبهذه الأخبار ذهب محقّقو أصحابنا إلى الاستنان . (٤) ابن عمر بن الخطاب أبو عمر، أحد الأئمة الفقهاء السبعة بالمدينة، قال مالك: لم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل، مات سنة ١٠٦ هـ وقيل سنة سبع. (٥) قوله: أن رجلاً، سماه ابن وهب وابن القاسم في روايتهما للموطأ: عثمان بن عفان، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم فيه خلافاً، قال: وكذا وقع في رواية ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر، ورواية معمر عن ٢٩٧ الجمعة و(١)عمرُ بنُ الخطاب يخطب الناس، فقال: أيَّة(٢) ساعةٍ هذه؟ فقال الرجل: انقلبتُ(٣) من السُّوقِ فسمعتُ النداء(٤) فما زدتُ(٥) على أن توضَّأْتُ ثم أقبلت، قال عمر: والوضوءَ(٦) أيضاً(٧)! وقد علمتَ (٨) الزهري عند عبد الرزاق، وفي حديث أبي هريرة في روايته لهذه القصة عند مسلم، کذا في ((التنوير)». (١) الواو حالية . (٢) بتشديد الياء، تأنيث أيّ، استفهام إنكار وتوبيخ على تأخّره إلى هذه الساعة(١). (٣) قوله: انقلبت، أي رجعت، روى أشهب عن مالك قال: إن الصحابة كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود السبت، والنصارى الأحد، كذا في ((التنوير)). (٤) أي الأذان بين يَدَيْ الخطيب. (٥) أي لم أشتغل بشيء إلاّ بالوضوء. (٦) قوله: والوضوء، قال النووي: أي توضأت الوضوء فقط، قاله الأزهري، وقال الحافظ ابن حجر: أي الوضوء أيضاً اقتصرت علیه، أو اخترته دون الغسل. والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويتِ الفضيلة حتى تركتَ الغسل واقتصرتَ على الوضوء. وجوّزّ القرطبي الرفع على أن خبره محذوف، أي والوضوء أيضاً يقتصر عليه . (٧) فيه دليل على عربية ((أيضاً)) وقد توقّف فيه جمال الدين بن هشام، كذا (٨) ومع علمك تركت الغسل واكتفيت(٢) بالوضوء. في «مرقاة الصعود)). (١) كان غرض عمر رضي الله عنه التنبيه على ساعات التبكير التي وقع فيها الترغيب لأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف، ولذا بادر عثمان رضي الله عنه إلى الاعتذار. (٢) في الأصل: ((على الوضوء)»، وهو تحريف. ٢٩٨ سفة أن رسول الله وَ لَّ كان يأمر(١) بالغُسْلِ. قال محمد: الغُسْلُ أفضلُ(٢) يومَ الجمعة، وليس بواجب (٣). (١) قوله: كان يأمر بالغسل، استدل بهذا اللفظ وبزجر عمر لعثمان في أثناء الخطبة على ترك الغسل من قال بوجوبه. وأجاب عنه الطحاوي بأن عمر لم يأمر عثمان بالرجوع للغسل وذلك بحضرة أصحاب رسول الله و 9، فكان ذلك إجماعاً على نفي وجوب الغسل، ولولا ذلك ما تركه عثمان، ولما سكت عمر من أمره إياه بالرجوع، وذكر نحوه ابن خزيمة وابن عبد البر والطبري والخطّابي وغيرهم، وارتضاه كثير من شرّاح صحيح البخاري وغيرهم. ولا يخفى ما فيه فإنه إنما ينهض دليلاً على من قال باشتراط الغسل لصحة صلاة الجمعة، وهم قوم من الظاهرية، وأما من قال بوجوبه مستقلاً بدون الاشتراط فلا، لأن له أن يقول الغسل وإن كان واجباً لكنْ تَرَكَه عثمان لشغله بأمر وضيق وقت فهو معذور في تركه، ولا يلزم من تركه أن لا يكون واجباً، وإنما لم يأمره عمر بالرجوع لأنه قد وجب عليه أمر آخر وهو سماع الخطبة فلو أمر بالرجوع لزم اختيار الأدنى وترك الأعلى . وبالجملة وجوب الغسل مقيّد بسعة الوقت، وعند ضيقه وخوف فوت واجب آخر يسقط وجوبه، فالأوْلى أن يُمنع دلالة قصة عمر على الوجوب بأن زجرَه عثمانَ على ترك الغسل وترك الخطبة لأجله يُحتمل أن يكون لتركه سنّة مؤكدة، فإن الصحابة كانوا يبالغون في الاهتمام بالسنن. (٢) قوله: أفضل، هذا يشمل الاستنان والاستحباب، والأول مختار كثير من أصحابنا، والثاني رأي بعض أصحابنا، والأول أرجح. (٣) قوله: وليس بواجب، وذهب الظاهرية إلى وجوبه أخذاً من ظاهر الأحاديث المارَّة، وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح، والمسيب بن رافع، ذكره ٢٩٩ وفي هذا (١) آثار كثيرة . ٦٣ - قال محمد: أخبرنا الرَّبيع بن صَبِيحٍ (٢)، عن سعيدٍ الرَّقَاشي (٣)، = العيني، وهو المروي عن أحمد في رواية والمحكيّ عن أبي هريرة وعمار بن ياسر، كذا قال القسطلاني. وذكر النووي في شرح صحيح مسلم أن ابن المنذر حكى الوجوب عن مالك، وكلام مالك في الموطأ وأكثر الروايات عنه تردّه. وقال ابن حجر: حكى ابنُ حزم الوجوب عن عمر وجمٍّ غفير من الصحابة ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلَّ نادراً، وإنما اعتمد ابن حزم في ذلك على أشياء محتملة كقول سعد: ما كنت أظن مسلماً يدع الغسل يوم الجمعة . (١) أي عدم الوجوب. (٢) قوله: أخبرنا الربيع، هو الربيع بن صَبيح - بفتح أولهما - السعدي البصري، صدوق سيِّىء الحفظ، وكان عابداً مجاهداً، قال الرَّامَهُرْمُزي: هو أول من صنّف الكتب بالبصرة، مات سنة ستين بعد المائة، كذا في ((التقريب)). وذكر في ((تهذيب التهذيب)) أنه روى عن الحسن البصري، وحُميد الطويل، ويزيد الرقاشي، وأبي الزبير، وأبي غالب، وغيرهم، وعنه الثوري، وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم، قال العجلي وابن عدي : لا بأس به. (٣) قوله: عن سعيد الرقاشي، بفتح الراء المهملة وخفة القاف آخره شين معجمة، نسبة إلى رقاش اسم امرأة كثر(١) أولادها حتى صاروا قبيلة، وهي بنت سبيعة بن قيس بن ثعلبة، ذكره السمعاني وابن الأثير، وسعيد هذا لعله سعيد بن عبد الرحمن الرقاشي، ذكره الذهبي في ((ميزان الاعتدال))، وقال: لَّنه يحيى القطان ووثَّقه جماعة، وقال ابن عدي: توقّف فيه ابن القطان، ولا أرى به بأساً، وقد رُوي عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال: اتقوا الله واتقوا الناس. انتهى، فلْيُحَرَّر. (١) في الأصل: ((كثرت))، وهو تحريف. ٣٠٠ =