Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
المفعول، وقد يعرض ما يوجب الخروج عن هذا الأصل على ما هو مذكور في
محلّه، وليس في هذا الحديث إلا الفصل بين الفاعل والمفعول بما ليس
بأجنبيّ، بل بما يفيد توكيداً، وذاك خفيف. انتهى(١).
(رَسُولَ اللهِ﴾﴾ بنصب ((رسول)) كما أسلفته آنفاً، (وَهُوَ)؛ أي: والحال
أنه وََّ (يَقُولُ: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً)؛ أي: أمهل، وأخّر فقيراً، مع بقاء الدَّين
على حاله، (أَوْ وَضَعَ عَنْهُ)؛ أي: حطّ، وأسقط عن المعسر بعض الديون،
(أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ)) الضمير لله تعالى، قيل: المراد: ظلّ العرش، وقيل: ظلّ
الجنّة، والحقّ أن الكلّ محتمل، ولكن الأَولى أن نفوّض علم حقيقته إلى الله
تعالى.
قال الأبيّ تَخُّْهُ: فإن قلت: القاعدة أن ثواب الواجب أكثر من ثواب
المندوب، والأمر هنا بالعكس؛ لأن الإنظار واجب، والوضع مندوب، ومن
المعلوم أن ثواب الوضع أكثر من ثواب الإنظار.
قلت: أجيب بأن ثواب المندوب هنا إنما كان أكثر لاستلزامه الواجب؛
لأن الوضع إنظار وزيادة، وإنما يكون الأمر كما ذكرت لو لم يكن يستلزمه.
انتھی(٢) .
(قَالَ) عبادة بن الوليد بالسند السابق: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لأبي اليسر،
وقوله: (أَنَا) توكيد للضمير المتّصل، والفصل بالجارّ والمجرور مغتفَر. (يَا عَمِّ)
مثلث الميم، والضمّ أضعفها، وقد تقدّم توجيهه قريباً. (لَوْ) شرطيّة، وجوابها
محذوف؛ أي: لكان خيراً، أو هي للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب؛ أي: أتمنّى
(أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ، وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِبَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ، وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ،
فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) قال الأبيّ تَخْذُهُ: كذا الرواية، وفيها خلل، نبّهَنا
عليه بعض شيوخنا، قال: لأن أصل ما أشار به عليه أن يبدل كلّ واحد منهما
جميع ما عليه بجميع ما على الآخر، ولا يفيد القصد، فإن قصده أن يكون
على أحدهما بُردان، وعلى الآخر معافريّان، وهذا لا يستقيم مع العطف
بالواو، وإنما يستقيم مع العطف بـ(أو))، وهذا معنى قوله: فيكون عليك حلّة،
(١) ((شرح الأبيّ)) ٣١٠/٧.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٧/ ٣١٠.

٣٢٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وعليه حلّة؛ لأن الحلّة ثوبان أحدهما على الآخر، وبذلك تسمّى الحلّة؛ لحلول
أحدهما على الآخر.
وقال أبو عبيد: الحلّة إزار ورداء، ولا يكون حلّة حتى يكونا ثوبين، ومنه
قوله في الحديث الآخر: ((فرأى رجلاً عليه حلّة، قد ائتزر بأحدهما، وتردى
بالآخر)»، وقيل: لا يقال: حلّة إلا للثوب الجديد الذي حُلّ الآن من طيّه؛ لأن
الحلة ثوب على ثوب، وسمّيت حلّة؛ لحلول أحدهما على الآخر. انتهى(١).
(فَمَسَحَ) أبو اليسر (رَأْسِي) إِيناساً له، (وَقَالَ) داعياً له: (اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ)
دعا له لما رأى من نجابته حيث سأله هذا السؤال. (يَا ابْنَ أَخِي بَصَرُ عَيْنَيَّ
هَاتَيْنٍ) فـ(ابَصَرُ)) بصيغة المصدر مبتدأ خبره محذوف؛ أي: حاصل، ومثله قوله:
(وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - وَأَشَارَ) أبو اليسر (إِلَى مَنَاطٍ)؛ أي:
موضع (قَلْبِهِ)، وقوله: (رَسُولَ اللهِ نَّهِ) بنصب ((رسولَ)) على أنه مفعول
المصدرين السابقين، أعني (بصرُ))، و(سَمْعُ)) على سبيل التنازعِ، (وَهُوَ)؛ أي:
والحال أنه ◌َِّ (يَقُولُ: ((أَطْعِمُوهُمْ) الضمير للمماليك، (مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ)
بقطع الهمزة، (مِمَّا تَلْبَسُونَ))) بفتح المضارعة، من لبس يلبس، من باب علم.
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: الأمر بإطعامهم مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس
محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وأما
فِعل أبي اليسر تظله في كسوة غلامه مثل كسوته، فعمل بالمستحب، وإنما
يجب على السيد نفقة المملوك، وكسوته بالمعروف، بحسب البلدان،
والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد، ولباسه، أو دونه، أو فوقه،
حتى لو قَتَّر السيد على نفسه تقتيراً خارجاً عن عادة أمثاله، إما زهداً، وإما
شُحّاً، لا يحل له التقتير على المملوك، وإلزامه، وموافقته إلا برضاه، وأجمع
العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كان ذلك لزمه
إعانته بنفسه، أو بغيره(٢) .
والحاصل: أن المقصود عند الجمهور المواساة بحسب المعروف، لا
المساواة، ويدلّ على ذلك ما أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة ◌َظُه، عن
(١) (شرح الأبيّ) ٣١٠/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١١.

٣٢٣
(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
النبيّ وَّه قال: ((إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله
أكلة، أو أكلتين، أو لقمة، أو لقمتين، فإنه وَلِيَ حَرّه، وعلاجه))، والله تعالى
أعلم .
قال أبو اليسر: (وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ) ((أن)) بالفتح مصدريّة؛ أي: والمصدر
اسم ((كان))، وكان إعطائي له (مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ) بالنصب خبر ((كان))، (عَلَيَّ
مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بسبب ظلمي له.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي اليَسَر رُله هذا من أفراد
المصنّف نَخْتُ أخرجه هنا [٧٤٨١/١٧] (٣٠٠٦)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام))
(٢٤٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٣/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٩/
١٦٥ إلى ١٦٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥١/٧)، و(القضاعيّ) في
((مسند الشهاب)) (٢٨١/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٩٨/٨)، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ هذا الحديث من حديث أبي ذرّ ◌َظُه في
«صحيحه))، فقال:
(٣٠) - حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل
الأحدب، عن المعرور، قال: لقيت أبا ذرّ بالرّبَذة، وعليه حلة، وعلى غلامه
حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً، فعيّرته بأمه، فقال لي
النبيّ وَله: ((يا أبا ذر أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلكم،
جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه
مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم)). انتهى(١).
قال عبادة بن الوليد بالسند الأسبق: (ثُمَّ مَضَيْنَا)؛ أي: ذهبنا (حَتَّى أَتَيْنَا
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ الأنصاريّ ◌َ﴿َّا (فِي مَسْجِدِهِ)؛ أي: مسجد جابر رقُه وقومه،
كما سيبيّنه في القصّة التالية. (وَهُوَ)؛ أي: والحال أن جابراً (يُصَلِّ، فِي ثَوْبٍ
وَاحِدٍ) حال كونه (مُشْتَمِلاً بِهِ) المراد بالاشتمال هنا: هو المخالفة بين طرفيه
على العاتق، وليس هو اشتمال الصمّاء المنهيّ عنه، وفيه جواز الصلاة في
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠/١.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
الثوب الواحد؛ لأن جابراً تظنه فعل ما فعله النبيّ وَ﴾، كما أخبر به، لكن
الزيادة على الواحد فضيلة، كما سبق البحث عنه مستوفَّى في ((كتاب الصلاة)).
وقال النوويّ كَّقُهُ: قوله: ((مشتملاً))؛ أي: ملتحفاً اشتمالاً ليس باشتمال
الصمّاء المنهيّ عنه، وفيه دليل لجواز الصلاة في ثوب واحد، مع وجود
الثياب، لكن الأفضل أن يزيد على ثوب عند الإمكان، وإنما فعل جابر هذا؛
للتعليم، كما قال.
قال عبادة: (فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ) قال القاضي: فعل ذلك، وزاحم حرصاً
على القرب منه لسماع العلم، (حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ)؛ أي: بينِ جابر (وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ،
فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ) هذا تمهيد، ومفاتحة للسؤال (أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ)
مشتملاً به (وَرِدَاؤُلَكَ إِلَى جَنْبِكَ) جملة حاليّة من الفاعل. (قَالَ) عبادة: (فَقَالَ)؛
أي: ضرب، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو شائع كثير، (بِيَدِهِ فِي صَدْرِي
هَكَذَا)؛ أي: مقوّساً أصابعه، كما فسّره بقوله: (وَفَرَّقَ) جابر (بَيْنَ أَصَابِعِهِ،
وَقَوَّسَهَا) المعنى أنه ضربه بظهر كفّه في صدره، مفرّقاً بين أصابعه، ثم مقوّساً
لها؛ أي: جاعلاً لها على صورة القوس؛ يعني: أنه بعد تفريقها لواها، وثناها
إلى باطن الكفّ، ثم ضربه بها، وقوله: (أَرَدْتُ) مقول لقول مقدّر حال من
فاعل ((قال بيده))؛ أي: حال كونه قائلاً: أردت (أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الأَحْمَقُ)؛ أي:
الجاهل بالأحكام الشرعيّة (مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ؟) في صلاتي، (فَيَصْنَعُ
مِثْلَهُ) برفع ((يصنع)) كما هو مشكول بضبط القلم، فيكون معطوفاً على (يراني))،
ويَحْتمل أن يكون منصوباً في جواب الاستفهام، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ تَخْلُهُ: قوله: ((أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك)) المراد
بالأحمق هنا: الجاهل، وحقيقة الأحمق من يعمل ما يضرّه، مع علمه بقبحه،
وفى هذا جواز مثل هذا اللفظ للتعزير، والتأديب، وزَجْر المتعلم، وتنبيهه،
ولأن لفظة الأحمق والظالم قلّ من ينفك من الاتصاف بهما، وهذه الألفاظ هي
التي يؤدِّب بها المتقون والورعون من استحقّ التأديب، والتوبيخ، والإغلاظ في
القول؛ لأن ما يقوله غيرهم من ألفاظ السفه. انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١٨ - ١٣٧.

٣٢٥
(١٧) - بَابُ حَدِيثٍ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
ثم قال جابر نَُّه: (أَتَانَا رَسُولُ اللهِ وَلِهِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا)؛ أي: المسجد
الذي صلى فيه جابر بثوب واحد مشتملاً.
وهذا الحديث لا علاقة له بما قبله من جواز الصلاة في الثوب الواحد،
وإنما ذكره مستقلّاً؛ لكون عبادة وأبيه أتيا إليه طالبين للعلم.
(وَ) الحال أن (فِ يَدِهِ) وَِّ (عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ) العرجون بضمّتين بينهما
راء ساكنة: عُود العنقود من النخل، مشتمل على شماريخ كثيرة، والشماريخ
جمع شمراخ، والشمراخ: الحبال التي تنفرد به كلّ حبّة من حبوب الرطب،
و ((ابن طاب)) نوع طيّب من أنواع التمر(١).
وقال القرطبيّ: العرجون عود الكباسة، والكباسة، والعذق، والعشكال،
والعثكول كله واحد، وكل غصن من أغصان الكباس فيه شمراخ، والشمراخ
هو الذي عليه البسر من خمس إلى ثمان، وابن طاب نوع من التمر طيب، قال
ابن حمزة: ابن طاب عذق بالمدينة، والعذق بفتح العين: النخل نفسه.
انتھی(٢) .
(فَرَأَى) النبيّ ◌َِِّّ (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ)؛ أي: جدار المسجد في جهة القبلة
(نُخَامَةً) بضمّ النون، وبالميم، وهي ما يخرج من الصدر من الفضلة، والمخاط
بالميم، وبالطاء: ما يخرج من الأنف، والنخاعة بضم النون، وبالعين المهملة:
اسم مشترك بين ما يخرج من الصدر، وما يخرج من الأنف، ذكره الترمسيّ في
(موهبة ذي الفضل)) (٣). (فَحَكَّهَا)؛ أي: أزال النبيّ وَليل تلك النخاعة
(بِالْعُرْجُونِ)؛ أي: بعود الكباسة، (ثُمَّ أَقْبَلَ) بَّهِ (عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ
يُعْرِضَ) بضم أوله، من الإعراض، وإعراض الله رب عن عبده صفة ثابتة له
على ما يليق بجلاله؛ كصفة الغضب، والرضا، والمحبّة، وغيرها (اللهُ عَنْهُ؟))،
قَالَ) جابر: (فَخَشَعْنَا)؛ أي: فزعنا لذلك، قال الأبّي: الخشوع: السكون،
والتذلّل، وهو أيضاً الخضوع، وأيضاً الخوف، وأيضاً غضّ البصر في الصلاة،
[المؤمنون: ٢]؛ أي :
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
(١) ((الكوكب الوهاج)) ٤٧١/٢٦.
(٣) ((الكوكب الوهاج)) ٤٧١/٢٦.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٣١١/٧.

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
خاضعون، وقيل: خائفون، وعن ابن سيرين: كان المسلمون يلتفتون في
صلاتهم، فنزلت هذه الآية، فغضّوا أبصارهم، فكان أحدهم ينظر إلى موضع
سجوده، ويقال: خشع له، وتخشّع: إذا تذلّل، قال ابن سلام: الخشوع:
الخوف الثابت في القلب، وقال الليث: الخشوع قريب المعنى من الخضوع،
إلا أن الخضوع يكون في البدن، والبصر، والصوت.
وقال عياض: كذا رويناه بالخاء المعجمة عن الأكثر، ورويناه عن
القاضي الشهيد: ((فجشعنا)) بالجيم، وكسر الشين، وكذا هو في كتاب القاضي
التميميّ بخط يده، ومعناهما صحيح، فمعناه بالخاء ما تقدّم، ومعناه بالجيم:
الفزع، ومنه الحديث الآخر: ((فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله (وَ ل﴾)). قال
الهرويّ: معناه جزءاً لفراقه، والجزع: الفزع لفراق الإلف، والجشع أيضاً:
الحرص على الأكل وغيره. انتهى(١).
(ثُمَّ قَالَ) النبيّ ◌َّهِ مرّة ثانيةً: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟))، قَالَ)
جابر: (فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ) وَّهِ مرّة ثالثةً: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟))،
قُلْنَا: لَا)؛ أي: لا يحبّ أحدنا ذلك، (أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ) يحبّ أن يعرض الله
عنه، فكلنا لا نحبّ ذلك، (قَالَ) وَلِّ: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ)؛ أي: في جهة قبلته، وقد تقدّم البحث في هذا
مستوفَى في ((كتاب الصلاة))، فراجعه تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق.
(فَلَا يَبْصُقَنَّ)؛ أي: لا يرمينّ بصاقه (قِبَلَ وَجْهِهِ) لأن الله تعالى قِبَل
وجهه، (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) فإن عن يمينه ملَكاً، (وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) لأنه موقف
قرينه من الشيطان، فيقع عليه. (تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى) لأنها جهة خالية، (فَإِنْ
عَجِلَتْ بِهِ) بكسر الجيم؛ أي: غلبت عليه، وبادرته (بَادِرَةٌ)؛ أي: بصاقة مسرعة
(فَلَّيَقُلْ)؛ أي: يَدْلُك، ففيه إطلاق القول على الفعل، (بِثَوْبِهِ هَكَذَا))) ثمّ فسّر
ذلك القول بقوله: (ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ) فدلكها حتى ذهب أثرها
(فَقَالَ) وَله: ((أَرُونِي عَبِيراً))) بفتح العين، وكسر الموحّدة؛ أي: طِيباً مخلوطاً
من أنواع، قال أبو عبيد: العبير عند العرب هو الزعفران وحده، وقال
(١) ((شرح الأبيّ)) ٣١١/٧.

٣٢٧
(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
الأصمعيّ: هو أخلاط من الطَّيب تُجمع بالزعفران، قال ابن قتيبة: ولا أرى
القول إلا ما قاله الأصمعيّ؛ لقوله: ((أتعجز إحداكنّ أن تأخذ تومتين، ثم
تلطخهما بعبير، أو زعفران))، والتومة: حبّة تُعمل من فضّة كالدرّ(١).
(فَقَامَ فَتَّى) لم يُسمَّ (مِنَ الْحَيِّ)؛ أي: من قبيلة الأنصار، (يَشْتَدُّ)؛ أي:
يسعى ويعدو عَدْواً شديداً (إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ) بفتح الخاء المعجمة: طيب
مخلوط من أنواع مختلفة، يُجمع بالزعفران، وهو العبير على تفسير الأصمعيّ،
وهو ظاهر الحديث، فإنه أمر بإحضار عبير، فأحضر خَلوقاً، فلو لم يكن هو
هو لم يكن ممتثلاً(٢) .
(فِي رَاحَتِهِ،)؛ أي: في كفّه، (فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ نَّ) من يده (فَجَعَلَهُ عَلَى
رَأْسِ الْعُرْجُونِ)؛ أي: طرف العنقود، (ثُمَّ لَطَخَ)؛ أي: مسح (بِهِ عَلَى أَثَرِ
التُّخَامَةِ)؛ أي: محلها؛ إزالة لرائحتها الكريهة، ومنظرها القبيح.
وفي هذا الحديث تعظيم المساجد، وتنزيهها من الأوساخ، ونحوها،
وفيه استحباب تطييبها، وفيه إزالة المنكر باليد لمن قدر، وتقبيح ذلك الفعل
باللسان(٣).
(فَقَالَ جَابِرٌ) ◌َُّه: (فَمِنْ هُنَاكَ)؛ أي: فمن ذلك الوقت (جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ
فِي مَسَاجِدِكُمْ)؛ يعني: أن الناس من منذ ذلك اليوم اتخذوا الخلوق في
مساجدهم؛ لينظّفوا به المسجد إن اتفق أن وقعت فيه نخامة أو نحوها؛ اقتداء
بالنبيّ ◌َّيرِ، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ظّ هذا من أفراد
المصنّف تَخَّتُهُ أخرجه هنا [٧٤٨١/١٧] (٣٠٠٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٤٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٦٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٢٩٤)، و(محمد بن نصر) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٧٧/١)، و(عمر بن شبة)
في ((أخبار المدينة)) (١٦/١)، و(الأصفهانيّ) في ((دلائل النبوة)) (٥٤/١)، والله
تعالى أعلم.
(١) (شرح الأبيّ)) ٣١٢/٧ والحديث ضعيف، كما بيّنه ابن حزم في ((المحلى)) ١٠/ ٨٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/١٨ - ١٣٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/١٨ - ١٣٨.

٣٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
ثم قال جابر ظُه بالسند السابق: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ
بُوَاطٍ) قال النوويّ: هو بضم الباء الموحّدة، وفتحها، والواو مخففة، والطاء
مهملة، قال القاضي تَخّلُهُ: قال أهل اللغة: هو بالضم، وهي رواية أكثر
المحدثين، وكذا قيّده البكريّ، وهو جبل من جبال جهينة، قال: ورواه
العذريّ: بفتح الباء، وصححه ابن سراج. انتهى.
وكانت هذه الغزوة في السنة الثانية من الهجرة في شهر ربيع الأول قبل
غزوة بدر يريد قريشاً، واستعمل على المدينة السائب بن مظعون، وهو أخو
عثمان بن مظعون ﴿ها، حتى بلغ بُواط، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق
کیداً(١).
وذكر الواقديّ في ((مغازيه)) أنه وَّر خرج يعترض لعير قريش فيها أميّة بن
خلف، ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، ثم رجع، ولم يلق
كيداً، فيمكن أن المجدي بن عمرو الجهنيّ المذكور في هذا الحديث من جملة
أصحاب العير، والله تعالى أعلم (٢).
(وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه ◌َّهِ (يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو) قال
النوويّ تَخُّْهُ: هو بالميم المفتوحة، وإسكان الجيم، هكذا في جميعَ النُّسخ
عندنا، وكذا نقله القاضي عن عامة الرواة والنسخ، قال: وفي بعضها:
((النجديّ)) بالنون بدل الميم، قال: والمعروف الأول، وهو الذي ذكره
الخطابيّ، وغيره. انتهى.
(الْجُهَنِيَّ) نسبة إلى جُهينة القبيلة المعروفة، وكان المجديّ هذا رئيس تلك
القبيلة في ذلك الوقت، (وَكَانَ النَّاضِحُ) هو البعير الذي يُستقى عليه، قاله
النوويّ، وقال الفيّوميّ: نَضَحَ البعيرُ الماءَ: حمله من نهر، أو بئر، لسقي
الزرع، فهو نَاضِحٌ، والأنثى نَاضِحَةٌ بالهاء، سُمِّي نَاضِحاً؛ لأنّه يَنْضَحُ العطشَ؛
أي: يبلُّه بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل النَّاضِحُ في كلّ بعير،
وإن لم يحمل الماء، وفي الحديث: ((أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ))؛ أي: بعيرك، والجمع
(١) راجع: ((سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيليّ)) ٢/ ٥٧.
(٢) راجع: ((التكملة)) ٥١٧/٦.

(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
٣٢٩
نَوَاضِحُ. انتهى(١).
(يَعْتَقِبُهُ)؛ أي: نركبه عقبة، والعقبة بضم العين هي ركوب هذا نوبةً،
وهذا نوبةً، قال صاحب ((العين)): هي ركوب مقدار فرسخين(٢).
وقوله: (يَعْتَقِبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ، وَالسِّنَّةُ، وَالسَّبْعَةُ) وفي بعض النسخ:
(عقبه))، قال النوويّ: هكذا هو في رواية أكثرهم: ((يعقبه)) بفتح الياء، وضم
القاف، وفي بعضها: ((يعتقبه)) بزيادة تاء، وكسر القاف، وكلاهما صحيح،
يقال: عقبه، واعتقبه، واعتقبنا، وتعاقبنا كله من هذا. انتهى
(فَدَارَتْ)؛ أي: وصلت (عُقْبَةُ)؛ أي: نوبة (رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُسمَّ،
(عَلَى نَاضِحِ لَهُ، فَأَنَاخَهُ)؛ أي: أبركه ليركبه باركاً، (فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ)؛ أي:
طلب منه أنَّ يقوم من مبركه، (فَتَلَدَّنَ) بتشديد الدال؛ أي: تلكأ، وتوقف (عَلَيْهِ
بَعْضَ التَّلَدُّنِ)؛ أي: بعض التوقّف، (فَقَالَ) الرجل (لَهُ)؛ أي: لذلك الناضح،
(شَأْ) بشين معجمة، بعدها همزة، قال النوويّ: هكذا هو في نُسخ بلادنا، وذكر
القاضي: أن الرواة اختلفوا فيه، فرواه بعضهم بالشين المعجمة، كما ذكرناه،
وبعضهم بالمهملة، قالوا: وكلاهما كلمة زجر للبعير، يقال منهما: شأشأتُ
بالبعير بالمعجمة، والمهملة: إذا زجرته، وقلت له: شأ، قال الجوهريّ:
وسأسأت بالحمار بالهمز؛ أي: دعوته، وقلت له: تشؤ تشؤ، بضم التاء
والشين المعجمة وبعدها همزة. انتهى(٣).
(لَعَنَكَ اللهُ)؛ أي: طردك الله تعالى من رحمته، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
(مَنْ هَذَا اللَّعِنُ بَعِيرَهُ؟))، قَالَ) الرجل: (أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) وَلَ: ((انْزِلْ
عَنْهُ)؛ أي: بعيرك الذي لعنته، (فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ)؛ أي: ببعير ملعون؛ إنما
قاله تعزيراً له، ومعاقبة على اعتدائه على بعيره. (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا
تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا)؛ أي: لكيلا توافقوا
(مِنَ اللهِ سَاعَةً، يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول، (فِيهَا)؛ أي: في تلك الساعة، (عَطَاءٌ)
بالرفع على أنه نائب فاعل ((يُسأل))، (فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ))) بالرفع على الاستئناف،
(١) ((المصباح المنير)) ٦٠٩/٢ - ٦١٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
على تقدير مبتدأ؛ أي: فهو يستجيب لكم، وبالنصب بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعد
الفاء السببيّة في جواب النهي، كما قال في ((الخلاصة)):
وَيَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
وفي هذا الحديث النهي عن لعن الدواب، وقد سبق بيان هذا مع الأمر
بمفارقة البعير الذي لعنه صاحبه، وفيه أيضاً أن لله تعالى ساعة من ليل أو نهار
لا يُسأل فيها شيئاً إلا أعطي، فينبغي للعبد أن يجتنب الدعاء على نفسه، أو
أهله، أو ماله في أيّ وقت من الأوقات، مخافة أن يوافق تلك الساعة،
فيتضرَر بإجابة دعائه، وبالعكس ينبغي له أن يتعرض للدعاء بالخير في ساعات
الليل والنهار رجاء أن يوافق تلك الساعة، فيحصل غرضه، ويسعد السعادة
الأبديّة، وبالله تعالى الوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بنظُله هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ
أخرجه هنا [٧٤٨١/١٧] (٣٠٠٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥٣٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٤٢)، و(الأصفهانيّ) في ((الدلائل)) (٥٤/١)، والله
تعالى أعلم.
قال جابر نظُّه بالسند السابق: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ
عُشَيْشِيَةٌ) بضم العين، وفتح الشين الأولى، وكسر الثانية، وتخفيف الياء الثانية،
قال النوويّ كَخْلُهُ: هكذا الرواية فيها على التصغير، مخففة الياء الأخيرة، ساكنة
الأولى، قال سيبويه: صغّروها على غير تكبيرها، وكان أصلها عُشَيّة، فأبدلوا
من إحدى الياءين شيئاً. انتهى(١). (وَدَنَوْنَا)؛ أي: قَرُبنا (مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ)؛
أي: بئراً من آبارها، (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: (مَنْ) استفهامية مبتدأ خبره قوله:
(رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا) جملة في محل رفع صفة ((رجلٌ))، (فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ)؛ أي:
يطيّنه، ويصلحه، يقال: مدرتُ الحوضَ مدْراً، من باب نصل: أصلحته
بالمدر، وهو الطين(٢). (فَيَشْرَبُ) هو بنفسه (وَيَسْقِينَا؟)) بفتح أوله، وضمّه، من
سقى ثلاثيّاً، وأسقى رباعيّاً. (قَالَ جَابِرٌ) رَبه: (فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا) القائم،
يريد نفسه، (رَجُلٌ) متهيّئ لهذا الأمر (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه) للقوم:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٦٦/٢.

٣٣١
(١٧) - بَابُ حَدِيثٍ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
((أَيُّ رَجُلٍ) يقوم (مَعَ جَابِرٍ؟))، فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ) بن أمية بن خنساء بن
سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ ثم السَّلميّ، يكنى
أبا عبد الله، ذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب في أهل العقبة، وذكره أبو
الأسود عن عروة، في أهل بدر، وروى الطبراني من طريق ابن إسحاق، حدّثني
عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: إنما خَرَص عليهم عبد الله بن رواحة عاماً
واحداً، فأصيب يوم مؤتة، فكان رسول الله وَل﴿ يبعث جبار بن صخر، فيخرص
عليهم؛ يعني: أهل خيبر، قال ابن السكن وغيره: مات جبار بن صخر سنة
ثلاثين، في خلافة عثمان ﴿ه، زاد أبو نعيم: وهو ابن اثنتين وستين سنة(١).
(فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: أنا وجبّار (إِلَى الْبِتْرِ) التي أرادها النبيّ وَِّ، (فَتَزَعْنَا)؛
أي: أخذنا، وجبذنا (فِي الْحَوْضِ سَجْلاً، أَوْ سَجْلَيْنٍ)؛ أي: دلواً، أو دلوين،
والسَّجل بفتح السين، وإسكان الجيم: الدلو المملوءة ماءً، وسبق بيانها مرات،
قاله النوويّ، وقال المازريّ: قال ابن السكيت: يقال: نزعت الدلو: جذبتها،
ونزعت في السهم: رميت به، ونزعت بآية من كتاب الله: قرأتها محتجّاً بها .
(ثُمَّ مَدَرْنَاهُ)؛ أي: مدرنا الحوض، وأصلحناه، (ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ)؛ أي: في
الحوض؛ يعني: أنهما أخذا الماء من البئر، وصبّاه فيه (حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ)؛ أي:
ملأنا ذلك الحوض بالماء، قال النوويّ تَخْذَلُهُ: هكذا هو في جميع نُسخنا،
وكذا ذكره القاضي عن الجمهور، قال: وفي رواية السمرقنديّ: ((أصفقناه))
بالصاد، وكذا ذكره الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)) عن رواية مسلم،
(٢)
ومعناهما: ملأناه. انتهى
(فَكَانَ أَوَّلَ طَالِع عَلَيْنَا) بنصب ((أولَ)) على أنه خبر ((كان)) مقدّماً، واسمها
قوله: (رَسُولُ اللهِ وَلِّ، فَقَالَ) وَلِ: ((أَتَأْذَنَانٍ؟))) لي أن أسقيه راحلتي، هذا فيه
أدب النبيّ وَّ، وحسن خُلُقه، فإن جابراً وصاحبه ما تقدّم إلا له، ولراحلته،
ولأصحابه الذين معه، ولكن راعى حقهما، فاستأذنهما .
وقال النوويّ تَخْتُهُ: هذا تعليم منه وَلّ لأمته الآداب الشرعية، والورع،
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٤٩/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
والاحتياط، والاستئذان في مثل هذا، وإن كان يعلم أنهما راضيان، وقد
أُرصدا ذلك له وَلي، ثم لمن معه.
قال جابر: (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ) أذنّا لك، (فَأَشْرَعَ) وَِّ (نَاقَتَهُ) معنى
أشرعها: أرسل رأسها في الماء لتشرب، (فَشَرِبَتْ، شَنَقَ لَهَا)؛ أي: كفّها عن
الشرب، يقال: شنقتها، وأشنقتها؛ أي: كففتها بزمامها، وأنت راكبها، وقال
ابن دُريد: هو أن تجذب زمامها حتى تقارب رأسها قادمة الرحل، (فَشَجَتْ)؛
أي: فرّجت بين رجليها، وباعدت لتبول، قال النوويّ تَخُّْهُ: ((فشجت)) بفاء،
وشين معجمة، وجيم مفتوحات الجيم، مخففة، والفاء هنا أصلية، يقال: فشج
البعير: إذا فرّج بين رجليه للبول، وفشّج بتشديد الشين أشدّ من فشج
بالتخفيف، قاله الأزهريّ وغيره.
قال: هذا الذي ذكرناه من ضبطه هو الصحيح الموجود في عامة النسخ،
وهو الذي ذكره الخطابيّ، والهرويّ، وغيرهما من أهل الغريب، وذكره
الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)): فشَجّت بتشديد الجيم، وتكون الفاء
زائدة للعطف، وفسَّره الحميديّ في غريب ((الجمع بين الصحيحين)) له، قال:
معناه: قطعت الشرب، من قولهم: شججت المفازة: إذا قطعتها بالسير، وقال
القاضي: وقع في رواية العذريّ: ((فثجت)) بالثاء المثلثة، والجيم، قال: ولا
معنى لهذه الرواية، ولا لرواية الحميديّ، قال: وأنكر بعضهم اجتماع الشين
والجيم، وادّعَى أن صوابه: فشَحَت بالحاء المهملة، من قولهم: شحا فاه: إذا
فتحه، فيكون بمعنى تفاجت، هذا كلام القاضي، قال النوويّ: والصحيح ما
قدمناه عن عامة النسخ، والذي ذكره الحميديّ أيضاً صحيح، والله أعلم.
انتھی(١) .
(فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ)؛ أي: مال النبيّ وَّهِ (بِهَا)؛ أي: بتلك الناقة
(فَأَنَاخَهَا)؛ أي: أبركها لتستريح، (ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ
مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الحوض، وفيه دليل على جواز الوضوء من الماء الذي
شربت منه الإبل ونحوها من الحيوان الطاهر، وأنه لا كراهة فيه، وإن كان
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.

(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
٣٣٣
الماء دون قلّتين، قال النوويّ: وهكذا مذهبنا. (ثُمَّ قُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضًٍّ)
بصيغة اسم المفعول، والمراد: مكان وضوء (رَسُولِ اللهِ وَل﴾) إنما اختار مكانه؛
تبرّكاً بأثره وَ ◌ّهِ، (فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ) حال كونه (يَقْضِي حَاجَتَهُ) من البول
ونحوه، (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَّتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ)؛ أي: كساء صغير مربع،
(ذَهَبْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا) لئلا يكون من اشتمال
الصمّاء، (فَلَمْ تَبْلُغْ لِي)؛ أي: فلم تتسع لذلك؛ لِصِغرها، (وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ)؛
أي: أهداب، وأطراف، واحدها: ذِبْذِب بكسر الذالين، سُمِّيت بذلك؛ لأنها
تتذبذب على صاحبها، إذا مشى؛ أي: تتحرك، وتضطرب. (فَتَكَّسْتُهَا) بتخفيف
الكاف، وتشديدها؛ أي: قلبتها، فجعلت أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، كما
يُفعل في القلب للاستسقاء، (ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا)؛ أي:
أمسكت عليها بعنقي، وخبنته(١) عليها؛ لئلا تسقط، (ثُمَّ جِئْتُ، حَتَّى قُمْتُ عَنْ
يَسَارِ رَسُولِ اللهِ وَ﴾؛ أي: لكونه لا يعرف السنّة في ذلك، وهو أن المأموم إذا
كان واحداً قام عن يمين الإمام، (فَأَخَذَ) وَلِّ (بِيَدِي، فَأَدَارَنِي)؛ أي: حوّلني إلى
الجهة اليمنى، (حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ) هذا هو السُّنّة في اقتداء المنفرد، (ثُمَّ
جَاءَ) بعد ذلك (جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ) من محلّ قضاء حاجته، (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ
عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ)؛ أي: لكونه أيضاً لا يعرف السُّنّة في هذا، فأعلمه وَليه
بها، كما قال: (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَّ بِيَدَيْنَا)؛ أي: بيد جابر، وجبار (جَمِيعاً،
فَدَفَعَنَا)؛ أي: ردّنا، وأخّرنا إلى خلفه، (حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ) قال النوويّ ◌َخُّْهُ :
هذا فيه فوائد، منها: جواز العمل اليسير في الصلاة، وأنه لا يكره إذا كان
الحاجة، فإن لم يكن لحاجة كُره، ومنها أن المأموم الواحد يقف على يمين
الإمام، وإن وقف على يساره حوّله الإمام، ومنها أن المأمومَين يكونان صفّاً
وراء الإمام، كما لو كانوا ثلاثة، أو أكثر، هذا مذهب العلماء كافّة، إلا ابن
مسعود، وصاحبيه، فإنهم قالوا: يقف الاثنان عن جانبيه. انتهى (٢).
(فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَرْمُقُنِي)؛ أي: ينظر إليّ نظراً متتابعاً، (وَأَنَا لَا
أَشْعُرُ) بضمّ العين؛ أي: لا أعلم بنظره إليّ، (ثُمَّ فَطِنْتُ) من بابي فرح، ومنع
(١) أي: عطفته.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
(بِهِ)؛ أي: بنظره رَّ (فَقَالَ)؛ أي: أشار ◌ََّ، ففيه إطلاق القول على الفعل،
وقد مرّ قريباً أنه شائع كثير في الأحاديث، واستعمال العرب، (هَكَذَا بِيَدِهِ) وَله
(يَعْنِي)؛ أي: يقصد وليه بتلك الإشارة أن (شُدَّ وَسَطَك) قال القاضي
عياض تَخُّْهُ: فيه جواز الإشارة في الصلاة، لا سيّما لمصلحة الصلاة، وكذلك
العمل اليسير؛ لردّ جابر عن يساره إلى يمينه، وتقدّم جميع ذلك في ((كتاب
الصلاة)). (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ)؛ أي: سلّم من صلاته، (قَالَ: ((يَا جَابِرُ))،
قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِذَا كَانَ) الثوب الذي لبسته (وَاسِعاً، فَخَالِفْ
بَيْنَ طَرَفَيْهِ)؛ أي: البسه مخالفاً بين طرفيه؛ كهيئة الصبيان في بعض البلدان،
(وَإِذَا كَانَ) الثوب (ضَيِّقاً) كبُردتك هذه (فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوَكَ))) بفتح الحاء،
وكسرها، وهو معقد الإزار، والمراد هنا: أن يبلغ السرة، وفيه جواز الصلاة
في ثوب واحد، وأنه إذا شدّ المئزر، وصلّى فيه، وهو ساتر ما بين سرته وركبته
صحّت صلاته، وإن كانت عورته تُرى من أسفله، لو كان على سطح ونحوه،
فإن هذا لا يضره، قاله النوويّ(١).
وهذا الحديث مناسب لِمَا سبق من أن عبادة بن الوليد رأى جابراً يصلي
في رداء واحد، فسأله عبادة عن ذلك، فقال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق
مثلك.
وقد أخرج أحمد في ((مسنده)) بهذا السياق عن شرحبيل أبي سعيد، أنه
دخل على جابر بن عبد الله، وهو يصلي في ثوب واحد، وحوله ثياب، فلما
فرغ من صلاته قال: قلت: غفر الله لك يا أبا عبد الله، تصلي في ثوب واحد،
وهذه ثيابك إلى جنبك؟ قال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك، فيراني
أصلي في ثوب واحد، أَوَ كان لكل أصحاب رسول الله و 38 ثوبان؟ قال: ثم
أنشأ جابر يحدّثنا، فقال: قال رسول الله وَّر: ((إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به
على منكبيك، ثم صلِّ، وإذا ضاق عن ذاك، فشدّ به حقويك، ثم صلِّ من غير
(٢)
رَدّ له)). انتھی ١١
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١٨.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٣٥/٣.

٣٣٥
(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر نظرته هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ
أخرجه هنا [٧٤٨١/١٧] (٣٠١٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٣٤)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٩/٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٥/٣)، والله تعالى أعلم.
ثم قال جابر نظُهُ: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: في بعض غزواته،
(وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا)؛ أي: معاشر الصحابة (فِي كُلِّ يَوْم تَمْرَةً)؛ أي: حبة
واحدة من التمر، (فَكَانَ) كلّ واحد منا (يَمَصُّهَا) بفتح الميم على اللغة
المشهورة، وحُكي ضمها، وسبق بيانه، وفيه ما كانوا عليه من ضيق العيش،
والصبر عليه في سبيل الله، وطاعته. (ثُمَّ يَصُرُّهَا)؛ أي: يلفّها، ويربطها (فِي
ثَوْبِهِ) أصل الصرّ هو الجمع والشدّ، والمعنى: أنه كان يعطى تمرة واحدة لليوم
كله، فيمصّ شيئاً منها، ثم يربطها بطرف ثوبه احتفاظً بها، ليمصّها في وقت
آخر. (وَكُنَّا نَخْتَبِطُ)؛ أي: نضرب الشجر (بِقِسِيِّنَا) قال النوويّ: القِسِيّ: جمع
قوس، ومعنى نختبط: نضرب الشجر؛ ليتحاتٌ ورقه، فنأكله، (وَنَأْكُلُ) ورق
ذلك الشجر (حَتَّى قَرِحَتْ) بكسر الراء؛ أي: انجرحت، وورمت من خشونة
الورق، وحرارته (أَشْدَاقُنَا) بالفتح: جمع شدق، جانب الفم. (فَأَقْسِمُ) بضم
أوله؛ أي: أحلف بالله (أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْماً) قال النوويّ تَظْلُهُ: معنى
((أقسم)): أحلف، وقوله: ((أخطئها))؛ أي: فاتته، ومعناه أنه كان للتمر قاسم
يقسمه بينهم، فيعطي كل إنسان تمرة، كلَّ يوم، فقسم في بعض الأيام، ونسي
إنساناً، فلم يعطه تمرته، وظنّ أنه أعطاه، فتنازعا في ذلك، وشهدنا له أنه لم
يُعْطَها، فأُعطيها بعد الشهادة، (فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ)؛ أي: نرفعه، ونقيمه من شدة
الضعف، والجهد، وقال القاضي: الأشبه عندي أن معناه: نشدّ جانبه في
دعواه، ونشهد له، وفيه دليل لِمَا كانوا عليه من الصبر، وفيه جواز الشهادة على
النفي في المحصور الذي يحاط به. (فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا) بالبناء للمفعول،
(فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ، فَأَخَذَهَا).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف تَخُّْهُ، ولم
يشاركه أحد في إخراجه، والله تعالى أعلم.
قال جابر ظُه: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِياً أَفْيَحَ) بالفاء؛

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
أي: واسعاً، وشاطئ الوادي جانبه، (فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ وَّ) حال كونه (يَقْضِي
حَاجَتَهُ)؛ أي: مريداً قضاء حاجته (فَاتَّبَعْتُهُ) بتشديد التاء الأولى، من الاتباع،
(بِإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة؛ أي: مِطهرة مملوءة (مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ وََّ) إلى
الجهات لعله يجد ما يستتر به، (فَلَمْ يَرَ شَيْئاً يَسْتَتِرُ بِهِ،) عن أعين الناس، (فَإِذَا)
هي الفجائيّة؛ أي: فاجأه (شَجَرَتَانٍ)؛ أي: وجودهما (بِشَاطِئِ الْوَادِي)؛ أي:
جانبه، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى إِحْدَاهُمَا)؛ أي: إحدى الشجرتين، (فَأَخَذَ
بِغُصْنٍ مِنْ أَعْصَانِهَا) قال المجد: الْغُصْن - أي: بضمّ، فسكون -: ما تشعّب
من ساق الشجر دِقاقُها، وغِلاظها، والصغيرة بِهاء، جمعه غُصُونٌ، وغِصَنَةٌ،
وأغصان. انتهى(١). (فَقَالَ) وَّهِ للشجرة: ((انْقَادِي عَلَيَّ)؛ أي: أطيعيني فيما
أريده منك (بِإِذْنِ اللهِ))) تعالى (فَانْقَادَتْ) الشجرة (مَعَهُ) وَلِّ؛ أي: أطاعته فيما
أراد منها، (كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ) بالخاء، والشين المعجمتين، وهو الذي يُجعل
في أنفه خِشاش بكسر الخاء، وهو عُود يُجعل في أنف البعير إذا كان صَعْباً،
ويُشدّ فيه حبل؛ ليذِلّ، وينقاد، وقد يتمانع لصعوبته، فإذا اشتد عليه، وآلمه
انقاد شيئاً، ولهذا قال: (الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ)؛ أي: يطيعه، وينقاد له، وهذه من
المعجزات الظاهرات لرسول الله وَله. (حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ
مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: ((انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ))، فَانْقَادَتْ) الشجرة الأخرى (مَعَهُ) وَه
(كَذَلِكَ)؛ أي: كما انقادت الأولى له، (حَتَّى إِذَا كَانَ) النبيّ وَِّ (بِالْمَنْصَفِ)
بفتح الميم، والصاد، وهو نصف المسافة، وممن صرّح بفتحه الجوهريّ
وآخرون، (مِمَّا بَيْنَهُمَا)؛ أي: من المسافة التي بين الشجرتين، (لأَمَ)؛ أي: ضمّ
النبيّ وَّهِ (بَيْنَهُمَا) ثم فسّره بقوله: (يَعْنِي جَمَعَهُمَا) وهذا التفسير مدرج من بعض
الرواة، ولم نعرفه.
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((لأم)) بهمزة مقصورة، وممدودة، وكلاهما
صحيح؛ أي: جمع بينهما، ووقع في بعض النسخ: ((ألام)) بالألف من غير
همزة، قال القاضي وغيره: هو تصحيف.
(فَقَالَ) بَ للشجرتين: ((الْتَئِمَا)؛ أي: التصقا (عَلَيَّ) حتى أستتر بكما
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٩٥٠.

٣٣٧
(١٧) - بَابُ حَدِيثٍ جَابِرِ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
عن أعين الناس (بِإِذْنِ اللهِ))، فَالْتَأَمَنَا)؛ أي: التصقتا (قَالَ جَابِرٌ)
(فَخَرَجْتُ) من ذلك المكان (أُحْضِرُ) بضم أوله؛ أي: حال كوني مسرعاً في
ذهابي، وقال النوويّ: ((أحضر)) هو بضم الهمزة، وإسكان الحاء، وكسر الضاد
المعجمة؛ أي: أعدو، وأسعى سعياً شديداً.
(مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ) بضمّ أوله؛ أي: يعلم (رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِقُرْبِي) منه
(فَيَبْتَعِدَ)؛ أي: يذهب من ذلك المكان الذي أحسّ بحضوري فيه إلى مكان آخر
طلباً للبعد عن الناس. (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) شيخ المصنّف الثاني في هذا
الحديث؛ أي: قال في روايته: (فَيَتَبَغَّدَ) مصدر تبعّد؛ كتعلّم؛ أي: قال بدل
قول هارون بن معروف: ((فيبتعد)) من الابتعاد، قال: يتبعّد، من التبعّد، ولا
اختلاف في المعنى. (فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي)؛ أي: تعجّباً مما رأيت من
معجزة النبيّ ◌َّ في هاتين الشجرتين، (فَحَانَتْ)؛ أي: وقعت (مِنِّي لَفْتَةٌ)
اللفتة: النظرة إلى جانب، وهي بفتح اللام، ووقع لبعض الرواة: ((فحالت))
باللام، والمشهور بالنون، وهما بمعنى، فالحين، والحال: الوقت؛ أي:
وقعت، واتفقت، وكانت، (فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ وَيِّهِ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي:
ففجأني رؤية رسول الله وَلّ، حال كونه (مُقْبِلاً) إليّ بعد قضاء حاجته، (وَإِذَا
الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا)؛ أي: وفاجأني أيضاً افتراق الشجرتين، (فَقَامَتْ كُلّ
وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ)؛ أي: على أصلها .
وحاصل الكلام أن النبيّ وَّه كان يريد التستّر لقضاء حاجته بما تيسّر له،
وما كان تيسّر له ذلك بشجرة واحدة، فأمر الشجرتين حتى انتقلتا إلى مكان
متوسّط بينهما، ثم أمرهما، فالتأمتا بحيث صارا كشجرة واحدة، فتستّر بهما،
وقضى حاجته، ثم عادت الشجرتان إلى هيئتهما المستقلّة، ورجعت كلّ واحدة
منهما إلى مكانها، وهي معجزة من معجزات النبيّ وَلِيمٍ(١).
قال جابر نظُله: (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَقَفَ وَقْفَةً) يسيرة، وإنما وقف
لِمَا سيأتي أنه شعر بأن هناك قبرين يعذّبان، فأراد لشدّة رأفته أن يشفع لهما،
(فَقَالَ)؛ أي: أشار ◌َّ (بِرَأْسِهِ هَكَذَا) قال المصنّف نقلاً عن شيخيه: (وَأَشَارَ
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٥٢٣/٦ - ٥٢٤.

٣٣٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
أَبُو إِسْمَاعِيلَ) هو حاتم بن إسماعيل شيخ شيخيه، ووقع في بعض النسخ: ((ابن
إسماعيل))، وكلاهما صحيح، هو حاتم بن إسماعيل، وكنيته أبو إسماعيل.
(بِرَأْسِهِ يَمِيناً وَشِمَالاً) مفسّراً قوله: ((فقال برأسه هكذا))، (ثُمَّ أَقْبَلَ) النبيّ ◌ِيّ
(فَلَمَّا انْتَهَى)؛ أي: وصل (إِلَيَّ قَالَ: ((يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟»)؛ أي:
موقفي الذي وقفت فيه وقفةً، (قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ) رأيته، (قَالَ) وَّ:
((فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ) اللتين رأيت ما صنعت بهما من خوارق العادات،
(فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْناً، فَأَقْبِلْ) بقطع الهمزة، من الإقبال؛ أي:
توجه (بِهِمَا)؛ أي: بالقطعتين اللتين قطعتهما من الشجرتين، (حَتَّى إِذَا قُمْتَ
مَقَامِي) الذي وقفت فيه وقفة (فَأَرْسِلْ)؛ أي: ارم (غُصْناً عَنْ يَمِينِكَ)؛ أي: إلى
جهة يمينك، (وَغُصْناً عَنْ يَسَارَِكَ))، قَالَ جَابِرٌ) رَّه : (فَقُمْتُ، فَأَخَذْتُ حَجَراً،
فَكَسَرْتُهُ، وَحَسَرْتُهُ) بحاء، وسين مهملتين، والسين مخففة؛ أي: أحْدَدته،
ونحّيت عنه ما يمنع حِدّته، بحيث صار مما يمكن قطعي الأغصان به، وهو
معنى قوله: (فَانْذَلَقَ لِي) قال النوويّ: هو بالذال المعجمة؛ أي: صار حادّاً،
وقال الهرويّ ومن تابعه: الضمير في ((حسرته)) عائد على الغصن؛ أي: خسرت
غصناً من أغصان الشجرة؛ أي: قشرته بالحجر، وأنكر القاضي عياض هذا
على الهرويّ ومتابعيه، وقال: سياق الكلام يأبى هذا؛ لأنه حسره، ثم أتى
الشجرة، فقطع الغصنين، وهذا صريح في لفظه، ولأنه قال: ((فحسرته، فانذلق))
والذي يوصف بالانذلاق الحجر، لا الغصن، والصواب أنه إنما حسر الحجر،
وبه قال الخطابيّ.
[واعلم]: أن قوله: ((فحسرته)) بالسين المهملة، هكذا هو في جميع
النسخ، وكذا هو في ((الجمع بين الصحيحين))، وفي كتاب الخطابيّ،
والهرويّ، وجميع كتب الغريب، وادعى القاضي روايته عن جميع شيوخهم
لهذا الحرف بالشين المعجمة، وادعى أنه أصحّ، وليس كما قال، والله أعلم.
انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١).
قال جابر: (فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْناً، ثُمَّ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١٨.

(١٧) - بَابُ حَدِيثِ جَابِرِ الطَِّيلِ، وَقِصَّةٍ أَبِي الْيَسَرِ - حديث رقم (٧٤٨١)
٣٣٩
أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا)؛ أي: أجُرّ الغصنين (حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ وَّ أَرْسَلْتُ
غُصْناً عَنْ يَمِينِي)؛ أي: جهة يميني (وَغُصْناً عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ) بكسر
الحاء؛ أي: أدركته، ووصلت إليه، (فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: ما
أمرتني به (فَعَمَّ ذَاكَ؟)؛ أي: فما السبب في هذا الذي أمرتني به؟ (قَالَ) وَلّ:
((إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ، يُعَذَّبَانِ)؛ أي: يُعذّب من فيهما من الناس، (فَأَحْبَبْتُ
بِشَفَاعَتِي) فيه دليل واضح أن التخفيف عنهما بشفاعته وَّ، لا بوضع الغصنين،
فدلّ على أنه من خصائصه ◌َّ، فلا يقاس عليه غيره، فتنبّه(١). (أَنْ يُرَفَّةَ)
بتشديد الفاء؛ أي: يخفّف (عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنٍ)))؛ أي: مدّة دوام
الغصنين حال كونهما رطبين، وكون التخفيف عنهما مغيّاً بكونهما رطبين، لا
يُعلم إلا من جهة الوحي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذه القصّة غير القصّة التي سبقت في ((كتاب الطهارة)) من حديث
ابن عبّاس ◌ِطِّ ((أنه ◌َّ مرّ على قبرين، فقال: يعذّبان، وما يعذّبان في
كبير ... )) الحديث، وفيه: ((ثم دعا بعسيب رطب، فشقّه باثنين، ثم غرس على
هذا واحداً، وعلى هذا واحداً ... ))، وقد تقدّم وجوه المغايرة بين حديث جابر
وحديث ابن عبّاس ظه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ) جابر نَظُله: (فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ)؛ أي: لحقنا الجيش الذي تقدّم علينا،
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا جَابِرُ نَادٍ بِوَضُوءٍ))) بفتح الواو؛ أي: ماء يُتوضّأ به،
(فَقُلْتُ: أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ) بالتكرار ثلاثاً للتأكيد؛ أي: ألا
يوجد عندكم ماء يُتوضّأ به؟ (قَالَ) جابر: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ فِي
الرَّكْبِ) بفتح، فسكون؛ أي: الجماعة، (مِنْ قَطْرَةٍ) ((من)) زائدة للتأكيد، (وَكَانَ
رَجُلٌ) لم يُذكر اسمه، (مِنَ الأَنْصَارِ، يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ)
جمع شجب؛ أي: في سقاء (لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ)؛ أي: أعواد (مِنْ جَرِيدٍ) قال
النوويّ تَخْلُهُ: أما الأشجاب هنا فجمع شجب بإسكان الجيم، وهو السقاء
الذي قد أَخْلَق، وبلي، وصار شَنّاً، يقال: شاجب؛ أي: يابس، وهو من
الشجب الذي هو الهلاك، ومنه حديث ابن عباس ◌ًا: ((قام إلى شجب،
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤.

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
فصب منه الماء، وتوضأ))، ومثله قوله وَ ل ير: ((فانظر هل في أشجابه من شيء؟))
وأما قول المازريّ وغيره: إن المراد بالأشجاب هنا: الأعواد التي تُعلَّق عليها
القربة، فغلط؛ لقوله: يبرد فيها على حِمارة من جريد، وأما الحمارة فبكسر
الحاء، وتخفيف الميم والراء، وهي أعواد تُعلَّق عليها أسقية الماء، قال
القاضي: ووقع لبعض الرواة: حمار بحذف الهاء، ورواية الجمهور: حمارة
بالهاء، وكلاهما صحیح، ومعناهما ما ذكرنا. انتهى.
(قَالَ) جابر: (فَقَالَ) النبيّ ◌َّهِ (لِيَ: ((انْطَلِقْ إِلَى قُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الأَنْصَارِيِّ)
هو هذا الرجل المذكور، (فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟))، قَالَ) جابر:
(فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا)؛ أي: في أشجابه (فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً)؛ أي:
يسيراً (فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا) العزلاء بفتح العين المهملة، وبإسكان الزاي،
وبالمدّ، وهي فم القربّة، (لَوْ أَنِّي أَفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ) معناه أنه قليل جدّاً،
فلقلّته مع شدّة يُبْس باقي الشجب، وهو السقاء، لو أفرغته لأنشفه اليابس منه،
ولم ينزل منه شيء. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ
فِيهَا)؛ أي: في تلك الأشجاب (إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ
لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ)؛ أي: يابس الشجب، وجافّه. (قَالَ) نََّ: ((اذْهَبْ، فَأَتِي بِهِ»،
فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ) وَلِّهِ (بِيَدِهِ) المباركة (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع ◌َّهِ، وأخذ (يَتَكَلَّمُ
بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ؟) هل هو دعاء، أم غيره؟ (وَيَغْمِزُهُ)؛ أي: يعصره،
ويحركه (بِيَدَيْهِ) وفي نسخة: ((بيده)» بالإفراد، (ثُمَّ أَعْطَانِيهِ)؛ أي: ذلك
الشجب، (فَقَالَ: يَا جَابِرُ نَادِ بِجَفْنَةٍ، فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ)؛ أي: يا صاحب
جفنة الركب، فحُذف المضاف؛ للعلم بأنه المراد، وأن الجفنة لا تنادى،
ومعناه: يا صاحب جفنة الركب التي تُشبعهم أَحْضِرها؛ أي: من كان عنده
جفنة بهذه الصفة، فليحضرها، والجفنة بفتح الجيم. (فَأَّتِيتُ بِهَا)؛ أي:
بالجفنة، حال كونها (تُحْمَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يحملها الناس،
(فَوَضَعْتُهَا)؛ أي: تلك الجفنة (بَيْنَ يَدَيْهِ) وَ ﴿ (فَقَالَ)؛ أي: وضع، ففيه إطلاق
القول على الفعل، (رَسُولُ اللهِ وَهَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ)؛ أي: في أعاليها، (هَكَذَا)
ثم فسّر الإشارة بقوله (فَبَسَطَهَا)؛ أي: بسط يده (وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ
وَضَعَهَا)؛ أي: وضع يده مفرّقة الأصابع (فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ)؛ أي: في أسفلها،