Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٧٤٣٢) شرح الحديث: (عن أبي هَانِيٍ) حميد بن هانئ أنه (سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: عبد الله بن يزيد (الْحُبُلِيَّ) بضمَّ الحاء المهملة، والباء الموحّدة: نسبة إلى حيّ من اليمن من الأنصار، يقال لهم: بنو الْحُبلى، قاله في ((اللباب))(١) . (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿ُّ، قال الطيبيّ تَخْتُهُ: لا بُدّ من محذوف؛ أي: سمعته يقول قولاً، يفسره ما بعده، قال القاري: ويمكن أن يقدَّر مضاف، ويقال: سمعت قول عبد الله بن عمرو. انتهى (٢). (وَ) الحال أنه قد (سَأَلَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف، (فَقَالَ) ذلك السائل: (أَلَسْنَا)؛ أي: نحن وأمثالنا (مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟)؛ أي: من خواصهم الذين يسبقون أغنياءهم. قال القرطبيّ كَخَّهُ: قول الرجل لعبد الله بن عمرو: ((ألسنا من الفقراء؟)) سؤال تقرير، وكأنه سأل شيئاً من الفيء الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ [الحشر: ٨]، وكأنّ ذلك الرجل قال: ألسنا من الفقراء الذين يستحقّون من الفيء سهماً بنصّ القرآن؟ وكأنه أنجز له مع ذلك الالتفات إلى الفقراء المهاجرين، وتبجح به، فأجابه عبد الله بما يكسر ذلك منه، ويزيل آفة الالتفات إلى الأعمال بما يقتضي أن الأحق باسم الفقراء المهاجرين من كان متجرّداً عن الأهل والمسكن، كما كان حال أهل الصفّة في أول الأمر، وصار معنى هذا الحديث إلى نحو قوله وَه: (ليس الشديد بالصُّرَعة))(٣)، و((ليس المسكين بالطوّاف))(٤)، فكأنّ عبد الله قال له: ليس الفقير الذي تكون له زوجة، ومسكن، وإنما الفقير المتجرّد عن ذلك، ولم يُرد أن من كان فقيراً مهاجريّاً، له زوجة ومسكن أنه لا يستحق من الفيء شيئاً؛ لأنَّ صاحب العيال الفقير أشدّ فاقة وبلاءً، ولأنه خلاف ما وقع لهم، فإنَّ النبيّ ◌َّر كان يعطيهم بحسب فاقتهم، وحاجتهم، ويفضّل في العطاء من له عيالٌ على من ليس كذلك، وكذلك فعل الخليفتان (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣٧/١. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٦٥/١٥. (٣) متّفقٌ عليه. (٤) متّفقٌ عليه. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق بعده، على ما هو المعلوم من حالهما، وإن حُمل قول عبد الله على ظاهره لزم عليه أن من كان له زوجة ومسكن لا غير ذلك، لم يُعَدّ من الفقراء المهاجرين الذين وصفهم الله تعالى، والذين يسبقون إلى الجنة، فيلزم أن لا يكون أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ من الفقراء من السابقين إلى الجنة، وذلك باطل قطعاً. انتهى(١) . (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ) بن عمرو: (أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟)؛ أي: تضمها، وتسكن إليها، وتُقْبل عليها، (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ) لي زوجة آوي إليها، (قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ) بفتح الميم، والكاف، وتُكسر؛ أي: منزل (تَسْكُنُهُ؟) وتأوي إليه، (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ) لي مسكن أسكنه، (قَالَ) عبد الله: (فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ)؛ أي: أغنياء المهاجرين، فإن فقراءهم ما كان لهم امرأة، ولا مسكن، أو إن كان لأحدهم أحدهما، ما كان له الآخر منهما. (قَالَ) الرجل: (فَإِنَّ لِي) زيادة على ما ذكرت (خَادِماً،) يُطلق على الذكر والأنثى، والخادمة بالهاء للمؤنّث قليل الاستعمال، والجمع خَدَمٌ بفتحتين، وخُدّام بالضم، والتشديد. (قَالَ) عبد الله : (فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ)؛ أي: ولا يصحّ أن يقال لك: الصعلوك، فلست من صعاليك المهاجرين، ولعله اقتبس هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] على ما رواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس . في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ قُلُوًا﴾ قال: الزوجة، والخادم، وزاد ابن جرير عنه: وكان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة، والخادم، والدار، يسمى مَلِكاً (٢). وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((أنت من الملوك)) لمّا أخبره أن له خادماً على جهة الإغياء، والمبالغة، لا أنه ألحقه بالملوك حقيقة، ولا بالأغنياء، ولا سلبه ذلك اسم الفقراء؛ إذ لم يكن له غير ما ذكر، والله تعالى أعلم(٣). وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ)؛ أي: الحبليّ، فهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقاً. (وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿يَسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]، والجملة عطف على قوله: ((وسأله رجل))؛ أي: والحال أنه أتى (١) ((المفهم)) ٧/ ١٣٢. (٣) ((المفهم)) ١٣٣/٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٦٥/١٥. ١٦٣ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٧٤٣٢) (وَأَنَا)؛ أي: والحال ثلاثة نفر فقراء (إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) أني (عِنْدَهُ)؛ أي: عند عبد الله بن عمرو. وقال القرطبيّ كَثْتُهُ: قوله: ((جاء ثلاثة نفر إلخ)) هذه قضية أخرى غير القضية المتقدمة، وإن اتّفق راوياهما، فإنَّهما من رواية أبي عبد الرحمن الحبليّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ظ﴿ًا؛ لأنَّ هؤلاء ثلاثة، وذلك واحدٌ، ولأن مقصوده من هذا الحديث غير مقصوده من الأول، وذلك أن هؤلاء الثلاثة شكوا إليه شدّة فاقتهم، وأنهم لا شيء لهم، فخيّرهم بين الصبر على ما هم فيه حتى يلقوا الله، فيحصلون على ما وعدهم الله به على لسان نبيّه وَله من السبق إلى الجنة قبل الناس كلهم، وبين أن يرفع أمرهم إلى السلطان، فيدفع إليهم ما يغنيهم، وبين أن يواسيهم من ماله، فاختار القوم البقاء على الحالة الأولى، والصبر على مضض الفقر، وشدّته. ويفهم من هذا الحديث أن مذهب عبد الله، وهؤلاء الثلاثة أن الفقر المدقع، والتجرّد عن المكتسبات كلها أفضل، وقد بيّنا آنفاً أن المسألة مسألة خلاف، وأن الكفاف أفضل على ما ذكرناه آنفا. انتهى(١). (فَقَالُوا: يَا أَبًا مُحَمَّدٍ) كنية عبد الله بن عمرو، (إِنَّا وَاللهِ مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ) بيان لـ(شيء))، (وَلَا دَابَّةٍ)؛ أي: لنجاهد عليها، أو نحج بها، (وَلَا مَتَاعٍ)؛ أي: زائد يباع، ويُصرف ثمنه في النفقة، والدابة، (فَقَالَ) عبد الله (لَهُمْ: مَّا شِئْتُمْ) ((ما)) استفهامية؛ أي: أيَّ شيء شئتم؟ ويمكن أن تكون موصولة، مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: ما أردتم من الأمور المعروضة عليكم فعلناه. (إِنْ شِئْتُمْ)؛ أي: أن نعطيكم شيئاً من عندنا (رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا) فإنه لا يحضرنا الآن شيء (فَأَعْطَيْنَاكُمْ)؛ أي: بعد هذا (مَا يَسَّرَ اللهُ لَكُمْ)؛ أي: ما سهّله على أيدينا، (وَإِنْ شِئْتُمْ)؛ أي: أن نرفع أمركم إلى الخليفة، أو من يقوم مقامه (ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ)؛ أي: للمتسلّط على خزانة بيت المال، فيعطيكم ما يوسع عليكم، ويقضي حاجتكم، (وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ)؛ أي: على هذه الحال، فإنه مقام عظيم، وشرف جسيم، ثم بيّن لهم أن هذه الحالة الثالثة، (١) ((المفهم)) ٧/ ١٣٣. ١٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وهي الصبر أولى بهم؛ واستدلّ على ذلك بقوله: (فَإِنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: " إنما اخترت لكم الصبر؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ)؛ أي: أغنياءهم فضلاً عن غيرهم، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً)))؛ أي: سنة. (قَالُوا) هؤلاء الناس لمّا سمعوا هذا الفضل العظيم: (فَإِنَّا نَصْبِرُ) على ما نحن عليه من الضيق، حال كوننا (لَا نَسْأَلُ)؛ أي: لا نطلب (شَيْئاً) من أحد بعد سماع هذا الحديث، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المصنّف نَّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٣٢/٢] (٢٩٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ١٦٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٥٣/٢)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣٣٦/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الفقر، وقد اختلف العلماء في تفضيل الفقر على الغنى، وعكسه، وقد حقّقته في غير هذا المحلّ. ٢ - (ومنها): بيان أن من له زوجة، ومسكن يسكنه ليس من الفقراء، لكن هذا إذا كان له كفاية، وإلا فهو فقير، وكذلك كون من له خادم من الملوك إذا كانت له كفايته، وإلا فلا . ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُ: قوله وَلّ: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)) هذا الحديث اختلفت ألفاظ الرواة فيه عن النبيّ وَّر، فروى عبد الله بن عمرو بالحديث المتقدم، قال: قال رسول الله مع اليه : وروى الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ ((فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام)). قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ويروى أيضاً عن أبي هريرة رَظُعنه قال: قال رسول الله وَّه: ((يدخل ١٦٥ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َال ـــ حديث رقم (٧٤٣٢) الفقراء الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام، نصف يوم))، قال: هذا حديث حسن صحیح. وفي طريق أخرى: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمئة عام))، وقال: حديث حسن صحيح. وروي أيضاً عن جابر بن عبد الله رضيؤها أن رسول الله وَ ي قال: ((يدخل فقراء المسلمين الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً)). تقدم في ((المقدمة)). قال: هذا حديث حسن صحيح. فاختلفت هذه الأحاديث في أيّ الفقراء هم السابقون؟، وفي مقدار المدّة التي بها يسبقون، فهذان موضعان، ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يردّ مطلق حديث أبي هريرة نظره إلى مقيّد روايته الأخرى، ورواية جابر رضُّه، فيعني بالفقراء فقراء المسلمين، وحينئذ يكون حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد مخصوصاً بفقراء المهاجرين، وحديث أبي هريرة، وجابر يعمّ جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، وهذه طريقة حسنة، ونزيدها وضوحاً بما قد صحّ عنه وَل أنه قال: ((أصحاب الجنة محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم))، وهذا واضح. وأما الموضع الثاني فقد تقدَّم أن الخريف هو العام هنا، وأصل الخريف فصل من فصول السنة، وهو الفصل الذي تُخترف فيه الثمار؛ أي: تُجتَنَى، فسمّي العام بذلك. ويمكن الجمع بين الأربعين، وبين حديث الخمسمئة عام، بأن سُبّاق الفقراء يدخلون قبل سبّاق الأغنياء بأربعين عاماً، وغير سُبّاق الأغنياء بخمسمئة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سبّاق، والله أعلم. قال: وهذه الأحاديث حجَّة واضحة على تفضيل الفقر على الغنى، ويتقرّر ذلك من وجهين : أحدهما: أن النبيّ وَلّ قال هذا لجبر كسر قلوب الفقراء، ويهوّن عليهم ما يجدونه من مرارة الفقر، وشدائده بمزيّة تحصل لهم في الدار الآخرة على الأغنياء، عوضاً لهم عما حُرموه من الدنيا، وصبرهم، ورضاهم بذلك. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وثانيهما: أن السبق إلى الجنة، ونعيمها أولى من التأخر عنها بالضرورة، فهو أفضل. وثالثها: أن السبق إلى الفوز من أهوال يوم القيامة، والصراط أولى من المقام في تلك الأهوال بالضرورة، فالسابق إلى ذلك أفضل بالضرورة، وحينئذ لا يُلتفت لقول من قال: إن السبق إلى الجنة لا يدلّ على أفضلية السابق، وزَخْرف ذلك بأن النبيّ وَّ أفضل الخليقة، ومع ذلك فدخوله الجنة متأخر عن دخول هؤلاء الفقراء؛ لأنَّهم يدخلون قبله، وهو في أرض القيامة، تارة عند الميزان، وتارة عند الصراط، وتارة عند الحوض، كما قد أخبر عن ذلك فيما صحّ عنه. قال القرطبيّ: وهذا قولٌ باطل، صدر عمن هو بما ذكرناه، وبالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع ما تقدَّم في ((كتاب الإيمان)) من قوله بَّهُ: ((أنا أوَّل من يقرع باب الجنة، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيقول الخازن: بك أُمرتُ لا أفتح لأحد قبلك))، وفي حديث أنه وَّ قال: ((أنا أول من يدخل الجنة، ومعي فقراء المهاجرين))، وعلى هذا فيدخل الجنة، ويتسلّم ما أُعدّ له فيها، ويبوّء الفقراء منازلهم، ثم يرجع إلى أرض القيامة؛ ليخلّص أمته بمقتضى ما جعل الله في قلبه من الحنوّ على أمته، والشفقة عليهم، والرأفة بهم، فيلازمهم في أوقات شدائدهم، ويسعى في نجاتهم، فيحضرهم عند وزن أعمالهم، ويسقيهم عند ظمئهم، ويدعو لهم بالسلامة عند جوازهم، ويشفع لمن دخل النار منهم، وهو مع ذلك كله في أعلى نعيم الجنة الذي هو غاية القرب من الحقّ، والجاه الذي لم ينله أحد غيره من الخلق، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه الحكيم بألطف خطاب، وأكرم تكليم، كيف لا؟ وهو يسمع: ((يا محمداً قل يسمع لك، وسل تُعط، واشفع تشفع، فيقول: أمتي، أمتي، أمتي، فيقال: انطلق فأدْخِل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن))، وهذه خطوة لا تتسع لها العبارات، ولا تُحيط بها الإشارات، حشرنا الله تعالى في زمرته، ولا خيّنا من شفاعته. قال القاضي أبو الفضل تَخْشُهُ: ويَحْتَمِل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة يتنعّمون في أفنيتها، وظلالها، ويتلذذون بما هم فيه إلى أن يدخل محمد رَله بعد ١٦٧ (٣) - بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ - حديث رقم (٧٤٣٣) تمام شفاعته، ثم يدخلونها معه على قَدْر منازلهم، وسبقهم، والله تعالى أعلم. وتعقّبه القرطبيّ تَظُّهُ قائلاً: وهذا لا يُحتاج إلى تقديره؛ لأنَّ الذي هو فيه من النعيم بما ذكرناه أعلى وأشرف مما هم فيه، فلا يكون سَبْقهم لأدون النعيمين أشرف ممن سبق إلى أعظمهما، وهذا واضح. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِالَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣) - (بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٣٣] (٢٩٨٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفٍَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ لأَصْحَابِ الْحِجْرِ: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) أبو زكرياء المقابريّ البغداديّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) القفيّ البغلانيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، من صغار [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، نزيل بغداد [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم المدنيّ [٤] تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ظًَّا، تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َاتُهُ، وهو (٤٤٤) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالتحديث، والسماع، وبالمدنيين غير شيوخه الثلاثة، كما أسلفته آنفاً، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ العدويّ مولاهم المدنيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِّهَا (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ لأَصْحَابِ الْحِجْرِ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم -: بلد بين الشام والحجاز، وعن قتادة فيما ذكره الطبريّ: الحِجر: اسم الوادي الذي كانوا به، وعن الزهريّ: هو اسم مدينتهم، وكان نَهِيُّ النبيّ وََّ إياهم بقوله: ((لا تدخلوا)) حين مُرُّوا مع النبي ◌َّل بالحجر في حال توجههم إلى تبوك. وفي الرواية التالية: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم))، وقال المهلَّب: إنما قال: ((لا تدخلوا)) من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] في مقام التوبيخ على السكنى فيها، وقد تشاءم بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها، ثم صلى، فكراهية الصلاة في موضع الخسف أولى، ثم استثنى من ذلك قوله: ((إلا أن تكونوا باكين))، فأباح الدخول فيه على وجه البكاء، والاعتبار، وهذا يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء، واعتبار. انتهى(١). (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْمُعَذَّبِينَ) بفتح الذال المعجمة؛ يعني: ديار هؤلاء، وهم أصحاب الحجر، قوم ثمود، وهؤلاء قوم صالح؛ وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم، ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم. (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائماً عند (١) ((عمدة القاري)) ١٩١/٤. ١٦٩ (٣) - بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ - حديث رقم (٧٤٣٣) كل جزء من الدخول، وأما الاستقرار فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولوية، وسيأتي أنه وَ ﴿ لم ينزل فيه البتة. (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ))) قال في ((الفتح)): بالرفع على أن ((لا)) نافية، والمعنى لئلا يصيبكم، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وهو أوجه، وهو نهيٌّ بمعنى الخبر، وفي الرواية التالية: ((حذراً أن يصيبكم مثل ما أصابهم))، وفيه للبخاريّ بلفظ: ((أن يصيبكم))؛ أي: خشية أن يصيبكم، ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أَمَرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدةً طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم، وشدة عذابه، وهو ◌َّلَ مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، والتفكر أيضاً في مقابلة أولئك نعمةَ الله بالكفر، وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به، والطاعة له، فمَن مَرّ عليهم، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودلّ على قساوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم. وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟؛ لأنه بهذا التقرير لا يأمَن أن يصير ظالِماً، فيعذَّب بظلمه. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿ها هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٣٣/٣ و٧٤٣٤] (٢٩٨٠)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٣٣) و((المغازي)) (٣٣٨٠ و٣٣٨١ و٤٤١٩ و٤٤٢٠) و((التفسير)) (٤٧٠٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٣/٦ و٣٧٤)، و(ابن المبارك) في (الزهد)) (٥٤٣/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤١٥/١)، و(أحمد) في (مسنده)) (٩/٢ و٥٨ و٧٢ و٧٤ و٩٢ و١١٣ و١٣٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢/ ٢٩٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٥/٩)، و(الرويانيّ) في («مسنده)) (٢/ ٤٠٧)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٥٥/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (٦١٩٩ و٦٢٠٠ و٦٢٠١ و٦٢٠٢ و٦٢٠٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٥١/٢) و((الدلائل)) (٢٣٣/٥)، و(البغوي) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذبين، والإسراع عند المرور بها، وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٥]. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن ديار هؤلاء لا تُسكن بعدهم، ولا تُتخذ وطناً؛ لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكياً أبداً، وقد نُهي أن يدخل دُروهم إلا بهذه الصفة. ٣ - (ومنها): أن فيه الإسراعَ عند المرور بديار المعذبين، كما فعل رسول الله 18 في وادي محسر؛ لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك. ٤ - (ومنها): أن فيه الأمرَ بالبكاء؛ لأنه ينشأ عن التفكر في مثل ذلك، وقال ابن الجوزيّ كَّتُهُ: التفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: تفكر يتعلق بالله تعالى؛ إذ قضى على أولئك بالكفر. الثاني: يتعلق بأولئك القوم، إذ بارزوا ربهم الكفر والفساد. الثالث: يتعلق بالمارّ عليهم؛ لأنه وُفِّق للإيمان، وتمكن من الاستدراك، والمسامحة في الزلل. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالة على كراهة الصلاة في موضع الخسف، والعذاب، وقد أشار إلى ذلك البخاريّ كَُّ في ((صحيحه))، حيث عقد باباً، فقال: ((باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب))، ثم أورد أثر عليّ نظُته، فقال: ((ويُذكر عن عليّ ◌َظُه كره الصلاة بخسف بابل))، ثم أورد حديث الباب، والظاهر أنه يرى كراهة الصلاة في ذلك، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - وَهُوَ يَذْكُرُ الْحِجْرَ مَسَاكِنَ ثَمُودَ - قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ١٧١ (٣) - بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ - حديث رقم (٧٤٣٤) إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَ﴿ عَلَى الْحِجْرِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ إِ: (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، حَذَراً أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ))، ثُمَّ زَجَرَ، فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ [٤]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨. ٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدنيّ الفقيه [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ١٦٢/١٤. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﴿ّ، تقدم قريباً. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (وَهُوَ)؛ أي: والحال أن ابن شهاب (يَذْكُرُ الْحِجْرَ)؛ أي: يتكلّمَ في شأن الحجر، وقوله: (مَسَاكِنَ ثَمُودَ) بدل، أو عطف بيان لـ((الحجر))، قال ابن شهاب: (قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ)؛ يعني: أباه، (قَالَ: مَرَرْنَا) معاشر الصحابة (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ عَلَى الْحِجْرِ)؛ أي: على ديار ثمود، وذلك في غزوة تبوك، كما بيّن في رواية أخرى. (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر، فعُذّبوا، (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، حَذَراً)؛ أي: تجنّباً وخشية (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ)))؛ أي: خوفاً من أن تعاقبوا كما عوقبوا؛ لأن أكثر المخاطبين والموجودين في ذلك الوقت كانوا ظالمين لأنفسهم، إما بالكفر، وإما بالمعاصي، وإذا كان سبب العقوبة موجوداً تعيّن الخوف من وجود العقوبة، فحق المارّ بموضع المعاقَبين أن يحدد النظر والاعتبار، ويكثر من الاستغفار، ويخاف من نقمة العزيز القهار، وألّا يطيل اللبث في تلك الدار، قاله القرطبيّ(١). (١) ((المفهم)) ٣٥٤/٧. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لأن أكثر المخاطبين كانوا ظالمين لأنفسهم)) محلّ نظر؛ لأن المخاطبين هم الصحابة ظه، لا مشركو مكة، فتأمل، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ زَجَرَ) النبيّ ◌ََّ راحلته (فَأَسْرَعَ) في السير، فخرج منها (حَتَّى خَلَّفَهَا) بتشديد اللام، من التخليف؛ أي: جعل ◌َلو تلك المساكن وراءه. وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((ثم زجر، فأسرع))؛ أي: زجر ناقته، فأسرع بها في المشي، ويستفاد منه كراهة دخول أمثال تلك المواضع والمقابر، فإن كان ولا بدّ من دخولها فعلى الصفة التي أرشد إليها النبيّ ◌َّ من الاعتبار، والخوف، والإسراع، وقد قال ◌َله: ((لا تدخلوا أرض بابل، فإنَّها ملعونة))(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٣٥] (٢٩٨١) - (حَدَّثَنِي الْحَكّمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ عَلَى الْحِجْرِ أَرْضٍٍ ثَمُودَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ لَيهِ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِتْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح) البغداديّ القنطريّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. ٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، من كبار [٩]، تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤١٨/٣٤. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ الفقيه [٥]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. (١) حديث ضعيف، رواه أبو داود من حديث عليّ رَظُه قال: ((إن حبي ◌َّ نهاني أن أصلّ في أرض بابل، فإنها ملعونة)). ١٧٣ (٣) - بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ - حديث رقم (٧٤٣٥) ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿ها، تقدم قريباً. شرح الحدیث: (عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) رَِّا (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَلَّى الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، فسّره بقوله: (أَرْضٍٍ ثَمُودَ) بالجرّ بدل، أو عطف بيان، (فَاسْتَقَوْا)؛ أي: أخذوا الماء (مِنْ آبَارِهَا)؛ أي: آبار أرض ثمود، (وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ) يقال: عجن يعجن من بابي ضرب، ونصر: إذا اعتمد عليه بجُمع كفه يَغمزه، قاله المجد (١). (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يُهَرِيقُوا) بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتسكّن، قال الفيّومِيّ ◌َظُّهُ: رَاقَ الماءُ، والدمُ، وغيره رَيْقاً، من باب باع: انصبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَرَاقَهُ صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل هَرْيَقَهُ وزانُ دحرجه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تفتح الدال من يُدَحرجه، وتُفتح من الفاعل، والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَافٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ والأمر: هَرِقْ ماءك، والأصل هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِج، وقد يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ، ساكن الهاء؛ تشبيهاً له بأسطاع يُسطيع، كأن الهمزة زيدت عوضاً عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيّاً. انتهى(٢). (مَا اسْتَقَوْا)؛ أي: أخذوه من تلك الآبار من الماء، (وَيَعْلِفُوا) من باب ضرب، (الإِبِلَ الْعَجِينَ)؛ أي: يُطعموا ما عجنوه بمائها الإبل، (وَأَمَرَهُمْ)؛ أي: أمر النبيّ وَّه الصحابة (أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِثْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ)؛ أي: ناقة صالح تِلَّلا. وأمْره وَّه بإراقة ما استقوا من بئر ثمود، وعلف العجين الذي عجن به للدواب حُكْم على ذلك الماء بالنجاسة؛ إذ ذاك هو حكم ما خالطته نجاسة، (١) ((القاموس المحيط)) ص٨٤٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٤٨/١. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق أو كان نجساً، ولولا نجاسته لَمَا أتلف الطعام المحترم شرعاً، من حيث إنه مال، وإنه غذاء الأبدان، وقوامها، وأمْره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين(١)، وإن تقادمت أعصارهم، وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلاً على بغض أهل الفساد، وذم ديارهم، وآثارهم، هذا، وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض، كما قال كُثَيِّر [من الوافر]: أحِبُّ لِحُبِّهَا سُودَ الْكِلَابِ أُحِبُّ بِحُبِّهَا السُّودَانَ حَتَّى وقال آخر [من الطويل]: أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارٍ لَيْلَى وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا وَمَا تِلْكَ الدِّيَارُ شَغَفْنَ قَلْبِي وفي أمره وَلّر بعلف الإبل العجين دليل على جواز حمل الرجل النجاسة إلى كلابه؛ ليأكلوها، خلافاً لمن منع ذلك من أصحابنا - يعني: المالكيّة - وقال: تُطلق الكلاب عليها، ولا يحملها لهم. انتهى(٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٣٥/٣ و٧٤٣٦] (٢٩٨١)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٧٨ و٣٣٧٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٠٢ و٦٢٠٣)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل)) (٢٣٣/٥ - ٢٣٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر قصّة ناقة صالح التّا: ذكر الإمام ابن كثير تَُّ في ((تفسيره): أن قوم صالح علَّا سألوا صالحاً أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صمّاء عَيّنوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحِجْر، يقال لها: الكاتبة، فطلبوا منه أن يُخرج (١) هذا ليس على إطلاقه، فتنبّه. (٢) ((المفهم)) ٣٥٥/٧ - ٣٥٦. ١٧٥ (٣) - بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ - حديث رقم (٧٤٣٥) لهم منها ناقة عُشَراء تَمْخَضُ، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طَلِبتهم ليؤمنن به وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح علِّ إلى صلاته ودعا الله رحمك، فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جَوْفاء وَبْرَاء يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو: ((جُندَع بن عمرو)) ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدّهم ((ذُؤاب بن عمرو بن لبيد)) و((الحباب)) صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلهس، وكان لـ((جندع بن عمرو)) ابن عم يقال له: ((شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس))، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يُسلم أيضاً فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود، يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل، رَّتُهُ: إلى دين النبيّ دَعَوا شِهَابا وكانت عُصْبةٌ من آل عَمْرو فَهَمّ بأن يُجِيبَ فلو أجابا عَزِيزَ ثَمُودَ كُلَّهمُ جميعاً وما عَدَلوا بصاحبهم ذُؤابا لأصبحَ صالحٌ فينا عَزيزاً تَوَلَّوْا بعد رُشْدهم ذئابا ولكنّ الغُوَاة من آل حِجْرٍ فأقامت الناقة وفصيلها بعدما وضعته بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يوماً، وتَدَعه لهم يوماً، وكانوا يشربون لبنها يوم شُربها، يحتلبونها فيملؤون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَنَبِنْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ ﴾ [القمر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ ٢٨ بََّهُّ كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرٌ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية، تَرِدُ من فَجّ، وتصدر من غيره؛ ليسعها؛ لأنها كانت تتضلَّع عن الماء، وكانت - على ما ذكر - خَلْقاً هائلاً ومنظراً رائعاً، إذا مرَّت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم، واشتد تكذيبهم لصالح النبي ظلَّلا، عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها . قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم، أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان [أيضاً]. قال ابن كثير: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ فَسَوَّنَهَا (®﴾ [الشمس: ١٤]، وقال: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقال: ﴿فَعَقَّرُواْ النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧] فأسند ذلك على مجموع القبيلة، فدل على رضا جميعهم بذلك، والله أعلم. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): وذكر ابن إسحاق في ((المبتدأ)) وغير واحد أن سبب عَقْرهم الناقة أنهم كانوا اقترحوها على صالح عليّا، فأجابهم إلى ذلك بعد أن تعنّتوا في وَصْفها، فأخرج الله له ناقة من صخرة بالصفة المطلوبة، فآمن بعض، وكفر بعض، واتفقوا على أن يتركوا الناقة ترعى حيث شاءت، وتَرِد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت تشرب ماء البئر كله، وكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم للغد، ثم ضاق بهم الأمر في ذلك، فانتدب تسعة رهط منهم قُدار المذكور، فباشر عقرها، فلما بلغ ذلك صالحاً؛ أعلمهم بأن العذاب سيقع بهم بعد ثلاثة أيام، فوقع كذلك، كما أخبر الله وَالَ في كتابه. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم من حديث جابر، رفعه: ((إن الناقة كانت ترد يومها، فتشرب جميع الماء، ويحتلبون منها مثل الذي كانت تشرب))، وفي سنده إسماعيل بن عياش، وفي روايته عن غير الشاميين ضعف، وهذا منها. انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٣٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاسْتَقَوْا مِنْ بِثَارِهَا، وَاعْتَجَنُوا بِهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ) أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣. ٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو ضمرة المدنيّ [٨]، تقدم في (الإيمان)) ٤٣٣/٨١. و((عبيد الله)) هو: ابن عمر العمريّ ذُكر قبله. (١) ((تفسير ابن كثير)) ٤٤٠/٣ - ٤٤١. (٢) ((الفتح)) ٧/ ٦٣٠، ((كتاب الأنبياء)) رقم (٣٣٧٩). ١٧٧ (٤) - بَابُ الإِحْسَانِ إِلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ، وَالْيَتِيمِ - حديث رقم (٧٤٣٧) وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لأنس بن عياض؛ يعني: أنه قال: ((فَاسْتَقَوْا مِنْ بِثَارِهَا، وَاعْتَجَنُوا بِهِ)) بدل قول شعيب بن إسحاق: ((فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين)). [تنبيه]: رواية أنس بن عياض عن عبيد الله العمريّ هذه ساقها البخاريّ تَخْتُ في ((صحيحه))، فقال: (٣١٩٩) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن نافع، أن عبد الله بن عمر ضًا أخبره أن الناس نزلوا مع رسول الله ﴾ أرض ثمود، الحجر، فاستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله وَ﴿ أن يُهْرِيقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة. انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ . (٤) - (بَابُ الإِحْسَانِ إِلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ، وَالْيَتِيم) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٣٧] (٢٩٨٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ -: وَكَالْقَائِم لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ ◌َعْنَبِ) القعنبي المدنيّ، ثمَ البصريّ، من صغار [٩]، تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة [٧]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٣٧٨. ٣ - (ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ) الديليّ المدنيّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٩/٤٠. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٣/ ١٢٣٧. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ٤ - (أَبُو الْغَيْثِ) سالم مولى عبد الله بن مُطيع [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ٤٠ / ٢٦٩. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه أبو هريرة رضيله رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ وََّ)؛ أنه (قَالَ: ((السَّاعِي) المراد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) بالساعي: الكاسب لهما العامل لمؤنتهما، قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): معنى الساعي: الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة، والمسكين. (عَلَى الأَرْمَلَةِ) هي: من لا زوج لها، سواء كانت تزوجت أم لا، وقيل: هي التي فارقت زوجها، قال ابن قتيبة: سُمِّيت أرملة؛ لِمَا يحصل لها من الإرمال، وهو الفقر، وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال: أرمل الرجل اذا فنى زاده، قال القاري: وهذا مأخذ لطيف في إخراج الغنيّة من عموم الأرملة، وإن كان ظاهر إطلاق الحديث يعمّ الغنية والفقيرة. وقال الطيبيّ: وإنما كان معنى الساعي على الأرملة ما قاله النوويّ؛ لأنه وَ لّ عدّاه بـ((على)) مضمّناً فيه معنى الإنفاق(١). وقال المازريّ: قال ابن السكّيت: الأرمل المسكين من رجل وامرأة، وقال ابن الأنباريّ: في الغالب أنه من النساء، لا الرجال، ويقال لمن ماتت زوجته: أيِّمٌ، ولا يقال له: أرمل؛ لأنه من أرْمَل الرجل: إذا فني زاده، والمرأة هي التي يذهب زادها لفقدها ما كان الرجل ينفقه عليها، فليس سبيل الرجل أن يذهب زاده، ويفتقر بموتها، وقول جرير [من البسيط]: هَذِي الأَرَامِلُ قَدْ قَضَيْتَ حَاجَتَهَا فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ أراد: الفقير الذي نفد زاده، ثم بيّن المعنى بقوله: الذكر، وكونه (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٨٩/٦. ١٧٩ (٤) - بَابُ الإِحْسَانِ إِلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ، وَالْيَتِيمِ - حديث رقم (٧٤٣٧) كالمجاهد، والصائم القائم؛ لأنه يتصرّف بذلك في طاعة ربه، وامتثال أمره، قاله الأبيّ(١). (وَالْمِسْكِينٍ) هو من لا شيء له، وقيل: من له بعض الشيء، وقد يقع على الضعيف، وفي معناه الفقير، بل بالأَولى عند بعضهم. (کَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله تعالى؛ أي: ثواب القائم بأمرهما، وإصلاح شأنهما، والإنفاق عليهما، كثواب الغازي في جهاده، فإن المال شقيق الروح، وفي بذله مخالفة النفس، ومطالبة رضا الرب. (وَأَحْسِبُهُ) بكسر السين، وفتحها؛ أي: أظنه، وقائله عبد الله بن مسلمة القعنبيّ شيخ البخاريّ ومسلم الراوي عن مالك، كما صرح به في رواية البخاريّ، ومعناه: أظنّ أن مالكا قال: كالقائم، وأما قول القاري: وظاهر (المشكاة)) أن قائله أبو هريرة، فالتقدير: أحسب النبيّ وَّ﴾، ففيه نظر لا يخفى، فالمعتمَد ما في ((صحيح البخاريّ))، لا ما ظنه القاري، فتنبّه. (قَالَ) مالك: (وَكَالْقَائِم لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ))) قال الأشرف: الألف واللام في ((القائم))، و(كالصائم)) غير معرّفينَ، ولذلك وُصف كلّ واحد بجملة فعليّة بعده، كقول الشاعر [من الوافر]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وقوله: ((كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يُفطر)) هما عبارتان عن الصوم بالنهار، والقيام بالليل، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم، يريدون الديمومة. (٢) انتھی(٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٣٧/٤] (٢٩٨٢)، و(البخاريّ) في (١) ((شرح الأبيّ)) ٢٩٥/٧. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٦٥/١٠ - ٣١٧٦. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (النفقات)) (٥٣٥٣) و((الأدب)) (٦٠٠٦ و٦٠٠٧)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٦٩)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٨٦/٥) وفي ((الكبرى)) (٤٦/٢)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢١٤٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٩٩/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦١/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣٦٥/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٢٤٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٠٠/١ و٥٠/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٣/٦) و((شعب الإيمان)) (٤٧٠/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل السعي في تحصيل النفع للأرامل والمساكين. ٢ - (ومنها): بيان أن بعض الأعمال يساوي الجهاد في سبيل الله تعالى، وقيام الليل كله، وصيام النهار كلّه، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو اَلْفَضَّلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. ٣ - (ومنها): بيان أن معرفة مقدار ثواب الأعمال مفوّض إلى الله تعال، فربّ عمل سهل يساوي فضل عمل شاقّ، وبالعكس، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ◌َّتُهُ: من عَجَز عن الجهاد في سبيل الله، وعن قيام الليل، وصيام النهار، فليعمل بهذا الحديث، ولْيَسْعَ على الأرامل والمساكين؛ لِيُحشر يوم القيامة في جملة المجاهدين في سبيل الله، دون أن يخطو في ذلك خطوة، أو ينفق درهماً، أو يَلقى عدواً، يرتاع بلقائه، أو ليحشر في زمرة الصائمين، والقائمين، وينال درجتهم، وهو طاعم نهاره، نائم ليله أيام حياته، فينبغي لكل مؤمن أن يَحْرِص على هذه التجارة التي لا تبور، ويسعى على أرملة، أو مسكين لوجه الله تعالى، فيربح في تجارته درجات المجاهدين، والصائمين، والقائمين، من غير تعب، ولا نصب، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَهُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. انتهى (١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٢٦١/١٧.