Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣١٧) والخصب معه، واتباع كنوز الأرض له، وأمْر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على شيء من ذلك، ثم يقتله عيسى ابن مريم - عليهما الصلاة والسلام - وأبطل أمْره الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة، وزعم الجبائيّ ومن وافقه أنه صحيح الوجود، لكن ما معه مخارق، وخيالات، لا حقيقة لها؛ ليفرق بينه وبين النبيّ. وأجيب عنه بأنه لا يدعي النبوة، فيحتاج إلى فارق، وإنما يدعي الألوهية، وهو مكذَّب في ذلك؛ لسمات الحدوث فيه، ونقص صورته، وعَوَره، وتكفيره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغترّ به إلا رعاع الناس؛ لشدة الحاجة، والفاقة، وسدّ الرمَق، أو خوفاً من أذاه، وتقيةً. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على صحة إسلام الصبيّ، فإنه وَّ عرض عليه الإسلام، ولكن لشقاوته ما وُفّق له. ٥ - (ومنها) أن فيه دليلاً على صلابة عمر څبه، وقوة دينه، ودفاعه عنه. ٦ - (ومنها): أن فيه دلالةً على التثبت في أمر النهي، وأنه لا تستباح الدماء إلا بيقين (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): ذكر في ((الفتح)) فوائد تتعلَّق بالدجّال، سبق بعضها، ولكن فيها فوائد وزوائد نفسية، فلنذكرها؛ لنفاستها، قال: ومما يُحتاج إليه في أمر الدجال: أصله، وهل هو ابن صياد، أو غيره؟ وعلى الثاني، فهل كان موجوداً في عهد رسول الله وَل# أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدّعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟. فأما الأول: فقد ثبت في حديث جابر ظُه أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال. وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجوداً في العهد النبويّ، وأنه محبوس في بعض الجزائر. (١) ((عمدة القاري)) ٨/ ١٧٢ - ١٧٤. ٤٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وأما الثالث: ففي حديث النوّاس بن سمعان عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية . وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم في حديث ابن عمر، عن حفصة صحي أنه يخرج من غضبة يغضبها . وأما من أين يخرج؟ فمن قِبَلِ المشرق جزماً، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خُراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر بنظ ◌ُه، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب. وأما الذي يدّعيه فإنه يخرج أوّلاً، فيدعي الإيمان والصلاح، ثم يدّعي النبوة، ثم يدّعي الإلهية، كما أخرج الطبرانيّ من طريق سليمان بن شهاب، قال: نزل عليّ عبد الله بن المعتمر، وكان صحابيّاً، فحدّثني عن النبيّ وَّ أنه قال: ((الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَع، ويَظهر، فلا يزال حتى يَقْدَم الكوفة، فيظهر الدين، ويَعمل به، فيُتَّبع، ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبيّ، فيفزع من ذلك كل ذي لبّ، ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتغشى عينه، وتُقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان))، وسنده ضعيف. [تنبيه]: اشتَهَر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذُكر عنه من الشر، وعِظَم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه ذُكر في قوله: ﴿يَوْمَ بَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيمَنُهَا﴾. [الأنعام: ١٥٨] فقد أخرج الترمذيّ، وصححه، عن أبي هريرة نظُّه، رفعه: ((ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها)). الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وفي قوله ٤٨٣ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّدٍ - حديث رقم (٧٣١٧) تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، وصح أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يُلَقَّب المسيح، كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة، وعیسی مسیح الهدى. الثالث: أنه تُرك ذكره احتقاراً. وتُعُقّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال، والذي قبله. وتُعُقّب بأن السؤال باقٍ، وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟. وأجاب شيخنا الإمام البلقينيّ بأنه اعتَبَر كل من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجد كل من ذُكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجيء بعدُ فلم يذكر منهم أحداً. انتهى. وهذا يُنتقض بيأجوج ومأجوج، وقد وقع في تفسير البغويّ أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وأن المراد بالناس هنا: الدجال، من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبيّ وَلـ ببيانه، والعلم عند الله تعالى. وأما ما يظهر على يده من الخوارق فسيأتي بيانها في الأحاديث الطويلة التي يوردها مسلم - إن شاء الله تعالى -. وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها، إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى ظلّ، فيقتله، أخرجه مسلم، وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله وَّل﴿ يقول: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال))، أخرجه الحاكم، وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد، رفعه: ((إنه يخرج - يعني: الدجال ـ في نقص من الدنيا، وخفة من الدين، وسوء ذات بَيْن، فيَرِدُ كل منهل، وتُطوى له الأرض ... )) الحديث. وأخرج نعيم بن حماد في ((كتاب الفتن)) من طريق كعب الأحبار، قال: يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقيّ، ثم يُلتمس فلا يُقدر عليه، ثم يُرى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يدرى أين توجه؟ ثم يظهر ٤٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة بالمشرق، فيعطى الخلافة، ثم يُظهر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر، فيأمره أن يسيل إليه، فيسيل، ثم يأمره أن يرجع، فيرجع، ثم يأمره أن يببس، فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا، فينتطحا، ويأمر الريح أن تُثير سحاباً من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد)). وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من ((الحلية)) بسند حسن، صحيح إليه، قال: ((لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة))، وهذا لا يقال من قِبَل الرأي، فيَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً، أرسله، ويَحْتَمِل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب. انتهى، ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا نَمْشِي مَعَ النَّبِّ وَِّ، فَمَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيْئاً))، فَقَالَ: دُخٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَِّ: ((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ))، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((دَعْهُ، فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : وكلهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً) على وزن فَعِيل، ويروى: ((خبأت لك خبأ)) على وزن فعل، وكلاهما صحيح، بمعنى الشيء الغائب المستور: أي: أضمرت لك ((سورة الدخان))، واختُلف في هذا المخبّأ ما هو؟ فقال القرطبيّ: (١) ((الفتح)) ١٦ / ٥٧٤ - ٥٧٦. ٤٨٥ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّدٍ - حديث رقم (٧٣١٨) الأكثر على أنه أضمر له في نفسه: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قال الداوديّ: كان في يده سورة الدخان مكتوبة، وقال الخطابيّ: لا معنى للدخان هنا؛ لأنه ليس مما يُخبأ في كفّ، أو كُمّ، بل الدخ: نبْت موجود بين النخيل والبساتين. وقال أبو موسى المدينيّ في كتابه ((المغيث)): وقيل: إن الدجال يقتله عيسى ◌ُالَّا بجبل الدخان، فَيَحْتَمِل أن يكون أراده. انتهى. وقال صاحب (التلويح)): وفيه نظر من حيث أنا وجدنا ما قاله تخرّصاً مسنداً إلى رسول الله وَل﴿ من طريق صحيحة، قال أحمد في ((مسنده)): حدّثنا محمد بن سابق، حدّثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره مرفوعاً مطوّلاً(١). وقوله: (فَقَالَ: دُخُّ) قال أبو موسى: بضم الدال، وفتحها، لغتان، وقال الكرمانيّ: بضم الدال وتشديد الخاء: الدخان، وهو لغة فيه، وقال النوويّ: المشهور في كتب اللغة والحديث ضمّها فقط، واعتُرض عليه بأن ابن سِيدَهْ، وأبا التيانيّ، وأبا المعالي، وصاحب ((مجمع الغرائب)) حكوا الفتح، حاشا الجوهريّ، فإنه نصّ على الضم، ولم يذكر غيره. ورُدّ عليه بأن حكاية هؤلاء الفتح لا يستلزم نفي الضم، كما أن ذِكر الجوهريّ الضم لا يستلزم نفي الفتح. وقال القرطبيّ: وجدته في كتاب الشيخ: ((الدخ)) ساكن الخاء مصححاً عليه، وكأنه على الوقف، قال: وأما الذي في الشِّعر فمشدد الخاء، وكذلك قرأته في الحديث. وقال ابن قرقول: الدخ لغة في الدخان، لم يستطع ابن صياد أن يُتم الكلمة، ولم يهتد من الآية الكريمة إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان، من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجنّ، أو من هواجس النفس، ولهذا قال له: ((اخسأ، فلن تعدو قَدْرك)) أي لست بنبيّ، ولن تجاوز قدرك، وإنما أنت كاهن، فلن تجاوز يعني قَدْر الكهان(٢). وقوله: ((اخْسَأ) في الأصل لفظ يُزجر به الكلب، ويطرد، من خسأت (١) ((عمدة القاري)) ١٧١/٨. (٢) ((عمدة القاري)) ٨/ ١٧١. ٤٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الكلبَ خساً: طردته، وخسأ الكلبُ نفسُه يتعدى، ولا يتعدى، واخسأ أيضاً وهو خطاب زجر، واستهانة؛ أي: اسكت صاغراً مطروداً. وقوله: (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََ))) بنصب (تعدو)) بـ(لن))، وقال السفاقسيّ: وقع هنا ((فلن تعد)) بغير واو، وقال القزاز هي لغة لبعض العرب، يجزمون بـ(لن))، مثل (لم)) وقال ابن مالك: الجزم بـ((لن)) لغة حكاها الكسائيّ، وقيل: حُذفت الواو تخفيفاً، وقيل: ((لن)) بمعنى ((لا))، أو ((لم)) بالتأويل، وقال ابن الجوزيّ: يعني لا يبلغ قدرك أن تطالع الغيب من قِبل الوحي المخصوص بالأنبياء لَلا، ولا من قبيل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما كان الذي قاله من شيء ألقاه الشيطان إليه، إما لكون النبيّ تكلم بذلك بينه وبين نفسه، فسمعه الشيطان، وإما أن يكون الشيطان سمع ما يجري بينهما من السماء؛ لأنه إذا قُضي القضاء في السماء تكلمت به الملائكة لتّ لا، فاسْتَرَقَ الشيطان السمع، وإما أن يكون رسول الله وَ له حدّث بعض أصحابه بما أضمر، ويدل على ذلك قول عمر رَُّه: وخبّأ له رسول الله وَله: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فالظاهر أنه أعلم الصحابة بما يخبّأ له، وإنما فعل ذلك به ليختبره عن طريقة الكهان، وليتعيّن للصحابة حاله وكذبه (١). وقوله: (فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ))) وفي رواية البخاريّ: ((إن يكنه فلن تسلّط عليه))، فقوله: ((إن يكنه)) هذا الضمير المتصل في يكنه هو خبر ((يكن))، وقد وُضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، ويروى: إن يكن هو، وهو الصحيح؛ لأن المختار في خبر ((كان)) هو الانفصال، وعلى تقدير هذه الرواية لفظ ((هو)) تأكيد للضمير المستتر، و((كان)) تامة، أو وضع ((هو)) موضع ((إياه))، أي إن يكن إياه؛ أي: الدجال. قوله: ((وإن لم يكنه))؛ أي: وإن لم يكن هو دجالاً فلا خير في قتله. وقال في ((الفتح)): قوله: ((فلن تعدو قدرك))؛ أي: لن تجاوز ما قدر الله فيك، أو مقدار أمثالك من الكهان. (١) ((عمدة القاري)) ١٧١/٨. ٤٨٧ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣١٩) قال العلماء: استكشف النبيّ وَله أمره ليبيّن لأصحابه تمويهه؛ لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإسلام. ومحصّل ما أجاب به النبيّ وَلّ أنه قال له على طريق الفرض والتنزل: إن كنت صادقًا في دعواك الرسالة، ولم يختلط عليك الأمر، آمنت بك، وإن كنت كاذباً، وخلط عليك الأمر فلا، وقد ظهر كذبك، والتباس الأمر عليك، فلا تعدو قَدْرك. وقوله: ((إن يكن هو)) كذا للأكثر، وللكشميهنيّ: ((إن يكن)) على وصل الضمير، واختار ابن مالك جوازه، ثم الضمير لغير مذكور لفظاً، وقد وقع في حديث ابن مسعود عند أحمد: ((إن يكن هو الذي تخاف، فلن تستطيعه))، وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة: ((إن يكن هو الدجال)). وقوله: ((فلن تسلط عليه)) في حديث جابر: ((فلست بصاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم)). وقوله: ((وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله)). قال الخطابيّ: وإنما لم يأذن النبيّ ◌َّر في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته؛ لأنه كان غير بالغ، ولأنه كان من جملة أهل العهد، قال الحافظ: الثاني هو المتعيّن، وقد جاء مصرحاً به في حديث جابر، عند أحمد، وفي مرسل عروة: ((فلا يحل لك قتله))، قال: ثم إن في السؤال عندي نظراً؛ لأنه لم يصرح بدعوى النبوة، وإنما أوهم أنه يدعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوة، قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ الآية [مريم: ٨٣]. انتهى (١). والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣١٩] (٢٩٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَقِيَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَأَبُوَّ بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي بَعْضٍ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَتَشْهَدُ أَنّي رَسُولُ اللهِ؟))، فَقَالَ هُوَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((آمَنْتُ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، (١) ((الفتح)) ٦/ ١٧٣. ٤٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة وَكُتُبِهِ، مَا تَرَى؟))، قَالَ: أَرَى عَرْشاً عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، وَمَا تَرَى؟))، قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنٍ، وَكَاذِباً، أَوْ كَاذِبَيْنِ، وَصَادِقاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((لُبِسَ عَلَيْهِ، دَعُوهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سَالِمُ بْنُ نُوحٍ) بن أبي عطاء البصريّ، أبو سعيد العطار، صدوقٌ، له أوهام [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥١٨/٥١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و((الْجُريريّ)) هو: سعيد بن إياس البصريّ، و((أبو نضر)) هو: المنذر بن مالك بن قُطَعة العبديّ، و((أبو سعيد)) هو الخدريّ [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وشيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه أبو سعيد ظُبه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك الْخُدريّ ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: لَقِيَهُ) أي ابن صيّاد، هكذا الرواية بالضمير دون تقدّم مرجعه، ولكن بيّنه في الرواية التالية، حيث قال: ((لقي نبيّ الله وَ ل﴿ ابن صائد ... ))، ويَحتمل أن يكون اختصره من حديث طويل، فيه ذكر ابن صيّاد، والله تعالى أعلم. (رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي بَعْضٍ طُرُقِ الْمَدِينَةِ) النبويّة، (فَقَالَ لَهُ) أي لابن صيّاد (رَسُولُ اللهِّ وَلِ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟))) وََّ، زاد في رواية: ((أشهد إنك رسول الأميين))؛ يعني: العرب، وفيه إشعار بأن اليهود الذين كان ابن صياد منهم كانوا معترفين ببعثة رسول الله وَله، لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم واضح جدّاً؛ لأنهم إذا أقروا بأنه رسول الله استحال أن يكذب على الله، فإذا ادّعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرها تعيّن ٤٨٩ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣١٩) صِدقه، فوجب تصديقه(١). (فَقَالَ هُوَ) أي ابن صيّاد للنبيّ ◌َ: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) وفي رواية الترمذيّ: ((فقال: أتشهد أنت أني رسول الله))، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّهِ: «آمَنْتُ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ) وفي رواية: ((آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر))، وفي حديث ابن عمر الآتي: ((آمنت بالله ورسله))، والمعنى إني آمنت برسل الله تعالى، ولست منهم، قيل: إنما لم يصرح النبيّ ◌َّر بالإنكار عليه في دعوى رسالته؛ لأن ابن صيّاد لم يصرح بدعواها، وإنما سأله على طريق الاستفهام، حيث قال: أتشهد أني رسول الله؟، ويحتمل أنه أعاد سؤال النبيّ وَلّ تهكماً، ولم يقصد دعوى الرسالة، فاحتاط وَّر في الردّ عليه، والله أعلم. قال الزين ابن الْمُنَيِّر ◌َخْتُهُ: إنما عَرَض النبيّ وَِّ الإسلام على ابن صياد بناءً على أنه ليس الدجال المحذَّر منه. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يتعيّن ذلك، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملاً، فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو، وإن لم يُجب تمادى الاحتمال، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة، ولمّا كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف، فقال: ((آمنت بالله، ورسله)). وقال القرطبيّ: كان ابن صياد على طريقة الكهنة، يُخبر بالخبر، فيصحّ تارة، ويفسد أخرى، فشاع ذلك، ولم ينزل في شأنه وحي، فأراد النبيّ وَّل سلوك طريقة يختبر حاله بها؛ أي: فهو السبب في انطلاق النبيّ ◌َّل إليه. وقد روى أحمد من حديث جابر بنظُبه: ((قال: ولدت امرأة من اليهود غلاماً ممسوحة عينه، والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النبيّ وَل ◌ّر أن يكون هو الدجال))، والترمذيّ عن أبي بكرة رُبه مرفوعاً: ((يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاماً لا يولد لهما، ثم يولد لهما غلام أضرّ شيء، وأقله منفعةً، قال: ونَعَتَهما، فقال: أما أبوه فطويل، ضرب اللحم، كأن أنفه منقار، وأما أمه ففرضاخة)) أي بفاء مفتوحة، وراء ساكنة، وبمعجمتين، والمعنى أنها ضخمة (١) ((الفتح)) ٦/ ١٧٢. ٤٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة طويلة اليدين، قال: فسمعنا بمولود بتلك الصفة، فذهبت أنا والزبير بن العوام، حتى دخلنا على أبويه؛ يعني: ابن صياد، فإذا هما بتلك الصفة. ولأحمد، والبزار من حديث أبي ذر، قال: ((بعثني النبيّ وَّ إلى أمه، فقال: سلها كم حملت به؟ فقالت: حملت به اثني عشر شهراً، فلما وقع صاح صیاح الصبي ابن شهر)). انتهى. فكأن ذلك هو الأصل في إرادة استكشاف أمره(١). (مَا تَرَى؟))) وفي رواية: ((ماذا ترى؟، قال ابن صياد: يأتيني صادق، وكاذب)). (قَالَ) ابن صيّاد: (أَرَى عَرْشاً عَلَى الْمَاءِ) وفي رواية: ((فقال: أرى حقّاً وباطلاً، وأرى عرشاً على الماء))، ولأحمد: ((أرى عرشاً على البحر، حوله الحيتان))، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ) ثم قال ◌َ: (وَمَا تَرَى؟))؛ أي: غير ما ذكرته، (قَالَ) ابن صيّاد: (أَرَى صَادِقَيْنِ، وَكَاذِباً، أَوْ كَاذِبَيْنٍ، وَصَادِقاً)؛ أي: يأتيني شخصان يخبراني بما هو صِدق، وشخص يخبرني بما هو كذب، قال القاريّ: والشك من ابن الصياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه، إذ المؤيَّد من عند الله لا يكون كذلك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ويَحْتَمل أن يكون الشكّ من الرواة، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ) لأصحابه: (لُبِسَ عَلَيْهِ) بضم اللام، وكسر الموحّدة المخففة، ولو شُدِّدت لأفادت التأكيد والتكثير؛ أي: خُلط عليه الأمر في كهانته، وفي حديث أبي الطفيل عند أحمد: ((فقال: تعوّذوا بالله من شرّ هذا» . (دَعُوهُ)))؛ أي: فاتركوه، فإنه لا يحدّث بشيء يصلح أن يعوّل عليه، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٦/ ١٧٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٥٠/١٦. ٤٩١ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّدٍ - حديث رقم (٧٣٢٠) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ نظُه هذا من أفراد المصنّف نَخْدَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣١٩/١٩] (٢٩٢٥)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٥١٧/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٧/٣)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (١١٩٤/٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٠] (٢٩٢٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَقِيَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ ابْنَ صَائِدٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ صَائِدٍ(١)، مَعَ الْغِلْمَانِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُرَيْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢. ٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٤ - (أَبُوه) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقة عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُرَيْرِيِّ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سليمان بن طرخان. (١) وفي نسخة: ((ابن صيّاد)). ٤٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة [تنبيه]: رواية أبي نضرة عن جابر بن عبد الله ضعيها هذه ساقها ابن حبّان تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٧٨٤) - أخبرنا عمر بن محمد الْهَمْدانيّ، قال: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال: لقي نبيّ الله وَالر ابن صائد، ومعه أبو بكر وعمر، قال: وابن صائد مع الغلمان، فقال له رسول الله وَله: ((أتشهد أني رسول الله؟)) قال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال نبيّ الله وَله: ((آمنت بالله، وبرسوله))، قال: فقال رسول الله وَله: ((ما ترى؟)) قال: أرى عرشاً على الماء، فقال ◌َله: ((ترى عرش إبليس على البحر))، قال: ((انظر ما ترى؟)) قال: أرى صادقين وكاذبين، فقال رسول الله وَله: (لُبس على نفسه فدعاه(١))). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢١] (٢٩٢٧) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: أَمَا قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ، يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدَ لِي، أَوَ لَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟))، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا(٣) أَنَا أُرِيدُ مَّةَ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ، وَمَكَانَهُ، وَأَيْنَ هُوَ؟، قَالَ: فَلَبَسَنِي). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ - بالمهملة - أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧. (١) أي: اتركاه، والأمر لأبي بكر وعمر (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٥/ ١٨٧. (٣) وفي نسخة: ((وها أنا)). ٤٩٣ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢١) ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين غير الصحابيّ رَُّه، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد نَظُه سبق القول فيه قريباً . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: صَحِبْتُ) بكسر الحاء، من باب عَلِم، (ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكْةَ)؛ أي: متوجهين إليها، (فَقَالَ لِي: أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ) حُذف مفعوله للتفخيم والتهويل؛ أي: شيئاً عظيماً، وخطيراً، ثم بيّنه بقوله: (يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ)؛ أي: ولست إياه، وقال بعضهم قوله: ((يزعمون)) استئناف، كأنه لما قال: ((قد لقيت))، قيل له: ماذا تشكو منهم؟ فقال: ((يزعمون))، أو حال من فاعل لقيت؛ أي: حال كونهم يزعمون أني الدجال، ويترددون في أمري، ويشكّون فيه، وأنت تعلم أن الأمر على خلاف ذلك. (أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ،وَ هِ يَقُولُ: ((إِنَّهُ) أي الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (لَا يُولَدُ لَهُ؟»، قَالَ) أبو سعيد: (قُلْتُ: بَلَى) سمعته يقول ذلك. (قَالَ) ابن صائد: (فَقَدْ وُلِدَ لِي)؛ أي: فلست بدجال، (أَوَ لَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ) الدجال الآتي آخر الزمان (الْمَدِينَةَ) النبويّة (وَلَا مَكَّةَ؟))، قُلْتُ: بَلَى) سمعته يقول ذلك. (قَالَ) ابن صائد: (فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَنَا) وفي نسخة: ((وها أنا ذا)) (أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ) أبو سعيد: (ثُمَّ قَالَ لِي) ابن صائد: (فِي آخِرِ قَوْلِهِ)؛ أي: كلامه الذي تكلّم به في ذلك الوقت، (أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ)؛ أي: زمان ولادة الدجال (وَمَكَانَهُ) الذي وُلد فيه، (وَأَيْنَ هُوَ) الآن، زاد في رواية: ((وأعرف أباه وأمه))، قال القاري: هذا يَحْتَمِل أن يكون فيه كاذباً، أو صادقاً. (قَالَ) أبو سعيد: (فَلَبَسَنِي) بتخفيف الموحّدة المفتوحة، قال النوويّ كَُّهُ: هو بالتخفيف: أي جعلني ٤٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة ألتبس في أمره، وأشكّ فيه، قال القاري: يعني حيث قال أوّلاً: اعلم أنا مسلم، ثم ادعى الغيب بقوله: إني لأعلم، ومن ادعى علم الغيب فقد كفر، فالتبس عليّ إسلامه وكفره، وقال ابن الملك: ((فلبّسني)) من التلبيس: أي التخليط، حيث لم يبيّن مولده، وموضعه، بل تركه ملتبساً، فلبّس عليّ، أو معناه: أوقعني في الشك بقوله: وُلد لي، ويدخوله المدينة ومكة، وكان يظنّ أنه الدجال، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف تَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٢١/١٩ و٧٣٢٢ و٧٣٢٣] (٢٩٢٧)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٤٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦/٣ و٤٣ و٧٩ و٩٧)، و(أبو بكر الشيبانيّ) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٦٨/٤)، و(الدانيّ) في ((السنن الواردة في الفتن)) (١١٩٥/٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ صَائِدٍ، وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لِي وَلَكُمْ، يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّهُ يَهُودِيٌّ؟))، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: (وَلَا يُولَدُ لَهُ؟))، وَقَدْ وُلِدَ لِي، وَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ؟))، وَقَدْ حَجَجْتُ، قَالَ: فَمَا زَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَمَا وَاللّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الآنَ حَيْثُ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنََّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي سبق قبل حدیث. وقوله: (وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ) بالذال المعجمة المفتوحة، ثم ميم مخفّفة: ٤٩٥ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٢) أي: حياء وإشفاق، من الذمّ واللوم (١)، والجملة حاليّة؛ أي: وقد أخذتني منه، أي من مصاحبته، والمشي معه ذامة؛ أي: استحياء، وإشفاق من لوم الناس، وذمهم لي علی مصاحبته. وقوله: (هَذَا) مفعول لمحذوف، أي أفهم هذا، أو مبتدأ خبره محذوف، أي هذا هو الشأن والأمر، وهذا هو المسمّى عند علماء البلاغة بالتخلّص، أو الاقتضاب، وهو الانتقال من أسلوب الكلام إلى آخر(٢). وقوله: (عَذَرْتُ النَّاسَ)؛ أي: جعلت عامتهم معذورين فيما يقولون: إني الدجال؛ لجهلهم بما قاله النبيّ وَله من أوصاف الدجال. وقوله: (مَا لِي وَلَكُمْ، بَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟)؛ أي: أيّ شيء ثبت لكم في قولكم: إني دجال، وقد تعرفون حقيقة الأمر بسبب أنه مَّ لم يترك شيئاً من علاماته الظاهرة إلا وقد بيّنه لكم، وسمعتموه، وعرفتم أنها ليست منطبقة عليّ، كما ترون، فما لكم في موافقة العوامّ في هذا الأمر؟، ثم بيّن لهم تلك العلامات بقوله: (أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللهِ وََّ: ((إِنَّهُ)؛ أي: الدجال الموعود به آخر الزمان (يَهُودِيٌّ؟))، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ) وَلِ: ((وَلَا يُولَدُ لَهُ؟))، وَقَدْ وُلِدَ لِي، وَقَالَ) وَلِّ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ؟)))؛ أي: دخولها، (وَقَدْ حَجَجْتُ)؛ أي: قصدت الحج، لا أنه قال ذلك بعد رجوعه من الحجّ؛ لأن الحوار جرى بينه وبين أبي سعيد ظُه في طريق الحج من المدينة إلى مكة، كما بُيّن في الرواية التالية، حيث قال: ((أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة)). (قَالَ) أبو سعيد: (فَمَا زَالَ) ابن صائد يعدّد أشياء (حَتَّى كَادَ)؛ أي: أوشك وقرب (أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ)؛ أي: يؤثّر في قلبي (قَوْلُهُ) هذا حتى أصدّقه فيما يقول: إنه ليس بدجّال. (قَالَ) أبو سعيد: (فَقَالَ لَهُ) فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة؛ إذ الأصل أن يقول: فقال لي، (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الآنَ) أي في (١) (شرح النوويّ)) ١٨/ ٥١. (٢) راجع: ((الكوكب الوهّاج)» ٢١٣/٢٦. ٤٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة الوقت الحاضر (حَيْثُ هُوَ)؛ أي: المكان الذي فيه الدجال الموعود به آخر الزمان (وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ) أبو سعيد: (وَقِيلَ لَهُ)؛ أي: قال قائل لابن صائد، ويَحتمل أن يكون القائل هو أبو سعيد، أو بعض الحاضرين: (أَيَسُرَُّ) وتستبشر به (أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟) أي لو كنت إياه، فهل ترضى بذلك؟، وتُسرّ به؟ (قَالَ) أبو سعيد: (فَقَالَ) ابن صائد: (لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: لو قُدّر أن عُرض عليّ أن أكون أنا هو، (مَا) نافية، (كَرِهْتُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي لم أكن كارهاً ذلك. وقال القاري كَخَّتُهُ: قوله: ((قال))؛ أي: أبو سعيد، ((وقيل له))؛ أي: لابن صياد، ((أيسرك))؛ أي: أيوقعك في السرور، ويفرحك، ويعجبك، ((أنك ذلك الرجل))؛ أي: أن تكون الدجال، ((قال))؛ أي: أبو سعيد، ((فقال))؛ أي: ابن صياد: (لو عُرِض علي)) بصيغة المجهول؛ أي: لو عُرِض عليّ ما جُبل في الدجال من الإغواء، والخديعة، والتلبيس، ((ما كَرِهت))؛ أي: بل قبلت، والحاصل رضاه بكونه الدجال، وهذا دليل واضح على كفره، كذا ذكره المظهر، وغيره من الشراح. انتهى(١). وقال القاضي عياض رَّتُهُ: إن هذه الأشياء اتّفقت لابن صيّاد بعد أن گَبِر، وبعد موته وثير، وأنه حج البيت، وحفظ الحديث عن رسول الله وَل﴾، وذكره الطبريّ وغيره في عداد الصحابة، لكن ظهرت منه في هذه الأحاديث أمور بعضها كفر، كقوله: (لو عرض عليّ ما كرِهتُ))، فإن من رضي لنفسه دعوى الألوهيّة، وحالة الدجّال فهو كافر، وبعضها يُشعر أنه الدجّال، كقوله: ((إني أعرفه، وأعرف مولده، وأين هو؟)) زاد الترمذيّ: ((وأين هو الساعة من الأرض؟))، فإن هذه كالنصّ أنه هو، وما لبّس به من أنه أسلم، فقد يكفر فيما يُستقبل، أو يكون إسلامه تقيّةً، وهو منافق، وكذلك لا حجة له في دخول المدينة ومكة؛ لأنه وَ له إنما أخبر أنه لا يدخلها أيام فتنته، وكذلك قوله: لا يولد له يَحْتَمِل أنه أيام خروجه، وإن استبعده الأبيّ لِمَا في الرواية الأخرى أنه عقيم، والله تعالى أعلم(٢). (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٥١/١٦. (٢) راجع: ((شرح الأبيّ)) ٧/ ٢٦٠ - ٢٦١. ٤٩٧ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٣) والحديث من أفراد المصنّف تَُّهُ، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنِي الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا خَّجَّاجاً، أَوْ عُمَّاراً، وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً، مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ، فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَزَّ شَدِيدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمّ، فَانْطَلَقَ، فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَزَّ شَدِيدٌ، وَاللَّبَنُ حَارٌّ، مَا بِي إِلَّا أَنّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ، أَوْ قَالَ: آخُذَ عَنْ يَدِهِ، فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آَخُذَ حَبْلاً، فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ، ثُمَّ أَخْتَيِقَ، مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ◌ِِّ، مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثٍ رَسُولِ اللهِ وََّ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هُوَ كَافِرٌ؟))، وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه : (هُوَ عَقِيمٌ، لَا يُولَدُ لَهُ؟))، وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟)) وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللهِ إِنِّي لِأَعْرِفُهُ، وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ، وَأَيْنَ هُوَ الآنَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبَّأَ لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه هو الذي تقدّم قبل ثلاثة أحاديث، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا) من المدينة، حال كوننا (حُجَّاجاً)؛ أي: محرمين بالحجّ، (أَوْ عُمَّاراً)؛ أي: أو محرمين بالعمرة، و((أو)) للشك، والظاهر أنها من أبي نضر، أو ممن دونه، وقوله: (وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ) هو ابن صيّاد، والجملة حاليةٌ. (قَالَ) أبو سعيد: (فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً) ٤٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة للاستراحة (فَتَفَرَّقَ النَّاسُ)؛ أي: رِفقتنا في الأشجار طلباً لظلّها، (وَبَقِيتُ) بكسر القاف، (أَنَا) أكّده بالضمير المنفصل؛ ليمكنه العطف بلا ضعف، كما مرّ غير مرّة، وقوله: (وَهُوَ) عطف الضمير الفاعل، (فَاسْتَوْحَشْتُ)؛ أي: نفرت نفسي (مِنْهُ)؛ أي: من مجالسته، (وَحْشَةً شَدِيدَةً)، وقوله: (مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ) تعليل لاستيحاشه منه؛ أي: إنما استوحشت منه لأجل ما يقول الناس فيه، من أنه الدجّال. (قَالَ) أبو سعيد: (وَجَاءَ) ابن صائد (بِمَتَاعِهِ، فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ) مشيراً إلى شجرة قريبة منهما؛ أي: لكان خيراً، فـ((لو)) شرطيّة، جوابها مقدّر، كما ذكرته، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّ، فلا جواب لها؛ أي: أتمنى أن تضع متاعك تحت تلك الشجرة. (قَالَ) أبو سعيد: (فَفَعَلَ) ابن صائد ما أشرت به إليه، من وَضْع متاعه تحت الشجرة المشار إليها. (قَالَ) أبو سعيد: (فَرُفِعَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: ظهرت، وكُشفت (لَنَا غَنَمٌ) قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: الغَنَمُ اسم جنس، يُطلق على الضأن، والمعز، وقد تُجمع على أَغْنَام، على معنى قُطَعانات من الغنم، ولا واحد لِلْغَنَم من لفظها، قاله ابن الأنباريّ، وقال الأزهريّ أيضاً: الغَنَمُ الشاء، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمَانِ؛ أي: قَطِيعان من الغَنَم، كلّ قطيع منفرد بمرعى، وراعٍ، وقال الجوهريّ: الغَنَمُ اسم مؤنثٌ موضوع الجنس الشاء، يقع على الذكورِ، والإناث، وعليهما، ويُصَغَّر، فتدخل الهاء، ويقال: غُنَيْمَةٌ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرت فالتأنيث لازم لها. انتهى(١). (فَانْطَلَقَ) ابن صائد إلى تلك الغنم (فَجَاءَ) عطف على مقدّر؛ أي: فحلب، فجاء، والظاهر أن عادة أصحاب الغنم السماح لابن السبيل أن يحلب غنمهم، ويشرب، وقوله: (بِعُسِّ) بضمّ العين، وتشديد السين المهملتين: القدح الكبير، والجمع عِسَاس، مثلُ سِهام، وربّما قيل: أَعساس، مثلُ قُفْل وأقفال(٢). (فَقَالَ) ابن صائد لأبي سعيد: (اشْرَبْ) يا (أَبَا سَعِيدٍ)، قال أبو سعيد: (فَقُلْتُ) له: لا أشرب، ثم علّل ذلك بقوله: (إِنَّ الْحَرَّ)؛ أي: حرّ الجوّ (١) ((المصباح المنير)) ٤٥٥/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٠٩/٢. ٤٩٩ (١٩) - بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ - حديث رقم (٧٣٢٣) (شَدِيدٌ، وَاللَّبَنُ حَارٌّ)؛ أي: فيجتمع عليّ حرارتان، ولا أستطيع ذلك، قال أبو سعيد: (مَا بِي)؛ أي: ليس بي شيء مما أردّ به لبنه (إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ)؛ أي: إلا كراهية الشرب عن يد ابن صائد؛ لِمَا يقول فيه الناس، وقوله: (أَوْ قَالَ) ((أو)) هنا للشك من الراوي، أبي نضرة، أو غيره؛ أي: أو قال أبو سعيد: ما بي إلا أني أكره (آخُذَ عَنْ يَدِهِ)؛ أي: يد ابن صائد؛ لِما ذُكر. (فَقَالَ) ابن صائد لمّا ردّ عليه لبنه، وأبى أن يشرب عن يده، فظهر له أن ذلك بسبب ما يقال فيه من أنه الدجّال. (أَبَا سَعِيدٍ)؛ أي: يا أبا سعيد، (لَقَدْ هَمَمْتُ)؛ أي: قصدت (أَنْ آخُذَ حَبْلاً) من الحبال (فَأُعَلِّقَهُ) بالنصب عطفاً على ((آخذ))، (بِشَجَرَةٍ)؛ أي: أربطه بها، (ثُمَّ أَخْتَنِقَ) بالنصب أيضاً لِمَا ذُكر؛ أي: أخنق نفسي، وأموت، وذلك (مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ)؛ أي: من أجل ما يتكلّمون فيّ من أني أنا الدجال، ثم قال: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ) بكسر الفاء، من باب تعب؛ أي: من استتر (عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ وَارِ) بسبب عدم سماعه له، فـ((من)) شرطيّة، جوابها مقدّر؛ أي: من خفي عليه حديثه وََّ، فهو معذور، وقوله: (مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ) ((ما)) نافية؛ أي: لم يَخْفَ عليكم حديثه وََّ، ويَحْتَمل كون ((ما)) استفهاميّة للإنكار؛ أي: أيّ شيء خفي عليكم، وقوله: (مَعْشَرَ الأَنْصَارِ) منصوب على الاختصاص؛ أي: أخصّ جماعة الأنصار، أو هو منادی حُذف منه حرف النداء؛ أي: يا معشر الأنصار، (أَلَسْتَ) بتاء الخطاب، وهو لأبي سعيد، (مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) هو ممن أكثر الرواية عنه وَِّ، حتى عُدّ من المكثرين السبعة من الصحابة ﴿ه، ويقال: إنه روى (١١٧٠) حديثاً. (أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) ((رسول الله)) تنازعاه ((ليس))، و((قال))، ويَحْتَمل أن يكون اسم ((ليس)) ضمير الشأن؛ أي: ليس هو؛ أي: الشأن، (هُوَ)؛ أي: الدجال الآتي آخر الزمان (كَافِرٌ) كما سيأتي قوله وَّهَ: «مكتوب بين عينيه كافر))، (وَأَنَا مُسْلِمٌ)؛ أي: فلست إياه، فكيف تتهمني مع العامة الذين لا يعرفون الأحاديث؟ (أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((هُوَ)؛ أي: الدجال الموعود (عَقِيمٌ) بفتح، فكسر: هو الذي لا يولد له، يُطلق على الذكر والأنثى(١)، فقوله: (لَا يُولَدُ لَهُ))) تفسير (١) ((المصباح المنير)) ٤٢٣/٢. ٥٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة لـ((عقيم))، (وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟)) وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ) وقد وُلدت، وعشت فيها، (وَأَنَا) الآن (أُرِيدُ مَكَّةَ) للحجّ؛ أي: فلست أنا هو. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَبه (حَتَّى) غاية لكثرة احتجاجاته على عدم كونه هو الدجال الموعود به آخر الزمان، أي إلى أن (كِدْتُ) بكسر الكاف؛ أي: قاربت، قال الفيّوميّ كَّلُهُ: كَادَ يفعل كذا يَكَادُ، من باب تَعِب: قارب الفعل، قال ابن الأنباريّ: قال اللغويون: ((كِدتُ أفعل)) معناه عند العرب: قاربت الفعل، ولم أفعل، و((ما كِدْتُ أفعل)) معناه: فعلت بعد إبطاء، قال الأزهريّ: وهو كذلك، وشاهِدُه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] معناه: ذبحوها بعد إبطاء؛ لتعذّر وجدان البقرة عليهم، وقد يكون ((ما كِدْتُ أفعل)) بمعنى ما قاربت. انتهى(١). (أَنْ أَعْذِرَهُ) فيه اقتران خبر ((كاد)) بـ((أن))، وهو قليل، والغالب عدم اقترانها، كالآية المذكورة، قال في (الخلاصة)): وَكَوْنُهُ بِدُونِ ((أَنْ)) بَعْدَ (عَسَى)) نَزْرٌ وَ(كَادَ)) الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقوله: ((أعذره)) بفتح أوله، أو ضمّه، وكسر الذال المعجمة؛ أي: أقبل عذره، قال الفيّوميّ كَُّ: عَذَرْتُهُ فيما صنع عَذْراً، من باب ضَرَب: رفعت عنه اللوم، فهو مَعْذُورٌ؛ أي: غير ملوم، والاسم: العُذْرُ، وتُضم الذال للإتباع، وتُسَكَّن، والجمع: أَعْذَارٌ، والمَعْذِرَةُ، والعُذْرَى بمعنى العُذْرِ، وأَعْذَرْتُهُ بالألف لغة، واعْتَذَرَ إليّ: طلب قبول مَعْذِرَتِهِ، واعْتَذَرَ عن فعله: أظهر عُذْرَهُ، والمُعْتَذِرُ يكون محقّاً، وغير محقّ، واعْتَذَرْتُ منه بمعنى شكوته، وعَذَرَ الرجلُ، وأَعْذَرَ: صار ذا عيب، وفساد. انتهى(٢). (ثُمَّ قَالَ) ابن صائد بعد هذا كلّه: (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (وَاللهِ إِنِّي لأَعْرِفُهُ)؛ أي: الدجال الموعود به، (وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ، وَأَيْنَ هُوَ الآنَ؟ قَالَ) أبو سعيد لمّا سمع هذا منه: (قُلْتُ لَهُ: تَبّأَ)؛ أي: هلاكاً، وخسراناً (لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ) أي في باقي اليوم، أو في جميع اليوم، ونصب ((تبّاً)) بفعل مقدّر، فهو (١) ((المصباح المنير)) ٥٤٥/٢. (٢) ((المصباح المنير) ٣٩٨/٢.