Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٩٨)
(قَالَ) النبيّ وَّهِ جواباً لسؤالهم هذا: ((لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ))) جواب (لو))
محذوف، تقديره: لكان خيراً، ونحو ذلك، ويجوز أن تكون (لو)) للتمني، فلا
تحتاج إلى جواب(١)، والمعنى: أتمنّى أن يعتزلهم الناس، ويبتعدوا عنهم.
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((لو أن الناس اعتزلوهم))، لو: معناها
التمني؛ أي: ليت الناس اعتزلوهم، فيه دليل على إقرار أئمة الجور، وتَرْك
الخروج عليهم، والإعراض عن هَنَات، ومفاسد، تصدر عنهم، وهذا ما أقاموا
الصلاة، ولم يصدر منهم كفر بَوَاح عندنا من الله فيه برهان، كما قدمناه في
(كتاب الإمامة))، وهؤلاء الأغيلمة كان أبو هريرة ظُبه يعرف أسماءهم،
وأعيانهم، ولذلك كان يقول: لو شئت قلت لكم: هم بنو فلان، وبنو فلان،
لكنّه سكت عن تعيينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد، وكأنهم - والله
تعالى أعلم - يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، ومن تنزّل منزلتهم، من
أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قَتْل أهل بيت رسول الله وَلَه،
وسبيهم، وقتل خيار المهاجرين، والأنصار بالمدينة، وبمكة، وغيرها، وغيرُ
خافٍ ما صدر عن الحجاج، وسليمان بن عبد الملك، ووَلَدِه من سفك الدماء،
وإتلاف الأموال، وإهلاك خيار الناس بالحجاز، والعراق، وغير ذلك.
(٢)
انتھی(٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية) في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٩٨/١٨ و٧٢٩٩] (٢٩١٧)، و(البخاريّ) في
(المناقب)) (٣٦٠٤ و٣٦٠٥) و((الفتن)) (٧٠٥٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١/
٣٢٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٤/٢ و٥٢٠ و٥٣٦)، و(ابن راهويه) في
((مسنده)) (٣٥٨/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٧١٢ و٦٧١٣)، و(البيهقيّ) في
((الدلائل)) (٦/ ٤٦٤)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٣٣٤/١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((عمدة القاري)) ١٣٩/١٦.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٤/٧ - ٢٥٥.

٤٤٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(المسألة الثالثة): قال الإمام البخاريّ تَظْلُهُ في ((صحيحه)): باب قول
النبيّ ◌َّ: ((هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء)).
(٦٦٤٩) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عمرو بن يحيى بن
سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: أخبرني جدّي، قال: كنت جالساً مع أبي
هريرة في مسجد النبيّ وَّل﴾ بالمدينة، ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت
الصادق المصدوق يقول: ((هَلَكَةُ أمتي على يدي غلمة من قريش)»، فقال
مروان: لعنة الله عليهم غلمةً، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان،
وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدّي إلى بني مروان، حين مُلِّكوا
بالشام، فإذا رآهم غلماناً أحداثاً، قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم،
قلنا: أنت أعلم. انتهى.
قال في ((الفتح)): زاد في بعض النُّسخ لأبي ذرّ: ((من قريش))، ولم يقع
لأكثرهم، وقد ذكره في الباب من حديث أبي هريرة بدون قوله: ((سفهاء))،
وذكر ابن بطال أن عليّ بن معبد أخرجه؛ يعني: في ((كتاب الطاعة والمعصية))،
من رواية سماك، عن أبي هريرة، بلفظ: ((على رؤوس غلمة سفهاء من قريش))،
قال الحافظ: وهو عند أحمد، والنسائيّ من رواية سماك، عن أبي ظالم، عن
أبي هريرة: ((إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش)). هذا لفظ أحمد،
عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن سماك، عن عبد الله بن ظالم،
وتابعه أبو عوانة، عن سماك، عند النسائيّ، ورواه أحمد أيضاً عن زيد بن
الحباب، عن سفيان، لكن قال: مالك، بدل عبد الله، ولفظه: سمعت أبا
هريرة يقول لمروان: أخبرني حِبِّي أبو القاسم بَّ قال: ((فساد أمتي على يدي
غلمة سفهاء من قريش))، وكذا أخرجه من طريق شعبة، عن سماك.
وقوله في الترجمة: ((أغيلمة)) تصغير غِلمة، جمع غلام، وواحد الجمع
المصغر: غُلَيِّم بالتشديد، يقال للصبي حين يولد إلى أن يحتلم: غلام،
وتصغيره غُلَيِّم، وجَمْعه غلمان، وغِلْمة، وأُغيلمة، ولم يقولوا: أغلمة مع كونه
القياس، كأنهم استغنوا عنه بغِلْمة، وأغرب الداوديّ فيما نقله عنه ابن التين
فضبط أغيلمة بفتح الهمزة، وكسر الغين المعجمة، وقد يُطلق على الرجل
المستحكم القوة غلام؛ تشبيهاً له بالغلام في قوته، وقال ابن الأثير: المراد

٤٤٣
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٩٨)
بالأغيلمة هنا: الصبيان، ولذلك صغّرهم، قلت(١): وقد يطلق الصبيّ والغُلَيِّم
بالتصغير على الضعيف العقل، والتدبير، والدين، ولو كان محتلماً، وهو المراد
هنا، فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استُخلف وهو دون البلوغ،
وكذلك من أَمَّروه على الأعمال، إلا أن يكون المراد بالأغيلمة: أولاد بعض
من استُخلف، فوقع الفساد بسببهم، فنُسب إليهم، والأَولى الحمل على أعمّ
من ذلك.
وقوله: ((أخبرني جدي)) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية،
وأبوه عمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق، قتله عبد الملك بن مروان لمّا
خرج عليه بدمشق بعد السبعين.
وقوله: «كنت جالساً مع أبي هريرة)» كان ذلك زمن معاوية، قوله: ((ومعنا
مروان)) هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية الذي ولي الخلافة بعد ذلك، وكان
يلي لمعاوية إمرة المدينة تارةً، وسعيد بن العاص والد عمرو يليها لمعاوية تارةً.
وقوله: ((سمعت الصادق المصدوق)) المراد به النبيّ وَل.
وقوله: ((هلكة أمتي)) في رواية المكي: ((هلاك أمتي))، وفي رواية
عبد الصمد: ((هلاك هذه الأمة))، والمراد بالأمة هنا: أهل ذلك العصر، ومن
قارَبَهم، لا جميع الأمة إلى يوم القيامة.
وقوله: ((على يدي غلمة)) كذا للأكثر بالتثنية، وللسرخسيّ، والكشميهنيّ:
((أيدي)) بصيغة الجمع، قال ابن بطال: جاء المراد بالهلاك مبيناً في حديث آخر
لأبي هريرة، أخرجه عليّ بن معبد، وابن أبي شيبة من وجه آخر، عن أبي
هريرة، رفعه: ((أعوذ بالله من إمارة الصبيان، قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال:
إن أطعتموهم هلكتم - أي: في دينكم، وإن عصيتموهم أهلكوكم)) - أي: في
دنياكم بإزهاق النفس، أو بإذهاب المال، أو بهما .
وفي رواية ابن أبي شيبة: ((أن أبا هريرة كان يمشي في السوق، ويقول:
اللَّهُمَّ لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان)). وفي هذا إشارة إلى أن أول
الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استُخلف فيها،
(١) القائل هو: الحافظ.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وبقي إلى سنة أربع وستين، فمات، ثم وَلِيَ ولده معاوية، ومات بعد أشهر.
وهذه الرواية تخصص الرواية المذكورة في هذا الباب بلفظ: ((يهلك
الناس هذا الحي من قريش)) وأن المراد بعض قريش، وهم الأحداث منهم،
لا كلهم، والمراد أنهم يُهلكون الناس بسبب طلبهم المُلك، والقتال لأجله،
فتفسد أحوال الناس، ويكثر الخبط بتوالي الفتن، وقد وقع الأمر كما
أخبر الله .
وأما قوله: ((لو أن الناس اعتزلوهم)) محذوف الجواب، وتقديره: لكان
أولى بهم، والمراد باعتزالهم: أن لا يداخلوهم، ولا يقاتلوا معهم، ويفروا
بدينهم من الفتن، ويَحْتَمِل أن يكون (لو)) للتمني، فلا يحتاج إلى تقدير جواب.
ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار
المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال ابن وهب
عن مالك: تُهْجَر الأرض التي يُصنع فيها المنكر جهاراً، وقد صنع ذلك جماعة
من السلف .
وقوله: ((فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمةً)) في رواية عبد الصمد:
((لعنة الله عليهم من أغيلمة))، وهذه الرواية تفسر المراد بقوله في رواية المكيّ:
((فقال مروان: غلمة)) كذا اقتصر على هذه الكلمة، فدلت رواية الباب أنها
مختصرة من قوله: ((لعنة الله عليهم غلمة))، فكان التقدير: غلمة عليهم لعنة الله،
أو ملعونون، أو نحو ذلك، ولم يُرِد التعجب، ولا الاستثبات.
وقوله: ((فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: بني فلان، وبني فلان،
لفعلت))، في رواية الإسماعيليّ: ((من بني فلان، وبني فلان لقلت))، وكأن أبا
هريرة كان يعرف أسماءهم، وكان ذلك من الجراب الذي لم يُحَدِّث به أبو
هريرة ◌َظه، وقال في حقّه: (لو حَدّثت به لقطعتم هذا البلعوم)) (١).
وقوله: ((فكنت أخرج مع جدّي)) قائل ذلك عمرو بن يحيى بن سعيد بن
(١) قال الجامع عفا الله عنه: أشار بهذا إلى ما أخرجه البخاريّ في ((كتاب العلم)) من
((صحيحه)) عن أبي هريرة قال: ((حَفِظت من رسول الله وَلّ وعاءين، فأما أحدهما
فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم)). انتهى.

٤٤٥
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٢٩٨)
عمرو، وجدّه سعيد بن عمرو، وكان مع أبيه لمّا غَلَب على الشام، ثم لما قُتل
تحول سعيد بن عمرو إلى الكوفة، فسكنها إلى أن مات.
وقوله: ((حين مُلِّكوا الشام))؛ أي: وغيرها لما وَلُوا الخلافة، وإنما
خُصت الشام بالذكر؛ لأنها كانت مساكنهم من عهد معاوية.
وقوله: ((فإذا رآهم غلماناً أحداثاً))، قال الحافظ تَظُّ: هذا يقوي
الاحتمال الماضي، وأن المراد أولاد من استُخلف منهم، وأما تردده في
أيهم المراد بحديث أبي هريرة، فمن جهة كون أبي هريرة لم يُفصح
بأسمائهم، قال: والذي يظهر أن المذكورين من جملتهم، وأن أولهم يزيد،
كما دلّ عليه قول أبي هريرة: ((رأس الستين، وإمارة الصبيان))، فإن يزيد
كان غالباً ينتزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار، ويوليها الأصاغر من
أقاربه .
وقوله: ((قلنا أنت أعلم)) القائل له ذلك أولاده، وأتباعه، ممن سمع منه
ذلك، وهذا مشعر بأن هذا القول صدر منه في أواخر دولة بني مروان، بحيث
يمكن عمرو بن يحيى أن يسمع منه ذلك، وقد ذكر ابن عساكر أن سعيد بن
عمرو هذا بقي إلى أن وَفَد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وذلك قبيل
الثلاثين ومائة .
ووقع في رواية الإسماعيليّ أن بين تحديث عمرو بن يحيى بذلك،
وسماعه له من جده سبعين سنة.
قال ابن بطال: وفي هذا الحديث أيضاً حجة لِمَا تقدم من ترك القيام
على السلطان، ولو جار؛ لأنه * أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء، وأسماء
آبائهم، ولم يأمرهم بالخروج عليهم، مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم؛
لكون الخروج أشدّ في الهلاك، وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار
أخف المفسدتين، وأيسر الأمرين.
[تنبيه]: يُتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين، مع أن الظاهر أنهم
من وَلَدِهِ، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه؛ ليكون أشدّ في الحجة
عليهم، لعلهم يتّعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحَكَم والد مروان، وما
وَلَد، أخرجها الطبرانيّ وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيّد، ولعل المراد

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
تخصيص الغلمة المذكورين بذلك، قاله في ((الفتح)) (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ
التَّوْفَلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، فِي مَعْنَاهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد
النُّكْريّ - بضم النون - البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٦) (م د ت ق) تقدم
في ((المقدمة)) ٦٧/٦.
[تنبيه]: قوله: (الدَّوْرَقِيُّ) بفتح الدال، وسكون الواو، وفتح الراء، آخره
قاف، نسبة إلى بلد بفارس، وقيل: بخوزستان، وهو أصحّ، ونسبة أيضاً إلى
لُبس القلانس الدورقيّة، وقد اختلف في نسبة أحمد بن إبراهيم هذا، وأخيه
يعقوب، فقيل: إن أصلهما من فارس، وقيل: نُسبا إلى لبس القلانس الدورقيّة،
وقيل: كان الإنسان إذا نَسَك في ذلك الزمان قيل له: دورقيّ، وكان أبوهما قد
تنسّك، فقيل له: دورقيّ، قاله في ((اللباب))(٢).
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الَّوْفَلِيُّ) هو: أحمد بن عثمان بن أبي عثمان
عبد النور بن عبد الله بن سنان، يُكْنَى أبا عثمان البصريّ، ويُلَقَّب أبا الجوزاء
- بالجيم، والزاي - ثقة [١١] (٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
[تنبيه]: قوله: (التَّوْفَلِيُّ) بفتح النون، وسكون الواو: نسبة إلى أحد
أجداده(٣) .
٣ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ، تقدّم قريباً.
و((شعبة)) بن الحجّاج ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي داود عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤٤١/١٦ - ٤٤٤، ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٥٨).
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٥١٢.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣/ ٣٣٢.

٤٤٧
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠٠] (٢٩١٨) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ
أَبِي عُمَرَ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَدْ مَاتَ كِسْرَى، فَلَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ
قَيْصَرُ، فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رقڅبه.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قَدْ مَاتَ كِسْرَى)
بكسر الكاف، ويجوز الفتح، وهو لقبٌ لكل من وَلِيَ مملكة الفرس، وقيصر لقب
لكل من وَلِيَ مملكة الروم، قال ابن الأعرابيّ: الكسر أفصح في كسرى، وكان أبو
حاتم يختاره، وأنكر الزجاج الكسر على ثعلب، واحتج بأن النسبة إليه كَسرويّ
بالفتح، ورَدّ عليه ابن فارس بأن النسبة قد يُفتح فيها ما هو في الأصل مكسور، أو
مضموم، كما قالوا في بني تغلب، بكسر اللام: تَغْلَبِيّ، بفتحها، وفي سَلِمة
كذلك، فليس فيه حجة على تخطئة الكسر، والله أعلم، ذكره في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ: قال المطرِّز، وابن خالويه، وآخرون من الأئمة، كلاماً
متداخلاً، حاصله أن كل من مَلَك المسلمين يقال له: أمير المؤمنين، ومن مَلَك
الروم: قيصر، ومن مَلَك الحبشة: النجاشيّ، ومن مَلَك اليمن: تُبَّع، ومن مَلَك
حِمْيَر: القَيْل، بفتح القاف، وقيل: القَيل أقلّ درجة من الْمَلِك. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٢٩٥/٨، ((كتاب المناقب)) رقم (٣٦١٨).

٤٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
(قَدْ مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) ظاهر هذه الرواية أنه بَّهِ قاله بعد موت
كسرى، بخلاف قوله في قيصر، فإنه قاله في حياته، وفي حديث جابر بن
سمرة رَُّّه الآتي: ((إِذَا هَلَكَ كِسْرَى، فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ))، وهو ظاهر في كونه
قاله في حياته، ويوافق الرواية الأولى ما وقع عند البخاريّ عن أبي بكرة تَظُه
قال: ((لمّا بلغ رسول الله وَ ل و أن أهل فارس قد مَلّكوا عليهم بنت كسرى،
قال: لن يفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة)».
فظاهر الروايتين التنافي، وجَمَع بينهما أبو العباس القرطبيّ بأن أبا هريرة
سمع ذلك من النبيّ ◌َّه مرتين: إحداهما قبل موت كسرى، بلفظ: ((إذا هلك
كسرى))، والأخرى بعد موته، بلفظ: ((قد مات كسرى))، وقال القرطبي إنه
بعيد، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يفرق بين الموت والهلاك، فيقال: إن موت كسرى
قد وقع في حياة النبيّ وَلّ، فأخبر عنه بذلك، وأما إهلاك مُلكه فلم يقع إلا
بعد موت النبيّ ◌َّةِ، وموت أبي بكر تظلبه، وذلك في خلافة عمر ◌ُته.
وقال وليّ الدين تَخُّْهُ: الظاهر أن قوله في تلك الرواية: ((قد مات
كسرى)) من الإخبار عن الشيء قبل وقوعه؛ لتحقق وقوعه، كما في قوله تعالى:
﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] فعبّر عن المستقبل بالماضي؛ لتحقق وقوعه، وتتفق
الروايتان، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله وليّ الدين في وجه الجمع هو الأرجح.
قال الحافظ تَخْلُهُ: وهذا الجمع أَولى؛ لأن مخرج الروايتين متّحدٌ،
فحَمْله على التعدد على خلاف الأصل، فلا يصار إليه، مع إمكان هذا الجمع،
والله أعلم. انتهى(٢) .
وحاصله: أن قوله وَله: ((مات كسرى)) لا يعارض قوله: ((إذا هلك
كسرى))؛ لأن الأول إخبار بما سيقع، عبّر عنه بالماضي عن المستقبل؛ لتحقّق
وقوعه، وللتفاؤل به، والله تعالى أعلم.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٤٣/٧.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٦/٨.

٤٤٩
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٠)
(وَإِذَا هَلَكَ قَبْصَرُ، فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) قال النوويّ: قال الشافعيّ، وسائر
العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، كما كان في
زمنه وَل، فأعلم وَلّ بانقطاع مُلكهما في هذين الإقليمين، وكان كما قال.
فأما كسرى فانقطع مُلكه، وزالت مملكته من جميع الأرض، وتمزق مُلكه
كلَّ مُمَزَّق، واضمحلّ بدعوة النبيّ ◌َّ.
وأما قيصر فانهزم من الشام، ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون
بلادهما، واستقرت للمسلمين، ولله الحمد، وأنفق المسلمون كنوزهما في
سبيل الله، كما أخبر وَّل، وهذه معجزات ظاهرة. انتهى(١).
ونقل القاضي عياض ذلك عن أهل العلم، والحديثُ المشار إليه في
تفريق مُلك كسرى، رواه البخاريّ في ((صحيحه)) عن ابن عباس ◌ًَّا: ((أن
النبيّ ◌َلل بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حُذافة السهميّ، فأمره أن يدفعه
إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزّقه ـ فحسبت
أن ابن المسيِّب قال -: فدعا رسول الله وَ ل﴿ أن يمزَّقوا كلَّ مُمَزَّق)).
وحَكَى القاضي أبو بكر ابن العربيّ في معناه قولين:
أحدهما: أن معناه: لا يعود للروم، ولا للفرس مُلك، قال: وهذا يصح
في كسرى، وأما الروم فقد أنبأ النبيّ وَّ ببقاء مُلكهم إلى نزول عيسى ◌ِلَّلِ،
وقد سبق حديث المستورد بن شدّاد القرشي رظُله، أنه قال: سمعت
رسول الله وهو يقول: ((تقوم الساعة، والروم أكثر الناس)).
القول الثاني: أن معناه: إذا هلك كسرى وقيصر فلا يكون بعدهما
مثلهما، قال: وكذلك كان، وهذا أعمّ، وأتمّ.
قال وليّ الدين: ومما انقرض، ولم يَعُدْ بقاؤه اسم قيصر؛ لأن ملوك
الروم لا يُسَمَّون الآن بالأقاصرة، وذهب ذلك الاسم عن ملكهم، فصدق أنه لا
قيصر بعد ذلك الأول، وظهر بذلك أن قوله: ((لا كسرى)) على ظاهره مطلقاً،
وأما قوله: ((لا قيصر)) ففيه أربع احتمالات: لا قيصر بالشام، لا قيصر كما
كان، لا قيصر في الاسم، لا قيصر مطلقاً، ولا يصح هذا الرابع؛ لمخالفته
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٢/١٨ - ٤٣.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
للواقع، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقال الخطابيّ: معناه: فلا قيصر بعده يملك مثل ما يملك، وذلك أنه
كان بالشام، وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نُسُك إلا به، ولا يملك
على الروم أحد إلا كان قد دخله، إما سرّاً، وإما جهراً، فانجلى عنها قيصر،
واستُفتحت خزائنه، ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده.
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده،
وليهلكن قيصر)). قيل: والحكمة فيه أنه قال ذلك لمّا هلك كسرى بن هرمز كما
في حديث أبي بكرة ظه: ((قال: بلغ النبيّ وَ ل﴿ أن أهل فارس ملّكوا عليهم
امرأة ... )) الحديث، وكان ذلك لمّا مات شيرويه بن كسرى، فَأَمّروا عليهم بنته
بُوران، وأما قيصر فعاش إلى زمن عمر سنة عشرين على الصحيح، وقيل: مات
في زمن النبيّ وَّ، والذي حارب المسلمين بالشام ولده، وكان يلقّب أيضاً
قيصر .
وعلى كل تقدير فالمراد من الحديث وقع لا محالة؛ لأنهما لم تبق
مملكتهما على الوجه الذي كان في زمن النبيّ وَمِينَ(٢).
قالَ وَله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ) بالبناء للمفعول، وفي رواية:
(لتُقسمنّ))، (كُنُوزُهُمَا)؛ أي: كنوز كسرى، وقيصر، (فِي سَبِيلِ اللهِ)) قال وليّ
الدين تَخْتُ: فيه أمران وقعا، كما أخبر وَّ، فقُسمت كنوزهما في سبيل الله
على المجاهدين، ثم أنفقها المجاهدون في سبيل الله، والمراد به: الغزو.
انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٤٣/٧.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٦/٨.
(٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٤٣/٧.

٤٥١
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٠)
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٠٠/١٨ و٧٣٠١ و٧٣٠٢] (٢٩١٨)،
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠٢٧) و((فرض الخمس)) (٣١٢٠) و((المناقب))
(٣٦١٨) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٣٠)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢١٦)،
و(همام بن منبه) في ((صحيفته)) (٣٠)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٨٦/٢)،
و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨١٤ و٢٠٨١٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١٠٩٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٣/٢
و٢٤٠ و٣١٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٥٠٩)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٦٦٨٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٤/١٠)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٧٧/٩) و((الدلائل)) (٣٩٣/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٧٢٨ و٣٧٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ وَ ل ظاهرة حيث أخبر بأن كسرى وقيصر
سيزول مُلكهما، ولن يرجع لهما مرّة أخرى، فكان كما أخبر به.
٢ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلاً على أن الغنيمة للمجاهدين، وهو
كذلك، إلا أنه يُخرَج منها الخمس، كما نص عليه الكتاب العزيز.
٣ - (ومنها): ما قيل: قد استُشكل هذا الحديث مع بقاء مملكة الفرس؛
لأن آخرهم قُتل في زمان عثمان رَُّه، واستُشكل أيضاً مع بقاء مملكة الروم.
وأجيب عن ذلك بأن المراد: لا يبقى كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام،
وهذا منقول عن الشافعيّ تَّتُ قال: وسبب الحديث أن قريشاً كانوا يأتون
الشام والعراق تجاراً، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما؛ لدخولهم في
الإسلام، فقال النبيّ وَّةٍ ذلك لهم تطييباً لقلوبهم، وتبشيراً لهم بأن مُلكهما
سيزول عن الإقليمين المذكورين.
٤ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في أن قيصر بقي مُلكه، وإنما ارتفع من
الشام، وما والاها، وكسرى ذهب مُلكه أصلاً ورأساً: أن قيصر لمّا جاءه
كتاب النبيّ وََّ قَبِله، وكاد يُسلم، وكسرى لمّا أتاه كتاب النبيّ وَّهُ مزّقه، فدعا
النبيّ وَّ أن يمزق مُلكه كل ممزق، فكان كذلك، والله تعالى أعلم.

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي ابْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ سُّفْيَانَ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية ليونس بن يزيد الأيليّ،
ومعمر بن راشد، فكلاهما رويا هذا الحديث عن الزهريّ بإسناد سفيان بن
عیینة، وبمعنی حدیثه.
[تنبيه]: أما رواية يونس عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ تَّتُهُ في
(صحیحه))، فقال:
(٣٤٢٢) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن يونس، عن ابن
شهاب قال: وأخبرني ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، أنه قال: قال
رسول الله : ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر
بعده، والذي نفس محمد وَّهبيده لتُنْفَقَنّ كنوزهما في سبيل الله)). انتهى(١).
وأما رواية معمر عن الزهريّ، فقد ساقها عبد الرزّاق ◌َُّهُ في ((مصنّفه))،
فقال :
(٢٠٨١٤) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن
المسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((يذهب كسرى فلا يكون
كسرى بعده، ويذهب قيصر فلا يكون قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن
كنوزهما في سبيل الله)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّهُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَذَكَرَ
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٣٢٥/٣.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٨٨/١١.

٤٥٣
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ بَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٢)
أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: (هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ،
وَقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ، ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ (١) كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللّهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبٍِّ) الأبناويّ الصنعانيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (هَلَكَ كِسْرَى) جملة خبرية؛ أي: سيهلك مُلكه، وإنما عبر عنه
بالماضي؛ لتحقق وقوعه، وقربه، أو دعاء، وتفاؤل.
وقوله: (ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ) ورُوي بتنوين كسرى حيث أُرِيدَ به
التنكير ((بعده))؛ أي: بعد كسرى الموجود في زمنه وَل9، والمعنى: لا يملك
مُلك كسرى كافر، بل يملكه المسلمون بعده إلى يوم القيامة.
وقوله: (وَقَيْصَرُ) وهو مَلك الروم، وهو مبتدأ خبره قوله: (لَيَهْلِكَنَّ)
والتغاير بينهما للتفنن، أو عطف على كسرى، وأتى بقوله: ليهلكن للتأكيد، مع
زيادة المبالغة المستفادة من لام القسم، ونون التأكيد.
وقوله: (ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ) بالوجهين؛ أي: قيصر آخر بعده؛ أي:
بعد الأول، قال الطيبيّ تَخْتُ: هلاك كسرى وقيصر كانا متوقعين، فأخبر عن
هلاك كسرى بالماضي؛ دلالة على أنه كالواقع، بناء على إخبار الصادق، وأتى
في الإخبار عن قيصر بلام القَسَم في المضارع، وبني الكلام على المبتدأ
والخبر؛ إشعاراً لاهتمامه بالاعتناء بشأنه، وأنه أطلب منه، وذلك أن الروم
كانوا سكان الشام، وكان في فتحه أشدّ رغبة، ومن ثَمَّ غزا تبوك، وهو من
الشام.
قال القاري تَُّهُ: لمّا كان هلاك كسرى قبل قيصر بحسب وقائع الحال،
ناسب أن يعبّر عن الأول بالماضي، وعن الثاني بالاستقبال. انتهى (٢).
(١) وفي نسخة: ((ولتنفقنّ)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٩٥/١٥.

٤٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقوله: (وَلَتُقْسَمَنَّ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: ((ولتنفقنّ))، (كُنُوزُهُمَا)؛
أي: كنز كل منهما، (فِي سَبِيلِ اللهِ)) رَكَ .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠٣] (٢٩١٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا هَلَكَ
كِسْرَى، فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءً).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل خمسة أبواب،
وهو من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، كلاحقه، وهو (٤٣٨) من رباعيّات الكتاب،
و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد، و((عبد الملك بن عمير)) هو: الفرسيّ القبطيّ.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير جابر بن
سمرة قلبه .
وقوله: (سَوَاءً) منصوب على الحال؛ أي: حال كونهما مستويين.
[تنبيه]: حديث جابر بن سمرة ﴿ّ هذا ساقه البخاريّ ◌َظَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٢٩٥٣) - حدّثنا إسحاق، سمع جريراً، عن عبد الملك، عن جابر بن
سمرة ضيًّا قال: قال رسول الله وَّلله: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك
قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠٤] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَثْزَ آَلٍ
كِسْرَى الَّذِي فِي الأَبْيَضِ))، قَالَ قُتِبَةُ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَشَُّكَ).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١١٣٥/٣.

٤٥٥
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٤)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذَّهْليّ البكريّ الكوفيّ، أبو
المغيرة، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان
رُبّما تلقن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((أبو كامل)) هو: فضيل بن حسين
البصريّ، و((أبو عوانة)) هو وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، والسند من رباعيّات
المصنّف تَخْلَتُهُ، كسابقه، وهو (٤٣٩) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بن جُنادة الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا؛ أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: (لَتَفْتَحَنَّ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (عِصَابَةٌ)
بكسر العين المهملة، وتخفيف الصاد المهملة؛ أي: جماعة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
وقال في ((المرقاة)) قوله: ((لتفتحنّ)) بفتح الحاء، وفي نسخة صحيحة - أي: من
المصابيح - ((لتفتتحنّ)). قال التوربشتيّ رظُبه: وجدناه في أكثر نُسخ ((المصابيح))
بتاءين بعد الفاء، ونحن نرويه عن كتاب مسلم بتاء واحدة، وهو أمثل معنًى؛
لأن الافتتاح أكثر ما يُستعمل بمعنى الاستفتاح، فلا يقع موقع الفتح في تحقيق
الأمر، ووقوعه، والحديث إنما ورد في معنى الإخبار عن الكوائن، والمعنى:
لتأخذن عِصابة - بكسر العين -؛ أي: جماعة من المسلمين، ((كنز آل كسرى))
بكسر الكاف، ويفتح، والآل مقحم، أو المراد به أهله، وأتباعه، ((الذي في
الأبيض))، قال القاضي تَخْتُ: الأبيض قصر حَصِين كان بالمدائن، وكانت
الفرس تسميه سفيد كرشك، والآن بُني مكانه مسجد المدائن، وقد أُخرج كنزه
في أيام عمر رَظُه، وقيل: الحصن الذي بهمذان بناه دارين دار، يقال له:
(١)
شهرستان. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((عصابة من المسلمين)): العصابة: الجماعة
من الناس، والطير، والوحش، سمّوا بذلك؛ لأنَّهم يشدّ بعضهم بعضاً،
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٩٥/١٥.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
والعصب: هو الشدّ، والْعُصْبة: ما بين العشرين إلى الأربعين، وإنما أطلق
النبيّ وَّل على المفتتحين كنز كسرى: عصابة، وإن كانوا عساكر بالنسبة إلى
عدد عدوهم، وجيوشه، فإنَّهم كانوا بالنسبة إليهم قليلاً، وبَحْتَمِل أن يريد
بالعصابة: الجماعة السابقة لفتح القصر الأبيض دون الجيش كله، فإنَّ الله لما
هَزَم الفرس، وجيوشهم العظيمة على يدي سعد بن أبي وقاص بظُه وعسكره،
وكان عدد مَن معه يوم فتح القادسية ستة آلاف، أو سبعة آلاف، على ما ذكره
محمد بن جرير الطبريّ، فرّ المنهزمة من الفرس إلى المدائن منزل كسرى،
فتبعهم المسلمون إلى أن وصلوا إلى دجلة، وهي تَقذف بالزبد، فاقتحمها
المسلمون فرساناً ورجّالة، خائضين يتحدّث بعضهم مع بعض، فلما رأى ذلك
الفرس هالهم ذلك، فتخففوا بما أمكنهم من المال، والذخائر النفيسة، وفرّوا،
ولم يبق فيها إلا من ثَقُل عن الفرار، ودخل المسلمون المدائن، وفيها القصر
الأبيض الذي فيه إيوان كسرى، وأمواله، وذخائره النفيسة التي لم يُسمع
بمثلها، قال أهل التاريخ: كان في البيت الأبيض ثلاثة آلاف ألف ألف ألف
- ثلاث مرات - غير أن رستماً لمّا فرّ منهزماً حَمَل معه نصف ما كان في بيوت
الأموال، وترك النصف الآخر، فملّكه الله المسلمين، فأصاب الفارس من فيء
المدائن اثنا عشر ألفاً، ولمّا دُخل القصر الأبيض وجدوا فيه ملابس كسرى،
وحليته، وبساطه الذي ما سُمع في العالمين بمثله، فجاؤوا بكل ذلك إلى
عمر رضيبه، فكان ذلك كله مُظهراً لصدق رسول الله و 18 للعيان، بحيث يضطر
إليه كل إنسان. انتهى(١).
وقوله: (أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، وهو أبو كامل
الْجَحْدريّ. (كَنْزَ آلِ كِسْرَى) («الكنز»: هو المال المدفون تسمیةً بالمصدر،
والجمع: كُنوزٌ، مثلُ فلس وفُلوس(٢). (الَّذِي فِي الأَبْيَضِ)))؛ أي: الذي في
قصره الأبيض، أو قُصوره، ودُوره الْبِيض(٣).
(١) ((المفهم)) ٢٦٠/٧ - ٢٦١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ٤٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٢/٢.

٤٥٧
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٥)
وقوله: (قَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد شيخه الأول في السند: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ
يَشُك)؛ يعني: أن الشك في قوله: ((من المسلمين)) أو ((من المؤمنين)) من شيخه
أبي كامل، وأما قتيبة فلم يشكّ، بل جزم بقوله: ((من المسلمين))، والله تعالى
أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ◌ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣٠٣/١٨ و٧٣٠٤ و٧٣٠٥] (٢٩١٩)،
و(البخاريّ) في ((فرض الخمس)) (٣١٢١) و((المناقب)) (٣٦١٩) و((الأيمان
والنذور)) (٦٦٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٩/٥ و٩٢ و٩٩ و١٠٠ و١٠٣)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٦١/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢١٩/٢)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٤١/١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٩٠)،
و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٥١١ و٥١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٩/ ١٧٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة عن سماك بن حرب هذه ساقها الإمام أحمد تخلّثُ في
((مسنده))، فقال :
(٢١٠٢٣) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن
جابر بن سمرة، عن النبيّ وَير أنه قال: ((لن يبرح هذا الدين قائماً، يقاتل عليه
عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة)). انتهى.

٤٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٣٠٦] (٢٩٢٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ ثَوْرٍ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدِ الدِّيلِيُّ - عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
أَنَّ النَّبِيَّ وَ لِ قَالَ: ((سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي
الْبَحْرِ؟))، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ
أَلْفً مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاؤُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحِ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْم،
قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا))، قَالَ ثَوْرٌ: لَا أَعْلَمَّهُ
إِلَّا قَالَ: ((الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا(١) الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَْبَرُ،
فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا (٢) الثَّالِفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ،
فَيَدْخُلُوهَا، فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ
الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ، وَيَرْجِعُونَ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم في هذا الباب،
و((عبد العزيز)) هو: الدراورديّ، و((أبو الغيث)) هو: سالم مولى ابن مطيع
المدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((سَمِعْتُمْ)؛ أي: أسمعتم، فهو
بتقدير همزة الاستفهام، (بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟)))
قيل: هذه المدينة قسطنطينية، الظاهر أنها غيرها؛ لأن قسطنطينية تُفتح بالقتال
الكثير، وهذه المدينة تُفتح بمجرد التهليل والتكبير. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة
الحاضرون مجلس النبيّ وَل﴿ حين حدّث بهذا الحديث: (نَعَمْ) سمعنا بها (يَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ) وَلِ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ
أَلْفاً مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ) بن إبراهيم الخليل ◌َّاهُ قال المظهر: هم من أكراد
الشام، هم من بني إسحاق النبيّ ظلّه، وهم مسلمون. انتهى. وهو يَحْتَمِل أن
(١) وفي نسخة: ((ثم يقول)).
(٢) وفي نسخة: ((ثم يقول)).

٤٥٩
(١٨) - بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ - حديث رقم (٧٣٠٦)
يكون معهم غيرهم من بني إسماعيل، وهم العرب، أو غيرهم من المسلمين،
واقتصر على ذكرهم تغليباً لهم على من سواهم، ويَحْتَمِل أن يكون الأمر
مختصّاً بهم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((من بني إسحاق)) هكذا صحّت الرواية عند
الجميع، وفي الأمهات، قال القاضي أبو الفضل: قال بعضهم: المعروف
المحفوظ: من بني إسماعيل، وهو الذي يدلّ عليه الحديث، وسياقه؛ لأنَّه إنما
يعني به: العرب والمسلمين، بدليل الحديث الذي سماها فيه في مسلم، وأنها :
القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا.
قال القرطبيّ: وهذا فيه بُعد من جهة اتفاق الرواة والأمهات على بني
إسحاق، فإذاً المعروف خلاف ما قال هذا القائل.
ويمكن أن يقال: إن الذي وقع في الرواية صحيح، غير أنه أراد به
العرب، ونَسَبهم إلى عمهم، وأطلق عليهم ما يُطلق على ولد الأب، كما يقال
ذلك في الخال، حتى قد قيل: الخال أحد الأبوين - والله تعالى أعلم -.
وأما قوله: إن هذه القرية هي القسطنطينية، فينبغي أن يبحث عن صفتها،
هل توافق ما وصفه النبيّ وَّل في هذه المدينة أم لا؟.
وأما ما ذكره مسلم من حديث القسطنطينية فهو ما تقدَّم في حديث أبي
هريرة رضيته الذي قال في أوله: ((لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو
بدابق))، قال فيه: ((فيقاتلهم المسلمون، فينهزم ثلث، ويُقتل ثلث، ويفتح الثلث
القسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم، قد علّقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح
فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم)).
وظاهر هذا يدلّ على: أن القسطنطينية، إنما تُفتح بالقتال، وهذا الحديث
يدلّ على أنها تُفتح بالتهليل والتكبير، فقول بعضهم فيه بُعد.
والحاصل: أن القسطنطينية لا بدّ من فتحها، وأن فتحها من أشراط
الساعة، على ما شَهِدت به أخبار كثيرة، منها: ما ذكرناه آنفاً.
رضىعنه، عن النبيّ
ومنها: ما خرّجه الترمذيّ من حديث معاذ بن جبل
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤١٠/١٥.

٤٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال: ((الملحمة العظمى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدّجال في سبعة أشهر))،
وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح.
وفيه عن أنس بن مالك: أن فتح القسطنطينية مع قيام الساعة، هكذا رواه
موقوفاً، قال محمد(١): هذا حديث غريب، والقسطنطينية: هي مدينة الروم،
تُفتح عند خروج الدّجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب
ـة.
النبيّ
قال القرطبيّ: وعلى هذا فالفتح الذي يكون مقارناً لخروج الدجّال هو
الفتح المراد بهذه الأحاديث؛ لأنَّها اليوم بأيدي الروم - دمّرهم الله تعالى - والله
بتفاصيل هذه الوقائع أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما سبق أنه اختُلف في هذه الرواية
بلفظ: ((من بني إسحاق))، والصحيح أنها صحيحة، وأنهم من إسحاق، ولا
ينافي ما ثبت أن العرب يفتحون القسطنطينية؛ لأن فتحها يتكرّر، فمرّة يفتحها
العرب، ثم يُسلم أهلها، وهم العجم، فيفتحونها مرّة أخرى، ولا بُعد في ذلك.
على أنه يمكن أن يكون ذِكر بني إسحاق على التغليب، فأكثر الجيش من
بني إسحاق، وفيه أجناس أخرى، فالعدد غير مراد بعينه.
وقد كتب أخونا الفاضل سالم بن صالح العماريّ في هذا البحث رسالة
حقّق فيها الموضوع، وثبّت الرواية بلفظ: ((من بني إسحاق))، فأجاد وأفاد،
جزاه الله تعالى خيراً .
(فَإِذَا جَاؤُوهَا)؛ أي: المدينة، (نَزَلُوا)؛ أي: حواليها محاصرين أهلها،
(فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحِ)، وقوله: (وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْم) تخصيص بعد تعميم؛ لتأكيد
إفادة عموم النفيَّ، وقوله: (قَالُوا) استئناف،ً أو حال، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ
أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ) بصيغة المضارع، (أَحَدُ جَانِبَيْهَا)))؛ أي: أحد طرفي سور
المدينة .
(قَالَ ثَوْرٌ:)؛ أي: ابنِ زيد الديلي الراوي عن أبي الغيث، (لَا أَعْلَمُهُ)؛
أي: لا أعلم أبا الغيث (إِلَّا قَالَ: ((الَّذِي فِي الْبَحْرِ)؛ أي: إلا قال: فيسقط
(١) يعني: البخاريّ.
(٢) ((المفهم)) ٢٤٩/٧ - ٢٥٠.