Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٩)
وحكى بعض الناس أن ((ما)) في هذه الآية ظرفيّة؛ أي: ما دمتم
تستحسنون النكاح. قال ابن عطيّة: وفي هذا المنزع ضعفٌ.
[الرابع]: قال الفرّاء: ((ما)) لهُهنا مصدرية. وقال النحاس: وهذا بعيدٌ
جدّاً، لا يصحّ، فانكحوا الطيّبة.
[الخامس]: أن المراد بـ ((ما)) هنا العقد؛ أي: فانكحوا نكاحاً طيباً،
وقراءة ابن أبي عَبْلَة تردّ الأقوال الثلاثة.
واتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اٌلْيَ﴾ ليس له
مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له أن
ينكح أكثر من واحدة، اثنين، أو ثلاثاً، أو أربعاً كمن خاف، فدلّ على أن
الآية نزلت جواباً لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعمّ من ذلك. انتهى كلام
القرطبيّ باختصار(١).
(قَالَتْ) عائشة ◌َّا: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أختها هي أسماء بنت أبي بكر
الصدّيق ﴿ه، والدة عبد الله بن الزبير، وعروة. (هِيَ الْيَتِيمَةُ)؛ أي: التي مات
أبوها، (تَكُونُ فِي حَجْرٍ وَلِيِّهَا)؛ أي: الذي يَلِي مالها. قال الفيّوميّ تَظُْهُ:
((حَجر الإنسان)) بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو ما دون إبطه إلى الكشح،
وهو في حَجْره؛ أي: كَنَفه، وحِمَايته، والجمع حُجور. انتهى(٢).
(تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ
يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا) بضمّ الياء، من الإقساط؛ أي: يَعدِل في مهرها، وفي
رواية: ((ويريد أن ينتقص من صداقها))، (فَيُعْطِيَهَا) عطف على ((يُقسِط))، عطف
تفسير، وفيه دلالةٌ على النهي عن تزوّج امرأة يخاف في شأنها الجور، منفردةً،
أو مجتمعة مع غيرها. (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ)؛ يعني: أنه يريد أن يتزوّجها بغير
أن يعطيها مثل ما يُعطيها غيره؛ أي: ممن يَرغَب في نكاحها سواه، ويدلّ على
هذا قوله: (فَنُهُوا) بضم النون، والهاء، مبنيّاً للمفعول، (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) بفتح
الياء بالبناء للمفعول؛ أي: يتزوّجوهنّ (إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى
سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ)؛ أي: أعلى عادة مهر مثلهنّ، (وَأُمِرُوا) بضم الهمزة، مبنيّاً
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٢/٥ - ١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
للمفعول، (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ)؛ أي: يتزوّجوا غيرهنّ
من النساء بأيّ مهر توافقوا عليه. قال في ((الفتح)): وتأويل عائشة هذا جاء عن
ابن عبّاس ﴿ّ مثله، أخرجه الطبريّ. وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله:
﴿ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الَْ﴾
شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ نُقْسِطُواْ فِىِ الَْ فَأُنكِحُوا﴾؛
أي: إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى، فتحرّجتم أن لا تَلُوها،
فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون
المعنى: وإن خفتم أن لا تُقسطوا في نكاح اليتامى. انتهى(١).
وقال الخطّابيّ: وتأويل الآية، وبيان معناها: أن الله تعالى خاطب أولياء
اليتامى، فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاحّة في صدقاتهنّ، وأن لا تعدلوا،
فتبلغوا بهنّ صداق أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا غيرهنّ من الغرائب
اللواتي أُحلّ لكم خطبتهنّ من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا
نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم من
الإماء. انتهى(٢) .
(قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) رَّا، وهو معطوفٌ على المذكور، وإن كان
بغير أداة عطف، (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ وَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ)؛
أي: في شأن النساء، (فَأَنْزَلَ اللهُ رَتْ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾)؛ أي: يسألونك
الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم، (﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) قال
النسفيّ: أي الله يفتيكم، والمتلوّ في الكتاب؛ أي: القرآن في معنى اليتامى،
يعني قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ﴾، وهو من قولك: أعجبني زيد
وكرمُهُ، (﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ﴾) في محلّ الرفع بالعطف على الضمير
في ﴿يُقْتِيكُمْ﴾، أو على لفظ ﴿اللَّهَ﴾، و(﴿فِ يَتَمَ اُلْنِّسَاءِ﴾) صلة ﴿يُتْلَ﴾؛
أي: يتلى عليكم في معناهنّ، ويجوز أن يكون في ﴿يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ بدلاً من
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ اُلِسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى
اٌلِسَآءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اُلْوِلْدَانِ
(١) ((الفتح)) ٩/ ١١١.
(٢) ((معالم السنن)) ١٥/٣ - ١٦.

٣٨٣
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٩)
وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَعَى بِالْقِسْطِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا
١٢٧
والإضافة بمعنى ((من)). (﴿اَِّ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾)؛ أي: ما أثبت لهن
في الشرع، (﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾).
(قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى
الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾،
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ
عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ) قال في ((الفتح)): فيه تعيين أحد الاحتمالين
في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾؛ لأن رغب يتغيّر معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا
أراده، ورغب عنه إذا لم يُرِدْه؛ لأنه يحتمل أن تحذف ((في))، وأن تُحذف
((عن)). وقد تأوّله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في الغنيّة،
والمُعْدَمة، والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنيّة،
وهذه الآية نزلت في الْمُعدمة. انتهى(١).
(حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا،
وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ)؛ أي: نُهُوا عن
نكاح المرغوب فيها لجمالها، ومالها؛ لأجل زُهدهم فيها، إذا كانت قليلة
المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل.
وقال صاحب ((التكملة)): حاصل كلام عائشة رضيُّا أن من وَلِيَ يتيمة من
أبناء أعمامها كان يظلمها في الجاهليّة من ناحيتين، فإن كانت ذات مال وجمال
رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها، فكان ينكحها بأقل
مهر من مهر المثل، فأمره الله ◌ُعَلَ أن لا يتزوجها في هذه الحالة، بل يتزوج
غيرها ممن أحلّ الله له بما شاء من المهر؛ لئلا يبخس اليتيمة حقّها في المهر،
وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْبَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ
لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
وأما إذا كانت قليلة الجمال، ولها مال، فلا يتزوجها الوليّ؛ لعدم رغبته
في جمالها، ولا يزوجها غيره خشية أن يذهب الزوج بمالها، فيمسكها عنده
(١) ((الفتح)) ١١٢/٩.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
غير مزوّجة، ولا يخفى ما في ذلك من الظلم لها، فنهاه الله رحم عن هذا
الظلم، وأمره بأحد أمرين: إما أن يتزوجها بنفسه على مهر مِثلها، وإما
أن يُنكحها غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ
اُلْكِتَبِ فِ يَتَى الْنِسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾
[النساء: ١٢٧].
وقال الآلوسيّ في ((روح المعاني)) (١): قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾؛
أي: في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كما ورد في
غير خبر كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات، ويأكلن أموالهن، وإلا كانوا
يعضلونهن طمعاً في ميراثهنّ، وحَذْف الجارّ هنا لا يُعدّ لَيساً، بل هو إجمال،
فكلّ من الحرفين مراد على سبيل البدل(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
ضَّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث عائشة .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٨٩/١ و٧٤٩٠ و٧٤٩١ و٧٤٩٢ و ٧٤٩٣]
(٣٠١٨)، و(البخاريّ) في ((الشركة)) (٢٤٩٤) و((الوصايا)) (٢٧٦٣) و((التفسير))
(٤٥٧٣ و٤٦٠٠) و((النكاح)) (٥٠٦٤ و٥٠٩٢ و٥٠٩٨ و٥١٣١) و((الحيل))
(٦٩٦٥)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٦٨)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(٣٣٦٧) وفي ((الكبرى)) (٥٥١٤ و١١٠٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب العدل في مهور النساء.
٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الوليّ أن يزوّج محجورته من نفسه.
٣ - (ومنها): أن له حقّاً في التزويج؛ لأن الله تعالى خاطب الأولياء
بذلك.
(١) ((روح المعاني)) ١٩٠/٥.
(٢) (تكملة فتح الملهم)) ٥٤١/٦ - ٥٤٢.

٣٨٥
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٩)
٤ - (ومنها): اعتبار مهر الْمِثل في المحجورات، وأن غيرهنّ يجوز
نكاحها بدون ذلك.
٥ - (ومنها): جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ؛ لأنهنّ بعد البلوغ، لا يقال
لهنّ: يتيمات، إلا أن يكون أطلق استصحاباً لحالهنّ.
٦ - (ومنها): بيان سبب نزول الآيتين، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): كتب أبو العبّاس القرطبيّ تَّلهُ على حديث عائشة
بحثاً مطوّلاً أحببت إيراده؛ لِمَا فيه من الفوائد الغزيرة، قال رَظْتُ:
قوله: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ [النساء: ١٠١]: فزعتم، وفرَقتم، وهو ضد الأمن، ثم
قد يكون الخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنوناً، فلذلك اختَلَف العلماء
في تفسير هذا الحديث، هل هو بمعنى العلم، أو بمعنى الظنّ، فقال بعضهم:
خفتم: علمتم، وقال آخرون: ﴿خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]: ظننتم، وحقيقة الخوف
ما ذكرناه أوّلاً. ﴿وَتُقْسِطُواْ﴾ [الممتحنة: ٨]: تعدلوا، وقد تقدَّم: أن أقسط بمعنى
عدل، وقسط: بمعنى جارَ، وقد تقدم أن اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب،
وفي غيرهم من قِبَل فَقْد الأم، وأن اليتيم إنما أصله أن يقال على من لم يبلغ،
وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرة كانت، أو كبيرة؛
استصحاباً لإطلاق اسم اليتيم؛ لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا: إن اليتيمة
الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنَّها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تنكح
اليتيمة الصغيرة؛ إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال
النبيّ ◌َّ فيما خَرَّج الدارقطنيّ، وغيره في بنت عثمان بن مظعون، وأنها يتيمة،
ولا تنكح إلا بإذنها(١)، وهذا مذهب الجمهور؛ خلافاً لأبي حنيفة، فإنَّه قال:
إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ؛ بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحة
النكاح - كما قدمناه في كتاب النكاح ..
وقوله: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣] قد تقدَّم أن ((ما)) أصلها
لِمَا لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، فتُطلق على من يعقل، كما جاءت في
هذه الآية، فإنَّها فيها للنساء، وهنّ ممن يعقل، ولا يُلتفت لقول من قال: إن
(١) رواه الدارقطنيّ ٢٢٩/٣ - ٢٣٠.

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
المراد بها هنا العقد؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ مبيناً لمبهم ((ما)).
وقوله: ﴿مِّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعْ﴾ قد فَهِمَ من هذا من بَعُدَ فهمه للكتاب والسُّنَّة،
وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وقلَّ علمه باللسان، واللغة: أنه يجوز
لنا أن ننكح تسعاً، ونجمع بينهنّ في عصمة واحدة من هذه الآية، وزعم أن
الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبيّ وَالز نكح تسعاً، وجمع بينهن في عصمة،
والذي صار إلى هذه الجهالة الرافضةُ، وطائفة من أهل الظاهر، فجعلوا مثنى،
وثلاث، ورباع مثل اثنين، وثلاث، وأربع، وبينهما من الفرقان ما بين الجماد
والإنسان، فإنَّ أهل اللغة مطبقون على الفرق بينهما، ولا نعلم بينهم خلافاً في
ذلك، وبيان الفرق أن العرب إذا قالت: جاءت الخيل مثنى مثنى إنما تعني
بذلك: اثنين، اثنين؛ أي: جاءت مزدوجة، قال الجوهريّ: وكذلك جميع
معدول العدد.
قال القرطبيّ: وعلى هذا جاء قوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُوْلِ
أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَثُلَكَ وَرُبَعْ﴾ [فاطر: ١]، ويُعلم على القطع والبتات أنه لم يرد هنا
توزيع هذه الأعداد على الملائكة حتى يكونوا هم: أولي تسعة أجنحة يشتركون
فيها، ولا أنه جمع كل واحد من آحاد الملائكة تسعة أجنحة، وتلزم هذه
الفضائح من قال بالجمع في آية النكاح؛ إذ لا فرق بين هاتين الآيتين في هذا
اللفظ في العدل، والعطف بالواو الجامعة، وإنما المراد: أن الله تعالى خلق
الملائكة أصنافاً، فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين، ومنهم صنف
جعل لكل واحد منهم ثلاثة، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم أربعة،
وكذلك آية النكاح معناها: أن الله تعالى أباح لكل واحد منهم من الزوجات ما
يقدر على العدول فيه، فمن يقدر على العدل في اثنتين أبيح له ذلك، ومن يقدر
على العدل في أكثر أبيح له ذلك، فإنَّ خاف أن لا يعدل فواحدة، كما قال
تعالى، وغاية الإباحة أربع؛ لأنَّه انتهى إليهن في العدد، ولقول النبيّ وَّة
الغيلان بن أمية: ((أمسك أربعاً، وفارق سائرهنّ))(١)، ولأنه لم يُسمع عن أحد
من الصحابة، ولا التابعين: أنه جمع في عصمته بين أكثر من أربع، وما أبيح
(١) رواه البيهقيّ في ((الكبرى)) ١٨١/٧، وصححه ابن حبّان (٤١٥٧).

٣٨٧
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٩)
للنبيّ وَّخلّ من ذلك، فذلك من خصوصياته، بدليل: أن أصحابه قد علموا ذلك،
وتحقّقوه، فلو علموا أن ذلك مسوَّغْ لهم لاقتدوا به في ذلك، فكانوا يجمعون
بين تسع، فإنَّهم كانوا لا يعدلون عن الاقتداء به في جميع أفعاله، وأحواله،
وببادرون إلى ذلك مبادرة من علم أن التوفيق والفلاح، والحصول على خير
الدنيا والآخرة في الاقتداء به، فلولا أنهم علموا خصوصيته بذلك لَمَا امتنعوا
منه، وما يروي الرافضة في ذلك عن عليّ ◌َظُه، أو غيره من السّلف، فغير
معروف عند أهل السُّنّة، ولا مأخوذ عن أحد من علماء الأمة، وكيف لا؟
وقوله لغيلان قد بيّن القدر المباح غاية البيان، وهو من الأحاديث المعروفة
المشهورة عند كل أحد، بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند.
وقد ذهب بعض أهل الظاهر(١) إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة؛ تمسُّكاً
بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار لمّا لم يمكنه لذلك إنكار، لكنه لمّا حمل
الواو على الجمع جمع بين هذه الأعداد، وقصر كل صيغة على أقله، فجعل: مثنى
بمعنى: اثنين واثنين، وثلاث: بمعنى ثلاث وثلاث، ورباع: بمعنى أربع وأربع.
قال: وهذا القائل أعور بأيّ عينيه شاء، فإنَّ كل ما ذكرناه يبطل دعواه.
ونزيد هنا نكتة تضمنها الكلام المتقدِّم، وهي أن قصره كل صيغة على
أقل ما تقتضيه بزعمه، تحكّم بما لا يوافقه أهل اللسان عليه، ولا يرشد معنى
الاثنين إليه؛ لأنَّ مقصود الآية إباحة نكاح اثنتين لمن أراد، نكاح ثلاث لمن
أراد، ونكاح أربع لمن أراد، وكل واحد من آحاد كل نوع من هذه الثلاثة لا
ينحصر، فكل اثنين، وثلاث، وأربع لا ينحصر، فقَصْره على بعض أعداد ما
تضمّنه ذلك مخالف لمقصود الآية، فتفهّم ذلك، فإنَّه من لطيف الفهم، وللكلام
في هذه الآية متّسعٌ، وفيما ذكرناه تنبيه ومقنع.
(١) قال الجامع عفا الله عنه: نسبة هذا القول إلى أهل الظاهر فيه نظر، فإن ابن
حزم كَفُ قد ذكر في ((المحلّى)) (٤٤١/٩) أن أهل الإسلام مجمعون على تحريم
أكثر من أربع نسوة، واحتج بحديث غيلان الثقفيّ المذكور، وقال: لم يقل بإباحة
أكثر من أربع إلا الرافضة، فلو كان من أهل الظاهر أحد قال ذلك لَمَا أهمله،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
وبعد أن فهمت أفراد تلك الكلمات، فاعلم أن العلماء اختلفوا في سبب نزول
هذه الآية، وفي معناها، فذهبت عائشة ثّا إلى ما ذُكر في الباب عنها، وحاصل
الروايات المذكورة عنها: أنها نزلت في ولي اليتيمة التي لها مال، فأراد وليّها أن
يتزوّجها، فأُمر بأن يوفيها صداق أمثالها، أو يكونُ لها مالٌ عنده بمشاركة أو غيرها،
وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه، ويَكره أن يزوجها غيره؛ مخافة أخْذ مالها من
عنده، فأمَر الله الأولياء بالقسط، وهو العدل، بحيث: إن تزوَّجها بذل لها مهر مثلها،
وإن لم تكن له رغبة فيها زوّجها من غيره، وأوصلها إلى مالها على الوجه المشروع.
وتكميل معنى الآية: أن الله تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا
بالعدل، فتزوَّجوا غيرهنّ، ممن طاب لكم من النساء، اثنتين اثنتين، إن شئتم،
وثلاثاً ثلاثاً لمن شاء، وأربعاً أربعاً لمن شاء، هذا قول عائشة ﴿يّا في الآية.
وقال ابن عباس ﴿ها في معنى الآية: إنه قَصَر الرجال على أربع؛ لأجل
أموال اليتامى، فنزلت جواباً لتحرّجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى.
وفسَّر عكرمة قول ابن عباس هذا بألّا تكثروا من النساء، فتحتاجوا إلى
أخذ أموال اليتامى. وقال السّدّيّ، وقتادة: معنى الآية: إن خفتم الجور في
أموال اليتامى، فخافوا مثله في النساء، فإنَّهن كاليتامى في الضعف، فلا
تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف.
قال القرطبيّ: وأقرب هذه الأقوال وأصحها قول عائشة - إن شاء الله تعالى -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه القرطبيّ هو الأرجح
عندي، والله تعالى أعلم.
قال: وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
نُقْسِطُواْ فِى الْيَ﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف
القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً،
كمن خاف، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت جواباً لمن خاف، وأن حكمها أعمّ
من ذلك، وفي الآية مباحث تسكت الناقث(١).
(١) يقال: نقث حديثه: إذا خلطه كخلط الطعام، ونقث العظم: استخرج مخّه، ونقث
عن الشيء: إذا حفر عنه.

٣٨٩
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٠)
والمعدولة عن أسماء العدد صفات، وقيل: للعدل والتأنيث؛ لأنَّ أسماء
العدد مؤنثة، وقيل: لتكرار العدد في اللفظ، والمعنى؛ لأنه عدل عن لفظ اثنين
إلى لفظ مثنى، وإلى معنى: اثنين اثنين، ومبدأ العدل آحاد، ومنتهاه رباع، ولم
يسمع فيما فوق ذلك إلا في عُشار في قول الكميت [من المتقارب]:
وَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتَّى رَمَيْـتَ فَوْقَ الرِّجَالِ خِصَالاً عُشَارَا
وتختلف صيغ المعدول عن العدد، فيقال: مَوْحَد، وآحاد، وأُحَد،
ومثنى، وثُنا، وثُناي، ومثلث، وثُلاث وثُلَث، ومَربع، ورُباع، ورُبَع، وقرأ
النخعي: (ثُلَث)، و(رُبَع). انتهى كلام القرطبيّ تَُّهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ
جدّاً. وقد ذكرت في ((شرح النسائي)) هنا مسائل مفيدة، فراجعها (١) تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعاً عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ﴾، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ
عَنْهُنَّ، إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير صالح، وكذا فاعل ((زاد)).
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ ◌َظَّتُهُ
في ((صحيحه))، فقال:
(٤٢٩٨) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن
صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير؛ أنه سأل
عائشة، عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَ﴾ فقالت: يا ابن
(١) راجع: ((المجتبى)) ٢٩/٢٨ - ٣٦.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
أختي هذه اليتيمة، تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها،
وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما
يعطيها غيره، فنُهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن
في الصداق، فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، قال عروة: قالت
عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله وَل38 بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
اُلِنِسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ
تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال،
قالت: فنُهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله، في يتامى النساء، إلا بالقسط
من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ
فِىِ الْيَى﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهَا، وَوَارِثُهَا، وَلَهَا
مَالٌ، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيَضُرُّ بِهَا، وَيُسِيءُ
صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾.
يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة الكوفيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ [٥]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِى
(١) ((صحيح البخاري)) ١٦٦٨/٤.

٣٩١
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٣ - ٧٤٩٤)
يَتَمَى الْنِسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ
فِي الْيَتِيمَةِ، تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ
أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا، فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، من صغار [٨]، تقدم في
((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَتَشْرَكُهُ) بفتح حرف المضارعة، وثالثه، من باب تعب.
وقوله: (فَيَعْضِلُهَا) مثلث الضاد، كما في ((القاموس))؛ أي: يمنعها من
الزواج.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٣] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآيَةَ قَالَتْ: هِيَ (١)
الْيَتِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ، حَتَّى فِي الْعَذْقِ،
فَيَرْغَبُ؛ يَعْنِي: أَنْ يَنْكِحَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُنْكِحَهَا رَجُلاً، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي مرّ قبل حديث، والحديث
متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٤] (٣٠١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلٌ
بِلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: أَ] قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ،
وَيُصْلِحُهُ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجاً أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ).
(١) وفي نسخة: ((هذه)).

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي تقدّم قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُهَا؛ أنها قالت (فِي قَوْلِهِ)؛ أي: بيان معنى قوله تعالى:
(﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِلْمَعْرُوفِ﴾) هذا في ((سورة النساء)) وأول الآية: ﴿وَأْلُواْ
الْيَى حَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا
وَيِدَارًا أَنْ يَكْبُّواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ
إِلَّهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمَّ وَكَفَى بِنَِّ حَسِبًا
[النساء: ٦].
قوله: ﴿وَابَْلُواْ أَلْيَنَ﴾؛ أي: اختبروهم، قاله ابن عباس، ومجاهد،
والحسن، والسديّ، ومقاتل ابن حيان.
وقوله: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد: يعني: الحُلُم، وقوله: ﴿فَإِنْ
ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ يعني: صلاحاً في دينهم، وحفظاً لأموالهم، قاله سعيد بن
جبير، ثم نهى الله تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية؛ إسرافاً
ومبادرة قبل بلوغهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾؛ أي: من كان في غنية عن مال اليتيم،
وَفَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عنه، ولا يأكل منه شيئاً.
(قَالَتْ) عائشة ◌ُّا؛ (أُنْزِلَتْ)؛ أي: هذه الآية (فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيم)
المراد بوالي اليتيم: المتصرف في ماله بالوصية، ونحوها(١)، كما أشارت إليه
بقولها: (الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ)، وقوله: (وَيُصْلِحُهُ) عطف تفسير لـ(يقوم))، فمعنى
قيامه عليه: إصلاحه، والسعي في نمائه، (إِذَا كَانَ) ذلك الوالي (مُحْتَاجاً أَنْ
يَأْكُلَ مِنْهُ)؛ أي: بالمعروف، كما نصّ عليه في الآية، ومعنى المعروف: بقدر
قيامه عليه، وقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله، أو قدر
حاجته، واختلفوا هل يردّ إذا أيسر؟ على قولين: أحدهما لا؛ لأنه أكل بأجرة
عمله، وكان فقيراً، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي؛ لأن الآية أباحت
الأكل من غير بدل.
(١) ((الفتح)) ٣٤/٩.

٣٩٣
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٤)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الآية،
والله تعالى أعلم.
وفي الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن
خزيمة، وابن الجارود، وابن أبي حاتم، من طريق حسين المكتب، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: ((جاء رجل إلى النبيّ ◌َّ، فقال:
إن عندي يتيماً له مال، وليس عندي شيء، أفاكل من ماله؟ قال: بالمعروف))،
وإسناده قويّ، قاله في ((الفتح))(١) .
وأخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلاً
سأل رسول الله وَلّ، فقال: ليس لي مال ولي يتيم، فقال: ((كُلْ من مال
يتيمك، غير مسرف، ولا مبذّر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك، أو
قال: تفدي مالك»، وهو حديث صحيح.
وروى ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث علي بن مهديّ، عن جعفر بن
سليمان، عن أبي عامر الخراز عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلاً قال: يا
رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال: ((ما كنت ضارباً منه ولدك، غير واق مالك
بماله، ولا متأثل منه مالاً»، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٩٤/١ و٧٤٩٥ و٧٤٩٦] (٣٠١٩)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢١٢) و((الوصايا)) (٢٧٦٥) و((التفسير)) (٤٥٧٥)،
و(عبد الرزّاق) في («مسنده)) (٣٧١/٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤/
٣٩٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٣٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٤ وه)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٩/ ٣٤ ((التفسير)) رقم (٤٥٧٥).

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): يُسر الشريعة وسماحتها حيث يسّرت على والي اليتيم
أن يأكل من ماله قدر عمالته، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة
التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): عناية الشريعة بالضعفاء والمساكين حيث شدّدت في مال
اليتيم، وحرّمت التصرّف فيه إلا بما يُصلحه، ويكون عوناً له، وقد بيّن الله رَّك
الوعيد الشديد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَعَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا
يَأَكُونَ فِي بُطُونِهِمْ تَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾﴾ [النساء: ١٠]، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أكل والي اليتيم من ماله:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك:
فقيل: يجوز للوصيّ أن يأخذ من مال اليتيم قدر عُمالته، وهو قول
عائشة خيّا كما في حديث الباب، وعكرمة، والحسن، وغيرهم.
وقيل: لا يأكل منه إلا عند الحاجة، ثم اختلفوا، فقال عَبِيدة بن عمرو،
وسعيد بن جبير، ومجاهد: إذا أكل، ثم أيسر قضى. وقيل: لا يجب القضاء.
وقيل: إن كان ذهباً، أو فضة لم يَجُز أن يأخذ منه شيئاً، إلا على سبيل
القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وهذا أصح الأقوال عن ابن
عباس ◌ّ، وبه قال الشعبيّ، وأبو العالية، وغيرهما، أخرج جميع ذلك ابن
جرير في ((تفسيره))، وقال: هو بوجوب القضاء مطلقاً، وانتصر له. ومذهب
الشافعيّ كَُّ: يأخذ أقل الأمرين، من أجرته، ونفقته، ولا يجب الردّ على
الصحيح، وحكى ابن التين عن ربيعة أن المراد بالفقير والغني في هذه الآية
اليتيم؛ أي: إن كان غنيّاً فلا يسرف في الإنفاق عليه، وإن كان فقيراً فليطعمه
من ماله بالمعروف، ولا دلالة فيها على الأكل من مال اليتيم أصلاً، قال
الحافظ: والمشهور ما تقدم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: قول عائشة ﴿يّا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ
وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ [النساء: ٦] أُنزلت في والي اليتيم، فعلى هذا
(١) ((الفتح)) ٧١٩/٦، ((كتاب الوصايا)) رقم (٢٧٦٤).

٣٩٥
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٤)
المراد بها: أولياء الأيتام، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: المراد به اليتيم
إن كان غنيّاً وُسِّع عليه، وأُعِفّ من ماله، وإن كان فقيراً أُنفق عليه بقدره، وهذا
في غاية البُعْد؛ لأنَّ اليتيم لا يخاطب بالتصرّف في ماله لصغره، ولسفهه، ولأنه
إنما يأكل من ماله بالمعروف على الحالين، فيضيع التنويع والتقسيم المذكور في
الآية، وعلى قول الجمهور فالوليّ الغنيّ لا يأخذ من مال يتيمه شيئاً، ولا
يستحق على قيامه عليه أجراً دنيويّاً، بل ثواباً أخرويّاً، وأما الفقير، فاختُلف
فيه، هل يأخذ من مال يتيمه شيئاً؟ أم لا؟ فذهب زيد بن أسلم إلى أنه لا يأخذ
منه شيئاً، وإن كان فقيراً، وحكي ذلك عن ابن عباس بناءً على أن هذه الآية
منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي
[النساء: ١٠]، وقيل: بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ
بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (®)﴾
أَمْوَّلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
قال القرطبيّ: وهذا لا يصح النسخ فيه لعدم شرطه؛ إذ الجمع ممكن؛ إذ
الأخذ الذي أباحه الله تعالى ليس ظلماً، ولا أكل مال بالباطل، فلم تتناوله
الآيتان، وهذا هو القول بالموجَب.
وذهب جمهور المجوّزين إلى إباحة الأخذ، لكنهم اختلفوا في القدر
المأخوذ، وفي قضاء المأخوذ، وفي وجه الأخذ، فروي عن عمر رضيالله أنه
قال: إن أكلت قضيت، وبه قال عَبيدة السَّلْمانيّ، وأبو العالية، وهو أحد قولي
ابن عباس، وعكرمة، وقال من عدا هؤلاء: إن له الأخذ، ولا قضاء عليه،
لكنهم اختلفوا في وجه الأخذ، فذهب عطاء إلى أنه يأخذ بقدر الحاجة، وقال
الضحاك: يضارب بماله، ويأكل من ربحه، وقال الحسن: يسدّ الْجَوْعة، ويستر
العورة، وقال الشعبيّ: يأكل من التمر واللبن، وقد روي هذا عن ابن
عباس مًا، فقال: يأكل، ويشرب، ويركب الظهر غير مضرّ بنسل، ولا ناهك
في الحلب، قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: وعليه مذهب مالك.
قال القرطبيّ: والصحيح من هذه الأقوال - إن شاء الله - أن مال اليتيم
إن كان كثيراً يحتاج إلى كثير قيام عليه، بحيث يشغل الولي عن حاجاته،
ومهماته، فُرض له فيه أجرة عمله، وإن كان قليلاً مما لا يشغله عن حاجاته،

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
فلا يأكل منه شيئاً، غير أنه يسمح (١) له شرب قليل اللبن، وأكل القليل من
الطعام والتمر، غير مضرّ به، ولا مستكثر له، بل ما جرت به العادة بالمسامحة
فيه .
قال: وما ذكرته من الأجرة، ونيل القليل من التمر واللبن كل واحد
منهما معروف، فصلح حمل الآية على ذلك، والله أعلم. انتهى كلام
القرطبيّ كَّتُهُ(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبيّ تَظْشُهُ هو
الصحيح عندي؛ لأن ظاهر الآية يدلّ عليه لمن تأمله بالإمعان.
وخلاصة المسألة أن والي اليتيم إن كان مستغنيّاً عن ماله لا يأخذ شيئاً،
وإن كان محتاجاً أخذ من ماله قدر عُمالته، ولا قضاء عليه، وكذا إن كان مال
اليتيم يكلفه، ويشغله عن حوائجه يأخذ أجرته، وكذا يُسمح له أكل القليل الذي
جرت به العادة، كاللبن، وقليل التمر، ونحو ذلك مما جرت به عادة الناس
بالتسامح فيه فيما بينهم؛ لأنه معروف، والآية قالت: ﴿بِالْعُرُوفٍ﴾، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلّ
بِلْمَعْرُوفِّ﴾ قَالَتْ: أَنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيم، أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجاً
بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبله، ولله الحمد
والمنّة.
(١) وقع في النسخة: ((يستحبّ له))، فأصلحته مستدلاً بآخر كلامه، فتفطّن.
(٢) ((المفهم)) ٣٣١/٧ - ٣٣٢.

٣٩٧
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٦ - ٧٤٩٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٦] (.) - (وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، من كبار [٩]،
تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية ابن نمير عن هشام هذه ساقها إسحاق بن راهويه تَخّْتُهُ في
((مسنده))، فقال :
(١١٦٠) - قال يحيى(١): وقال ابن نمير عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلّ ◌ِلْمَعْرُوفِ﴾ قالت: أُنزلت في ولي اليتيم،
يتناول من ماله بقدر قيامه. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٧] (٣٠٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ رَ: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذَّ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اٌلْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]
قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ).
هذا الإسناد تقدّم قبل حديثين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ُّ (فِي) بيان (قَوْلِهِ رَى: ﴿إِذْ جَمُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ﴾) أي
الأحزاب، (﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾) بنو قريظة، (﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ
الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾)؛ أي: من شدة الخوف والفزع. (قَالَتْ) عائشة ◌َّها: (كَانَ
ذَلِكَ)؛ أي: المذكور من مجيئهم من فوقهم إلى آخره، (يَوْمَ الْخَنْدَقِ)؛ أي:
(١) هذا مسند، وليس معلّقاً؛ لأنه في الحديث الذي قبله قال: أخبرنا يحيى بن آدم إلى آخره.
(٢) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٢/ ٥٨٣.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
يوم حُفر الخندق لأجل الدفاع عن المسلمين، وقد تقدّم ذكر غزوة الخندق في
((كتاب الجهاد)) مستوفَّى.
فقوله: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَتَّكُمْ﴾ في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُودٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾
معطوف على
وقال الإمام ابن كثير في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ﴾؛
أي: الأحزاب، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ تقدم عن حذيفة ◌َظُه أنهم بنو قريظة،
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ اٌلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؛ أي: من شدة الخوف، والفزع،
﴿وَنَظُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] قال ابن جرير: ظنّ بعض من كان مع
رسول الله ◌َ أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ اٌلْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ
الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ ظن المؤمنون كل ظنّ، ونجم النفاق،
حتى قال مُعَتِّب بن قُشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يَعِدُنا أن نأكل
كنوز كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
وقال الحسن في قوله رَك: ﴿وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾: ظنون مختلفة، ظن
المنافقون أن محمداً وَله وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله
ورسوله حقّ، وأنه سيظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. انتهى(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوَقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ﴾ كان ذلك في غزوة الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة برأي
سلمان نظُّته، وتسمى غزوة الأحزاب؛ لأنَّ الكفار تحزبوا أحزاباً، وتجمّعوا
جموعاً حتى اجتمع في عددهم خمسة عشر ألفاً من أهل نجد، وتهامة، ومن
حولهم، وحاصروا المسلمين في المدينة شهراً، ولم يكن بينهم قتال إلا الرمي
بالنبل، والحصى، ونقضت قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله وقليل من العهد،
وحينئذ جاء المسلمين عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار؛
يعني: مالت عن سنن القصد فعلَ المرعوب، وقال قتادة: شخصت، وبلغت
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٤٧٣/٣.

٣٩٩
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٧)
القلوب الحناجر، أي: قاربت الخروج من الضيق، والرَّوع، وشدّة البلاء،
والْجَهْد، وكان وقتَ بلاء وتمحيص، ولذلك نجم في كثير من الناس النفاق،
وظهر منهم الشقاق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُونَ بِاللَّهِ الْقُّنُونَا﴾؛ أي: تشكّون في الوعد بالنصر،
يُخبر عن المنافقين، أو يكون معناه: أنهم خافوا من أن يُخذلوا في ذلك
الوقت، فإنَّ وقت وقوع النصر الموعود غير معيّن، قال: وهذا أحسن من
الأول، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾
[الأحزاب: ١١]: امتُحنوا بالصبر على الحصار وشدّة الجوع، وزلزلوا بالخوف
من أن يخذلهم الله في ذلك الوقت، ويُديل عدوّهم عليهم، كما فعل يوم أحد،
وقد تقدَّم الخلاف في غزوة الخندق متى كانت. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عن عائشة ﴿ُّ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ
أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قالت: كان ذلك يوم
الخندق)). هکذا وقع مختصراً، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس پا:
﴿إِذْ جَءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: عيينة بن حِصْن، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أبو
سفيان بن حرب، وبَيَّن ابن إسحاق في ((المغازي)) صفة نزولهم، قال: نزلت
قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني
كنانة، وتهامة، ونزل عيينة في غطفان، ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أُحُد
باب نعمان، وخرج رسول الله وَّير والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع
في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجُعل النساء والذراري في الآطام،
قال: وتوجه حُييّ بن أخطب إلى بني قريظة، فلم يزل بهم حتى غَدروا، وبلغ
المسلمين غدرهم، فاشتد بهم البلاء، فأراد النبيّ وَّر أن يعطي عيينة بن حصن
ومن معه ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك سعد بن معاذ،
وسعد بن عبادة، وقالا: كنا نحن وَهُمْ على الشرك، لا يطمعون منا في شيء
من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم
أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف، فاشتدّ بالمسلمين
(١) ((المفهم)) ٣٨٨/٧ - ٣٨٩.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
الحصار، حتى تكلم مُعَتِّب بن قُشير، وأوس بن قَيْظِيّ، وغيرهما من المنافقين
بالنفاق، وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا ﴾﴾
[الأحزاب: ١٢] الآيات، قال: وكان الذين جاءوهم من
فوقهم: بنو قريظة، ومن أسفل منهم: قريش، وغطفان.
قال ابن إسحاق في روايته: ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل، لكن
كان عمرو بن عبد ودّ العامريّ اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيّقة من
الخندق، حتى صاروا بالسبخة، فبارزه عليّ، فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن
المغيرة المخزوميّ، فبارزه الزبير، فقتله، ويقال: قتله عليّ، ورجعت بقية
الخيول منهزمة.
وروى البيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق زيد بن أسلم أن رجلاً قال
لحذيفة: أدركتم رسول الله وَله، ولم ندركه، فقال: يا ابن أخي والله لا تدري
لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق، في ليلة باردة مطيرة، فقال
رسول الله ◌َله: ((من يذهب، فيعلم لنا عِلم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم
القيامة؟)) فوالله ما قام أحد، فقال لنا الثانية: ((جعله الله رفيقي))، فلم يقم أحد،
فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال: ((اذهب))، فقلت: أخشى أن أؤسر، قال:
((إنك لن تؤسر)). فذكر أنه انطلق، وأنهم تجادلوا، وبعث الله عليهم الريح، فما
تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته.
ومن طريق عمرو بن سَرِيع بن حذيفة نحوه، وفيه أن علقمة بن عُلاثة
صار يقول: يا آل عامر إن الريح قاتلتي، وتحملت قريش، وإن الريح لتغلبهم
على بعض أمتعتهم.
وروى الحاكم من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة، عن حذيفة، قال:
(لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا،
نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشدّ ظلمةً، ولا ريحاً منها، فجعل
المنافقون يستأذنون، ويقولون: ﴿إِنَّ ◌ُوَتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، فمرّ بي
النبيّ وََّ، وأنا جاثٍ على ركبتيّ، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة، فقال: اذهب،
فأتني بخبر القوم، قال: فدعا لي، فأذهب الله عني القرّ، والفزع، فدخلت
عسكرهم، فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبراً، فلما رجعت رأيت فوارس في