Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
الناس (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ))) تنويهاً بشرفه، ورفعة
قَدْرِه، (فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ وَِّ قُلْتُ) بعد أن أبدت كراهيتها له؛ لكونه
مولى، ثم أعاد عليها النبيّ وَّ مراراً، فقالت له وَّهِ: (أَمْرِي بِيَدَِ)؛ أي:
جعلت أمر نكاحي بيدك، وتصرّفك، (فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ) أسامة أو غيره.
(فَقَالَ) وَيِّ لها: ((انْتَقِلِي)؛ أي: من المكان الذي أنت فيه؛ لأنها شَكَت إليه
أنها في بيت خال، تخشى أن يُقتحم عليها، فأمرها بأن تنتقل (إِلَى) بيت (أُمّ
شَرِيك))) أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ، وقيل: إنها أنصاريّةٌ، واسمها غُزَيّة،
وقيل: غُزيلة - بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما - وهي بنت داود بن
عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن
لُؤيّ بن غالب، وقيل في نسبها غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها
للنبيّ وَّهِ. وقيل: غيرها. انتهى(١).
(وَأُمُّ شَرِيِكِ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال النوويّ: هذا قد أنكره بعض
العلماء، وقال: إنما هي قرشية، من بني عامر بن لؤيّ، وقال آخرون: هما
اثنتان: قرشية، وأنصارية. انتهى.
(عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: إنها كثيرة النفقة في الخير، (يَنْزِلُ
عَلَيْهَا الصِّيفَانُ) بالكسر جمع ضيف، (فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ)؛ أي: سأنتقل إلى بيتها.
(فَقَالَ) وَلَّهِ بعدما تذكّر أن بيت أم شريك لا يليق بها؛ لكثرة من يزورها من
الرجال، فقال لها: ((لَا تَفْعَلِي)؛ أي: لا تنتقلي إليها، ثم علّل ذلك بقوله:
(إِنَّ أُمَّ شَرِيِكِ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ) الذي
تستترين به، (أَوْ يَنْكَشِفَ) ((أو)) للتنويع، لا للشكّ، (الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى
الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ) أن يراه الأجانب.
ومعنى هذا الكلام: أن الصحابة ﴿ه كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون
التردد إليها لصلاحها، وإنفاقها عليهم، فرأى النبيّ ◌َّ أن على فاطمة من
الاعتداد عندها حرجاً، من حيث إنه يلزمها التحفّظ من نَظَرهم إليها، ونَظَّرها
إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من هذا مع كثرة دخولهم، وتردّدهم
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٦/١٠.

٦٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يُبصرها، ولا يتردد
إلى بيته من يتردّد إلى بيت أمّ شريك. انتهى.
(وَلَكِنِ انْتَقِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) وقوله: (ابْنِ أُمِّ مَكْتُوم)))
قال النوويّ: هكذا هو في جميع النسخ، وقوله: ((ابن أم مكتوم)) يكتب بألفً؛
لأنه صفة لعبد الله، لا لعمرو، فنسبه إلى أبيه عمرو، وإلى أمه أم مكتوم،
فجمع نسبة إلى أبويه، كما في عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، وعبد الله بن أبيٍّ
ابن سَلُولَ، ونظائر ذلك، وقد سبق بيان هؤلاء كلهم في ((كتاب الإيمان)).
انتھی(١).
وقيل: هو عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة. ويقال: زياد القرشيّ
العامريّ الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه الحصين، كان
النبيّ وَّ استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر، تقدّمت ترجمته في
((الصلاة)) ٨٤٩/٤.
(وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) قال
القاضي: المعروف أنه ليس بابن عمها، ولا من البطن الذي هي منه، بل من
بني محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤيّ. انتهى.
وتعقّبه النوويّ، قائلاً: الصواب أن ما جاءت به الرواية صحيح، والمراد
بالبطن هنا القبيلة، لا البطن الذي هو أخص منها، والمراد أنه ابن عمها
مجازاً؛ لكونه من قبيلتها، فالرواية صحيحة، ولله الحمد. انتهى(٢).
(فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ابن أم مكتوم، (فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي)؛ أي:
انتهت مدّتها، وحللت للأزواج؛ أي: وزوّجني النبيّ وَّ أسامة نظُه، فقولها:
(سَمِعْتُ) جواب (لمّا)) مرتّب على ما ذكرته. (نِدَاءَ الْمُنَادِي)، وقولها: (مُنَادِي
رَسُولِ اللهِ وَ﴿) بدل من المنادي، أو عطف بيان له، (يُنَادِي: ((الصَّلَاةَ جَامِعَةً)))
بنصبهما، ورفعهما، ونصب الأول، ورفع الثاني، وبالعكس، أربعة أوجه،
فرَفْعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ونَصْبهما على تقدير: احضروا الصلاةَ حال
كونها جامعةً، ورفع الأول على تقدير: هذه الصلاة، ونصب الثاني على
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٠/١٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٨٠.

٦٤٣
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
الحالية، وبالعكس على تقدير: احضروا الصلاةَ، وهي جامعة، وعلى جميع
التقادير محل الجملة نصبٌ؛ لأنه مفعول ((ينادي)) محكيّ، لكونه في معنى
القول.
وقال التوربشتيّ تَخَّلهُ: وجه الرواية بالرفع أن يقدّر ((هذه))؛ أي: هذه
الصلاة جامعةٌ، ويجوز أن ينصب ((جامعةً)) على الحال، ولمّا كان هذا القول
للدعاء إليها، والحث عليها كان النصب أجود، وأشبه بالمعنى المراد.
قالت: (فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ) فيه جواز خروج المرأة إلى للصلاة في
المسجد مع الرجال، وقد قال ◌َله: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))، وفي
رواية: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها)). (فَصَلَّيْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وََّ) الظاهر أن تلك الصلاة إحدى الصلوات الخمس، ويَحْتَمل أن
تكون نافلة، أراد بها النبيّ وَّ ر أن يجتمع بسببها الناس حتى يسمعوا حديثه.
(فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّذِي) صفة لـ((صفّ))، ووقع في بعض النسخ بلفظ
((التي))، وهو تصحيف، فتنبّه. (يلِي ظُهُورَ الْقَوْم)؛ أي: الرجال، وفيه أن صفّ
النساء بعد صفّ الرجال. (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ صَلَاتَهُ)؛ أي: أدّاها وفرغ
منها، (جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه ◌ََّ (يَضْحَك، فَقَالَ: ((لِيَلْزَمْ)
بفتح الزاي أي ليلتزم (كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاه)))؛ أي: موضع صلاته، فلا يتغير،
ولا يتقدم، ولا يتأخر. (ثُمَّ قَالَ) ◌َِ: ((أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟))؛ أي: بقول
المنادي: ((الصلاة جامعة))، (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((إِنِّي وَاللهِ مَا
جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ)؛ أي: لأمر مرغوب فيه، من عطاء، كغنيمة، (وَلَا لِرَهْبَةٍ)؛
أي: ولا لخوف من عدو، (وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيماً الدَّارِيَّ) منسوب إلى جدّ
له اسمه الدار، وهو تميم بن أوس بن خارجة، أبو رقيّة الصحابيّ المشهور،
سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان، قيل: مات سنة أربعين، تقدّمت ترجمته
في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦.
(كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيّاً)؛ أي: معتقداً دين النصارى، (فَجَاءَ) إليّ (فَبَايَعَ)
على الإسلام (وَأَسْلَمَ)؛ أي: دخل في الإسلام، (وَحَدَّثَنِي حَدِيثاً) هذا معدود
في مناقب تميم؛ لأن النبيّ وَّ رَوَى عنه هذه القصّة، وفيه رواية الفاضل عن
المفضول، ورواية المتبوع عن تابعه، وفيه قبول خبر الواحد، قاله النوويّ ◌َُّ .

٦٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّئُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ)؛ أي: عن شؤونه، وفتنه،
ومحنه، ثم بيّن كيفية تحديثه له، فقال: (حَدَّثَنِي أَنَّهُ)؛ أي: تميماً، (رَكِبَ)
بكسر الكاف، (فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ)؛ أي: كبيرة، لا زورق نهري، (مَعَ ثَلَاثِينَ
رَجُلاً مِنْ لَخْم) بفتح اللام، وسكون الخاء المعجمة مصروفٌ، وقد لا يصرف،
قبيلة معروفة،ً وكذا قوله: (وَجُذَامَ) بالجيم المضمومة.
وقال القاري كَخّلُهُ: فهذا كما في حديث: ((ربّ حامل فقه إلى من هو
أفقه منه))، وفيه إشعار بأن كثرة الرواة لها دخل في قوة الاسناد، ولهذا قال
على سبيل الاستشهاد، وطريق الاعتضاد: ((حدّثني))، فهو من قبيل رواية الأكابر
عن الأصاغر، وفيه إيماء إلى الردّ على الجاهل المكابر، حيث يتكبر عن أخذ
العلم من أهل الخمول والأصاغر، وقد قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ
يَتَكَبَّرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ﴾، وقيل: كلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث
وجدها فهو أحقّ بها، ومما يحكى من كلام عليّ رَُّه: انظر إلى ما قال، ولا
تنظر إلى من قال، ولله درّ من قال في هذا المعنى، وأجاد في المقال [من
الرجز] :
فَإِنَّهُ أَبٌّ لِكُلِّ شَادِي
وَأَكْرِمِ الأُسْتَاذَ ذَا الإِرْشَادِ
وَإِنْ تَكُنْ كَالتِّبْرٍ فَهوَ الْوَرْقُ
وَاخْدُمَّ لَهُ فَالاقْتِبَاسُ رِقُّ
وَانْظُرْ إِلَى الْمَقَالِ لَا مَنْ قَالَا
وَاسْتَفْتِهِ وَإِنْ يَكُنْ بَقَّالَا
والمعنى: أن تميماً حكى لي أنه ركب في سفينة بحرية؛ أي: لا برّية؛
احترازاً عن الإبل، فإنها تسمى سفينة البرّ، وقيل: أي مركباً كبيراً بحريّاً، لا
زَوْرقاً صغيراً نهريّاً(١).
(فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ)؛ أي: دار بهم الموج (شَهْراً)؛ أي: مقدار شهر،
(فِي الْبَحْرِ) واللعب في الأصل: ما لا فائدة فيه من فعل، أو قول، فاستعير هنا
لصدّ الأمواج السفنَ عن صوب المقصد، وتحويلها يميناً وشمالاً. (ثُمَّ أَرْفَؤوا)
بهمزتين؛ أي: قرّبوا السفينة، قال الأصمعيّ: أرفأت السفينة أُرفئها إرفاءً،
وبعضهم يقول: أَرفيها بالياء على الإبدال، وهذا مَرْفأ السفن؛ أي: الموضع
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٧/١٦ بزيادة الأبيات.

٦٤٥
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
الذي تُشَدّ إليه، وتوقف عنده. (إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، حَتَّى مَغْرِبٍ)؛ أي: إلى
أن تغرب (الشَّمْسِ) وفي بعض النسخ: ((حيث تغرب الشمس)» (فَجَلَسُوا)؛ أي:
بعدما تحولوا من المركب الكبير، (فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ) بفتح الهمزة، وضم
الراء: جمع قارب بكسر الراء، وفتحها، وهو أشهر وأكثر، قال النوويّ: أقرب
السفينة، هو بضم الراء، جمع قارب بكسر الراء، وفتحها، وهي سفينة صغيرة،
تكون مع الكبيرة كالجنيبة، يتصرف فيها ركاب السفينة؛ لقضاء حوائجهم، وفي
((النهاية)): أما ((أقرُب)) فلعله جمع قارب، فليس بمعروف في جمع فاعل أفعُل،
وقد أشار الحميدي في ((غريبه)) إلى إنكار ذلك، وقال الخطابيّ: إنه جمع على
غير قياس. (فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ) اللام للعهد: أي في الجزيرة التي هناك،
(فَلَقِيَتْهُمْ)؛ أي: فرأتهم (دَابَّةٌ، أَهْلَبُ) الْهُلْبِ بضم، فسكون: الشّعر، وقيل: ما
غَلُظ من الشعر، وقيل: ما كَثُر من شعر الذَّنَب، وإنما ذُكِّر؛ لأن الدابة تطلق
على الذكر والأنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآَّةٍ فِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، كذا
قالوا، والأظهر أنه بتأويل الحيوان، ولذا قال: (كَثِيرُ الشَّعَرِ) وهو تفسير لِمَا
قبله، وعطف بيان، ثم بيّنه زيادة تبيان حيث قال استئنافاً: (لَا يَدْرُونَ)؛ أي:
لا يعرف الناس الحاضرون، (مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ) بضمتين فيهما، قال الطيبيّ تَخْلُهُ:
((ما)) استفهامية، و(يدرون)) بمعنى يعلمون لمجيء الاستفهام تعليقاً، ولا بدّ من
تقدير مضاف بعد حرف الاستفهام؛ أي: ما نسبة قُبُله من دُبُره، (مِنْ كَثْرَةٍ
الشَّعَرِ) من أجلها، وبسببها. (فَقَالُوا: وَيْلَكِ) أي ألزمك الله الويل والهلاك،
(مَا أَنْتِ؟) خاطبوها مخاطبة المتعجب المتفجع؛ أي: أيّ جنس أنت من
الحيوان؟ قال القرطبيّ: اعتقدوا أنها مما لا يعقل، فاستفهموها بـ((ما))، ثم إنها
بعد ذلك كلمتهم كلام من يعقل، فعنده ذلك رَهِبوا أن تكون شيطانة؛ أي:
خافوا ذلك. (فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ) قال النوويّ تَُّ: هي بفتح الجيم،
فتشديد المهملة الأولى، قيل: سُمّيت بذلك؛ لتجسسها الأخبار للدجال، وجاء
عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن.
(قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا)؛ أي: اذهبوا (إِلَى هَذَا
الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ) بفتح الدال، وسكون التحتية؛ أي: دير النصارى، ففي
((المغرب)): الدير صومعة الراهب، والمراد هنا: القصر، كما سيأتي، والجار

٦٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
والمجرور حال، والعامل فيه اسم الإشارة، أو حرف التنبيه. (فَإِنَّهُ)؛ أي:
الرجل الذي في الدير (إِلَى خَبَرِكُمْ) متعلق بقوله: (بِالأَشْوَاقِ) بفتح الهمزة:
جمع شوق؛ أي: كثير الشوق، وعظيم الاشتياق، والباء للإلصاق، قال
التوربشتيّ كَُّهُ: أي شديد نزاع النفس إلى ما عندكم من الخبر، حتى كانت
الأشواق ملصقة به، أو كأنه مهتم بها. (قَالَ) تميم رَُّهِ: (لَمَّا سَمَّتْ)؛ أي:
ذكرت ووصفت (لَنَا رَجُلاً فَرِقْنَا) بكسر الراء؛ أي: خفنا (مِنْهَا) أي: من تلك
الدابّة (أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً)؛ أي: كراهة أن تكون شيطانة، وأن يكون الرجل
شيطاناً متعلقاً بها، وقال الطيبيّ تَّتُهُ: ((أن تكون شيطانة)) بدل من الضمير
المجرور. (قَالَ) تميم: (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا (سِرَاعاً)؛ أي: حال كوننا
مسرعين في الانطلاق، (حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ) قال بعضهم: دير النصارى أصله
الواو. انتهى، والمعنى أن أصله: دار بالألف المبدلة من الواو، مأخوذاً من
الدور؛ لكونه مدوراً، أو مُدار فيها، أو مدار المعيشة، والمبيت إليه، ثم أُبدلت
الألف ياء للفرق، ومراده بقوله: دير النصارى أنه مثله، أو في الأصل يطلق
عليه، وقد يطلق على بيت الخمر(١). (فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ)؛ أي: أكبره جثة،
أو أهيبه هيئة، وقوله: (رَأَيْنَاهُ) صفة ((إنسان)) احتراز عمِن لم يروه، ولما كان
هذا الكلام في معنى: ما رأينا مثله صحّ قوله: (قَطَّ) الذي يختص بنفي
الماضي، وهو بفتح القاف، وتشديد الطاء المضمومة، في أفصح اللغات، وقد
تكسر، وقد يتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه، مع ضمها،
وإسكانها، على ما في ((المغني)).
وقوله: (خَلْقاً) منصوب على التمييز، (وَأَشَدُّهُ)؛ أي: أقوى إنسان (وِثَاقاً)
بفتح الواو، وتُكسر؛ أي: قيداً من السلاسل والأغلال، على ما سيأتي.
(مَجْمُوعَةٌ) بالنصب على الحال، أو بالرفع صفة لـ((أعظم))؛ أي: فإذا فيه أعظم
إنسان مجموعةٌ (يَدَاهُ) مرفوع على أنه نائب الفاعل، (إِلَى عُنُقِهِ) متعلّق
بـ((مجموعة))، وقوله: (مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ)؛ أي: الذي بين ركبتيه (إِلَی کَعْبَيْهِ) مجموع،
ومغلول أيضاً (بِالْحَدِيدِ) يعني كانت يداه، وساقاه مجموعة إلى عنقه بالحدید.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٧/١٦.

٦٤٧
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
وقال القاري تَخّْثُهُ: قوله: ((ما بين ركبتيه إلى كعبيه)) لمّا كان ظاهره أن
يؤتى بالواو في أوله؛ ليكون المعنى: ومجموعة ساقاه عليه، ويكون قوله:
((بالحديد)» قيداً لهما، قال الطيبيّ رَّتُهُ: ((ما)» موصولة مرفوعة المحل،
والمعنى: مجموعة ساقاه بالحديد، وحذف ((مجموعة)) في الثاني؛ لدلالة
الأُولى عليها(١).
(قُلْنَا: وَيْلَكَ)؛ أي: ألزمك الله الويل والهلاك، (مَا أَنْتَ؟)؛ أي: أيّ
جنس أنت، إنسيّ، أم جنّيّ؟.
قال القاري تَخْلَهُ: قوله: ((ما أنت)) استغربوه، فأوردوا ((ما)) مكان ((من))،
ويمكن أن يكون السؤال عن وصفه وحاله؛ إذ قد علموا أنه رجل، وقد يجيء
[الشمس: ٥]،
((ما)) بمعنى ((من)) كما حقِّق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
أو روعي مشاكلة ما قبلها. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ما أنت؟)) كأنهم لمّا رأوا خلقاً عجيباً خارجاً
عما عهِدوه خفي عليهم حاله، فقالوا: ما أنت مكان من أنت، وكذلك قوله:
((ما أنتم))؛ لأنه ما عهد أن إنساناً يطرق ذلك المكان، نظيره في حديث أم
زرع: («زوجي أبو زرع، وما أبو أبو زرع؟)). انتهى (٣).
(قَالَ) الرجل: (قَدْ قَدَرْتُمْ)؛ أي: تمكنتم (عَلَى خَبَرِي)؛ أي: فإني لا
أخفيه عنكم، فأحدثكم عن حالي، (فَأَخْبِرُونِي)؛ أي: عن حالكم، وما أسأله
عنكم أوّلاً، وهذا معنى قوله: (مَا أَنْتُمْ؟) حيث لم يقل: من أنتم، ويمكن أن
يكون طباقاً لقولهم، وجزاء لفعلهم، وقال ابن الملك: أي من أنتم؟ أو ما
حالكم؟ (قَالُوا) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، ويمكن أن يكون التقدير: قال
بعضنا، ففيه تغليب للغائبين على الحاضرين. (نَحْنُ أَنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِي
سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ)؛ أي: هاج، وجاوز حده المعتاد،
وقال الكسائيّ: الاغتلام أن يتجاوز الإنسان ما حُدّ له من الخير والمباح.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٦٣/١١ - ٣٤٦٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢١/١٦.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٦٤/١١.

٦٤٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْراً)؛ أي: منعنا من الوصول إلى المقصد، (ثُمَّ أَرْفَأْنَا)؛
أي: ألجأنا (إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا)؛ أي: في أقرب السفينة،
وهي الصغار، (فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا) بكسر القاف؛ أي: استقبلتنا (دَابَّةٌ
أَهْلَبُ)؛ أي: غليظة الشَّعر، (كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى) بالبناء للمفعول، وفي
نسخة: ((لا ندري)، (مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: أعْمِدُوا) بكسر الميم؛ أي:
اقصدوا (إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ) بالفتح؛ أي: القصر الكبير، (فَإِنَّهُ إِلَى
خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعاً)؛ أي: مسرعين، (وَفَزِعْنَا)؛ أي: خفنا
(مِنْهَا)؛ أي: من تلك الدابّة، (وَلَمْ نَأْمَنْ) من باب تعب، (أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً،
فَقَالَ) الرجل: (أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتية،
وهي قرية بالشام، وقال ياقوت: بيسان بالفتح، ثم السكون، وسين مهملة،
ونون: مدينة بالأردنّ بالغور الشامي، ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين
حَوْران وفلسطين، وبها عين الفلوس، يقال: إنها من الجنة، وهي عين فيها
ملوحة يسيرة، جاء ذكرها في حديث الجساسة، قال: وتوصف بكثرة النخل،
وقد رأيتها مراراً، فلم أر فيها غير نخلتين حائلتين، وهو من علامات خروج
الدجال، وهي بلدة وبئة حارّة، أهلها سُمُر الألوان، جُعْد الشعور؛ لشدة الحر
الذي عندهم.
وقال أيضاً: وبيسان أيضاً موضع معروف بأرض اليمامة، والذي أراه أن
هذا الموضع هو الموصوف بكثرة النخل؛ لأنهم إنما احتجّوا على كثرة نخل
بيسان بقول أبي دواد الإياديّ [من الخفيف]:
ـنَ جَمِيعاً وَنَبْتُهُنَّ تُؤَامُ
نَخَلَاتٌ مِنْ نَخْلٍ بَيْسَانَ أَيْنَعْ
وَفليجٌ من دونها وسنامُ(١)
وَتَدَلَّتْ عَلَى مَنَاهِلِ بُرْدٍ
(قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟)؛ أي: تطلب خبر بيسان، (قَالَ: أَسْأَلُكُمْ
عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟) نخلها، (قُلِّنَا لَهُ: نَعَمْ) يثمر، (قَالَ: أَمَا) بالتخفيف: أداة
استفتاح وتنبيه، (إِنَّهُ)؛ أي: إن الشأن والحال، وفي نسخة: ((إنها))، أو الضمير
(١) ((معجم البلدان)) ١/ ٥٢٧.

٦٤٩
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
للنخل؛ إذ هو اسم جمع يذكّر، ويؤنّث، كما أسلفنا البحث عنه مستوفَى.
(يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ) الرجل: (أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ) بفتحتين،
والبحيرة تصغير البحر، وفي ((القاموس)): الطبرية محركة: قصبة الأردنّ،
والنسبة إليها طبراني. (قُلْنَا: عَنْ أَِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا:
هِيّ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ)؛ أي: يفنى، وينفد.
(قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ) بزاي معجمة مضمومة، ثم غين معجمة مفتوحة،
ثم راء، وهي بلدة معروفة في الجانب القبليّ من الشام، قاله النوويّ(١).
وقال القاري: ((زُغر)) بزاي، فغين معجمتين، فراء، كزُفَر: بلدة بالشام،
قليلة النبات، قيل: عدم صرفه للتعريف والتأنيث؛ لأنه في الأصل اسم امرأة،
ثم نُقل، يعني ليس تأنيثه باعتبار البلدة والبقعة، فإنه قد يذكّر مثله، ويصرف
باعتبار البلد والمكان. انتهى(٢).
(قَالُوا: عَنْ أَِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ)؛ أي: في عينه، أو
تلك العين، فاللام للعوض عن المضاف إليه، أو للعهد. (مَاٌ)؛ أي: كثير؛
لقوله: (وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا)؛ أي: أهل تلك العين، أو البلدة، وهي الأظهر؛
لقوله: (بِمَاءِ الْعَيْنِ) بماء العين. (قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ
مِنْ مَائِهَا) الظاهر أن جوابه على طبق ما سبق، وهو أما إنها يوشك أن لا يبقى
فيها ماء يزرع به أهلها، وفي الأسئلة المذكورة، وأجوبتها المسطورة، إشارة
إلى أنها علامات لخروجه، وأمارات لذهاب بركتها بشآمة ظهوره، ووصوله.
ولمّا كانت هذه الأسئلة توطئة لِمَا بعدها (قَالَ)؛ أي: الدجال معرضاً عن
الجواب الثاني، وبادرٍ إلى السؤال المقصود، وهو ظهور محمد ◌ّ يل المحمود،
(أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمَّيِّينَ)؛ أي: العرب، (مَا فَعَلَ؟) بفتحتين؛ أي: ما صنع
بعدما بُعث، قال ابن الملك في ((شرح المشارق)): أراد الدجال بالأميين:
العرب؛ لأنهم لا يكتبون، ولا يقرؤون غالباً، وإنما أضاف نبيّنا محمداً وَله
إليهم طعناً عليه بأنه مبعوث إليهم خاصّة، كما زعم بعض اليهود، أو بأنه غير
مبعوث إلى ذوي الفطنة، والكياسة، والعقل، والرياسة. (قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ
مَكّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ)؛ أي: هاجر إلى المدينة. (قَالَ: أَقَاتَلَهُ). وفي نسخة:
(١) ((شرح النوويّ)) ٨١/١٨.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢١/١٦.

٦٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
((أقاتلته)) (الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ) قاتَلَته، (قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟) في مقاتلته لهم،
(فَأَخْبَرْنَاهُ، أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ)؛ أي: امتثلوا ما
أمرهم به، (قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟) بتقدير الاستفهام، (قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا
إِنَّ ذَاكَ)؛ أي: طاعتهم له (خَيْرٌ لَهُمْ)، وقوله: (أَنْ يُطِيعُوهُ) في تأويل المصدر
بدل من اسم ((إنّ))، يعني أن طاعتهم له خير لهم من مخالفته.
قال الطيبيّ كَّتُهُ: المشار إليه؛ أي بقوله: ((إن ذاك)) ما يُفهم من قوله:
((وأطاعوه))، وقوله: ((أن يطيعوه)) جاء لمزيد البيان، ويجوز أن يكون المشار
إليه: رسول الله وَله، و((خير)) إما خبر لـ(ذلك)) مسند إلى ((أن يطيعوه))، وعلى
هذا لا يكون بمعنى التفضيل، أو يكون ((أن يطيعوه)) مبتدأ، و((خير)) خبره،
مقدماً عليه، والجملة خبر ((إن)).
وقال التوربشتيّ كَُّهُ: فإن قيل: يُشبه هذا القول قول مَن عَرَف الحقّ،
والمخذول من البعد من الله بمكان، لم يُر له فيه مساهم، فما وجه قوله هذا؟.
قلنا: يَحْتَمِل أنه أراد به الخير في الدنيا؛ أي: طاعتهم له خير لهم،
فإنهم إن خالفوه اجتاحهم، واستأصلهم، ويَحْتَمِل أنه من باب الصرفة،
صرفه الله تعالى عن الطعن فيه، والتكبر عليه، وتَفَوّه بما ذُكر عنه، كالمغلوب
عليه، والمأخوذ عليه، فلا يستطيع أن يتكلم بغيره؛ تأييداً لنبيّه وَّله، والفضل ما
شَهِدت به الأعداء. انتهى(١).
(وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي) بكسر الهمزة، وفتحها، (أَنَا الْمَسِيحُ) الدجّال،
قال الفيّوميّ: المَسِيحُ الدَّجَّالُ صاحب الفتنة العظمى، قال ابن فارس: المَسِيحُ
الذي مُسح أحد شِقَّي وجهه، ولا عين له، ولا حاجب، وسُمّي الدجال
مَسِيحاً؛ لأنه كذلك، ومنه درهم مَسِيحٌ؛ أي: أطلس، لا نقش عليه(٢).
(وَإِنِّي) بالكسر والفتح أيضاً، (أُوشِكُ)؛ أي: أقرب (أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي
الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ، فَلَا أَدَعَ) بالنصب في الثلاثة، وجُوّز
رفعها؛ أي: فلا أترك (قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ظرف لـ((أسير))، وعدم
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٦٤/١١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٢.

٦٥١
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٦)
الترك إشعارٌ بقوة سياحته التي هي أحد وجوه تسميته بالمسيح، على أن فعيل
بمعنى الفاعل؛ لكون سياحته مروراً كالمسح. (غَيْرَ مَكَّةَ) استثناء من القرية التي
وقعت نكرة في سياق النفي المنصبّ عليه الاستثناء المفيد للاستغراق، (وَطَيْبَةَ)
عطف على ((مكة))، وهي بفتح الطاء، وسكون التحتية، فموحدة من أسماء
المدينة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة. (فَهُمَا)؛ أي: مكة
وطيبة (مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ)؛ أي: ممنوعتان عليّ دخولهما، وقوله: (كِلْتَاهُمَا) تأكيد
لـ«هُما))، ثم بيّن سبب المنع بقوله: (كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ) للشك
من الراوي، أي أو قال: (وَاحِداً مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكْ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتاً) بفتح
الصاد وتُضم؛ أي: مجرداً عن الغمد، قال بعضهم: الصلت بالفتح، والضم،
مصدر بمعنى الفاعل، أو المفعول، حال عن المَلَك، أو السيف؛ أي: مُصلِتاً،
أو مُصلَتاً، من قولهم: أصلت سيفه؛ أي: جرّده من غلافه. (يَصُدُّنِي عَنْهَا)؛
أي: يمنعني عن كل واحدة منهما، وهو استئنافٌ بيانيّ، أو حال، والضمير
للملَك، أو السيف مجازاً. (وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ) بفتح النون، وسكون القاف؛
أي: طريق، أو باب (مِنْهَا)؛ أي: من كل واحدة منهما، (مَلَائِكَةً، يَحْرُسُونَهَا)؛
أي: يحفظونها عن الآفات، والبليّات، من غير ذلك الملك، والظاهر أنه
جبريل نِالَّله؛ لِمَا تقدم، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) فاطمة ◌ِّ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَ) الحال أنه قد (طَعَنَ)؛ أي:
ضرب (بِمِخْصَرَتِه) بكسر الميم وفتح الصاد؛ أي: بعصاهِ، وفي ((الفائق)):
المخصرة: هي قضيب يشير به الخطيب، أو الملِك إذا خاطب، وقال
التوربشتيّ: المخصرة كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه، من
عصاً، ونحوها، فهو مخصرة. انتهى(١). (فِي الْمِنْبَرٍ)؛ أي: عليه، فـ(في))
بمعنى ((على))، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ((هَذِهِ
طَيْبَةُ) الجملة مقول لـ((قال))، وما بينهما حال معترضة بين الفاعل والمفعول،
وقوله: (هَذِهِ طَيِّبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ))) كررها ثلاثاً للتأكيد، (يَعْنِي الْمَدِينَةَ)؛ أي: يريد
النبيّ وَّل بقوله: ((هذه)) الموضوعة للإشارة المحسوسة: المدينة المحروسة.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٦٤/١١.

٦٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال التوربشتيّ كَُّهُ: لمّا وافق هذا القول ما كان حدّثهم به، أعجبه
ذلك، وسُرّ به، فقال: ((أَلَا)؛ أي: انتبهوا، (هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟»)؛ أي:
مثل هذا الحديث، (فَقَالَ النَّاسُ) الحاضرون لخطابه بَّهِ: (نَعَمْ)؛ أي: حدّثتنا
بذلك، قال ◌َّه: ((فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيم أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ،
وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا)؛ أي: انتبهوا، (إِنَّهُ)؛ أي: الدجال، (فِي بَحْرِ الشَّامِ،
أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ) قيل: لما حدّثهم بقول تميم الداريّ لم يَرَ أن يبيّن لهم موطنه،
ومجلسه كل التبيين؛ لِمَا رأى في الإلباس من المصلحة، فردّ الأمر فيه إلى
التردد بين كونه في بحر الشام، أو بحر اليمن، ولم تكن العرب يومئذٍ تسافر
إلا في هذين البحرين، ويَحْتَمِل أنه أراد ببحر الشام ما يلي الجانب الشاميّ،
وببحر اليمن ما يلي الجانب اليمانيّ والبحر واحد، وهو الممتدّ على أحد
جوانب جزيرة العرب، ثم أضرب عن القولين، مع حصول اليقين في أحدهما،
فقال: (لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هُوَ)؛ أي: هو، و((ما)) زائدة، أو موصولة،
بمعنى الذي؛ أي: الجانب الذي هو فيه، قال القاضي تَخُّْهُ: لفظة ((ما)) هنا
زائدة صلة للكلام، وليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهة المشرق، قال
التوربشتيّ كَثْتُ: ويَحْتَمِل أن يكون خبراً، أي الذي هو فيه، أو الذي هو يخرج
منه. (مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ))، وَأَوْمَاً) بهمزتين؛ أي:
أشار (بِيَدِهِ إِلَّى الْمَشْرِقِ) قال الأشرف: يمكن أنه كان شاكّاً في موضعه، وكان
في ظنه أنه لا يخلو عن هذه المواضع الثلاثة، فلما ذكر بحر الشام، وبحر
اليمن، تيقن له من جهة الوحي، أو غلب على ظنه أنه من قِبَل المشرق، فنفى
الأولين، وأضرب عنهما، وحقق الثالث. انتهى.
وقال القرطبيّ كَظُّ: قوله: ((ألا إنه في بحر الشام إلخ)) هذا كله كلام
ابتدىء على الظن، ثم عرض الشك، أو قصد الإبهام، ثم بقي ذلك كله،
وأضرب عنه بالتحقيق، فقال: ((لا، بل من قِبَل المشرق))، ثم أكد ذلك بـ(ما))
الزائدة، وبالتكرار اللفظيّ، فـ((ما)) فيه زائدة، لا نافية، وهذا لا بُعد فيه؛ لأنَّ
النبيّ ◌َّ بشر يظن، ويشك، كما يسهو وينسى، إلا أنه لا يتمادى، ولا يُقَرّ
على شيء من ذلك، بل يُرشد إلى التحقيق، ويسلك به سواء الطريق.
والحاصل من هذا أنه وَ﴿ ظن أن الدجال المذكور في بحر الشام؛ لأنَّ تميماً

٦٥٣
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٧)
إنما ركب في بحر الشام، ثم عرض له أنَّه في بحر اليمن؛ لأنَّه يتصل ببحر
متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك، ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك،
فحقق، وأكّد. انتهى(١).
(قَالَتْ) فاطمة بنت قيس ظّا: (فَحَفِظْتُ هَذَا) الحديث بطوله (مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَّر)؛ أي: فلم أسمعه من غيره، وإنما قالت هذا؛ لأن الشعبيّ
شرط عليها أن تحدّثه بما سمعت من لفظ رسول الله وَالله، فلما حدّثته أكّدت له
أن هذا مما سمعته منه بَّه مباشرة، دون أيّ واسطة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث فاطمة بنت قيس ◌ّا هذا من أفراد
المصنّف تَخْدَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٥٦/٢٤ و٧٣٥٧ و٧٣٥٨ و٧٣٥٩] (٢٩٤٢)،
و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣٢٥ و٤٣٢٧)، و(الترمذيّ) في ((الفتن))
(٢٢٥٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٨١/٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن))
(٤١٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٣/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٥/
٢٢٠)، و(الطبرانيّ) في (الكبير)) (٩٥٨/٢٤) و((الأوسط)) (١٢٥/٥)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (١٠٥٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٨٧ و٦٧٨٨)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٦٥/١٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في ((كتاب
الطلاق)) برقم [٣٦٩٦/٦] (١٤٨٠)، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا
الشَّعْبِيُّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَنْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ، يُقَالُ لَهُ: زَطَبُ ابْنِ
طَابٍ، وَأَسْقَتْنَا (٢) سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَاَ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَّاثاً أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ:
(١) ((المفهم) ٧/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٢) وفي نسخة: ((وسقتنا)).

٦٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثاً، فَأَذِنَ لِيَ النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي، قَالَتْ: فَنُودِيَ فِي
النَّاسِ: ((إِنَّ الصَّلَاةَ جِامِعَةً))، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ النَّاسِ، قَالَتْ:
فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُوَ يَلِي الْمُؤَخَّرَ مِنَ الرِّجَالِ، قَالَتْ:
فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((إِنَّ بَنِي عَمِّ لِتَمِيمِ الدَّارِيِّ
رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَتْ: فَكَأَنَّمَا أَنَّظُرُ إِلَى
النَّبِيِّ وَِّ، وَأَهْوَى بِمِخْصَرَتِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ: ((هَذِهِ طَيِّبَةُ))؛ يَعْنِي: الْمَدِينَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم غير مرّة.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ) البصريّ، تقدّم أيضاً غير مرّة.
٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم أيضاً غير مرّة.
٤ - (سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَم) العنزيّ، واسم أبيه وردان، وقيل: ورد، وقيل
غير ذلك، تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَأَنَّحَفَتْنَا بِرُطَبٍ، يُقَالُ لَهُ: رُطَبُ ابْنِ طَابٍ)؛ أي: ضيّقتنا بنوع
من التمر يقال له: رطب ابن طاب، وهو نوع من أنواع تمور المدينة، ويقال:
إن أنواع تمورها مائة وعشرون نوعاً.
وقوله: (وَأَسْقَتْنَا) وفي نسخة: ((سقتنا))، وكلاهما لغتان، وردتا في القرآن
الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال:
﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦].
وقوله: (سَوِيقَ سُلْتٍ) بضم السين المهملة، وسكون اللام، آخره تاء مثناة
فوقُ: حبّ يشبه القمح، ويشبه الشعير، كذا فسّره النوويّ، وجعله في
(القاموس)) نوعاً من الشعير.
وقولها: (طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثاً) تقدّم أنه طلّقها آخر تطليقات ثلاث.
وقوله: ((إِنَّ الصَّلَاةَ جِامِعَةً))) أما ((الصلاة)) هنا ففيها النصب فقط؛ لأنها
اسم ((إنّ))، وأما ((جامعة)) ففيها وجهان: الرفع على الخبريّة لـ((إن))، والنصب
على الحاليّة، والخبر محذوف؛ أي: محضورة.

٦٥٥
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٨)
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ) الفاعل ضمير سيّار أبي الحكم.
[تنبيه]: رواية سيّار أبي الحكم عن الشعبيّ هذه ساقها الطيالسيّ ◌َُّ في
((مسنده))، فقال:
(١٦٤٦) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا قُرّة بن خالد، حدّثنا سيار أبو
الحكم، عن الشعبيّ، قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس، فأتحفتنا برطب، يقال
له: ابن طاب، وسَقَتنا سويق سُلْت، فسألناها عن المطلقة ثلاثاً أين تعتدّ؟
فقالت: أذن لي رسول الله ◌َّل﴿ أن اعتدّ في أهلي إلى الحول، ويومئذٍ، نودي في
الناس: ((الصلاة جامعة))، فخرجت فيمن خرج من النساء، وكنت في الصف
المقدَّم مما يلي الصف المؤخَّر من الرجال، فسمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن
بني عمّ تميم الداري ركبوا البحر، وإن سفينتهم قذفتهم إلى ساحل من سواحل
البحر، وهناك دابة يواريها شعرها، قالوا: فلما دخلنا عليها قالت: أنا
الجساسة، ثم قالت: إن في ذلك الدَّير من هو إلى رؤيتكم بالأشواق، فدخلنا،
فإذا رجل مكبل في الحديد بضرورة، فقال: أخَرَج صاحبكم؟ يعني النبيّ وَّ،
فقلنا: نعم، قال: فاتبعوه، ثم قال: أخبروني عن نخل بيسان، أيُطعم؟ قلنا :
نعم، قال: أخبروني عن بُحيرة طبرية، أكثيرة الماء هي؟ قلنا: نعم، قال:
أخبروني عن عين زُغَر، أكثيرة الماء؟ قلنا: نعم، قال: أما إني لو قد خرجت
لوطئت البلاد كلها، غير مكة، وطيبة)). قالت فاطمة: فأنا رأيت رسول الله وَليه
يقول بمخصرته: ألا وهذه طيبة، يومىء الى أرض المدينة، ومكة. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٨] (.) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ
التَّوْفَلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ غَيْلَانَ بْنَ جَرِيرٍ،
يُحَدِّثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِّهِ تَمِيمٌ
الدَّارِيُّ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ، فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ، فَسَقَطَ إِلَى
جَزِيرَةٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا، يَلْتَمِسُ الْمَاءَ، فَلَقِيَ إِنْسَاناً يَجُرُّ شَعَرَهُ، وَاقْتَصِنَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ
(١) ((مسند الطيالسيّ)) ٢٢٨/١.

٦٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
فِيهِ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَدْ أُذِنَ لِي (١) فِي الْخُرُوجِ قَدْ وَطِئْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا غَيْرَ طَيِّبَةً،
فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى النَّاسِ، فَحَدَّثَهُمْ، قَالَ: ((هَذِهِ طَيِّبَةُ، وَذَاكَ الدَّجَّالُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) البصريّ، يلقّب أبا الجوزاء، تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) أبو العباس البصريّ، تقدم في ((الإيمان) ٣١٥/٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٥ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوَليّ الأزديّ البصريّ، تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٨/١٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِیهِ) الفاعل ضمير غيلان بن جرير.
وقوله: (فَتَاهَتْ بِهِ سَفِيتَتُهُ)؛ أي: ضلّت عن الطريق بسبب كثرة اضطراب الموج.
وقوله: (فَسَقَطَ إِلَى جَزِيرَةٍ)؛ أي: وصل إليها .
وقوله: (فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى النَّاسِ)؛ أي: أخرج تميماً الداريّ،
فحدّث الناس بالحديث، وظاهره أنه حدّث بنفسه، ويَحتمل أن المراد أنه بعدما
انتهى وَلّ عن الحديث، قال له: أهكذا يا تميم؟، فقال: نعم، فسمى تصديقه
حديثاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((وَذَاكَ الدَّجَّالُ))) هذا تصريح من النبيّ وَّهِ بكونه دجالاً، ولم
يقع هذا التصريح إلا في هذه الطريق، وهو يدلّ على أن الدجّال لا يزال
مشدوداً بجزيرة إلى أن يخرج في آخر الزمان، أما كون الناس لم يَصِلوا إليه
حتى الآن، فلم يثبت أنهم قد وصلوا إلى كل مكان من الجزائر، ويَحْتَمل أيضاً
أن الله تعالى جعله مخفيّاً عن أعين الناس، وإنما أظهره مرّة لتميم وأصحابه
لتصديق إخبار النبيّ وَليّة فقط، والله تعالى أعلم، قاله صاحب ((التكملة))(٢).
(١) وفي نسخة: (لو أذن لي)).
(٢) (تكملة فتح الملهم)) ٤١٤/٦.

٦٥٧
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٥٩)
[تنبيه]: رواية غيلان بن جرير، عن الشعبيّ هذه ساقها ابن منده تَخّْتُهُ في
((الإيمان))، فقال:
(١٠٦٠) أخبرنا علي بن محمد بن نصر، وأحمد بن إسحاق، قالا:
ثنا محمد بن أيوب، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير بن حازم، قال:
سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، قالت:
قَدِم على النبيّ وَّهِ تميم الداريّ، فأخبر رسول الله وَّليل أنه ركب البحر،
فقامت بهم سفينتهم، فسقط إلى جزيرة، فخرج يلتمس الماء، فلقي إنساناً
يجرّ شعره، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قال: فأخبرينا، قالت:
ما أنا بمخبركم، ولا مستخبركم، ولكن عليكم بهذه الجزيرة، فدخلناها،
فإذا رجل مُقيّد إلى أرنبته، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ناس من العرب،
فقال: ما فعل هذا النبيّ الذي خرج فيكم؟ قالوا: صدّقه الناس، فآمنوا
به، ونصروه، وقاتلوا معه، قال: أما إن ذلك خير لهم، ثم قال: ما فعلت
عين زُغَر، فأخبرناه عنها، ثم قال: ما فعل بيسان؟، فقالوا: قد أطعم،
فوثَبَ، وقد كاد أن يخرج من وراء الحائط، ثم قال: أما إنه لو أُذن لي
في الخروج، لقد وطئت الأرض كلها، غير طيبة. قال: فأخرجه
رسول الله وَله إلى الناس، فحدثهم، فقال: ((هذه طيبة، وذاك الدجال)).
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٥٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ،
حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتٍ
قَيْسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ حَدَّثَنِي تَمِيمٌ
الدَّارِيُّ، أَنَّ أَنَاساً مِنْ قَوْمِهِ، كَانُوا فِي الْبَحْرِ فِي سَفِينَةٍ لَهُمْ، فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ،
فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ))،
وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
(١) ((الإيمان لابن منده)) ٩٥٥/٢.

٦٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق الصاغانيّ البغدادي، تقدم
في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير، نُسب لجدّه،
المصريّ، تقدم في ((الإمارة)) ١٣ /٤٧٨٥.
٣ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) ابن عبد الرحمن المدنيّ، تقدم في ((الطهارة»
٢٦ /٦٥٣.
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير أبي الزناد.
[تنبيه]: رواية أبي الزناد عن الشعبيّ هذه ساقها الداني المقرىء ◌َُّهُ في
((السنن الواردة في الفتن))، فقال:
(٦٢٥) - حدّثنا عبيد الله بن سلمة بن حزم المكتب، قال: حدّثنا عمر بن
محمد الحضرميّ قال: حدّثنا محمد بن محمد بن أحمد بن عيسى الخياش
إملاء قال: حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله بن
بكير قال: حدّثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الشعبيّ، عن
فاطمة بنت قيس، أن رسول الله لم قعد على المنبر، فقال: ((أيها الناس
حدّثني تميم الداريّ، أن ناساً من قومه كانوا في البحر، في سفينة لهم،
فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة
في البحر، فإذا هم بامرأة شعثاء، شعثة، لها شعر منكر، فقالوا لها: ما أنت؟
فقالت: أنا الجساسة، قالت: أتعجبون مني؟ قالوا: نعم، قالت: فادخلوا
القصر، فدخلوا، فإذا هم بشيخ مربوط بسلاسل، فسألهم من هم؟ فأخبروه،
فقال لهم: ما فعلت عين زُغَر؟ وما فعلت البحيرة؟ ونخلات بيسان؟ فأخبروه،
قال: فوالذي أحلف به، لا تبقى أرض إلا وطئتها بقدمي هذه، إلا طابة))،
فقال: قالوا: يا رسول الله وهذه طيبة. انتهى(١).
(١) ((السنن الواردة في الفتن)) ١١٤٥/٦ - ١١٤٧.

٦٥٩
(٢٤) - بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ - حديث رقم (٧٣٦٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٦٠] (٢٩٤٣) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو (١) - يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَّةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّ
سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ،
صَافِينَ تَحْرُسُهَا، فَيَنْزِلُ بِالسَّبَخَةِ، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، يَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْهَا
كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٣ - (أَبُو عَمْرِو الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور، تقدم
في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ ؛ المدنيّ ابن أخي
أنس بنظُه، تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ المشهور بَبه، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخُّْهُ، وفيه أنس رَظُه أحد المكثرين السبعة،
روى (٢٢٨٦) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي
أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَظُه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ) ((من)) زائدة
زيدت لإفادة العموم، (إِلَّا سَيَطَؤُّهُ)؛ أي: يدوسه، ويدخله، ويفسده (الدَّجَّالُ) هو
على ظاهره وعمومه، عند الجمهور، وشذّ ابن حزم، فقال: المراد: إلا يدخله
(١) وفي نسخة: ((ابن عمرو)).

٦٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد؛ لِقِصَر مدته، وغفل
عما ثبت في ((صحيح مسلم)) أن بعض أيامه يكون قَدْر السنة، قاله في (الفتح)) (١).
واشتقاق الدجال من الدجل، وهو الكذب، والخلط، وهو كذّاب،
خلّاط، ويُجمع الدجال على دجالين، ودجاجلة في التكسير، وقيل: هو مأخوذ
من الدجل، وهو طلي البعير بالقطران؛ سمي بذلك؛ لأنه يغطي الحقّ بسحره،
وكذبه، كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجالة، وهو القطران، وقيل: سُمي
به؛ لضربه نواحي الأرض، وقطعه لها، يقال: دَجَل الرجل إذا فعل ذلك،
وقيل: هو من الدجل بمعنى التغطية، وقال ابن دريد: كلُّ شيء غطيته، فقد
دجلته، ومنه سميت دجلة؛ لانتشارها على الأرض، وتغطيتها ما فاضت عليه،
وقيل: معناه: المموِّه، قاله ثعلب، ذكره في ((العمدة))(٢).
(إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ) بالنصب على الاستثناء، يعني لا يطؤهما الدجال،
وذكر الطبريّ من حديث عبد الله بن عمرو: ((إلا الكعبة، وبيت المقدس))، وزاد
أبو جعفر الطحاويّ: ((ومسجد الطور))، ورواه من حديث جُنادة بن أبي أمية،
عن بعض أصحاب النبيّ وَّر، وفي بعض الروايات: ((فلا يبقى له موضع إلا
ويأخذه، غير مكة، والمدينة، وبيت المقدس، وجبل الطور، فإن الملائكة
تطرده عن هذه المواضع))، ذكره في ((العمدة)(٣).
(وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا)؛ أي: أنقاب كلّ واحدة منهما، والأنقاب:
جمع نَقب، بفتح النون، وهو جمع قلة، وجمع الكثرة: نقاب، وقال ابن
وهب: الأنقاب مداخل المدينة، وقيل: هي أبوابها، وفوهات طرقها التي
يدخل إليها منها، وقال الداوديّ: هي الطرق التي يسلكها الناس، ومنه
قوله رَ: ﴿فَقَبُواْ فِى الْبِلَدِ﴾ [ق: ٣٦]، وقال أبو المعاني: النقب: الطريق في
الجبل، وكذلك النقب، والمنقب، والمنقبة، عن يعقوب، وقال ابن سيده:
النقب والنقب في أيّ شيء كان، نقبه ينقبه نقباً، وعن القزاز: ويقال أيضاً:
نقب بكسر النون، وضَبْط ابن فارس بالسكون يقتضي أن لا يكون جمعه أنقاباً،
(١) ((الفتح)) ١٩٩/٥، ((كتاب فضائل المدينة)) رقم (١٨٨١).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠/ ٢٤٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٤٤/١٠.