Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٥) وقيل: المعنى: من نَسَب إلى نفسه عملاً صالِحاً لم يفعله، واذَّعَى خيراً لم يصنعه، فإن الله يفضحه، ويُظهر كذبه. وقيل: المعنى من يرائي الناس بعمله، أراه الله ثواب ذلك العمل، وحرمه إياه. وقيل: معنى سَمَّع الله: به شهره، أو ملأ أسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا، أو في القيامة بما ينطوي عليه من خبث السريرة. قال الحافظ: ورد في عدة أحاديث التصريح بوقوع ذلك في الآخرة، فهو المعتمَد، فعند أحمد، والدارميّ من حديث أبي هند الداريّ، رفعه: ((من قام مقام رياء وسمعة، رأى الله به يوم القيامة، وسَمَّع به))، وللطبرانيّ من حديث عوف بن مالك نحوه، وله من حديث معاذ، مرفوعاً: ((ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء، إلا سمّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٤٥/٧] (٢٩٨٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ٥٢٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٠١/٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٠٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٦٥/٥)، و(تمام الرازيّ) في ((فوائده)) (٢/ ٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم الرياء والسمعة؛ إذ هما يُحبطان الأعمال الصالحة. ٢ - (ومنها): الحثّ على إخلاص العمل لله ◌ُعَلَ؛ لأنه الذي ينفع عامله. ٣ - (ومنها): الحثّ على إخفاء العمل الصالح؛ لكونه أبعد عن الرياء والسمعة، قال العلماء: لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدَّر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يُظهره ليُقتدى به، أو لينتفع به، ككتابة العلم، ومنه حديث سهل تَُّه مرفوعاً: (لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي))، قال الطبريّ: كان ابن عمر، ٢٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وابن مسعود، وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال: فمن كان إماماً يُستن بعمله، عالِماً بما الله عليه، قاهراً لشيطانه، استوى ما ظهر من عمله، وما خفي؛ لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك، فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف. فمن الأول: حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: سمع النبيّ ◌َّه رجلاً يقرأ، ويرفع صوته بالذكر، فقال: ((إنه أواب))، قال: فإذا هو المقداد بن الأسود به، أخرجه الطبريّ. ومن الثاني: حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قام رجل يصلي، فجهر بالقراءة، فقال له النبيّ وَّر: ((لا تُسْمِعني، وأسمِع ربك))، أخرجه أحمد، وابن أبي خيثمة، وسنده حسن، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٤٦] (٢٩٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُباً الْعَلَقِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٤ - (سَلَمَةُ بْنَ كُهَيْلٍ) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ [٤]، تقدم في ((الحيض)) ٧٠٤/٥. ٥ - (جُنْدُبُ الْعَلَقِيُّ) - بفتحتين، ثم قاف - هو: جندب بن عبد الله بن سفيان الْبَجَليّ، أبو عبد الله، وربما نُسب إلى جده صحابيّ مات رَظُه بعد الستين (ع)، تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣. (١) ((الفتح)) ٣٣٦/١١. ٢٠٣ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٧) شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلِ) بالتصغير؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُباً) بضمّ الجيم، والدال المهملة، وتُفتح، (الْعَلَقِيَّ) بفتحتين: نسبة إلى عَلَقَة بطن من بَجِلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، وهو بَجِلة، قاله في (اللباب))(١). (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ يُسَمِّعْ) ((من)) شرطيّة، ولذا جزم الفعل بعدها، (يُسَمِّع اللهُ بِهِ) وأما ثبوت الياء في قوله: (وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ))) فقال في ((الفتح)): أما الأُولى فللإشباع، وأما الثانية فكذلك، أو التقدير: فإنه يرائي به الله. انتھی. قال الشيخ أبو حامد تَخْتُ: الرياء مشتقّ من الرؤية، والسمعة من السماع، وإنما الرياء أصله: طلب المنزلة في قلوب الناس بإرائهم الخصال المحمودة، فحَدّ الرياء هو إراء العباد بطاعة الله تعالى، فالمرائي هو العابد، والمراءى له هو الناس، والمراءى به هو الخصال الحميدة، والرياء هو قَصْد إظهار ذلك. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله به هذا متّفقٌ عليه. في تخريجه : (المسألة الثانية): أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٤٦/٧ و٧٤٤٧ و٧٤٤٨ و٧٤٤٩] (٢٩٨٧)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٤٩٩) و((الأحكام)) (٧١٥٢)، و(ابن ماجه) في (الزهد)) (٤٢٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٣/٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً غَيْرَهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ). (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٥٣/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٤٥/١٥. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (الْمُلَائِيُّ) أبو نعيم الفضل بن دكين، تقدم في ((المقدمة)) ٩١/٦. ٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدم قريباً. وقوله: (وَزَادَ إلخ) فاعله ضمير الملائيّ. وقوله: (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً غَيْرَهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ) قال في (الفتح)): قائل ذلك هو سلمة بن كهيل، ومراده أنه لم يسمع من أحد من الصحابة حديثاً مسنداً إلى النبيّ ◌َلّ إلا من جندب، وهو ابن عبد الله البجليّ الصحابي المشهور، وهو من صغار الصحابة. وقال الكرمانيّ: مراده: لم يبق من أصحاب النبيّ وَّ حينئذٍ غيره في ذلك المكان. قال الحافظ: احترز بقوله: في ذلك المكان عمن كان من الصحابة موجوداً إذ ذاك بغير المكان الذي كان فيه جندب، وليس كذلك فإن جندباً كان بالكوفة إلى أن مات، وكان بها في حياة جندب أبو جحيفة السُّوائيّ، وكانت وفاته بعد جندب بست سنين، وعبد الله بن أبي أوفى، وكانت وفاته بعد جندب بعشرين سنة، وقد روى سلمة عن كل منهما، فتعيَّن أن يكون مراده أنه لم يسمع منهما، ولا من أحدهما، ولا من غيرهما، ممن كان موجوداً من الصحابة بغير الكوفة، بعد أن سمع من جندب الحديث المذكور، عن النبيّ وَله شيئاً. انتهى (١). [تنبيه]: رواية الملائيّ، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها ابن حبّان تَخّْتُهُ في ((صحیحه))، فقال: (٤٠٦) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، قال: أخبرنا الملائيّ، قال: حدّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت جندباً يقول: قال رسول الله وَله، ولم أسمع أحداً غيره يقول: قال رسول الله وَله، فدنوت قريباً منه فسمعته يقول: قال رسول الله وَله : (١) ((الفتح)) ٣٣٧/١١. ٢٠٥ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٨) ((مَن سَمّع يسمّع الله به، ومن راءى يرائي الله به)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ حَرْبٍ - قَالَ سَعِيدٌ: أَظُنُّهُ قَالَ: ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى - قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُباً - وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ غَيْرَهُ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ) الكنديّ، أبو عثمان الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ) الأشعريّ الكوفيّ، لقبه: ولّاد، ثقة (٢) [٦]. روى عن سلمة بن كهيل، وعنه شعبة، وابن عيينة، وقال: ثنا الصدوق الأمين، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ سَعِيدٌ)؛ أي: ابن عمرو الأشعثيّ: (أَظُنُّهُ)؛ أي: أظن سفيان بن عيينة (قَالَ) بعد ذكره قوله: ((عن الوليد بن حرب)) زاد قوله: (ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى) ومعنى هذا الكلام أن سعيد بن عمرو شيخ مسلم تأكّد من قول شيخه ابن عيينة: ((عن الوليد بن حرب))، وشكّ في زيادة نسبه بقوله: ((ابن الحارث بن أبي موسى))، فابنِ الحارث بالجرّ؛ لأنه صفة ابن حرب، وأما ما وقع في النُّسخ المطبوعة من ضبطه ضَبْط قلم بالرفع فغير صحيح، إلا على إعراب القطع، فتنبّه. (١) ((صحيح ابن حبان)) ١٣٣/٢. (٢) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): مقبول؛ لأنه روى عنه شعبة، وابن عيينة، وقال: حدّثنا الصدوق الأمين، وأخرج له مسلم هنا في ((الصحيح))، ووثقه ابن حبّان، ولم يجرحه أحد، فمثل هذا ثقة بلا ريب، فتنبّه. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق هذا هو حل الكلام الصحيح، وأما ما تعب فيه الأبيّ، وتبعه بعض الشراح فغير صحيح، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ)؛ يعني: أن حديث الوليد بن حرب، عن سلمة بن كهيل مثل حديث الثوريّ عن سلمة المذكور. [تنبيه]: رواية الوليد بن حرب عن سلمة بن كهيل هذه ساقها الحميديّ تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٧٨) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الوليد بن حرب الصدوق الأمين، قال: سمعت سلمة بن كهيل يقول: ما سمعت من أحد سمع من النبيّ وَله إلا جندياً البجليّ، سمعت جندباً يقول: سمعت رسول الله وَل يقول: ((من يُسَمِّعْ يسمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٤٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ الأَمِينُ الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدم قريباً. و((الوليد بن حرب))، تقدم قبله. [تنبيه]: رواية ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة هذه لم أجد من ساقها، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾. (٨) - (بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٠] (٢٩٨٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ (١) ((مسند الحميديّ)) ٣٤٢/٢. ٢٠٧ (٨) - بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ - حديث رقم (٧٤٥٠) مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) أبو محمد المصريّ [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٩/٣٦. ٣ - (ابْنِ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ [٥]، تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التيميّ المدنيّ [٤]، تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ المدنيّ [٣]، تقدم في ((الطهارة)) ٨/ ٥٧٠. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه أبو هريرة . رضى عنه . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ) كذا للأكثر ولأبي ذر: ((يتكلم)» بحذف اللام، (بِالْكَلِمَةِ)؛ أي: الكلام المشتمل على ما يُفهم الخير، أو الشرّ، سواء طال أم قصر، كما يقال: كلمة الشهادة، وكما يقال للقصيدة: كلمة فلان، زاد في الرواية التالية: ((مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا))، فـ(ما)) الأولى نافية، و((ما)) الثانية موصولة، أو موصوفة، وفي رواية البخاريّ: ((ما يتبين فيها))؛ أي: لا يتطلب معناها؛ أي: لا يثبتها بفكره، ولا يتأملها حتى يتثبت فيها، فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول، وقال بعض الشراح: المعنى أنه لا يبيّنها بعبارة واضحة، وهذا يلزم منه أن يكون بَيَّن وتبيّن بمعنى واحد، ووقع في رواية الكشميهنيّ: ((ما يتقي بها)) ومعناها يَؤُول لِمَا تقدم. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (يَنْزِلُ بِهَا) وفي الرواية التالية: ((يهوي بها))، وفي رواية البخاريّ: ((يَزِلّ)) بها بفتح أوله، وكسر الزاي، بعدها لام؛ أي: يسقط (فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ))) ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((أبعد ما بين المشرق)) دون لفظ: ((والمغرب))، قال في ((الفتح)): كذا في جميع النسخ التي وقعت لنا في البخاريّ، وكذا في رواية إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة، شيخ البخاريّ فيه، عند أبي نعيم، وأخرجه مسلم، والإسماعيليّ، من رواية بكر بن مضر، عن يزيد بن الهاد، بلفظ: ((أبعد ما بين المشرق والمغرب))، وكذا وقع عند ابن بطال، وشرحه الكرماني على ما وقع عند البخاريّ، فقال: قوله: ((ما بين المشرق)): لفظ ((بين)) يقتضي دخوله على المتعدد، والمشرق متعدد معنى؛ إذ مشرق الصيف غير مشرق الشتاء، وبينهما بُعْد كبير. ويَحْتَمِل أن يكون اكتفى بأحد المتقابلين عن الآخر، مثل: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، قال: وقد ثبت في بعضها بلفظ: ((بين المشرق والمغرب)). قال ابن عبد البرّ تَخّْثهُ: الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر، وزاد ابن بطال: بالبغي، أو بالسعي على المسلم، فتكون سبباً لهلاكه، وإن لم يُرد القائل ذلك، لكنها ربما أدت إلى ذلك، فيُكتب على القائل إثمها، والكلمة التي تُرفع بها الدرجات، ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة، أو يفرج بها عنه كربة، أو ينصر بها مظلوماً. وقال غيره في الأولى: هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله تعالى. قال ابن التين: هذا هو الغالب، وربما كانت عند غير ذي السلطان، ممن يتأتى منه ذلك، ونَقَل عن ابن وهب أن المراد بها: التلفظ بالسوء، والفحش، ما لم يُرِد بذلك الجحد لأمر الله في الدين. وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن تكون تلك الكلمة من الخنى، والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة، أو بمجون، أو استخفاف بحقّ النبوة، والشريعة، وإن لم يعتقد ذلك. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هي الكلمة التي لا يُعرف القائل حُسنها من قبحها، قال: فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يُعرف حسنه من قبحه. ٢٠٩ (٨) - بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ - حديث رقم (٧٤٥٠) قال الحافظ: وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة الواجب. وقال النوويّ: في هذا الحديث حثّ على حفظ اللسان، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق، فإن ظهرت فيه مصلحة تكلم، وإلا أمسك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظ له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٧٤٥٠ و٧٤٥١] (٢٩٨٨)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٤٧٧ و٦٤٧٨)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣١٤)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٧٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٨٥/٢ - ٩٨٦)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (٢٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٤/٢ و٣٥٥ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٠٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٩/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٤/٨ و١٦٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أخرج البخاريّ تَّقُ من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ـية قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالاً، يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يَهوِي بها في جهنم)). قال في ((الفتح)): قوله: ((لا يلقي لها بالاً)) بالقاف، في جميع الروايات؛ أي: لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئاً، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك، وأصحاب ((السنن))، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم، بلفظ: ((إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة))، وقال في السخط مثل ذلك. ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وقوله: ((يرفع الله بها درجات)) كذا في رواية المستملي، والسرخسيّ، وللنسفيّ، والأكثر: ((يرفع الله له بها درجات))، وفي رواية الكشميهنيّ: ((يرفعه الله بها درجات)). وقوله: (يهوي)) بفتح أوله، وسكون الهاء، وكسر الواو، قال عياض: المعنى: ينزل فيها ساقطاً، وقد جاء بلفظ: ((ينزل بها في النار)) لأن دركات النار إلى أسفل، فهو نزول سقوط، وقيل: أهوى من قريب، وهَوَى من بعيد . وأخرج الترمذيّ هذا الحديث من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التيميّ، بلفظ: ((لا يَرَى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفاً))، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥١] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيِّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة [١٠]، تقدم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ٦ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٧ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ [٥]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص ٢٩٧. ٨ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ [٢]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٩ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ نَظُه الأمير، الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ، مات سنة (٥٤) بالمدينة وهو ابن (٧٥) سنةً، تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخْتُهُ، وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وهو مسلسلٌ بالكوفيين غير يحيى، وإسحاق، والصحابيّ، كما أسلفته آنفاً، وشيخه أبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو حبّ رسول الله وَّة، وابن حبّه، وابن صحابيّ شرح الحديث : (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ◌ِ﴿ّ (قَالَ) شقيق (قِيلَ لَهُ)؛ أي: لأسامة بن زيد. ، (أَلَا) أداة تحضيض، (تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ) بن عفّان ◌َبه (فَتُكَلِّمَهُ)؛ أي: فيما يقع من الفتنة بين الناس، والسعي في إطفاء ثائرتها، قاله الكرمانيّ، وفي ((التوضيح)): أراد أن يكلمه في شأن أخيه لأمه الوليد بن عتبة لَمّا شُهِد عليه بما شُهد، فقيل لأسامة ذلك؛ لكونه كان من خواصّ عثمان تع ﴾(١). (فَقَالَ) أسامة نَظُّه: (أَتْرَوْنَ) بضم أوله، وفتحه؛ أي: أتظنّون (أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ)؛ أي: عثمان رَّهِ، (إِلَّا أُسْمِعُكُمْ) بضمّ أوله، من الإسماع؛ أي: أتظنّون أني لا أكلّمه إلا وأنتم تسمعون؟، وفي رواية للبخاريّ: ((إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم))؛ أي: إنكم لتظنون أني لا أكلمه، إلا بحضوركم، (١) ((عمدة القاري)) ١٦٦/١٥. ٢١١ (٩) - بَابُ عُقُوبَةٍ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَفْعَلُهُ - حديث رقم (٧٤٥٢) (٩) - (بَابُ عُقُوبَةٍ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَفْعَلُهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٢] (٢٩٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ، فَتُكَلِّمَهُ، فَقَالَ: أَثْرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَنِحَ أَمْراً، لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لأَحَدٍ، يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيراً، إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَآتِيِهِ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٥ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢١٣ (٩) - بَابُ عُقُوبَةٍ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَفْعَلُهُ - حديث رقم (٧٤٥٢) وأنتم تسمعون، و((أسمعكم)) بضم الهمزة، من الإسماع، ويروى: ((إلا بسمعكم))، بصيغة المصدر، قاله في ((العمدة))(١). (وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ) سرّاً؛ يعني: أني كلّمته في السرّ دون أن أفتح باباً من أبواب الفتن، حاصل المعنى: أنه كلّمه طلباً للمصلحة، لا تهييجاً للفتنة؛ لأن المجاهرة على الأمراء بالإنكار، يكون فيه نوع القيام عليهم؛ لأن فيه تشنيعاً عليهم يؤدي إلى افتراق الكلمة، وتشتيت الجماعة(٢)، وقوله: (مَا) زائدة؛ أي: كلمته (دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْراً)؛ أي: كلمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة، والأدب في السرّ، بغير أن يكون في كلامي ما يثير فتنة، أو نحوها، و((ما)) موصوفة، ويجوز أن تكون موصولة. وقوله: (لَا أُحِبُّ) جملة في محلّ نصب صفة لـ(أمراً)). (لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ) وللبخاريّ: ((من يفتحه))؛ يعني: لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة، بكلام لا يهيج به فتنة، (وَلَا أَقُولُ لأَحَدٍ، يَكُونُ عَلَيَّ) بتشديد الياء، (أَمِيراً، إِنَّهُ)؛ أي: هذا الرجل (خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ:) وفي رواية سفيان: ((بعد شيء سمعته من رسول الله وَجّل، قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: يجاء بالرجل))، وفي رواية عاصم بن بَهْدلة، عن أبي وائل، عند أحمد: ((يجاء بالرجل الذي كان يطاع في معاصي الله، فيقذف في النار)). ((يُؤْتَى) بالبناء للمفعول، (بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: يُطرح (فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ) من الاندلاق، وهو الخروج بسرعة، يقال: اندلق السيفُ من غمده: إذا خرج من غير أن يسله أحد، والمعنى: أنه تنصب أمعاؤه من جوفه، وتخرج من دبره، (أَقْتَابُ بَطْنِهِ) الأَقتاب بالفتح: جمع قِتْب بكسر القاف، وسكون المثناة، بعدها موحّدة: هي الأمعاء، والقتب مؤنثة، وتصغيره قتيبة، ومنه سمي الرجل قتيبة. (فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى) وفي رواية للبخاريّ: ((فيطحن فيها كطحن الحمار)»، وفي رواية: ((يستدير فيها كما يستدير الحمار))، (فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ) وفي رواية البخاريّ: ((فيطيف به أهل النار))؛ أي: يجتمعون حوله، يقال: أطاف به (١) ((عمدة القاري)) ١٦٦/١٥. (٢) ((عمدة القاري)) ١٦٦/١٥. ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق القوم: إذا حلّقوا حوله حلقة، وإن لم يدوروا، وطافوا إذا داروا حوله، وبهذا التقرير يظهر خطأ من قال: إنهما بمعنى واحد، وفي رواية: ((فيأتي عليه أهل طاعته من الناس))، (فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ) وللبخاريّ: ((فيقولون: أي فلان))، (مَا لَك؟) وفي رواية: ((ما شأنك؟)) وفي رواية: ((أي قل: أين ما كنت تأمرنا به؟)) (أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ) وللبخاريّ: «ألست كنت تأمر بالمعروف، (وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَر) قال في ((العمدة)): المعروف: اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله رَّت، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، والمنكر ضدّ المعروف، وكل ما قبّحه الشرع، وحرّمه، وكرهه، فهو منكر. انتهى(١). (فَيَقُولُ) الرجل: (بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا آتِيهِ)؛ أي: لا أفعل ذلك المعروف، (وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَآتِيهِ)))؛ أي: أفعل ذلك المنكر، وفي رواية عاصم: ((وإني كنت آمركم بأمر، وأخالفكم إلى غيره)). قال المهلّب تَخْتُ: أرادوا من أسامة ظنه أن يكلم عثمان، وكان من خاصته، وممن يخفّ عليه في شأن الوليد بن عقبة؛ لأنه كان ظهر عليه ريح نبيذ، وشُهر أمره، وكان أخا عثمان لأمه، وكان يستعمله، فقال أسامة: قد كلمته سرّاً دون أن أفتح باباً؛ أي: باب الإنكار على الأئمة علانية؛ خشية أن تفترق الكلمة، ثم عرّفهم أنه لا يداهن أحداً، ولو كان أميراً، بل ينصح له في السرّ جهده، وذكر لهم قصة الرجل الذي يُطرح في النار؛ لكونه كان يأمر بالمعروف، ولا يفعله؛ ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه. انتهى ملخصاً. قال الحافظ: وجَزْمه بأن مراد من سأل أسامة الكلام مع عثمان أن يكلمه في شأن الوليد ما عرفت مستنَده فيه، وسياق مسلم من طريق جرير عن الأعمش يدفعه، ولفظه: عن أبي وائل: «كنا عند أسامة بن زيد، فقال له رجل: ما يمنعك أن تدخل على عثمان، فتكلمه فيما يصنع ... )) قال: وساق الحديث بمثله. وجزم الكرمانيّ بأن المراد: أن يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه، وغير ذلك مما اشتهر. وقوله: إن السبب في تحديث أسامة بذلك؛ ليتبرأ مما ظنوه به ليس (١) ((عمدة القاري)) ١٦٦/١٥. ٢١٥ (٩) - بَابُ عُقُوبَةٍ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَفْعَلُهُ - حديث رقم (٧٤٥٢) بواضح، بل الذي يظهر أن أسامة كان يخشى على من ولي ولاية، ولو صغرت أنه لا بد له من أن يأمر الرعية بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ثم لا يأمن من أن يقع منه تقصير، فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد، وإلى ذلك أشار بقوله: ((لا أقول للأمير: إنه خير الناس))؛ أي: بل غايته أن ينجو كفافاً. وقال عياض: مراد أسامة: أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام؛ لِمَا يَخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به، وينصحه سرّاً، فذلك أجدر بالقبول(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٥٢/٩ و٧٤٥٣] (٢٩٨٩)، و(البخاريّ) في (بدء الخلق)) (٣٢٦٧) و((الفتن)) (٧٠٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٥/٥ - ٢٠٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٥٠/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٨٩)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١١٢/٤)، و(الطيب البغداديّ) في ((اقتضاء العلم والعمل)) (٥٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٤/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤/ ٣٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن قوله: ((لا أقول لأحد يكون عليّ أميراً: إنه خير الناس)) فيه ذمّ مداهنة الأمراء في الحقّ، وإظهار ما يبطن خلافه، كالمتملق بالباطل، فأشار أسامة ظه إلى أن المداراة محمودة، والمداهنة مذمومة، وضابط المداراة: أن لا يكون فيها قدح في الدين، والمداهنة المذمومة: أن يكون فيها تزيين القبيح، وتصويب الباطل، ونحو ذلك. ٢ - (ومنها): ما قاله الطبريّ تَخْتُهُ: اختَلَف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقاً، واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه: ((أفضل (١) ((الفتح)) ٥١٢/١٦ - ٥١٣، ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٩٨). ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر))، وبعموم قوله وَّلقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... )) الحديث. وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر لكن شرطه أن لا يَلحق المنكر بلاء، لا قِبَل له به، من قتل ونحوه. وقال آخرون: ينكر بقلبه؛ لحديث أم سلمة ظنّا مرفوعاً: ((يُستعمل عليكم أمراء بعدي، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع ... )) الحديث. قال: والصواب اعتبار الشرط المذكور، ويدل عليه حديث: ((لا ينبغي لمؤمن أن يذلّ نفسه))، ثم فسَّره بأن يتعرض من البلاء لِمَا لا يطيق. انتهى ملخصاً. وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قَدَر عليه، ولم يخف على نفسه منه ضرراً، ولو كان الآمر متلبساً بالمعصية؛ لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف، ولا سيما إن كان مطاعاً، وأما إثمه الخاصّ به فقد يغفره الله له، وقد يؤاخذه به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأَولى فجيّد، وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره. ثم قال الطبريّ: فإن قيل: كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار؟. والجواب: أنهم لم يمتثلوا ما أُمروا به، فعُذِّبوا بمعصيتهم، وعُذَّب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه(١). ٣ - (ومنها): أن في الحديث تعظيمَ الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم؛ ليكفوا، ويأخذوا حذرهم، بلطف، وحسن تأدية، بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير. ٤ - (ومنها): أن فيه وصفَ جهنم بأمر عظيم، روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعاً: ((يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها)). ولابن وهب عن زيد بن أسلم، عن عليّ ◌َظُه مرفوعاً: ((فبينما هم يجرونها إذ شردت عليهم شردة، فلولا أنهم أدركوها لأحرق من في الجمع)»(٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٥٢/١٣. (٢) ((عمدة القاري)) ١٦٦/١٥. ٢١٧ (١٠) - بَابُ النَّهْي عَنْ مَتْكِ الإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ - حديث رقم (٧٤٥٤) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير جرير بن عبد الحميد؛ أي: ساق جرير الحديث بمثل ما ساقه أبو معاوية. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش هذه ساقها أبو القاسم البغويّ في ((مسند أسامة))، فقال: (٥٣) - حدّثنا ابن منيع، قال: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، وأبو خيثمة، قالا: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: كنا عند أسامة بن زيد، فقال: سمعت رسول الله صلى يقول: ((يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيفزع له أهل النار، ويجتمعون إليه، فيقولون له: يا فلان ما لقيتَ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ قال: بلى، كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهى عن المنكر، ولا أنتهي)). انتهي(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ قَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٠) - (بَابُ الَّهْي عَنْ هَْكِ الإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٤] (٢٩٩٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،ً حَدَّثَنَا ابْنُ (١) ((مسند أسامة)) ١٣٣/١. ٢١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: قَالَ سَالِمٌّ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ(١)، إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الإِجْهَارِ(٢)، أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ))، قَالَ زُهَيْرٌ: ((وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ من صغار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٥ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن عبد الله بن مسلم الزهريّ المدنيّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣. ٦ - (عَمُّهُ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ [٤]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨. ٧ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ الفقيه، من كبار [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، كما أسلفته آنفاً، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُئه. (١) وفي نسخة: ((معافّى)). (٢) وفى نسخة: ((من الجهار)). ٢١٩ (١٠) - بَابُ النَّهْي عَنْ هَتْكِ الإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ - حديث رقم (٧٤٥٤) شرح الحديث : (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)؛ أنه (قَالَ: قَالَ سَالِمُ) بن عبد الله (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َظُه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَةٌ) قال النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو في معظم النسخ، والأصول المعتمدة: ((معافاة)) بالهاء في آخره، يعود إلى الأمة. انتهى، ووقع بعضها، وهو الذي في البخاريّ بلفظ: ((معافى))، نظراً للفظ ((كلّ))، وهو بضمّ الميم، وفتح الفاء، مقصوراً اسم مفعول من العافية، التي وُضعت موضع المصدر، يقال: عافاه عافية، والعافية دفاع الله عن العبد، والمعنى هنا عفا: الله عنه، قاله في ((العمدة)) (١)، وقال القاري: ((كل أمتي معافى)) هكذا في جميع نُسخ ((المشكاة))، وهو اسم مفعول من عافاه الله؛ أي: أعطاه الله العافية، والسلامة من المكروه، وقال الطيبيّ: وفي نُسخ ((المصابيح)): ((معافى)) بلا هاء، وعلى هذا ينبغي أن يكتب ألفه بالياء، فيكون مطابقاً للفظ ((كل)) كما ورد: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)). انتهى(٢). وقال في (الفتح)): قوله: ((معافى)) بفتح الفاء، مقصوراً اسم مفعول من العافية، وهو إما بمعنى عفا الله عنه، وإما سلّمه الله، وسلّم منه. انتهى(٣). (إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ) قال النوويّ كَُّ: المجاهرون: هم الذين جاهروا بمعاصيهم، وأظهروها، وكشفوا ما سَتَر الله تعالى عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة، ولا حاجة، يقال: جهر بأمره، وأجهر، وجاهر. انتهى(٤). وقال القرطبيّ تَخْتُ: كذا رواية أكثر الرواة بتقديم الجيم على الهاء، منصوباً على الاستثناء، وهو جمع مجاهر، اسم فاعل من جاهره بالقول، وبالعداوة: إذا ناداه، وناجاه بذلك. ووقع في نسخة شيخنا أبي الصبر: ((إلا المجاهرون)) بالواو رفعاً، وهو جائز، على أن تُحمل ((إلا)) على ((غير))، كما قد أنشده النحويون: وَكُلُّ أَخ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ أي: غير الفرقدين، وهو قليل، والوجه الأول هو الكثير الفصيح. انتهى (٥). (١) ((عمدة القاري)) ١٣٨/٢٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١١٩/١٠. (٣) ((الفتح)) ١٣/ ٦٣٤. (٥) ((المفهم)) ٦/ ٦١٧. (٤) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١٨. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وقال في ((الفتح)): قوله: ((إلا المجاهرين)) كذا للأكثر، وكذا في رواية مسلم، ومستخرَجَي الإسماعيليّ، وأبي نعيم، بالنصب، وفي رواية النسفيّ: (إلا المجاهرون)) بالرفع، وعليها شَرَح ابن بطال، وابن التين، وقال: كذا وقع، وصوابه عند البصريين بالنصب، وأجاز الكوفيون الرفع في الاستثناء المنقطع، كذا قال. وقال ابن مالك: ((إلا)) على هذا بمعنى ((لكن))، وعليها خرّجوا قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ [هود: ٨١]؛ أي: لكن امرأتك، ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]، وكذلك هنا المعنى: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، فـ((المجاهرون)) مبتدأ، والخبر محذوف. وقال الكرمانيّ: حقّ الكلام النصب، إلا أن يقال: العفو بمعنى الترك، وهو نوع من النفي، ومحصل الكلام: كل واحد من الأمة يُعْفَى عن ذنبه، ولا يؤاخذ به، إلا الفاسق المعلن. انتهى، واختصره من كلام الطيبيّ، فإنه قال: كُتب في نسخة ((المصابيح)): ((المجاهرون)) بالرفع، وحقه النصب، وأجاب بعض شراح ((المصابيح)) بأنه مستثنى من قوله: ((معافى))، وهو في معنى النفي؛ أي: كل أمتي لا ذنب عليهم، إلا المجاهرون، قال الطيبيّ: والأظهر أن يقال: المعنى: كل أمتي يُتركون في الغِيبة إلا المجاهرون، والعفو بمعنى الترك، وفيه معنى النفي، كقوله: ﴿وَيَأَبَىَ اَللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، والمجاهر الذي أظهر معصيته، وكشف ما سَتَر الله عليه، فيتحدث بها، يقال: جهر، وأجهر، وجاهر. وقد ذكر النوويّ أن من جاهر بفسقه، أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم یجاهر به. انتهى(١) . والمجاهر في هذا الحديث يَحْتَمِل أن يكون من جاهر بكذا بمعنى جهر به، والنكتة في التعبير بفاعل إرادة المبالغة، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهر المفاعلة، والمراد: الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي، وبقية الحديث تؤكد الاحتمال الأول. انتهى (٢). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١١٩/١٠. (٢) ((الفتح)) ١٣/ ٦٣٤.