Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحاً طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آَبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرٍ ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٤٨. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] مات سنة بضع وخمسين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ جَابِرِ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ) هو: يحيى بن جابر بن حسّان، وقال أبو بكر بن صدقة صاحب ((تاريخ حمص)): هو يحيى بن جابر بن حسان بن عمرو بن ثعلبة بن عديّ بن مُلاءة بن عوف بن أسد بن ربيعة بن سعد بن خُنيس بن جَدِيلة الطائيّ، أبو عمرو الحمصيّ القاضي، ثقةٌ، أرسل كثيراً [٦]. رَوَى عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، وصالح بن يحيى بن المقدام، ويزيد بن شُريح الحضرميّ، وأبي سَوْرة ابن أخي أبي أيوب، وغيرهم. روى عنه الزُّبيديّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وحبيب بن صالح قاضي حمص، وسليمان بن سليم، وصفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح، وأبو راشد التنُوخِيّ. قال الغلابي عن يحيى بن معين: كان قاضي حمص، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره: مات سنة ست وعشرين ومائة، وقيل: مات في خلافة الوليد بن یزید. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) بجيم، وموحّدة، مصغّراً، ابن نُفير - بنون، وفاء، مصغّراً - الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ [٤] (١١٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥. ٦ - (أَبُوهُ) جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ بن مالك بن عامر الْحَضْرَمِيُّ الحمصيّ مخضرم ثقةٌ جليلٌ، ولأبيه صحبة، فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر نظّ [٢] مات سنة ثمانين، وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٧ - (التَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ) هو: النوّاس - بتشديد الواو، ثم مهملة - ابن سمعان بن خالد الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام (بخ م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٧٦/٤٣. ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ - بكسر أوله، وسكون الهاء - الرَّازِيُّ) الْجَمّال - بالجيم - أبو جعفر، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في ((الإيمان)» ٢١٢/٢٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه شيخان فصل بينهما بالتحويل، وأنه مسلسل بالشاميين، غير شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني رازيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من المقلّين في الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو خمسة أحاديث، في الكتب الخمسة، وليس له عند البخاريّ شيء (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ النَّوَّاسِ) بفتح النون، وتشديد الواو، (ابْنِ سَمْعَانَ) بفتح السين، وكسرها؛ أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ نَِّ الدَّجَّالَ)؛ أي: خروجه، وسائر أموره، وابتلاء الناس به، (ذَاتَ غَدَاةٍ) ((ذات)) مقحمة، والغداة بالفتح: الضحوة، وهي (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٥٩/٩ - ٦١. ٥٦٣ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) مؤنثة، قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على معنى أول النهار جاز له التذكير، والجمع غَدَوات، قاله الفيّومِيّ تَقْذَثُهُ(١). (فَخَفَّضَ فِيهِ، وَرَفَّعَ) قال النوويّ تَُّ: هو بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان: أحدهما: أن ((خفّض)) بمعنى حقّر، وقوله: ((رفّع))؛ أي: عظّمه، وفخّمه، فمِن تحقيره وهوانه على الله تعالى عَوَرُهُ، ومنه قوله وَّ: ((هو أهون على الله من ذلك))، وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه، وأنه يضمحل أمره، ويُقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه، وتعظيم فتنته، والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنه ما من نبيّ إلا وقد أنذره قومه. والوجه الثاني: أنه خفّض من صوته في حال الكثرة فيما تكلم فيه، فخفض بعد طول الكلام والتعب؛ ليستريح، ثم رفّع ليبلغ صوته كل أحد. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: بتخفيف الفاء؛ أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته؛ ليسمع من بَعُد، وتارة يخفض؛ ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقّره، وصغّره، كما قال: ((هو أهون على الله من ذلك))، وتارة عظّمه، كما قال: ((ليس بين يدي الساعة خلق أكبر من الدجّال))، والأول أسبق إلى الفهم، وقد رُوي ذلك اللفظ: ((فخفّض فيه ورقّع)) مشدّد الفاء، وهي للتضعيف، والتكثير. انتهى (٣). (حَتَّى ظَنَنَّاهُ)؛ أي: الدجّال، (فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ)؛ أي: في قطعة من النخل قريبة إلينا، يعني أنه وَلجر وصفه بصفات كثيرة حتى ظننا أنه مختف في مكان قريب منا، (فَلَمَّا رُحْنَا) بضمّ الراء بوزن قُلنا؛ أي: رجعنا (إِلَيْهِ) وَّ في الرواح؛ أي: في آخر النهار، (عَرَفَ) وَ (ذَلِكَ) الظنّ الهائل (فِينَا، فَقَالَ) وَلـ عند ذلك: ((مَا شَأَنْكُمْ؟)))؛ أي: ما حالكم؟ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً)؛ أي: غداة من الغدوات، (فَخَفَّضْتَ فِيهِ، وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّهُ فِي طَائِفَةٍ النَّخْلِ)؛ أي: فهذا هو الذي أثّر في قلوبنا، وأزعجنا، كما ترى، (فَقَالَ) ◌َّ: ((غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ) قال القرطبيّ كَُّ: ((أخوفني)) بنون الوقاية عند (١) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢. (٣) ((المفهم)) ١١٣/٢٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٦٣. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة الجماعة، وهو وجه الكلام، وقد رُوي عن أبي بحر: ((أخوفي))، بغير نون، وهي قليلة، حكاها ثابت، وقد وقع في الترمذيّ: ((أخوف لي))، قال: وهو وجه الكلام، وفيه اختصار؛ أي: غير الدجّال أخوف لي عليكم من الدجال، فحُذف للعلم به. انتهى(١). قال النوويّ تَّهُ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: ((أخوفني)) بنون بعد الفاء، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، قال: ورواه بعضهم بحذف النون، وهما لغتان صحيحتان، ومعناهما واحد، قال شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالك تَخّْتُهُ: الحاجة داعية إلى الكلام في لفظ هذا الحديث، ومعناه. فأما لفظه: لكونه تضمّن ما لا يُعتاد، من إضافة ((أخوف)) إلى ياء المتكلم، مقرونة بنون الوقاية، وهذا الاستعمال إنما يكون مع الأفعال المتعدية. والجواب أنه كان الأصل إثباتها، ولكنه أصل متروك، فَنُبِّه عليه في قليل من كلامهم، وأنشد فيه أبياتاً، منها ما أنشده الفراء [من الوافر]: فَمَا أَدْرِي فَظَنِّي كُلُّ ظَنِّي أَمُسْلِمُنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي يعني: شراحيل، فرخّمه في غير الندا للضرورة، وأنشد غيره [من الطويل]: وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيُرْفَدَ خَائِباً فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلَا ولأفعل التفضيل أيضاً شَبَه بالفعل، وخصوصاً بفعل التعجب، فجاز أن تلحقه النون المذكورة في الحديث، كما لَحِقت في الأبيات المذكورة، هذا هو الأظهر في هذه النون هنا . ويَحْتَمِل أن يكون معناه أخوف لي، فأُبدلت النون من اللام، كما أُبدلت فِي لَعَنَّ وعَنّ بمعنى لعلّ، وعَلَّ. وأما معنى الحديث: ففيه أوجه: أظهرها: أنه من أفعل التفضيل، وتقديره: غير الدجال أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء، ومنه: ((أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون)): معناه: أن الأشياء التي أخافها على أمتي أحقها بأن تخاف الأئمة المضلون. (١) ((المفهم)) ٢٧٦/٧. ٥٦٥ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) والثاني: بأن يكون ((أخوف)) من أخاف بمعنى خَوّف، ومعناه: غير الدجال أشدّ موجبات خوفي عليكم. والثالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان، على سبيل المبالغة، كقولهم في الشعر الفصيح: شِعْرٌ شاعرٌ، وخوف فلان أخوف من خوفك، وتقديره: خوف غير الدجال أخوف خوفي عليكم، ثم حذف المضاف الأول، ثم الثاني. انتهى كلام الشيخ ابن مالك تَذْتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن مالك كَّتُهُ بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. وخلاصة المسألة أن النون المذكورة في قوله: ((أخوفني)) هي النون المسمّاة بنون الوقاية، وهي تلحق الأفعال دون الأسماء، وذلك لأن الأفعال إذا اتّصلت بها ياء المتكلّم يلزمها الكسر؛ لأجل الياء، والأفعال لا يدخلها الكسر، فجيء بالنون قبل الياء لأجل أن تكون الكسرة عليها، وهذا معنى ما أشار إليه ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ وأما الأسماء فلا تحتاج إليها؛ لأنها تقبل الكسر، ولذا قلّ ما يصحبها من الأسماء، كالبيتين السابقين، وكهذا الحديث، والله تعالى أعلم. قال ◌َله: (إِنْ يَخْرُجْ) الدجّال (وَ) الحال (أَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ)؛ أي: مخاصمه، ومجادله (دُونَكُمْ) أي دون الحاجة إليكم، والمعنى أنه وَلّ يكفي أمته في دفع شرّ الدجال بإفحامه، وقَطْع حججه دون أن يحتاج إلى من يدفعه معه . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إن يخرج وأنا فيكم إلخ)) هذا الكلام يدلّ على أن النبيّ وَّه لم يتبيّن له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه، ويقربه، وكذلك كان يقرّب أمره، حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم، و((حجيجه)): محاجّه، ومخاصمه، وقاطعه بالحجَّة، بإظهار كذبه وإفساد قوله. انتهى (٢). (وَإِنْ يَخْرُجْ، وَ) الحال أني (لَسْتُ فِيكُمْ)؛ أي: بموتي، (فَامْرُؤٌ) التنوين (١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٦٤ - ٦٥. (٢) ((المفهم)) ٢٧٦/٧. ٥٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة للتعميم، بدليل قوله: ((والله خليفتي على كلّ مسلم))؛ أي: فأيّ امرىء مسلم (حَجِيجُ نَفْسِهِ)؛ أي: مدافع عن نفسه، ولا يحتاج إلى غيره؛ لأن الله تعالى ينصره، ويعينه عليه، كما قال: (وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى) دفع شرّه، ودحض حججه الباطلة عن (كُلِّ مُسْلِم)؛ أي: ومسلمة. قال القرطبيّ تَخُّْ: قوَّله: ((فامرؤ حجيج نفسه))؛ أي: ليحتجّ كلّ امرىء عن نفسه بما أعلمته من صفته، وبما يدلّ العقل عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات. قال: قوله: ((والله خليفتي على كل مسلم)): هذا منه ◌َّ﴾ تفويض إلى الله تعالى في كفاية كل مسلم من تلك الفتن العظيمة، وتوكلٌ عليه في ذلك، ولا شكّ في أن من صحّ إسلامه في ذلك الوقت أنه يُكْفَى تلك الفتن؛ لصدق النبيّ ◌َّ في توكّله؛ لضمان الله تعالى كفاية من توكّل عليه، بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية [الطلاق: ٣]؛ أي: كافيه مشقة ما توكّل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبيّ وَّ إلى ما يقرؤه على الدجال، فَيُؤَمَّن من فتنته، وذلك عشر آيات من أول ((سورة الكهف))، أو من آخرها، على اختلاف الرواية في ذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشراً من أولها، وعشراً من آخرها، على أنه قد رَوَى أبو داود من حديث النوّاس نظُه: ((فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنَّها جِوَارٌ لكم من فتنته)) (١). (٢) . انتھی وقال القاري كَخَُّهُ: قوله: ((فقال: إن يخرج، وأنا فيكم))؛ أي: موجود فيما بينكم فرضاً وتقديراً، ((فأنا حجيجه)) فَعِيل بمعنى الفاعل، من الحجة، وهي البرهان؛ أي: غالب عليه بالحجة، دونكم؛ أي: قُدّامكم، ودافِعُه عنكم، وأنا إمامكم، وأمامَكم، وفيه إرشاد إلى أنه كان في المحاجة معه غير محتاج إلى معاونة معاون من أمته، في غلبته عليه بالحجة، قال القاري: كذا ذكره الطيبيّ تَخْذَلُهُ، والأظهر أنه يدفعه بنور النبوة، ويدفع خارق عادته الباطل (١) رواه أبو داود برقم (٤٣٢١). (٢) ((المفهم)) ٢٧٦/٧ - ٢٧٧. ٥٦٧ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) بمعجزاته المقرونة بالحقّ من غير دليل وبرهان؛ لأن بطلانه أظهر من الشمس عند أرباب العرفان، وأيضاً هو من المصممين على الباطل من دعوته، ولم يلتفت إلى المجادلة، وإثبات الأدلة، وإلا فبحمد الله تُعَلَ من يوجد في الأمة من يحقق الملة بالحجة، لا سيما خاتمة الأولياء، وهو المهديّ، وزبدة الأنبياء، وهو عيسى ◌ِلَّلاَ. وحاصله أنه لا ينفع معه الكلام، فدَفْعه إما بإعدامه مع وجود النبيّ أو بذوبانه وقتله على يد عيسى؛ هذا ما ظهر لي تَُّلاةَ. وقال التوربشتيّ كَّتُهُ: [فإن قيل]: أوَ ليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهديّ، وأن عيسى ظلّلا يقتله إلى غير ذلك من الوقائع الدالة على أنه لا يخرج، ونبيّ الله وَّه بين أظهرهم، بل لا تراه القرون الأولى من هذه الأمة، فما وجه قوله: ((إن يخرج وأنا فيكم))؟. [قلت]: إنما سلك هذا المسلك من التورية؛ لإبقاء الخوف على المكلفين من فِتَنه، والالتجاء إلى الله تعالى من شره؛ لينالوا بذلك من الله، ويتحققوا بالشح علی دینهم. وقال المظهر: يَحْتَمِل أن يريد تحقق خروجه، والمعنى: لا تشكّوا في خروجه، فإنه سيخرج لا محالة، وأن يريد به: عدم علمه بوقت خروجه، كما أنه كان لا يدري متى الساعة. قال الطيبيّ كَخْتُ: والوجه الثاني من الوجهين هو الصواب؛ لأنه يمكن أن يكون قوله هذا قبل عِلْمه بذلك. قال القاري: كان حقه أن يقول: هو الظاهر؛ ليطابق تعليله بقوله: لأنه يمكن؛ إذ مع الإمكان لا يقال في حق أحدهما: هو الصواب؛ لاحتمال الخطأ في كل واحد منهما، والله تعالى أعلم بالصواب. وخلاصة المعنى: أني إن كنت فيكم، فأكفيكم شرّه وقت خروجه، ((وإن يخرج، ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه))، بالرفع؛ أي: فكل امرىء يحاجّه، ويحاوره، ويغالبه لنفسه، كذا قاله الطيبيّ تَخْتُ؛ أي: ليدفع شره عن نفسه بما عنده من الحجة، كما قاله ابن الملك، لكن هذا على تقدير أنه يسمع الحجة، وإلا فالمعنى أن كل أحد يدفع عن نفسه شرّه بتكذيبه، واختيار صورة تعذيبه، ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ((والله خليفتي على كل مسلم)) يعني: أن اللّه ◌ُالَّ وليّ كل مسلم، وحافظه، فيعينه عليه، ويدفع شرّه، وهذا دليل على أن المؤمن الموقن لا يزال منصوراً، وإن لم يكن معه نبيّ، ولا إمام، ففيه ردّ على الإمامية من الشيعة. انتهى(١). (إِنَّهُ)؛ أي: الدجال، وهو استئنافٌ؛ بيان لبعض أحواله، وتبيانٌ لبعض ما يفيد في دفع شرّ أفعاله، (شَابٌّ) فيه إشعار بأنه غير ابن الصياد، وإيماء إلى أنه محروم من بياض الوقار، وثابت على اشتداد السواد في الظاهر الذي هو عنوان الباطن، من سواد الفؤاد. (قَطَطِ) بفتح القاف، والطاء؛ أي: شديد جعودة الشعر، مباعد للجعودة المحبوبة، وفيه إيماء إلى استحباب تسريح الشعر؛ دفعاً للمشابهة بالهيئة البشيعة. (عَيْنُهُ طَافِئَةٌ) وفي نسخة: ((عينه عنبة طافئة)) بالياء، وتُهمز؛ أي: مرتفعة، وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((طافئة)) رويناه بالهمز، وصحّحناه على من يوثق بعلمه، وقد سمعناه بغير همز، وبالوجهين ذكره القاضي أبو الفضل، فقال: هو اسم فاعل من طَفِئت النارُ تَطْفأ، فهي طافئة، وانطفأت فهي منطفئة، وأطفأتها فهي مطفأة، فكأن عينه كانت تُنير كالسراج، فانطفأت؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه الرواية التي لم يذكر فيها ((عنبة)) واضح، ويبعد فيها ترك الهمز، وأما الرواية التي فيها: ((كأنها عنبة طافية)) فالأَولى ترك الهمز، فإنَّه شبّهها في استدارتها، وبروزها، كحبة العنب، وهو اسم فاعل من طفا يطفو: إذا علا - غير مهموز - فهي طافية؛ أي: قائمة جاحظة، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث. وقد رَوَى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت بنظُه عن النبيّ وَّه أنه قال: ((إني قد حدّثتكم عن الدّجّال حتى خشيتُ ألا تعقلوا، إن المسيح الدجّال رجل قصيرٌ، أفحج، جعدٌ، أعور، مطموس العين، ليست بناتئة، ولا جحراء))، وهذا الحديث يقتضي أن عينه ليست بالفاحشة النتوء، والجحوظ، ولا غائرة حتى كأنها في جُحر، بل متوسطة، بحيث يصدق عليها أنها قائمة، وجاحظة، والله تعالى أعلم. وقد زاد عبادة في هذا الحديث من أوصافه أنه قصير، أفحج، والفحج: تباعد ما بين الساقين. انتهى(٢). (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٨٤/١٥. (٢) ((المفهم)) ٢٧٧/٧ - ٢٧٨. ٥٦٩ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) (كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ) بتشديد الموحّدة؛ أي: أمثّله (بِعَبْدِ الْعُزَّى) بضم العين، وتشديد الزاي، (ابْنِ قَطَنٍ) بفتحتين، وفي رواية للبخاريّ: أو أقرب الناس به شبهاً ابن قطن. قال الزهريّ: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، قال الحافظ: اسمه عبد العزى بن قَطَن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائد بن مالك بن المصطلق، وأمه هالة بنت خويلد، أفاده الدمياطيّ، قال: وقال ذلك أيضاً عن أكثم بن أبي الْجَوْن، وأنه قال: يا رسول الله هل يضرني شبهه؟ قال: ((لا، أنت مسلم، وهو كافر)) حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبّه بِهِ وَ﴿ أكثمَ: عمرُو بن لُحَيّ جدّ خُزاعة، لا الدجال، كذلك أخرجه أحمد وغيره. انتهى(١). قال الطيبيّ كَظْتُهُ: لم يقل: كأنه عبد العزى؛ لأنه لم يكن جازماً في تشبيهه به . وتعقّبه القاري، فقال: لا شك في تشبيهه به، إلا أنه لما كان معرفة المشبه في عالم الكشف، أو المنام عَبَّر عنه بكأني، كما هو المعتبَر في تعبير حكاية الرؤيا، والله تعالى أعلم. ويمكن أن يقال: لمّا لم يوجد في الكون أقبح صورة منه، فلا يتم التشبيه من جميع الوجوه، بل ولا من وجه واحد، عدل عن صيغة الجزم، وعبّر عنه بما عبر عنه، ثم في صيغة الحال إشعار باستحضار صورة المآل. انتهى (٢). (فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ(٣)، فَلْيَقْرَأُ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ ((سُورَةِ الْكَهْفِ)))؛ أي: أوائلها إلى ﴿كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]؛ لدلالة تلك الآيات على معرفة ذات الله تعالى، وصفاته، قال الطيبيّ رَّتُهُ: المعنى: أن قراءته أمان له من فتنته كما أمن تلك الفتية من فتنة دقيانوس الجبار، وفي رواية أبي داود: ((فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جواركم من فتنته))، والجوار بكسر الجيم: الأمان؛ أي: إنها تحفظكم من فتنته، وضَبَطها بعضهم بفتح الجيم وزاي في (١) ((الفتح)) ٨/ ٨٣. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٨٤/١٥. (٣) وفي نسخة: ((فمن أدرك)). ٥٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة آخره، وهو الصّ الذي يأخذه المسافر من السلطان، أو نوابه؛ لئلا يَتعرَّض لهم المترصدة في الطريق. [تنبيه]: وردت روايات متعددة في هذا المعنى، فمنها: ((من قرأها - أي: الكهف - كما أُنزلت كانت له نوراً من مقامه إلى مكة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج الدجال لم يسلّط عليه))، رواه النسائيّ، والحاكم، في (مستدركه))، وصححه، من حديث أبي سعيد الخدريّ، واللفظ للنسائيّ، وقال: رَفْعه خطأ، والصواب أنه موقوف، وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث أبي سعيد أيضاً، واختُلف في رفعه، ووقفه أيضاً، ولفظه: ((من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، ثم خرج الدجال لم يضرّه))، وروى مسلم، وأبو داود، عن أبي الدرداء، مرفوعاً: ((من حَفِظ عشر آيات من أولها عُصم من الدجال))، وفي رواية أبي داود، والنسائيّ عنه: ((من فتنة الدجال))، وفي رواية لمسلم، وأبي داود عنه: ((من حَفِظ عشر آيات))، وللنسائي عنه: ((من قرأ العشر الأواخر من الكهف، عُصم من فتنة الدجال))، وفي رواية للترمذيّ عنه: ((من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف، عُصم من فتنة الدجال))، وفي رواية لمسلم، والأربعة، عن النوّاس بن سمعان: ((من أدرك الدجال فليقرأ عليه فواتحها)) الحديث. قال القاري تَخْتُهُ: قيل: وجه الجمع بين الثلاث، وبين قوله: ((من حَفِظ عشر آيات)) أن حديث العشر متأخر، ومن عمل بالعشرة فقد عمل بالثلاث، وقيل: حديث الثلاث متأخر، ومن عُصم بثلاث، فلا حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النَّسخ. وتعقبه القاري، قائلاً: أقول: بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ، مع أن النسخ إنما يكون في الإنشاء، لا في الإخبار، فالأظهر أن أقل ما يُحفظ به من شرّه قراءة الثلاث، وحفظها أولى، وهو لا ينافي الزيادة، كما لا يخفى. وقيل: حديث العشر في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة، فمن حفظ العشر، وقرأ الثلاث كُفي، وعُصم من فتنة الدجال، وقيل غير ذلك من الأقوال(١)، (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٧١ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) والأولى أن قراءة الثلاث تكفي، ولكن الزيادة أولى، والله تعالى أعلم. (إِنَّهُ)؛ أي: الدجال (خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ) قال النوويّ تَذْتُ: هكذا في نُسخ بلادنا: ((خلة)) بفتح الخاء المعجمة، واللام، وتنوين الهاء، وقال القاضي: المشهور فيه: ((حلةَ)) بالحاء المهملة، ونصب التاء، يعني غير منوّنة، قيل: معناه: سَمْتَ ذلك، وقُبَالتَهُ، وفي ((كتاب العين)): الحلة موضع حَزْن، وصخور، قال: ورواه بعضهم: ((حُلّه)) بضم اللام، وبهاء الضمير؛ أي: نزوله، وحلوله، قال: وكذا ذكره الحميديّ في الجمع بين ((الصحيحين))، قال: وذكره الهرويّ: ((خلة)) بالخاء المعجمة، وتشديد اللام المفتوحتين، وفسّره بأنه ما بين البلدين، هذا آخر ما ذكره القاضي. قال النوويّ: وهذا الذي ذكره عن الهرويّ هو الموجود في نُسخ بلادنا، وفي الجمع بين ((الصحيحين)) أيضاً ببلادنا، وهو الذي رجحه صاحب ((نهاية الغريب))، وفسّره بالطريق بينهما. انتهى(١). وقال القاري: ((إنه))؛ أي: الدجال، ((خارج خلة)) بفتح معجمة، وتشديد لام؛ أي: طريقاً واقعاً بين الشام والعراق، وأصله: الطريق في الرمل، وقال شارح: أي: من سبيل بينهما، ففيه إشارة إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، ويؤيده ما في ((النهاية))؛ أي: في طريق بينهما. انتهى (٢). قال النووي تَّتُهُ: هكذا هو في نُسخ بلادنا: خلة بفتح الخاء المعجمة وتنوين التاء، وقال القاضي كثّثهُ: المشهور فيه: حلة بالحاء المهملة ونصب التاء يعني غير منوّنة، ومعناه: سَمْت ذلك وقبالته، قلت: المناسب أن يكون هي الحلة قرية بناحية دجلة من بغداد، أهلها شر من في البلاد من العباد، قال: ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير؛ أي: نزوله وحلوله. قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضاً ببلادنا . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إنه خارج حَلّةً بين الشام والعراق)): رويته، وقيّدته بفتح الحاء المهملة، وتشديد اللام، وهي رواية السجزيّ، وقيل: معنى (١) ((شرح النوويّ)) ٦٥/١٨. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ذلك: قُبالة، وسَمْتٌ. وفي ((كتاب العين((، و((الحلّة)): موضع حَزن وصخُور، وسقطت هذه الكلمة من رواية العذريّ. ورُوي عن ابن الحذاء: ((حَلُّهُ)) بضم اللام، وهاء الضمير؛ أي: نزوله، وحلوله، وكذا في كتاب التميميّ، وهكذا ذكره الحميديّ، ورواه الهرويّ في ((غريبه)): ((خَلَّةً)) بالخاء المعجمة مفتوحة، وتشديد اللام، وفسّره بأنه ما بين البلدتين، وقال غيره: هو الطريق في الرمل. قال: وقد روى الترمذيّ من حديث أبي بكر الصديق ظُبه قال: حدّثنا رسول الله وسلم قال: ((الدجّال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خُراسان يتبعه أفواجٌ، كأن وجوههم المجانّ المطرقة))، قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة طها، وهذا حديث حسنٌ غريبٌ. ووجه الجمع بين هذا وبين الذي قبله: أن مبتدأ خروج الدجّال من خُراسان، ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، والله تعالى أعلم. انتهى(١). (فَعَاثَ يَمِيناً، وَعَاثَ شِمَالاً) بعين مهملة، وثاء مثلثة مفتوحة، وهو فعل ماض، والعيث: الفساد، أو أشد الفساد، والإسراع فيه، يقال منه: عاث يعيث، وحكى القاضي أنه رواه بعضهم: ((فعاثٍ)) بكسر الثاء منونة، اسم فاعل، وهو بمعنى الأول، قاله النوويّ(٢). وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: قوله: ((عاث يميناً، وعاث شمالاً)) رويناه بالعين المهملة، والثاء المثلثة، مفتوحةً، غير منوّنة، على أنه فعل ماضٍ، وبكسرها، وتنوينها، على أنه اسم فاعل، وهو بمعنى الفساد، يقال: عثا في الأرض يعثر: أفسد، وكذلك عَثِي - بالكسر - يَعْثَى، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣]. والمعنى: أن الدجال أفسد، أو مفسد يميناً، وشمالاً، فـ((يميناً، وشمالاً)) ظرفاً لـ((عاث)). والمراد: يبعث سراياه يميناً، وشمالاً، ولا يكتفي بالإفساد فيما يطؤه من البلاد، ويتوجه له من الأغوار والأنجاد، فلا يأمن من شرّه مؤمن، ولا يخلو (١) ((المفهم)) ٢٧٨/٧ - ٢٧٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٦٥. ٥٧٣ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) من فتنته موطن(١)، اللَّهُمَّ اكفنا شرّه، وجميع المسلمين. (يَا عِبَادَ اللهِ)؛ أي: أيها المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان، أو أنتم أيها المخاطبون على فرض أنكم تدركون ذلك الأوان، (فَائْبُتُوا)))؛ أي: على دينكم، وإن عاقبكم، قال الطيبيّ تَخُّْ: هذا من الخطاب العام، أراد به من يُدرك الدجال من أمته، ثم قيل: هذا القول منه و ﴿ استمالة لقلوب أمته، وتثبيتهم على ما يعاينونه من شرّ الدجال، وتوطينهم على ما هم فيه من الإيمان بالله تعالى، واعتقاده، وتصديق ما جاء به الرسول وَله . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: (يا عباد الله فاثبتوا)): هذا من قول النبيّ وَليل يأمر من لقي الدجّال أن يثبت، ويصبر، فإنَّ لُبثه في الأرض قليل، على ما يأتي، وأما من سمع به، ولم يلقه، فليبعد عنه، وليفرّ بنفسه، كما أخرجه أبو داود(٢) من حديث عمران بن حصين ظها قال: قال رسول الله وَّرُ: ((من سَمِع بالدجّال فلينا عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه، وهو يحسب أنه مؤمن، فيتّبعه، مما يبعث به من الشبهات - أو - لِمَا يبعث به من الشبهات))(٣). (قُلْنَا:) معاشرَ الحاضرين مجلس رسول الله وَله، (يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا لَبْتُهُ؟) بفتح اللام، وسكون الموحّدة؛ أي: ما قدر مكثه وتوقفه (فِي الأَرْضِ قَالَ) النبيّ وَِّ: ((أَرْبَعُونَ يَوْماً) أما ما ورد في رواية: ((يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة))، فقال البغويّ في ((شرح السُّنَّة)): إنه لا يصلح أن يكون معارضاً لرواية مسلم هذه، وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين، مكث خاصّ، على وصف معيَّن(٤)، والله تعالى أعلم. (يَوْمٌ) أي: من تلك الأربعين (كَسَنَةٍ)؛ أي: مقدار عام في طول الزمان، أو في كثرة الغموم والأحزان، والصواب الأول. (وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ))) قال القرطبيّ تَخْتُ: ظاهر هذا أن الله تعالى يَخرق العادة في تلك الأيّام، فيُبطىء بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٣/١١. (٢) رواه برقم (٤٣١٩). (٣) ((المفهم)) ٢٧٩/٧. (٤) راجع: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الأيام، حتى يكون أوّل يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطىء بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيراً، لا سيما على يدي الدجّال. وقد تأوّله أبو الحسين ابن المنادي على ما حكاه أبو الفرج ابن الجوزيّ، فقال: المعنى: يَهْجُم عليكم غمّ عظيم؛ لشدة البلاء، وأيام البلاء طوال، ثم يتناقص ذلك الغمّ في اليوم الثاني، ثم يتناقص في الثالث، ثم يعتاد البلاء، كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة، كما قال: وَلَيْلُ الْمُحِبِّ بِلَا آخِرٍ قال أبو الفرج: وهذا التأويل يردّه قولهم: ((أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره)). والمعنى: قدّروا الأوقات للصلاة، غير أن أبا الحسين ابن المنادي قد طَعَن في صحة هذه اللفظات، أعني قولهم: ((أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره))، فقال: هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا قديماً، ولو كان ذلك صحيحاً لاشتهر على ألسنة الرواة، فإن حديث الدجال قد رواه ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وأُبَيّ بن كعب، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدريّ، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، ومعاذ بن جبل، ومُجَمِّع بن جارية ◌َّ في آخرين، ولو كان ذلك لقوي اشتهاره، ولكان أعظم، وأقطع من طلوع الشمس من مغربها . وتعقّبه القرطبيّ، فأجاد، حيث قال: هذه الألفاظ التي أنكرها هذا الرجل صحيحة في حديث النوّاس، أخرجها الترمذيّ من حديث النّاس، وذكر الحديث بطوله، نحواً مِمَّا خرّجه مسلم، وقال في الحديث: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد أخرجه أبو داود أيضاً من حديث عبد الرحمن بن يزيد المذكور، وذكر طرفاً من الحديث، ولم يذكره بطوله، فصحّ الحديث عند هؤلاء الأئمة، وانفراد الثقة بالحديث لا يخرم الثقة به؛ لأنَّه قد يسمع ما لا تسمعه الجماعة في وقت لا ٥٧٥ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) يحضر غيره، وكم يوجد من ذلك في الأحاديث، وقد رواه قاسم بن أصبغ من حديث جابر بن عبد الله على ما يأتي. وتطريق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز والثقة بعيدٌ لا يُلتفت إليه؛ لأنَّه يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد، وإلى خرم الثقة بها، مع أن ما تضمّنته هذه الألفاظ أمورٌ ممكنة الوقوع في زمان خرق العادات، كسائر ما جاء مما قد صحّ، وثبت من خوارق العادات التي تظهر على يدي الدجال، مما تضمنه هذا الحديث وغيره، فلا معنى لتخصيص هذه الألفاظ بالإنكار، والكل ظنون مستندة إلى أخبار العدول، والله أعلم بحقائق الأمور. قال القاضي في قوله: (اقدروا له)): هذا حُكم مخصوص بذلك اليوم، شَرَعه لنا صاحب الشرع، ولو وُكِلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ مفيد، والله تعالى أعلم. وقال في ((المرقاة)): قال ابن الملك: قيل: المراد منه: أن اليوم الأول لكثرة غموم المؤمنين، وشدة بلاء اللعين يُرَى لهم كسنة، وفي اليوم الثاني يهون كيده، ويضعف أمره، فيُرى كشهر، والثالث يُرى كجمعة؛ لأن الحقّ في كل وقت يزيد قدراً، والباطل ينقص حتى ينمحق أثراً، أو لأن الناس كلما اعتادوا بالفتنة والمحنة يهون عليهم إلى أن تضمحل شدتها . ولكن هذا القول مردود؛ لأنه غير مناسب لِمَا ذكر الراوي: «قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة - أي: مثلاً - أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره)) بل هذا جار على حقيقته، ولا امتناع فيه؛ لأن الله تعالى قادر على أن يزيد كل جزء من أجزاء اليوم الأول حتى يصير مقدار سنة خارقاً للعادة، كما يزيد في أجزاء ساعة من ساعات اليوم. انتهى. وفيه أن هذا القول الذي قرره على المنوال الذي حرّره لا يفيد إلا بسط الزمان، كما وقع له في قصة الإسراء، مع زيادة على المكان، لكن لا يخفى أن سبب وجوب كل صلاة إنما هو وقته المقدر من طلوع صبح، وزوال (١) ((المفهم)) ٢٧٩/٧ - ٢٨١. ٥٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة شمس، وغروبها، وغيبوبة شفقها، وهذا لا يُتصور إلا بتحقق تعدد الأيام والليالي على وجه الحقيقة، وهو مفقود، فالتحقيق ما قاله الشيخ التوربشتيّ دَّتُهُ وهو أنه يشكل من هذا الفصل قوله: ((يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة - مع قوله ــ: وسائر أيامه كأيامكم))، ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام على أنها وصفت بالطول والامتداد؛ لِمَا فيها من شدّة البلاء، وتفاقم البأساء والضراء؛ لأنهم قالوا: ((يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا ... )) الحديث، فنقول ـ وبالله التوفيق، ومنه المعونة في التحقيق .: قد تبين لنا بإخبار الصادق المصدوق - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - أن الدجال يُبعث معه من الشبهات، ويفيض على يديه من التمويهات، ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنة ونار، وإحياء الميت على حسب ما يدعيه، وتقويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب، وتارة بالأزمة والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول، إلا أن نقول إنه يأخذ بأسماع الناس، وأبصارهم حتى يُخَيَّل إليهم أن الزمان قد استمرّ على حالة واحدة، إسفار بلا ظلام، وصباح بلا مساء، يحسبون أن الليل لا يَمُدّ عليهم رُواقه، وأن الشمس لا تَطْوِي عنهم ضياءها، فيبقون في حيرة، والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيات الظاهرة في اختلاف الليل والنهار، فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادفة تلك الأحوال، ويَقْدُروا لكل صلاة قَدْرها إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمة، هذا الذي اهتدينا إليه من التأويل، والله الموفق لإصابة الحقّ. وفي ((شرح مسلم)) للنوويّ كَّثُهُ: قالوا: هذا على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القَدْر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله: ((وسائر أيامه كأيامكم))، وأما قوله: ((اقدروا له قدره)) فقال القاضي عياض وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شَرَعه لنا صاحب الشرع، قالوا: ولولا هذا الحديث، ووُكلنا إلى اجتهادنا اقتصرنا على الصلاة عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام، ومعناه: إذا مضى بعد طلوع الفجر قَدْر ما يكون بينه وبين الظهر في كل يوم، فصلّوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قَدْر ما يكون بينها وبين العصر، ٥٧٧ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) فصلّوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب، فصلوا المغرب، وكذا العشاء، والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وكذا حتى ينقضي ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سَنَة فرائض، مؤداة في وقتها . وأما الثاني الذي كشهر، والثالث الذي كجمعة، فيقاس على اليوم الأول في أنه يقدّر له كاليوم الأول، على ما ذكرناه. انتهى. وحاصله أن الأوقات للصلوات أسباب، وتقديم المسبَّبات على الأسباب غير جائز، إلا بشرع مخصوص، كما يُقدمِ العصر على وقته بعرفات(١). (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْم؟) واحد (قَالَ) وَلِّ: (لَا) أي لا تكفي فيه صلاة يوم واحد، بل (اقْدُرُوا) بكِسّر الدال وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، (لَهُ) أي لأداء الصلاة (قَدْرَهُ)))؛ أي: قدره الذي كان له في سائر الأيام، كمحبوس اشتبه عليه. (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ)؛ أي: ما قدر إسراعه، أو كيفية إعجاله (فِي الأَرْضِ؟)؛ أي: في سيرها، وطيّ ساحتها، قال الطيبيّ كَُّهُ: لعلهم علموا أن له إسراعاً في الأرض، فسألوا عن كيفيته، كما كانوا عالمين بلبثه، فسألوا عن كميته بقولهم: ((ما لَبثه؟)) أي: ما مدة لبثه؟ (قَالَ) بَّهِ: (كَالْغَيْثِ) المراد به هنا الغيم؛ إطلاقاً للسبب على المسبَّب؛ أي: يُسرع في الأرض إسراع الغيم، وقوله: (اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ) قال ابن الملك: حال، أو صفة للغيث، و((أل)) فيه للعهد الذهني، والمعنى: أن هذا مثال لا يُدرك كيفيته، ولا يمكن تقدير كميته. (فَيَأْتِي)؛ أي: فيمرّ الدجال (عَلَى الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُمْ) على باطله (فَيُؤْمِنُونَ بِهِ)؛ أي: يصدّقونه على باطله (وَيَسْتَجِيبُونَلَهُ)؛ أي: يطيعونه فيما يأمرهم به، (فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ)؛ أي: السحاب، (فَتُمْطِرُ) بالضمّ، من الإمطار؛ أي: تنزل غيثها، (وَالأَرْضَ)؛ أي: ويأمر الأرض (فَتُنْبِتُ) بالضمّ، من الإنبات، (فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ)؛ أي: فترجع بعد زوال الشمس إليهم (سَارِحَتُهُمْ)؛ أي: مواشيهم التي تذهب بالغدوة إلى مراعيها، (أَطْوَلَ مَا كَانَتْ)؛ أي: السارحة من الإبل، ونصب ((أطول)) على الحالية، (ذُراً) بضم الذال المعجمة، وحُكي كسرها، وفتح الراء، منوّناً: جَمْع (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ذروة مثلثة، وهي أعلى السنام، وذروة كل شيء أعلاه، وهو كناية عن كثرة السِّمَن، وانتصاب ((ذراً)) على التمييز. (وَأَسْبَغَهُ)؛ أي: أتمّه (ضُرُوعاً) بضم أوله: جمع ضرع، وهو الثدي، كناية عن كثرة اللبن، (وَأَمَدَّهُ)؛ أي: وأمدّ ما كانت، وهو اسم تفضيل من المدّ، (خَوَاصِرَ) جمع خاصرة، وهي ما تحت الجَنْب، ومدّها كناية عن الامتلاء، وكثرة الأكل. وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((فتغدو عليهم سارحتهم إلخ)): تغدو: تبكر. والسارحة: المواشي التي تخرج للسرح، وهو الرعي، كالإبل، والبقر، والغنم. والذُّرى: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وأسبغه: أطوله ضروعاً؛ لكثرة اللبن. وأمّه خواصر: لكثرة أكلها، وخصب مرعاها. انتهى(١). (ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ)؛ أي: قوماً آخرين، وفي العدول عن قوله: ((على)) بناءً على ما سبق إشعار بأن إتيانه على الأولين ضررٌ في الحقيقة، دون الآخرين(٢). (فَيَدْعُوهُمْ) أي إلى عبادته بدعواه الألوهيّة، (فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) أي لا يقبلونه، أو يبطلونه بالحجة، (فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ) فيه إشارة إلى أنه ليس له قدرة الإجبار، ٤٢ قال تعالى : ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَثَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢] والمعنى فيصرفه الله عنهم، (فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ) بضم الميم، وبالحاء؛ أي: داخلين في الْمَحْل، قال التوربشتيّ كَّتُهُ: أمحل القومُ: أصابهم المحل، وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض من الكلأ، وقوله: (لَيْسَ بِأَيْدِیھِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) بيان لإمحالهم، والحاصل أن القوم صاروا به مبتلين بأنواع من البلاء، والمحن، والضرّاء، ولكن الله رم أمدّهم بالصبر والثبات، وقوّة اليقين، فهم صابرون، راضون، شاكرون. (وَيَمُرُّ) الدجّال (بِالْخَرِبَةِ) بفتح الخاء، وكسر الراء، أو بكسر الخاء، وسكون الراء أو بكسر الراء؛ أي: بالأرض الخراب (فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي) بقطع الهمزة، من الإخراج، (كُنُوزَكِ)؛ أي: مدفونك، أو معادنك، (فَتْبَعُهُ) الفاء فصيحية؛ أي: فتخرج، فتتبع الدجال (كُنُوزُهَا، كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ)؛ أي: كما يتبع النحلُ اليعسوب، قال النوويّ نَظُّهُ: اليعاسيب ذكور النحل، هكذا فسَّره ابن قتيبة، وآخرون، قال القاضي تَظْتُهُ: (١) ((المفهم)) ٧/ ٢٨١. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٩٠/١٥. ٥٧٩ (٢٠) - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَصِفَتِهِ، وَمَا مَعَهُ - حديث رقم (٧٣٤٣) المراد: جماعة النحل، لا ذكورها خاصّة، لكنه كنى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها؛ لأنه متى طار تبعته جماعته، ومنه قيل للسيد: يعسوب، ففي الكلام نوع قلب؛ إذ حق الكلام: كنحل اليعاسيب، ولعل النكتة في جمع اليعاسيب، هو الإيماء إلى كثرة الكنوز التابعة، وأنه قُدِّر كأنه جَمْع باعتبار جوانبه، وأطرافه، والمراد: جَمْع من أمرائه، ووكلائه، وقال الأشرف: قوله: ((كاليعاسيب)) كناية عن سرعة اتّباعه؛ أي: تتبعه الكنوز بالسرعة، وقال الطيبيّ تَّتُهُ: إذا كان قوله: ((كاليعاسيب)) حالاً من الدجال فالخربة صفة البقاع، وإذا كان حالاً من الكنوز، فيجوز أن يكون الموصوف جمعاً، أو مفرداً. انتهى (١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: يعاسيب النحل: فُحولها، واحدها يعسوب، وقيل: أمراؤها، ووجه التشبيه: أن يعاسيب النحل يتبع كلَّ واحد منهم طائفة من النحل، فتراها جماعات في تفرقة، فالكنوز تتبع الدجال كذلك(٢). (ثُمَّ يَدْعُو)؛ أي: يطلب الدجال (رَجُلاً) لم يُعرف، وقيل: هو الخضر عليّ، ولا يصحّ، كما سيأتي، حال كونه (مُمْتَلِئاً)؛ أي: تاماً كاملاً قوياً، وقوله: (شَبَاباً) تمييز عن النسبة، قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: الممتلىء شباباً هو الذي يكون في غاية الشباب، (فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ) أي غضباً عليه؛ لإبائه قبول دعوته الألوهية، أو إظهاراً للقدرة، وتوطئة لخرق العادة، (فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ) بفتح الجيم، وتكسر؛ أي: قطعتين، متباعدتين، (رَمْيَةَ الْغَرَضِ)؛ أي: قَدْر حذف الْهَدَف، فهي منصوبة بمقدَّر، وفائدة التقييد به أن يظهر عند الناس أنه هلك بلا شبهة، كما يفعله السحرة، والمشعبذة، قال النوويّ تَخْتُهُ: هو بفتح الجيم على المشهور، وحَكَى ابن دُريد كسرها، ومعنى رمية الغرض: أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية الغرض، هذا هو الظاهر المشهور، وحكى القاضي هذا، ثم قال: وعندي أن فيه تقديماً وتأخيراً، وتقديره: فيصيبه إصابة رمية الغرض، فيقطعه جزلتين، والصحيح الأول، قال التوربشتيّ تَخْتُ: أراد برمية الغرض: (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٣/١١. (٢) ((المفهم)) ٢٨٢/٧. ٥٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة إما سرعة نفوذ السيف، وإما إصابة الْمَحَزّ، قال الطيبيّ تَخْلُ: ويؤيده تأويل النوويّ قوله في الحديث الآخر: ((ثم يمشي الدجال بين القطعتين)) (١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فيقطعه جزلتين)) هو بفتح الجيم، وحكاه ابن دُريد بكسرها، قال: والأَّولى الفتح؛ لأن جزلتين هنا مصدر ملاقٍ في المعنى لـ((يقطعه))، فكأنه قال: قطعه قطعتين، أو جزله جَزلتين، وجزلة مصدر محدود الجزل جزلاً، وجزلةً، ويجوز الكسر على أنه اسم، يعني قَسَمه قطعتين وفرقتين، و((رميةَ الغرض)) منصوب نصب المصدر؛ أي: كرمية الغرض في السرعة والإصابة، وقيل: جُعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بُعد، والأول أشبه. انتهى (٢). (ثُمَّ يَدْعُوهُ)؛ أي: يطلب الدجّال الشاب الذي قطعه بالسيف لكي يأتيه، (فَيُقْبِلُ) الشابّ على الدجّال، وقوله: (وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، ومعنى (يتهلّل)): أي يتلألأ، ويضيء، وقوله: (يَضْحَُ) جملة حاليّة من ((وجهه)). (فَبَيْنَمَا هُوَ)؛ أي: الدجّال (كَذَلِكَ)؛ أي: على تلك الحال، وذلك المنوال، (إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) عليهما الصلاة والسلام، فسبحان من يدفع المسيحَ بالمسيح، قال تعالى جل شأنه: ﴿بَلِّ نَقْذِفُ بِلْنَقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ. فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، (فَيَنْزِلُ) عيسى عَلَّهُ (عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ) ((عند)) ظرف لـ((ينزل))، وقوله: (شَرْقِيَّ دِمَشْقَ) بالنصب على الظرفية مضافاً إلى قوله: (دمشق)) بكسر الدال، وفتح الميم، وتُكسر، وهو المشهور الآن بالشام، فإنه تحت ملكه، وذكر السيوطي في تعليقه على ابن ماجه أنه قال الحافظ ابن كثير: في رواية أن عيسى ظلَّ* ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردنّ، وفي رواية بمعسكر المسلمين. قال: حديث نزوله ببيت المقدس عند ابن ماجه، وهو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات؛ لأن بيت المقدس شرقيّ دمشق، وهو معسكر المسلمين (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٥٣/١١. (٢) ((المفهم)) ٢٨٢/٧.