Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ مَتْكِ الإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ - حديث رقم (٧٤٥٤) (وَإِنَّ مِنَ الإِجْهَارِ) قال النوويّ تَخْشُهُ: كذا هو في جميع النسخ، إلا نسخة ابن ماهان، ففيها: ((وإن من الجهار))، وهما صحيحان، الأول من أجهر، والثاني من جهر، وأما قول مسلم: ((وقال زهير: وإن من الهجار)) بتقديم الهاء، فقيل: إنه خلاف الصواب، وليس كذلك، بل هو صحيح، ويكون الهجار لغة في الهجار الذي هو الفحش، والخنا، والكلام الذي لا ينبغي، ويقال في هذا: أهجر: إذا أتى به، كذا ذكره الجوهريّ وغيره. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَذَتُهُ: قوله: ((وإن من الجهار)) هذه رواية زهير، وهي رواية حسنة؛ لأنَّه مصدر جاهر الذي اسم الفاعل منه مجاهر، فيتناسب صدر الكلام وعجزه، ورواه أكثر رواة مسلم: ((وإن من الإجهار))، فيكون مصدر أجهر؛ أي: أعلن، قال الجوهريّ: إجهار الرجل: إعلانه، وعند الفارسيّ: ((وان من الإهجار)) بتقديم الهاء على الجيم، وهو الإفحاش في القول، قاله الجوهريّ(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((وإن من المجاهرة)) كذا لابن السكن، والكشميهنيّ، وعليه شَرَح ابن بطال، وللباقين: ((المجانة)) بدل ((المجاهرة))، ووقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد: ((وإن من الإجهار)) كذا عند مسلم، وفي رواية له: ((الجهار))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((الإهجار))، وفي رواية لأبي نعيم في ((المستخرج)): ((وإن من الهجار)). قال: فتحصلنا على أربعة: أشهرها ((الجهار))، ثم تقديم الهاء، وبزيادة ألف قبل كل منهما، قال الإسماعيليّ: لا أعلم أني سمعت هذه اللفظة في شيء من الحديث؛ يعني: إلا في هذا الحديث. وقال عياض: وقع للعذريّ، والسجزيّ في مسلم: ((الإجهار))، وللفارسيّ: ((الإهجار))، وقال في آخره: وقال زهير: ((الجهار)). هذه الروايات من طريق ابن سفيان، وابن أبي ماهان، عن مسلم، وفي أخرى عن ابن سفيان، في رواية زهير: ((الهجار))، قال عياض: الجهار، والإجهار، والمجاهرة، كله صواب، بمعنى الظهور، والإظهار، يقال: جهر، وأجهر (١) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١٨. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٦١٧ - ٦١٨. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق بقوله، وقراءته: إذا أظهر، وأعلن؛ لأنه راجع لتفسير قوله أوّلاً: ((إلا المجاهرون)»، قال: وأما ((المجانة))، فتصحيف، وإن كان معناها لا يبعد هنا؛ لأن الماجن هو الذي يستهتر في أموره، وهو الذي لا يبالي بما قال، وما قيل له. وتعقّبه الحافظ، فقال: بل الذي يظهر رجحان هذه الرواية؛ لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة، فليس في إعادة ذكره كبير فائدة، وأما الرواية بلفظ: ((المجانة))، فتفيد معنى زائداً، وهو أن الذي يجاهر بالمعصية يكون من جملة المجان، والمُجّانة مذمومة شرعاً، وعرفاً، فيكون الذي يُظهر المعصية قد ارتكب محذورين: إظهار المعصية، وتلبسه بفعل المُجّان. قال عياض: وأما ((الإهجار)) فهو الفحش، والخناء، وكثرة الكلام، وهو قريب من معنى المجانة، يقال: أهجر في كلامه، وكأنه أيضاً تصحيف من الجهار، أو الإجهار، وإن كان المعنى لا يبعد أيضاً هنا. وأما لفظ ((الهجار)) فبعيد لفظاً ومعنى؛ لأن الهجار الحبل، أو الوتر تُشَدّ به يد البعير، أو الحلقة التي يُتَعَلَّم فيها الطعن، ولا يصح له هنا معنى، والله أعلم. وتعقّبه الحافظ أيضاً، فقال: بل له معنى صحيح أيضاً، فإنه يقال: هجر، وأهجر: إذا أفحش في كلامه، فهو مثل جهر، وأجهر، فما صح في هذا صح في هذا، ولا يلزم من استعمال الهجار بمعنى الحبل، أو غيره أن لا يستعمل مصدراً من الْهُجر بضم الهاء(١). انتهى(٢). (أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً)؛ أي: أن يذنب ذنباً (ثُمَّ يُصْبِحُ)؛ أي: يدخل في الصباح، والحال أنه (قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ) عن أعين الناس، فلم يطّلع عليه أحد، (فَيَقُولُ) متبجّحاً، ومستهتراً بعمله السيّئ: (يَا فُلَانُ) لبعض أصحابه القرناء السوء، (قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا) ((البارحة)) هي أقرب ليلة مضت من وقت القول، تقول: لقيته البارحة، وأصلها من بَرِحَ: إذا زال، قاله في ((الفتح))(٣). (١) وللعينيّ تعقبات على الحافظ في هذا البحث، فراجع شرحه. (٢) ((الفتح)) ٦٣٥/١٣. (٣) ((الفتح) ٦٣٥/١٣. ٢٢٣ (١٠) - بَابُ النَّهْي عَنْ هَتْكِ الإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ - حديث رقم (٧٤٥٤) وقال الفيّوميّ كَظْتُهُ: بَرِحَ الشيءُ يبرح، من باب تَعِبَ بَرَاحاً: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البَارِحَةً، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البَارِحَةَ. انتھی(١). (وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ)؛ أي: وقد كان ربه ساتراً له طول ليله، والجملة حال من قال ((يقول))، وقوله: (فَيَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ) جملة مستأنفة، ذكرها توطئة لِمَا بعدها، (وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ)؛ أي: ويكون في الصباح كاشفاً ستر الله تعالى عن نفسه بإخباره للناس قبيح عمله مستخفّاً بأمر الله ريق . وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) يعني ابن حرب شيخه الأول في روايته (وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ) بتقديم الهاء على الجيم، بدل قول محمد بن حاتم، وعبد بن حميد في روايتهما: ((وإن من الإجهار))، وقد تقدّم توجيه كلّ من الروايات الأربع قريباً، فلا تنس، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٥٤/١٠] (٢٩٩٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠٦٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٩/٨) و((شعب الإيمان)) (١١١/٧)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٠/٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وجوب سَتر المؤمن على نفسه إذا ابتُلي بشيء من المعاصي والمخالفات، وقد ورد في الأمر بالستر حديث ابن عمر رضيًا، رفعه: ((اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن أَلَمَّ بشيء منها، فليستتر بستر الله ... )) الحديث، أخرجه الحاكم، وهو في ((الموطأ)) من مرسل زيد بن أسلم. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخْتُ: في الجهر بالمعصية استخفاف (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٤٢. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق بحقّ الله تعالى، ورسوله وَّ، وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تُذلّ أهلها، ومن إقامة الحدّ عليه إن كان فيه حدّ، ومن التعزير إن لم يوجب حدّاً، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك. انتهى(١). ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْلُهُ بعد ذكر اختلاف الراويات كما سبق بيانها ما نصّه: وهذه الروايات، وإن اختلفت ألفاظها، فهي راجعه إلى معنى واحد، قد فسّره في الحديث، وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية، وخلوة، ثم يخرج يتحدَّث بها مع الناس، ويجهر بها، ويعلنها، وهذا من أكبر الكبائر، وأفحش الفواحش، وذلك أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية، أو مستهين، مستهزئ بها، مصرّ عليها، غير تائب منها، مظهر للمنكر، والواحد من هذه الأمور كبيرة، فكيف إذا اجتمعت؟! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشدّ الناس بلاءً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة؛ لأنَّه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلّها، وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله، وإن كان مرتكب كبيرة، فأمره أخفّ، وعقوبته إن عوقب أهون، ورجوعه عنها أقرب من الأول؛ لأنَّ ذلك المجاهر قلّ أن يتوب، أو يرجع عما اعتاده من المعصية، وسَهُل عليه منها، فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إمّا معافى مطلقاً إن تاب، وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب، والله تعالى أعلم (٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١١) - (بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظَْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٥] (٢٩٩١) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَقْصٌ - وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَّ: عَطَسَ (١) (شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال ٢٦٣/٩. (٢) ((المفهم)) ٦١٨/٦. ٠ ٢٢٥ (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٥) عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ رَجُلَانِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّنْهُ: عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي، قَالَ: ((إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ الله»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق النخعيّ الكوفيّ القاضي [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. ٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ) بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ [٤]، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم الشهير ◌َُّه، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َلُ كلاحقه، وهو (٤٤٥) من رباعيّات الكتاب، وأن نصفه الأول كوفيّ، والثاني بصريّ، وفيه أنس ◌ُله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) عُبه، وفي رواية شعبة: ((عن سليمان التيميّ، سمعت أنساً))، (قَالَ) أنس: (عَطَسَ) بفتح الطاء في الماضي، ويكسرها، وضمها في المضارع، من بابَي ضرب، ونصر، (عِنْدَ النَّبِيِّ وَّ رَجُلَانِ) في حديث أبي هريرة عند البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وصححه ابن حبان: ((أحدهما أشرف من الآخر، وأن الشريف لم يَخْمد))، وللطبرانيّ من حديث سهل بن سعد: أنهما عامر بن الطفيل، وابن أخيه. (فَشَمَّتَ) النبيّ ◌َِّ (أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ) قال النوويّ كَخْتُهُ: يقال: شَمّت بالشين المعجمة، والمهملة، لغتان مشهورتان، المعجمة أفصح، قال ثعلب: معناه بالمعجمة: أبعد الله عنك ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (١) الشماتة، وبالمهملة هو من السمت، وهو القصد، والهدى. انتهى" وقال في ((الفتح)): ((فشمّت)) بالمعجمة، وللسرخسيّ بالمهملة، ووقع في رواية أحمد عن يحيى القطان، عن سليمان التيميّ: ((فشمّت، أو سمّت)) بالشك في المعجمة، أو المهملة، وهو من التشميت، قال الخليل، وأبو عبيد، وغيرهما : يقال بالمعجمة، وبالمهملة، وقال ابن الأنباريّ: كل داع بالخير مُشَمِّت بالمعجمة، وبالمهملة، والعرب تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى. انتهى. قال الحافظ: وهذا ليس مطرداً، بل هو في مواضع معدودة، وقد جمعها شيخنا شمس الدين الشيرازيّ صاحب ((القاموس)) في جزء لطيف. قال أبو عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى، وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل العربية، وفي الرواية، وقال ثعلب: الاختيار أنه بالمهملة؛ لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد، والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) إلى ترجيحه. وقال القزاز: التشميت التبريك، والعرب تقول: شمّته: إذا دعا له بالبركة، وشمّت عليه: إذا برّك عليه، وفي الحديث في قصة تزويج عليّ بفاطمة ◌ّ شمّت عليهما: إذا دعا لهما بالبركة. ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك قال: التسميت بالمهملة أفصح، وهو من سمت الإبل في المرعى: إذا جمعت، فمعناه على هذا: جمع الله شملك. وتعقبه بأن سمت الإبل إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه بالمعجمة، فيكون معنى سمّته: دعا له، بأن يجمع شمله، وقيل: هو بالمعجمة من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوه، فكأنه دعا له أن لا يكون في حال من يُشمت به، أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما يسوؤه، فشمت هو بالشيطان، وقيل: هو من الشوامت جمع شامتة، وهي القائمة، يقال: لا ترك الله له شامتة؛ أي: قائمة. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذيّ)): تكلم أهل اللغة على اشتقاق اللفظين، ولم يبينوا المعنى فيه، وهو بديع، وذلك أن العاطس ينحلّ كلّ عضو في رأسه، وما يتصل به من العنق، ونحوه، فكأنه إذا قيل له: رحمك الله، كان معناه (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٨. ٢٢٧ (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٥) أعطاه الله رحمة، يرجع بها بذلك العضو إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة، فمعناه: رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته؛ أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامت كل شيء: قوائمه التي بها قوامه، فقوام الدابة بسلامة قوائمها التي ينتفع بها إذا سلمت، وقوام الآدمي بسلامة قوائمه التي بها قوامه، وهي رأسه، وما يتصل به، من عنق، وصدر. انتهى ملخصاً (١). (فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ) النبيّ وَِّ (عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ)؛ أي: دعوت له، (وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي)؛ أي: لم تدع لي، ولماذا هذا التفريق؟. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فقيل له))، فقال في (الفتح)): السائل عن ذلك هو العاطس الذي لم يحمد، وقع كذلك في حديث أبي هريرة بلفظ: ((فسأله الشريف))، وكذا في رواية شعبة بلفظ: ((فقال الرجل: يا رسول الله شمتّ هذا، ولم تشمتني))، وهذا قد يعكر على ما في حديث سهل بن سعد أن الشريف المذكور هو عامر بن الطفيل، فإنه كان كافراً، ومات على كفره، فيبعد أن يخاطب النبيّ وَله بقوله: يا رسول الله، ويَحْتَمِل أن يكون قالها غير معتقد، بل باعتبار ما يخاطبه المسلمون، ويَحْتَمِل أن تكون القصة لعامر بن الطفيل المذكور، ففي الصحابة عامر بن الطفيل الأسلميّ له ذِكر في الصحابة، وحديثه رواه عنه عبد الله بن بريدة الأسلميّ، حدثني عمي عامر بن الطفيل، وفي الصحابة أيضاً عامر بن الطفيل الأزديّ، ذكره وثيمة في ((كتاب الردة)) وورد له مرئية في النبيّ ◌َّ، فإن لم يكن في سياق حديث سهل بن سعد ما يدل على أنه عامر المشهور احتَمَل أن يكون أحد هذين. قال الحافظ: ثم راجعت ((معجم الطبرانيّ)) فوجدت في سياق حديث سهل بن سعد الدلالة الظاهرة على أنه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب الفارس المشهور، وكان قَدِم المدينة، وجرى بينه وبين ثابت بن قيس بحضرة النبيّ ◌َ﴿ كلام، ثم عطس ابن أخيه، فحمد، فشمّته النبيّ وَّل، ثم عطس عامر فلم يحمد، فلم يشمته، فسأله ... الحديث، وفيه قصة غزوة بئر (١) ((الفتح)) ١٠٨/١٤ - ١٠٩، ((كتاب الأدب)) رقم (٦٢٢١). ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق معونة، وكان هو السبب فيها، ومات عامر بن الطفيل بعد ذلك كافراً في قصة له مشهورة في موته، ذكرها ابن إسحاق وغيره. انتهى(١). (قَالَ) النبيّ نَّه ردّاً على سؤاله: ((إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ) فاستحقّ التشميت، (وَإِنََّ لَمْ تَحْمَدِ اللهَ) فلم تستحقّ التشميت، وفي حديث أبي هريرة: «إن هذا ذكر الله، فذكرته، وأنت نسيت الله، فنسيتك))، وقد تقدم أن النسيان يُطلق، ويراد به الترك. قال الحليميّ تَّتُهُ: الحكمة في مشروعية الحمد للعاطس، أن العطاس يدفع الأذى من الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس، وبسلامته تسلم الأعضاء، فيظهر بهذا أنها نعمة جليلة، فناسب أن تقابل بالحمد لله؛ لِمَا فيه من الإقرار لله بالخلق والقدرة، وإضافة الخلق إليه، لا إلى الطبائع. انتهى(٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٥٥/١١ و٧٤٥٦] (٢٩٩١)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٢٢١ و٦٢٢٥) و((الأدب المفرد)) (٩٣١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠٣٩)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٤٢)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٢٢)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧١٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦٧٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٦٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٨٣/٨)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٠٠/٣ و١١٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٣/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٠)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٨٦/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): بيان مشروعيّة حمد الله تعالى للعاطس. (١) ((الفتح)) ١٠٩/١٤ - ١١٠. (٢) ((الفتح)) ١١٠/١٤. ٢٢٩ (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّنَاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٥) ٢ - (ومنها): أن التشميت إنما يُشرع لمن حمد الله تعالى، قال ابن العربيّ: وهو مجمع عليه. ٣ - (ومنها): جواز السؤال عن علة الحكم، وبيانها للسائل، ولا سيما إذا كان له في ذلك منفعة. ٤ - (ومنها): أن العاطس إذا لم يحمد الله تعالى لا يلقن الحمد ليحمد، فيشمّت، كذا استدل به بعضهم، وهو ظاهر هذا الحديث، فإن النبيّ وَّ لم يلقّن الساكت الحمد حتی یشمّته، بل سكت عنه. ٥ - (ومنها): أن من آداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته، ويرفعه بالحمد، وأن يغطي وجهه؛ لئلا يبدو من فيه، أو أنفه ما يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه يميناً ولا شمالاً؛ لئلا يتضرر بذلك. قال ابن العربيّ: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجاً للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء، وقد شاهدنا من وقع له ذلك، وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ بسند جيّد عن أبي هريرة ظُه قال: كان النبيّ وَّه إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته، وله شاهد من حديث ابن عمر بنحوه، عند الطبرانيّ. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد دَخْلُهُ: ومن فوائد التشميت: تحصيل المودة، والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكِبْر، والحمل على التواضع؛ لِمَا في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه أكثر المكلفين، ذكره في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تشميت العاطس: قال النوويّ دَخْلُهُ: أجمعت الأمة على أن تشميت العاطس مشروع، ثم اختلفوا في إيجابه، فأوجبه أهل الظاهر، وابن مريم من المالكية، على كل من سمعه؛ لظاهر قوله وَه: ((فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته))، قال القاضي: والمشهور من مذهب مالك أنه فرض كفاية، قال: وبه قال جماعة من العلماء، (١) ((الفتح)) ١١٠/١٤. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق كرةّ السلام، ومذهب الشافعيّ، وأصحابه، وآخرين أنه سُنّة، وأدب، وليس بواجب، ويحملون الحديث على الندب، والأدب، كقوله ◌َّ ه: ((حقّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام)). قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحمد، والردّ، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد لله. وأما لفظ التشميت فقيل: يقول: يرحمك الله، وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمك الله، وقيل: يقول: يرحمنا الله، وإياكم، قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله، ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك، والشافعيّ: يخيَّر بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحّت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس قال مالك: يشمّته ثلاثاً، ثم يسكت. انتهى كلام النوويّ تَخَذُهُ(١). وقال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ: ((باب الحمد للعاطس)) ما نصّه: أي: مشروعيته، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه؛ لثبوت الأمر الصريح به، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه، وأما لفظه، فنقل ابن بطال وغيره عن طائفة أنه لا يزيد على ((الحمد لله))، كما في حديث أبي هريرة، وعن طائفة يقول: ((الحمد لله على كل حال))، قال: وقد جاء النهي عن ابن عمر، وقال فيه: ((هكذا علّمنا رسول الله (َّ)، أخرجه البزار، والطبرانيّ، وأصله عند الترمذيّ، وعند الطبرانيّ من حديث أبي مالك الأشعريّ، رفعه: ((إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله على كل حال))، ومثله عند أبي داود، من حديث أبي هريرة، وللنسائيّ من حديث عليّ، رفعه: ((يقول العاطس: الحمد لله على كل حال))، ولابن السنيّ من حديث أبي أيوب مثله، ولأحمد، والنسائيّ من حديث سالم بن عبيد، رفعه: ((إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله على كل حال، أو الحمد لله رب العالمين)). (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٨ - ١٢١. ٢٣١ (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٥) وعن طائفة يقول: ((الحمد لله رب العالمين))، ورد ذلك في حديث لابن مسعود، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والطبرانيّ. وورد الجمع بين اللفظين، فعنده في ((الأدب المفرد)» عن عليّ قال: ((من قال عند عطسة سمعها: الحمد لله رب العالمين، على كل حال ما كان، لم يجد وجع الضرس، ولا الأذن أبداً))، وهذا موقوف، رجاله ثقات، ومثله لا يقال من قِبَل الرأي، فله حكم الرفع. وقد أخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن عليّ مرفوعاً بلفظ: ((من بادر العاطس بالحمد عوفي من وجع الخاصرة، ولم يشتك ضرسه أبداً))، وسنده ضعيف، وللبخاريّ أيضاً في ((الأدب المفرد))، والطبراني بسند لا بأس به، عن ابن عباس قال: ((إذا عطس الرجل، فقال: الحمد لله، قال الملك: رب العالمين، فإن قال: رب العالمين، قال الملك: يرحمك الله)). وعن طائفة: ما زاد من الثناء فيما يتعلق بالحمد كان حسناً، فقد أخرج أبو جعفر الطبريّ في ((التهذيب)) بسند لا بأس به، عن أم سلمة، قالت: ((عطس رجل عند النبيّ وَّة، فقال: الحمد لله، فقال له النبيّ ◌َله: يرحمك الله، وعطس آخر، فقال: الحمد لله رب العالمين، حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، فقال: ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة))، ويؤيده ما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث رفاعة بن رافع، قال: ((صليت مع النبيّ وَّ، فعطست، فقلت: الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ ثلاثاً فقلت: أنا، فقال: والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً، أيهم يصعد بها)). وأخرجه الطبرانيّ، وبيَّن أن الصلاة المذكورة: المغرب، وسنده لا بأس به، وأصله في ((صحيح البخاريّ)) لكن ليس فيه ذِكر العطاس، وإنما فيه: ((كنا نصلي مع النبيّ ◌َّ﴾، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد إلخ)) بنحوه. ولمسلم وغيره من حديث أنس: ((جاء رجل، فدخل في الصفّ، وقد حفزه النَّفَس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ... )) الحديث، وفيه: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها)). ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وأخرج الطبرانيّ، وابن السنيّ من حديث عامر بن ربيعة نحوه، بسند لا بأس به، وأخرجه ابن السنيّ بسند ضعيف، عن أبي رافع، قال: ((كنت مع رسول الله ◌َّر، فعطس، فخلى يدي، ثم قام، فقال شيئاً لم أفهمه، فسألته، فقال: أتاني جبريل، فقال: إذا أنت عطست، فقل: الحمد لله لكرمه، الحمد لله لعز جلاله، فإن الله رحمك يقول: صدق عبدي - ثلاثاً - مغفوراً له)). وأما الثناء الخارج عن الحمد فورد فيه ما أخرجه البيهقيّ في ((الشعب)) من طريق الضحاك بن قيس اليشكريّ قال: ((عطس رجل عند ابن عمر، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال ابن عمر: لو تمَّمتها: والسلام على رسول الله وَل))، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر نحوه. ويعارضه ما أخرجه الترمذيّ قال: ((عطس رجل، فقال: الحمد لله، والصلاة على رسول الله وَ له فقال ابن عمر: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله ◌َ))، قال الترمذيّ: غريب لا نعرفه إلا من رواية زياد بن الربيع، قال الحافظ: وهو صدوق، قال البخاريّ: وفيه نظر، وقال ابن عديّ: لا أرى به بأساً، ورجّح البيهقيّ ما تقدم على رواية زياد، والله أعلم. قال: ولا أصل لِمَا اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: ((الحمد لله رب العالمين))، وكذا العدول من الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله، أو تقديمها على الحمد، فمكروه. وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح عن مجاهد: ((أن ابن عمر سمع ابنه عطس، فقال: أب، فقال: وما أب؟ إن الشيطان جعلها بين العطسة والحمد))، وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ((أش)) بدل ((أب)). ونقل ابن بطال عن الطبريّ أن العاطس يتخير بين أن يقول: ((الحمد لله))، أو يزيد (رب العالمين))، أو ((على كل حال))، والذي يتحرر من الأدلة أن كل ذلك مجزئ، لكن ما كان أكثر ثناء أفضل، بشرط أن يكون مأثوراً. وقال النوويّ في ((الأذكار)): اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه: الحمد لله، ولو قال: الحمد لله رب العالمين، لكان أحسن، فلو قال: الحمد لله على كل حال، كان أفضل، كذا قال، والأخبار ٢٣٣ (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٦ - ٧٤٥٧) التي ذكرتها تقتضي التخيير، ثم الأولوية كما تقدم. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي: الأَحْمَرَ - عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. والباقيان ذُكرا قبله، والسند من رباعيّات المصنّف، كسابقه، وهو (٤٤٦) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر عن سليان التيميّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٧] (٢٩٩٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكِ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَهْوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ، فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ، فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي، فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا، قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدََ ابْنِي، فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ، فَشَمَّتَهَا، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ، فَحَمِدَتِ اللهَ، فَشَمَّتُهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ يَقُولُ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. (١) ((الفتح)) ١٠٦/١٤ - ١٠٨. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ مَالِك) الْمُزَنيّ، أبو جعفر الكوفيّ، صدوق، فيه لين، من صغار [٨] مات بعد التسعين ومائة (خ م ت س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١/ ١٥٧٦. ٤ - (عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ) بن شهاب بن المجنون الْجَرْميّ الكوفيّ، صدوق رُمي بالإرجاء [٥] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((اللباس والزينة)) ١٦/ ٥٤٧٩. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، اسمه كنيته، وقيل: الحارث، وقيل: عامر [٣]، تقدم في ((الإيمان) ١٧١/١٦. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. رضى عنه، [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو مسلسل بالكوفيين غير زهير، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى) أبيه عبد الله بن قيس رَّه (وَهْوَ)؛ أي: والحال أنه (فِي بَيْتٍ) زوجته (بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هذه البنت هي أم كلثوم بنت الفضل بن عباس، امرأة أبي موسى الأشعريّ، تزوجها بعد فراق الحسن بن عليّ لها، وولدت لأبي موسى، ومات عنها، فتزوجها بعده عمران بن طلحة، ففارقها، وماتت بالكوفة، ودُفنت بظاهرها. انتهى(١). (فَعَطَسْتُ) من بابي ضرب، ونصر، (فَلَمْ يُشَمِّتْنِي)؛ أي: لم يَدْع لي، (وَعَطَسَتْ) بنت الفضل (فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِّي) هي ضرّة بنت الفضل، (فَأَخْبَرْتُهَا)؛ أي: بما فعل أبوه من تشميت زوجته بنت الفضل، وتركه تشميت (١) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٨ - ١٢٢. (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّنَاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٧) ٢٣٥ (قَالَتْ: لضمعنه أبي بردة مع أن كلّاً منهما عطس عنده، (فَلَمَّا جَاءَهَا) أبو موسى عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي) أبو بردة (فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ) زوجتك بنت الفضل (فَشَمَّتَّهَا) غرضها الإنكار على أبي موسى فيما فعل، ومنشؤه الغيرة التي تحصل بين الضرائر، (فَقَالَ) أبو موسى ◌َظُه مبيّناً عذره في ذلك: (إِنَّ ابْنَكِ) أبا بردة (عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ) وَتْ (فَلَمْ أَشَمِّتْهُ) لعدم استحقاقه التشميت حيث لم يحمد، (وَعَطَسَتْ) بنت الفضل (فَحَمِدَتِ اللّهَ) رَتْ (فَشَمَّتُّهَا) لاستحقاقها حيث أدّت السبب، وهو الحمد، ثم بيّن أبو موسى ظُه حجته في ذلك، فقال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (فَشَمِّتُوهُ) تقدّم أن الراجح أنه للوجوب، قال أبو عمر بن عبد البرّ ◌َُّهُ: شمّت، وسمّت لغتان، معروفتان عند أهل العلم، لا يختلفون في ذلك، قال الخليل بن أحمد: التسميت لغة في تشميت العاطس، ورُوي عن ثعلب أنه سئل عن معنى التشميت والتسميت، فقال: أما التشميت فمعناه: أبعد الله عنك الشماتة، وجنّبك ما يَشْمَت به عدوّك، وأما التسميت فمعناه: جعلك الله على سمت حسن، ونحو هذا، قال أبو عمر: وهذا كله إنما ينويه الداعي له بصلاح الحال، والغفران، والرحمة، على ما جاء في سُنّة التشميت. انتهى (١). (فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ) قال النوويّ كَّفُهُ: هذا تصريح بالأمر بالتشميت إذا حمد العاطس، وتصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمده، فيُكره تشميته إذا لم يحمد، فلو حمد، ولم يسمعه الإنسان لم يشمّته، وقال مالك: لا يشمته حتى يسمع حمده، قال: فإن رأيت من يليه شمّته فشمّته، قال القاضي: قال بعض شيوخنا: وإنما أُمر العاطس بالحمد لِمَا حصل له من المنفعة بخروج ما اختنق في دماغه من الأبخرة. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قال النوويّ: مقتضى هذا الحديث أن من لم يحمد الله لم يشمت، قال الحافظ: هو منطوقه، لكن هل النهي فيه للتحريم، أو للتنزيه؟ الجمهور على الثاني، قال: وأقل الحمد والتشميت أن يسمع صاحبه، ويؤخذ منه أنه إذا أتى بلفظ آخر غير الحمد، لا يشمَّت، وقد أخرج أبو داود، (١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٣٣٤/١٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٨. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق والنسائيّ، وغيرهما، من حديث سالم بن عبيد الأشجعيّ قال: ((عطس رجل، فقال: السلام عليكم، فقال النبيّ وَلّر: عليك وعلى أمك، وقال: إذا عطس أحدكم، فليحمد الله)). واستُدل به على أنه يُشرع التشميت لمن حمد، إذا عرف السامع أنه حمد الله، وإن لم يسمعه، كما لو سمع العطسة، ولم يسمع الحمد، بل سمع من شمّت ذلك العاطس، فإنه يُشرع له التشميت؛ لعموم الأمر به لمن عطس فحمد. وقال النوويّ: المختار أنه يشمّته مَن سَمِعه دون غيره، وحكى ابن العربيّ اختلافاً فيه، ورجح أنه يشمته، وكذا نقله ابن بطال وغيره عن مالك، واستثنى ابن دقيق العيد مَنْ عَلِم أن الذين عند العاطس جهلة، لا يفرقون بين تشميت من حَمِد، وبين من لم يحمد، والتشميت متوقف على من عُلم أنه حمد، فيمتنع تشميت هذا، ولو شمته من عنده؛ لأنه لا يعلم هل حمد أو لا؟ فإن عطس وحمد، ولم يشمته أحد، فسمعه من بَعُد عنه، استُحب له أن يشمته حين يسمعه. وقد أخرج ابن عبد البرّ بسند جيد عن أبي داود، صاحب ((السنن)) أنه كان في سفينة، فسمع عاطساً على الشطّ حمد، فاكترى قارباً بدرهم، حتى جاء إلى العاطس، فشمّته، ثم رجع، فسئل عن ذلك، فقال: لعله يكون مجاب الدعوة، فلما رقدوا سمعوا قائلاً يقول: يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم. قال النوويّ: ويستحب لمن حضر من عطس، فلم يحمد أن يذكّره بالحمد؛ ليحمد، فيشمته، وقد ثبت ذلك عن إبراهيم النخعيّ، وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، وزعم ابن العربيّ أنه جهل من فاعله، قال: وأخطأ فيما زعم، بل الصواب استحبابه، قال الحافظ: احتج ابن العربي لقوله بأنه إذا نبهه ألزم نفسه ما لم يلزمها، قال: فلو جمع بينهما، فقال: الحمد لله، يرحمك الله جمع جهالتين، ما ذكرناه أولاً، وإيقاعه التشميت قبل وجود الحمد من العاطس. وحكى ابن بطال عن بعض أهل العلم - وحكى غيره أنه الأوزاعيّ - أن رجلاً عطس عنده، فلم يحمد، فقال له: كيف يقول من عطس؟ قال: الحمد لله، قال: يرحمك الله. (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٧) ٢٣٧ قلت(١): وكأن ابن العربي أخذ بظاهر الحديث؛ لأن النبيّ وَل ◌ّ لم يذكّر الذي عطس، فلم يحمد، لكن يحتمل أنه لم يكن مسلماً، فلعل تَرْك ذلك لذلك، لكن يحتمل أن يكون كما أشار إليه ابن بطال أراد تأديبه على ترك الحمد بترك تشميته، ثم عرّفه الحكم، وأن الذي يترك الحمد لا يستحق التشميت، وهذا الذي فهمه أبو موسى الأشعريّ ظُه، ففعل بعد النبيّ وَّ مثل ما فعل النبيّ وَّ شمّت من حمد، ولم يشمّت من لم يحمد. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي فعله أبو موسى ظُه الموافق لفعل النبيّ ◌َّ، هو الذي يظهر لي، فلا ينبغي تذكيره، بل إن حمد يُشمّت، وإلا يُسكَت، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ المصنّف تَخَذْتُهُ . رضى عنه هذا من أفراد (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٥٧/١١] (٢٩٩٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٩٤١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤١٢/٤)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٢٦٨/٥)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٥/٧)، و(الطبرانيّ) في (الدعاء)) (٥٥٥/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الحمد للعاطس، وتشميته إذا عطس. ٢ - (ومنها): أنه إذا لم يحمد لا يستحقّ التشميت. ٣ - (ومنها): أن تشميت العاطس واجب على القول الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، قال ابن دقيق العيد كَظّتُهُ: ظاهر الأمر الوجوب، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة: ((فحقّ على كل مسلم سمعه أن يشمته))، وفي حديث أبي هريرة الآخر: ((حق المسلم على المسلم ست ... )) فذكر فيها: ((وإذا عطس (١) القائل هو الحافظ. (٢) ((الفتح)) ١٤/ ١٢٣ - ١٢٤. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق فحمد الله فشمته))، رواه مسلم، وللبخاريّ من وجه آخر عن أبي هريرة: ((خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكر منها التشميت، وهو عند مسلم أيضاً، وفي حديث عائشة، عند أحمد، وأبي يعلى: ((إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل من عنده: يرحمك الله))، ونحوه عند الطبرانيّ من حديث أبي مالك. وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين، وقواه ابن القيم في ((حواشي السنن))، فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحقّ الدال عليه، وبلفظ ((على)) الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابيّ: أمرنا رسول الله وَله، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء. وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد بن رشد، وأبو بكر ابن العربيّ، وقال به الحنفية، وجمهور الحنابلة. وذهب عبد الوهاب، وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية، والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب، لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس، وإن ورد في عموم المكلفين، ففرض الكفاية يخاطَب به الجميع على الأصح، ويسقط بفعل البعض، وأما من قال: إنه فرض على مبهم، فإنه ينافي كونه فرض عين، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بكونه فرض عين هو الأظهر؛ لحديث البخاريّ: ((فإذا عطس، فحمد الله، فحقّ على كل مسلم سمعه أن یشمته»، فهذا نصّ صريح في إيجابه على كلّ من سمعه، فالقول بأنه كفائيّ ينافي هذا النصّ الصريح، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٨] (٢٩٩٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِهِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ٢٣٩ (١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٨) النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: (يَرْحَمُكَ اللهُ))، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الرَّجُلُ مَزْكُومٌ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الحنفيّ اليماميّ، بصريّ الأصل [٥]، تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٥ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) البغداديّ، لقبه قيصر [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٦ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ) أبو سلمة، أو أبو بكر المدنيّ [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. ٧ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ الصحابيّ المشهور، مات نظافته (٦٤)، تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وهو مسلسل بالتحديث. شرح الحديث: (عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن الأكوع ◌َظُبه، أنه (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدث إياساً (أَنَّهُ) أي: سلمة (سَمِعَ النَّبِيَّ وَّهِ، وَ) الحال أنه (عَطَسَ رَجُلٌ) لم يسمّ، (عِنْدَهُ) وَِّ (فَقَالَ لَهُ) النبيّ وَّهِ: ((يَرْحَمُكَ اللهُ)) دعا له بأن يرحمه الله تعالى، (ثُمَّ عَطَسَ) الرجل (أُخْرَى)؛ أي: عطسة ثانية (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الرَّجُلُ مَزْكُومٌ))) ظاهره أنه ما شمّته في المرّة الثانية، لكن أكثر الأحاديث على أنه يُشمّت على الثالثة، فترجّح على هذه الرواية. قال النوويّ في ((الأذكار)): إذا تكرر العطاس متتابعاً فالسُّنَّة أن يشمّته لكل ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق مرة، إلى أن يبلغ ثلاث مرات، روينا في ((صحيح مسلم))، وأبي داود، والترمذيّ عن سلمة بن الأكوع أنه ((سمع النبيّ وَّ، وعطس عنده رجل، فقال له: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال له رسول الله (وَلّر: الرجل مزكوم))، هذا لفظ رواية مسلم، وأما أبو داود، والترمذيّ، فقالا: قال سلمة: ((عطس رجل عند النبيّ وَّ ه، وأنا شاهد، فقال له رسول الله وَله: يرحمك الله، ثم عطس الثانية، أو الثالثة، فقال رسول الله وَله: يرحمك الله، هذا رجل مزكوم)). انتهى كلامه. قال الحافظ تَّتُهُ: ونقلته من نسخة عليها خطه بالسماع عليه، والذي نسبه إلى أبي داود، والترمذيّ من إعادة قوله وَلّ للعاطس: ((يرحمك الله)) ليس في شيء من نُسخهما، كما سأبيّنه، فقد أخرجه أيضاً أبو عوانة، وأبو نعيم في (مستخرجيهما))، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن السنيّ، وأبو نعيم أيضاً في ((عمل اليوم والليلة))، وابن حبان في (صحيحه))، والبيهقيّ في ((الشُّعَب)) كلهم من رواية عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، وهو الوجه الذي أخرجه منه مسلم، وألفاظهم متفاوتة، وليس عند أحد منهم إعادة: ((يرحمك الله)) في الحديث، وكذلك ما نسبه إلى أبي داود، والترمذيّ أن عندهما: ((ثم عطس الثانية، أو الثالثة)) فيه نظر، فإن لفظ أبي داود: ((أن رجلاً عطس))، والباقي مثل سياق مسلم سواء، إلا أنه لم يقل: ((أخرى))، ولفظ الترمذيّ مثل ما ذكره النوويّ إلى قوله: ((ثم عطس)) فإنه ذكره بعده، مثل أبي داود سواء، وهذه رواية ابن المبارك عنده، وأخرجه من رواية يحيى القطان، فأحال به على رواية ابن المبارك، فقال نحوه، إلا أنه قال له في الثانية: ((أنت مزكوم))، وفي رواية شعبة قال يحيى القطان، وفي رواية عبد الرحمن بن مهديّ قال له في الثالثة: ((أنت مزكوم)). وهؤلاء الأربعة رووه عن عكرمة بن عمار، وأكثر الروايات المذكورة ليس فيها تعرّض للثالثة، ورجّح الترمذي رواية من قال في الثالثة، على رواية من قال في الثانية. وقد وجدت الحديث من رواية يحيى القطان يوافق ما ذكره النوويّ، وهو ما أخرجه قاسم بن أصبغ في ((مصنفه))، وابن عبد البرّ من طريقه قال: حدّثنا محمد بن عبد السلام، حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا يحيى القطان، حدّثنا