Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤٠)
من كان أكثر حفظاً، وفي الحديث دلالة على أنه وَّ أخبر في المجلس الواحد
بجميع أحوال المخلوقات من ابتدائها إلى انتهائها، وفي إيراد ذلك كله في
مجلس واحد أمر عظيم، من خوارق العادات، وكيف لا، وقد أعطي جوامع
الكلم مع ذلك، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمرو بن أخطب تظله هذا من أفراد
المصنّف ◌َخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٣٩/٦] (٢٨٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/
٣٤١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٦/١٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/
٤٨٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٣٨)، و(أبو بكر الشيبانيّ) في ((الآحاد
والمثاني)) (١٩٩/٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ .
(٧) - (بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَِّي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤٠] (١٤٤)(١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ
حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ وَِّ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ،
وَكَيْفَ قَالَ؟ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ،
وَمَالِهِ، وَنَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ، وَالصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ
بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي
(١) مكرّر.

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا
بَاباً مُغْلَقاً، قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلَِكَ
أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَداً، قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ:
نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ، قَالَ: فَهِبْنَا
أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عُمَرُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ومحمد بن
العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) رَظُبه؛ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َظُه (فَقَالَ)
عمر: (أَيُّكُمْ) والمخاطب بذلك الصحابة ﴿ه، ففي رواية رِبْعي عن حذيفة ((أنه
قَدِم من عند عمر، فقال: سأل عمر أمس أصحاب محمد بَّ أيكم سمع قول
رسول الله وَ﴿ في الفتنة؟ قال: أنا أحفظ كما قال))، وفي رواية: ((أنا أحفظه
كما قاله)).
(يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ)؛ أي: مثل ما قاله وَّل،
(قَالَ) حذيفة: (فَقُلْتُ: أَنَا)؛ أي: أنا أحفظه كما قالهنَّ. (قَالَ) عمر تُله:
(إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) وفي رواية البخاريّ: ((قال: هاتِ إنك لجريء))، وفي رواية له:
((إنك عليه لجريء، فكيف؟)) (وَكَيْفَ قَالَ) النبيّ ◌َ؟ (قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَنَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ،
وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ، وَالصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَّةُ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ

٢٨٣
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤٠)
الْمُنْكَرٍ) قال في ((الفتح)): قال بعض الشراح: يَحْتَمِل أن يكون كل واحدة من
الصلاة وما معها مكفرة للمذكورات كلها، لا لكل واحدة منها، وأن يكون من
باب اللفّ والنشر، بأن الصلاة مثلاً مكفرة للفتنة في الأهل، والصوم في
الولد ... إلخ.
والمراد بالفتنة: ما يَعْرِض للإنسان مع من ذُكر من البَشَر، أو الالتهاء
بهم، أو أن يأتي لأجْلهم بما لا يَحلّ له، أو يُخلّ بما يجب عليه.
واستَشكَلَ ابنُ أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في
المحرمات، والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تُسقط ذلك، فإن حُمل على
الوقوع في المكروه، والإخلال بالمستحبّ لم يناسب إطلاق التكفير.
والجواب التزام الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان
كبيرة، فهي التي فيها النزاع، وأما الصغائر فلا نزاع أنها تكفَّر؛ لقوله تعالى:
﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١].
وقال الزين ابن المنير تَّتُهُ: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهنّ، أو عليهنّ
في القسمة والإيثار، حتى في أولادهنّ، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة
لهنّ، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو بحبسه عن إخراج حقّ الله،
والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعيّ إلى الولد، وإيثاره على كل أحد، والفتنة
بالجار تقع بالحسد، والمفاخرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاهد.
ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذُكر غير منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة،
وأما تخصيص الصلاة، وما ذكر معها بالتكفير، دون سائر العبادات، ففيه إشارة
إلى تعظيم قَدْرها، لا نفي أن غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير،
ثم إن التكفير المذكور يَحْتَمِل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة، ويَحْتَمِل
أن يقع بالموازنة، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال ابن أبي جمرة: خَصَّ الرجل بالذكر؛ لأنه في الغالب صاحب
الحكم في داره، وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى
أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نَّه بها على ما عداها، والضابط
أن كل ما يشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تختص بما
ذُكر، بل نَّه به على ما عداها، فذكر من عبادة الأفعال الصلاةَ، والصيام، ومن

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
عبادة المال الصدقةً، ومن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف. انتهى(١).
(فَقَالَ عُمَرُ) ◌َه: (لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ) الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ
الْبَحْرِ)؛ أي: تضطرب اضطراب البحر عند هيجانه، وكَنَى بذلك عن شدّةً
المخاصمة، وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة، والمقاتلة. (قَالَ)
حذيفة: (فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية البخاريّ: ((يا أمير
المؤمنين، لا بأس عليك منها))، (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً)؛ أي: لا يخرج
منها شيء في حياتك، قال ابن الْمُنيِّر: آثر حذيفة الحرص على حفظ السرّ،
ولم يصرّح لعمر بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذوناً له في
مثل ذلك، وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون حذيفة عَلِم أن عمر يُقتل، ولكنه كره
أن يخاطبه بالقتل؛ لأن عمر كان يعلم أنه الباب، فأتى بعبارة يحصل بها
المقصود بغير تصريح بالقتل. انتهى.
قال الحافظ: وفي لفظ طريق رِبْعيّ ما يعكر على ذلك، على ما سأذكره،
وكأنه مَثَّل الفتن بدار، ومَثّل حياة عمر بباب لها مغلقٍ، ومَثّل موته بفتح ذلك
الباب، فما دامت حياة عمر موجودة فهي الباب المغلق، لا يخرج مما هو
داخل تلك الدار شيء، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك
الدار.
(قَالَ) عمر رَبُهُ: (أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟) ببناء الفعلين للمفعول، (قَالَ)
حذيفة: (قُلْتُ: لَا) يُفتح (بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ) عمر: (ذَلِكَ أَحْرَى)؛ أي: أجدر،
وأحقّ (أَنْ لَا يُغْلَقَ) بالبناء للمفعول، (أَبَداً) وفي رواية للبخاريّ: «ذاك أجدر
أن لا يُغلق إلى يوم القيامة)).
قال ابن بطال تَّلهُ: إنما قال عمر ذلك؛ لأن العادة أن الغلق إنما يقع
في الصحيح، فأما إذا انكسر فلا يتصور غلقه، حتى يجبر. انتهى.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون كَنَى عن الموت بالفتح، وعن القتل
بالكسر، ولهذا قال في رواية رِبْعيّ: ((فقال عمر: كسراً لا أبا لك؟» لكن بقية
رواية ربعي تدل على ما قدّمته، فإن فيه: ((وحدثته أن ذلك الباب رجل يُقتل،
(١) ((الفتح)) ٢٦٣/٨ - ٢٦٤، (كتاب المناقب)) رقم (٣٥٨٦).

٢٨٥
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤٠)
أو يموت)). وإنما قال عمر ذلك اعتماداً على ما عنده من النصوص الصريحة
في وقوع الفتن في هذه الأمة، ووقوع البأس بينهم إلى يوم القيامة، وقد تقدّم
حديث جابر في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الآية
[الأنعام: ٦٥].
وقد وافق حذيفة على معنى روايته هذه أبو ذرّ، فروى الطبرانيّ بإسناد
رجاله ثقات: ((أنه لقي عمر، فأخذ بيده، فغمزها، فقال له أبو ذرّ: أرسل يدي
يا قفل الفتنة ... )) الحديث، وفيه أن أبا ذر قال: ((لا يصيبكم فتنة ما دام فيكم))
وأشار إلى عمر.
وروى البزار من حديث قُدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان أنه قال لعمر:
يا غلق الفتنة، فسأله عن ذلك، فقال: ((مررتَ، ونحن جلوس عند النبيّ ◌َّ،
فقال: هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش)).
(قَالَ) شقيق: (فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ) ◌َله: (هَلْ كَانَ عُمَرُ) ◌َه (يَعْلَمُ مَنِ
الْبَابُ؟) وفي رواية جامع بن شداد: ((فقلنا لمسروق: سله أكان عمر يعلم من
الباب؟ فسأله، فقال: نعم))، وفي رواية أحمد عن وكيع، عن الأعمش: ((فقال
مسروق لحذيفة: يا أبا عبد الله، كان عمر يعلم؟)).
(قَالَ) حذيفة: (نَعَمْ) يعلم ذلك (كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ)؛ أي: أن
ليلة غد أقرب إلى اليوم من غد، وقوله: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) هو
بقية كلام حذيفة ظه، والأغاليط جمع أغلوطة، وهو ما يُغالَط به؛ أي: حدثته
حديثاً صدقاً محققاً من حديث النبيّ وَّر، لا عن اجتهاد، ولا رأي.
وقال ابن بطال ◌َّتُهُ: إنما عَلِم عمر رَبُّه أنه الباب؛ لأنه كان مع
النبيّ وَلَ على حراء، وأبو بكر، وعثمان، فرجف، فقال: ((اثبُتْ، فإنما عليك
نبيّ، وصدّيق، وشهيدان))، أو فَهِم ذلك من قول حذيفة: ((بل يُكسر)). انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أن عُمر عَلِم الباب بالنصّ، كما قدمت عن
عثمان بن مظعون، وأبي ذر، فلعل حذيفة حضر ذلك، وفي حديث عمر ◌ُه
أنه سمع خطبة النبيّ 8ُّ* يحدث عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة
منازلهم، وتقدّم حديث حذيفة رضيُّه أنه قال: أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة
فيما بيني وبين الساعة، وفيه أنه سمع ذلك معه من النبيّ وَّر جماعة ماتوا قبله.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
[فإن قيل]: إذا كان عمر عارفاً بذلك، فلم يشك فيه حتى سأل عنه؟.
[فالجواب]: أن ذلك يقع مثله عند شدّة الخوف، أو لعله خشي أن يكون
نسي، فسأل من يذكِّره، وهذا هو المعتمد(١)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) شقيق: (فَهِبْنَا) بكسر الهاء؛ أي: خِفْنا، ودلّ ذلك على حُسن
تأدبهم مع كبارهم. (أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ) ◌َبِهِ (مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ) هو ابن
الأجدع، من كبار التابعين، وكان من أَخِصّاء أصحاب ابن مسعود، وحذيفة،
وغيرهما من كبار الصحابة ظه. (سَلْهُ)؛ أي: اسأل حذيفة من الباب؟
(فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل مسروق حذيفة رَظُّه عن ذلك، (فَقَالَ) حذيفة ◌َظُه، وقوله:
(عُمَرُ) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عمر تَظُه، وفي رواية البخاريّ:
((فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر))، قال الكرمانيّ: تقدّم قوله: إن بين
الفتنة وبين عمر باباً، فكيف يُفَسَّر الباب بعد ذلك أنه عمر؟ والجواب: أن في
الأول تجوّزاً، والمراد: بين الفتنة وبين حياة عمر، أو بين نفس عمر وبين
الفتنة بدنه؛ لأن البدن غير النفس. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث حذيفة ظُه هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم
للمصنّف في (كتاب الإيمان)) برقم [٣٧٦/٦٨] (١٤٤)، وقد استوفيت هناك
شرحه، وبيان مسائله، وإنما أعدت شرحه هنا؛ لاختلاف السياق، فأحببت أن
يُشرح ما هنا كما شُرح السياق الذي تقدّم هناك؛ للحاجة إلى ذلك، فتنبّه، والله
تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا
يَحْبَى بْنُ عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي
حَدِيثٍ عِيسَى عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ).
(١) ((الفتح)) ٢٦٥/٨ - ٢٦٦.

٢٨٧
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤١)
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) وهو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم
في ((المقدمة)) ٤/ ١٧.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (يَحْيَى بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محمد التميميّ
النَّهْشليّ الفاخوريّ - بالفاء، والخاء المعجمة - الجرّار - بالجيم، وراءين - أبو
زكريّا الكوفيّ، نزيل الرملة، صدوقٌ يخطئ، ورُمي بالتشيع [٩].
روى عن الأعمش، وأبي مسعود، وعبد الأعلى بن المساور،
وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
ومسعر بن كدام، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه عيسى بن عثمان بن عيسى، وآدم بن أبي إياس،
وابنا أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخزوميّ، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب حديثه، وقال أبو داود: بلغني
عن أحمد أنه أحسن الثناء عليه، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس بشيء،
وقال العجليّ: ثقةٌ، وكان فيه تشيع، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال
أحمد بن سنان: قال أبو معاوية: اكتبوا عنه، فطالما رأيته عند الأعمش، وقال
ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يُكتب حديثه، وقال آخر عن ابن معين:
ضعيف، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال البخاريّ في ((تاريخه الصغير)): حدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى،
قال: مات أبو زكريا يحيى بن عيسى سنة إحدى ومائتين، أو نحوها، وقال ابن
قانع: مات سنة إحدى ومائتين، وقال مسلمة: لا بأس به، وفيه ضعف، وقال
ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يتابَع عليه.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، وابن ماجه، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، متابعةً.
والباقون ذُكروا في الباب والبابين قبله.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
[تنبيه]: أما رواية وكيع عن الأعمش فلم أجد من ساقها بمفردها، إلا أن
الإمام أحمد ساقها مقروناً بغيره، فقال:
(٢٣٤٦٠) - حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، حدّثني شقيق، قال:
سمعت حذيفة .. .
ووكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة ... وثنا محمد بن عبيد،
وقال: سمعت حذيفة، قال: كنا جلوساً عند عمر، فقال: أيكم يحفظ قول
رسول الله ﴿ في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك لجريء عليها، أو
عليه، قلت: فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، يكفرها الصلاة،
والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال: ليس هذا أريد، ولكن
الفتنة التي تموج كموج البحر، قلت: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين،
إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال: أيكسر، أو يُفتح؟ قلت: بل يكسر، قال: إذاً
لا يغلق أبداً، قلنا: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون
غد ليلةً، قال وكيع في حديثه: قال: فقال مسروق لحذيفة: يا أبا عبد الله،
كان عمر يعلم ما حدثه به؟ قلنا: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما
يعلم أن دون غد ليلةً، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، فَهِبْنا حذيفة أن نسأله
من الباب؟ فأمرنا مسروقاً، فسأله، فقال: الباب عمر. انتهى(١).
وأما رواية جرير عن الأعمش، فقد ساقها البخاريّ تَخْتُهُ في (صحيحه))،
فقال :
(١٣٦٨) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن
حذيفة نظوبه قال: قال عمر بنظُبه: أيكم يحفظ حديث رسول الله وَليقول عن الفتنة؟
قال: قلت: أنا أحفظه كما قال، قال: إنك عليه لجريء، فكيف قال؟ قلت:
فتنة الرجل في أهله، وولده، وجاره، تكفّرها الصلاة، والصدقة، والمعروف،
قال سليمان: قد كان يقول: الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، قال: ليس هذه أريد، ولكني أريد التي تموج كموج البحر، قال:
قلت: ليس عليك بها يا أمير المؤمنين بأس، بينك وبينها باب مغلق، قال:
فيُكسر الباب، أو يُفتح؟ قال: قلت: لا، بل يكسر، قال: فإنه إذَا كُسِر، لم
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٠١/٥.

٢٨٩
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤٢)
يغلق أبداً، قال: قلت: أجل، فَهِبْنا أن نسأله من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله،
قال: فسأله، فقال: عمر رَُّبه، قال: قلنا: فعلم عمر من تعني؟ قال: نعم،
كما أن دون غد ليلةً، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط. انتهى(١).
وأما رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ في
((الكبرى)) بسند المصنّف، فقال:
(٣٢٧) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عيسى بن يونس، قال: حدّثنا
الأعمش، عن شقيق، قال: سمعت حذيفة يقول: كنا عند عمر، فقال: أيكم
يحفظ قول رسول الله وَ له في الفتنة؟ قلت: أنا أحفظ كما قاله، قال: إنك عليه
لجريء، فهات، فقلت: فتنة الرجل في أهله، وجاره، وماله، يكفرها الصلاة،
والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال: إني لست عن هذا
أسألك، ولكن أسألك عن التي تموج كموج البحر، فقلت: لا تخف يا أمير
المؤمنين، فإن بينك وبينها باباً مغلقاً. انتهى(٢).
وأما رواية يحيى بن عيسى عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي
رَاشِدٍ، وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ
الْفِتْنَةِ؟ وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٤/٦٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) فاعل ((اقتصّ)) ضمير سفيان،
والضمير في ((حديثهم)) يعود على الخمسة المذكورين، وهم: أبو معاوية،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٥٢٠/٢.
(٢) ((السنن الكبرى)) ١٤٤/١.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
ووكيع، وجرير، وعيسى بن يونس، ويحيى بن عيسى؛ يعني: أن سفيان بن
عيينة ساق الحديث بنحو حديث هؤلاء الخمسة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد والأعمش، كلاهما
عن أبي وائل ساقها الحميديّ تَظْتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٤٤٧) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا جامع بن أبي راشد،
وسليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان قال: قال عمر بن
الخطاب: من يُحَدِّثنا عن الفتنة؟ فقلت: أنا سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله،
وماله، وجاره، يكفّرها الصلاة، والصدقة، والصوم، فقال عمر: لست عن تلك
أسألك، إنما أسألك عن التي تموج موج البحر، فقلت: إن من دون ذلك باباً
مغلقاً، قتلُ رجل، أو موته، قال: أيُكسر ذلك الباب، أو يفتح؟ فقلت: لا، بل
يُكسر، فقال عمر: ذلك أجدر أن لا يُغلَق إلى يوم القيامة، حدّثنا الأعمش: فهِبْنا
حذيفة أن نسأله، أكان عمر يعلم أنه هو الباب؟ وأمرنا مسروقاً، فسأله، فقال: نعم
كما تعلم أن دون غد الليلةَ، فذاك أني حدثت له حديثاً ليس بالأغاليط. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤٣] (٢٨٩٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم قَالًا:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوٍْ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ جُنْدُبّ: جِثَّتُ يَوْمَ
الْجَرَعَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقُلْتُ: لَيُهَرَاقَنَّ الْيَوْمَ هَا هُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ:
كَلَّا وَاللهِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللهِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللهِ، إِنَّهُ
لَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ وَِّ حَدَّثَنِهِ، قُلْتُ: بِتْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ، تَسْمَعُنِي
أُخَالِفُكَ، وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَلَا تَنْهَانِي، ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَاَ الْغَضَبُ؟
فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، وَأَسْأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيْفَةُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزمن البصريّ، ذُكر في الباب
الماضي .
(١) ((مسند الحميديّ)) ٢١٢/١.

٢٩١
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤٣)
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥] (ت١٥٠) على
الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
٥ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
٦ - (جُنْدُبُ) بن عبد الله بن سفيان البجليّ، ثم الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم
قاف - أبو عبد الله، وربما نُسب إلى جده الصحابيّ
نظُّه، ومات بعد الستين
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
و«حُذیفة)) هُبه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة التحمل والأداء منهم ومنهما، وأن ابن المثنّى أحد مشايخ الجماعة بلا
واسطة، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث :
(عَنْ مُحَمَّد) بن سيرين؛ أنه (قَالَ: قَالَ جُنْدُب) بن عبد الله بن
سفيان ◌َُّه: (جِئْتُ يَوْمَ الْجَرَعَةِ) - بفتح الجيم، والراء، وإسكانها، والفتح
أشهر، وأجود -، وهي موضع بقرب الكوفة، على طريق الْحِيرة، ويوم الجرعة
يوم خرج فيه أهل الكوفة، يتلقون والياً ولاه عليهم عثمان رظُبه، فردّوه،
وسألوا عثمان أن يولّي عليهم أبا موسى الأشعريّ ظُبه، فولّاه، قاله
النوويّ تَخْذَُّهُ(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨/١٨.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وقال ابن الجوزيّ تَخْتُ: الْجَرَعة بفتح الراء: الثَّلّ من الرمل، لا يُنبت
شيئاً، وهذا مكان نزلوه؛ ليتهيئوا للقتال، وذلك أن عثمان بعث سعيد بن
العاص أميراً على الكوفة، فخرجوا، فردّوه، فرجع إلى عثمان، فقال عثمان:
ما تريدون؟ قالوا: البدل، قال: فمن تريدون؟ قالوا: أبا موسى، فبعثه إليهم،
ثم أخرج بسنده عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن عثمان بن عفان نزع سعد بن
أبي وقاص عن الكوفة، واستعمل الوليد بن عقبة، ثم نزعه، وبعث سعيد بن
العاص، فلم يدعوه يدخلها .
وعن وهب بن جرير، عن أبيه أن سعيد بن العاص توجه إلى الكوفة
أميراً، فقال أهل الكوفة: لا والله لا يدخلها علينا سعيد، ولا يلي أمرنا،
وبعثوا إلى الأشتر، فقَدِم عليهم، وخرج أهل الكوفة حتى نزلوا الْجَرَعة،
وأمْرهم إلى الأشتر، فلما قَدِم سعيد ركبوا خيولهم، وأخذوا رماحهم، وقالوا:
ارجع وراءك فلا والله لا تلي أمرنا، فرجع.
وقال جرير عن الأعمش، عن زيد بن وهب: لمّا خرج الناس إلى
الجرعة قيل لحذيفة: ألا تخرج؟ قال: لقد علمت أنهم لن يهريقوا بينهم
محجمة من دم.
وعن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي الْبَختريّ، عن أبي ثور
الحدائيّ قال: دُفعت إلى حذيفة وأبي مسعود يوم الجرعة، وهما يتحدثان، وأبو
مسعود يقول: والله ما كنت أرى أن ترتد على عقبيها، ولم يهريقوا فيها محجمة
من دم.
وفي الحديث من الفقه جواز أن يحلف الرجل على ما يظنّ، كما حلف
جندب، ثم قال لنفسه: ما هذا الغضب؟ وذلك أنه بان له أن الصواب ليس
معه، فرجع إلى الصواب. انتهى ابن الجوزيّ تَخْذَلُهُ(١).
رضى عنه،
الظاهر أن مجيئه إلى الجرعة كان لاستقبال الأمير الذي ولاه عثمان
وهو سعيد بن العاص.
(فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني (رَجُلٌ جَالِسٌ) هو حذيفة
رضِي عَنْه،
(١) ((كشف المشكل)) ٣٨٩/١ - ٣٩١.

٢٩٣
(٧) - بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ - حديث رقم (٧٢٤٣)
(فَقُلْتُ: لَيُهَرَاقَنَّ) بفتح اللام، وهي الموطئة للقسم؛ أي: الله ليُهراقنّ، بضمّ
أوله، مبنيّاً للمفعول، مضارع أُهريق، وأصله أُريق، قال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: رَاقَ
الماءُ، والدمُ، وغيرُهُ رَيْقاً، من باب باع: انصبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال:
أَرَاقَهُ صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتبدل الهمزة هاء، فيقال:
هَرَاقَهُ، والأصل: هَرْيَقَهُ وزانُ دحرجه، ولهذا تُفتح الهاء من المضارع، فيقال:
يُهَريقه، كما تُفتح الدال من يُدحرجه، وتُفتح من الفاعل والمفعول أيضاً،
فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ
والأمر: هَرِقْ ماءك، والأصل: هَرْيِقْ وزانُ دحرج، وقد يُجمع بين الهاء
والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ، ساكن الهاء، تشبيهاً له بِأَسْطاع يُسطيع، كأن
الهمزة زيدت عوضاً عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه
الزيادة خماسيّاً، ((ودعا بذنوب، فَأُهْرِقَ)) ساكن الهاء، وفي ((التهذيب)): من
قال: أَهْرَقْتُ، فهو خطأ في القياس، ومنهم من يجعل الهاء كأنها أصل،
ويقول: هَرَقْتُهُ هَرْقاً، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: ((إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ
الدِّمَاءَ)) بالبناء للمفعول، و((الدماء)) نُصِب على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد
الفعل إليها، والأصل: تُهْرَاقُ دماؤها، لكن جُعلت الألف واللام بدلاً عن
الإضافة، كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحها.
انتھی(١) .
والمعنى: والله ليُصبّنّ (الْيَوْمَ) ظرف لـ((يُهراق))، وكذا قوله: (هَا هُنَا)،
وقوله: (دِمَاءٌ) بالرفع على أنه نائب الفاعل لـ((يُهراق))، وإنما قال ذلك لعدم
قبول الناس الأمير الذي أرسله الخليفة عثمان رضيته، فخاف أن يكون بينه
وبينهم قتال.
(فَقَالَ ذَاَ الرَّجُلُ) الجالس: (كَلَّا)؛ أي: ارتدع عما قلت، فإنه لا يهراق
الدم (وَاللهِ) أقسم الرجل على ما قاله، قال جندب: (قُلْتُ: بَلَى وَاللهِ) ليراقنّ
الدماء، (قَالَ) الرجل: (كَلَّا وَاللهِ) لا يراق الدم، (قُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: كَلَّا
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٨/١.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
وَاللهِ، إِنَّهُ)؛ أي: إن الذي حلفت عليه جازماً بعدم وقوعه، ويَحْتَمل أن يكون
الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (لَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حَدَّثَنِيهِ) والظاهر
أنه وَلّ أخبره بذلك صريحاً، ويحتمل أن يكون فهماً فهمه من أن مقاتلة
المسلمين فيما بينهم لا تقع إلا بقتل عثمان، فجزم أن القتال في ذلك الوقت لا
يقع، والله تعالى أعلم.
قال جندب: (قُلْتُ) لذلك الرجل: (بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي)؛ أي: ساء الرجل
المُجالِس لي، والمخصوص بالذمّ قوله: (أَنْتَ)، فـ((بئس)) من أفعال الذمّ، كما
أن ((نعم)) من أفعال المدح، وقد بيّنهما ابن مالك تَخْتُهُ في ((الخلاصة)) حيث
قال :
نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنٍ
فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ
قَارَنَهَا لا كَـانِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا))
مُقَارِنَيْ ((أَلْ)) أَوْ مُضَافَيْنٍ لِمَا
يعني: أنه كان عندك في هذا الموضوع حديث، وسمعتني أحلف على ما
يخالفه، فلم تخبرني بذلك الحديث في المرّة الأولى، حتى حلفت مرّتين،
وكان المفروض من الجليس الطيب أن يخبر به في أول مرّةً(١).
وقوله: (مُنْذُ الْيَوْمِ) متعلّق بـ(الجليس))، ومعناه: في هذا اليوم؛ لأن ((منذ))
إذا جرّت الحاضر كانت بمعنى ((في))، كهذا الحديث، وإذا جرّت الماضي
كانت بمعنى ((من))، كما في قولك: ما رأيته منذ يوم الجمعة، قال ابن
مالك تَخّْتُهُ في ((الخلاصة)):
أَوْ أُولِيَا الْفِعْلَ كـ«جِئْتُ مُذْ دَعَا»
وَ((مُذْ)) وَ((مُنْذُ)) اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا
هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى ((فِي)) اسْتَبِنْ
وَإِنْ يَجُرَّ فِي مُضِيٍّ فَكَـامِنْ))
(تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ) قال النوويّ تَخْتُهُ: وقع في جميع نُسخ بلادنا
المعتمدة: ((أخالفك)) بالخاء المعجمة، وقال القاضي: رواية شيوخنا كافّة
بالحاء المهملة، من الْحَلِف الذي هو اليمين، قال: ورواه بعضهم بالمعجمة،
وكلاهما صحيح، قال: لكن المهملة أظهر؛ لتكرر الأيمان بينهما. انتهى (٢).
(وَقَدْ سَمِعْتَهُ)؛ أي: الذي قلته من عدم وقوع القتال اليوم، (مِنْ
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٨٧/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/١٨.

٢٩٥
(٨) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسُرَ الْقُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ - حديث رقم (٧٢٤٤)
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وقوله: (فَلَا تَنْهَانِي) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أفلا
تنهاني عن مخالفتي لك، أو محالفتي؛ لأن من كان عنده علم من النبيّ وَّ لا
أحد يغلبه؛ لأنه الحجة الدامغة، قال جندب: (ثُمَّ قُلْتُ) في نفسي: (مَا هَذَا
الْغَضَبُ؟) ((ما)) استفهاميّة، والاستفهام للإنكار، يُنكر على نفسه في غضبه على
رجل صحابيّ، ولفظ أحمد في ((مسنده)): ((ثم قلت: ما لي وللغضب؟ قال:
فتركت الغضب، وأقبلت أسأله ... )). قال: (فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: على هذا
الرجل، وقوله: (وَأَسْأَلُهُ) جملة حالية بتقدير مبتدأ؛ أي: وأنا أسأله عن
شخصيته؛ وذلك لأن المضارع المثبَت إذا وقع حالاً لا يُقرن بالواو، كما قال
في ((الخلاصة)):
حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ
لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِّ مُبْتَدَا
(فَإِذَا الرَّجُلُ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني أنه (حُذَيْفَةُ) بن اليمان
الصحابيّ المشهور ظُبته، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة رَّه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٤٣/٧] (٢٨٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/
٣٩٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥١٩/٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِّبُ﴾ .
(٨) - (بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسُرَ الْقُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤٤] (٢٨٩٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ:
(لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُّرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، يَقْتَِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ
مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو))).

٢٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل ثلاثة أبواب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (لا) نافية، ولذا رُفع
الفعل بعدها، (تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى يَحْسُرَ) بفتح أوله، وسكون
الحاء المهملة، وكسر السين المهملة، وضمها، من بابَي ضرب، ونصر؛ أي:
ینکشف .
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((يحسر الفرات))؛ أي: يكشف، ومنه حَسَرت
المرأة عن وجهها؛ أي: كشفت، والحاسر: الذي لا سلاح عليه، وكأن هذا
إنما يكون إذا أخذت الأرض تقيء ما في جوفها، كما تقدّم في ((الزكاة)).
انتهى(١).
والمراد مِن حسر الفرات: أن ينكشف ماؤه، فيظهر في محلّه جبل من
ذهب، وفي رواية حفص بن عاصم الآتية: ((عن كنز من ذهب))، فَيَحْتَمل أن
يكون ما يظهر جبلاً حقيقةً فيه كنز من ذهب، ويَحْتَمل أن يكون كنزاً سُمّي في
هذه الرواية جبلاً؛ لكثرة ما فيه من ذهب.
وأخرج ابن ماجه عن ثوبان رضيبه قال: قال رسول الله وَله: ((يقتتل عند
كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تَظْلع الرايات
السُّود من قِبَل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يُقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه،
فقال: فإذا رأيتموه، فبايعوه، ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهديّ))(٢).
فهذا إن كان المراد بالكنز فيه: الكنز الذي في حديث الباب دلّ على أنه
إنما يقع عند ظهور المهديّ، وذلك قبل نزول عيسى ظلَّ*، وقبل خروج النار
جزماً، أفاده في ((الفتح)(٣).
(١) ((المفهم)) ٢٢٨/٧ - ٢٢٩.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) ١٣٦٧/٢، وقال الحافظ البوصيريّ تَظّهُ: هذا إسناد صحيح،
رجاله ثقات، رواه الحاكم في ((المستدرك))، وقال: هذا حديث صحيح على شرط
الشیخین .
(٣) (الفتح)) ١٣ / ٨١.

٢٩٧
(٨) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْقُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ - حديث رقم (٧٢٤٤)
(الْفُرَاتُ) بضمّ الفاء، وتخفيف الراء: نهر مشهور، يكتب بالتاء
المجرورة، وقيل: يجوز أن يكتب بالهاء، كالتابوت والتابوه، والعنكبوت
والعنكبوه، قاله في ((العمدة)) (١).
وقال الفيّوميّ: الفُرَاتُ: نهر عظيم، مشهور، يخرج من حدود الروم، ثم
يمرّ بأطراف الشام، ثم بالكوفة، ثم بالْحِلَّة، ثم يلتقي مع دجلة في البطائح،
ويصيران نهراً واحداً، ثم يصبّ عند عَبّادان، في بحر فارس، والفرات: الماء
العذب، يقال: فَرُتَ الماءُ فُرُوتَةً، وزانُ سَهُلَ سُهُولة: إذا عَذُب، ولا يجمع إلا
نادراً على فِرْتَانِ، مثلُ غِرْبان. انتهى(٢) .
(عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ) وفي رواية: ((عن كنز من ذهب)). قال الحافظ:
تسميته كنزاً باعتبار حاله قبل أن ينكشف، وتسميته جبلاً للإشارة إلى كثرته.
(يَقْتَِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ)؛ أي: على أخذه، (فَيُقْتَلُ) بالبناء للمفعول، (مِنْ كُلِّ
مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ)؛ أي: ويبقى واحد، وفي رواية أبي سلمة عند ابن ماجه:
((فيقتتل الناس عليه، فيُقتل من كلّ عشرة تسعة))، وهي رواية شاذّة، والمحفوظ
رواية مسلم هنا، وسيأتي شاهده من حديث أبيّ بن كعب رَظُه، ولو صحّت
رواية ابن ماجه جُعلت على التقريب، وإلغاء الكسر في نسبة المقتولين إلى
العشرة؛ لأن تسعة وتسعين في مائة حينما تُذكر بالنسبة إلى العشرة تكون تسعة
وكسراً، والعرب من عادتها إلغاء الكسر (٣)، وجَمَع الحافظ بين الروايتين
بإمكان الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين، والله تعالى أعلم.
(وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ)؛ أي: من الناس المتقاتِلِين؛ يعني: أنه يقتحم
القتال مع ما يرى من شدّته؛ لأنه يرجو أن يكون هو الناجي، فيفوز بالكنز دون
غيره. (لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو))) مقتضى الظاهر أن يقول: ينجو بصيغة
الغائب، قال الطيبيّ كَخَّتُهُ: هو من باب قوله:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
أي: أنا الذي ينجو، فنظر إلى المبتدأ، فحَمَل الخبر عليه، لا على
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ١٨٦/٣٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٦٥/٢.
(٣) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٨٩/٦.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن ، وأشراط الساعة
الموصول الذي هو غائب، وفيه كناية؛ لأن الأصل أن يقال: أنا الذي أفوز
به، فعدل إلى ((أنجو))؛ لأنه إذا نجا من القتل فاز بالمال، وملكه. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢٤٤/٨ و٧٢٤٥ و٧٢٤٦ و٧٢٤٧] (٢٨٩٤)،
و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧١١٩)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣١٣
و٤٣١٤)، و(الترمذيّ) في ((صفة الجنّة)) (٢٥٦٩ و٢٥٧٠)، و(ابن ماجه) في
((الفتن)) (٤٠٩٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨٠٤)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٠٦/٢ و٣٣٢ و٣٤٦ و٤١٥)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٦٩١
و٦٦٩٢ و٦٦٩٣ و٦٦٩٤ و٦٦٩٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٣٩)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا
رَوٌْ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَقَالَ أَبِي: إِنْ رَأَيْتَهُ فَلَا تَقْرَبَّنَّهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) العيشيّ - بالياء، والشين المعجمة - البصريّ، يكنى
أبا بكر، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) - بتقديم الزاي، مصغّراً - البصريّ، أبو معاوية
العيشيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢َّ) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْحُ) بن القاسم التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث - بالغين المعجمة، والمثلثة
- البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (١٤١) (خ م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
و «سھیل)) ذُكر قبله.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٣٨/١١.

٢٩٩
(٨) - بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسُرَ الْقُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ - حديث رقم (٧٢٤٦)
وقوله: (فَقَالَ أَبِي) هذا من قول سُهيل؛ يعني: أباه أبا صالح.
وقوله: (إِنْ رَأَيْتَهُ)؛ أي: رأيتَ الجبل من الذهب (فَلَا تَقْرَبَنَّهُ) كناية عن
عدم الأخذ منه، فعبّر بعدم القرب مبالغة، وفي رواية حفص الآتية: ((فمن
حضره فلا يأخذ منه شيئاً))، قيل: السبب في مَنْع الأخذ منه ما ينشأ عن أخذه
من الفتنة والقتال، وقال القرطبيّ: النهي على أصله من التحريم؛ لأنه ليس
مُلكاً لأحد، وليس بمعدن، ولا ركاز، فحقّه أن يكون في بيت المال، ولأنه لا
يوصل إليه إلا بقتل النفوس، فيحرم الإقدام على أخذه. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية روح بن القاسم عن سهيل هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ
السَّكُونِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (يُوشِك الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنَّ كَنْزٍ
مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو مَسْعُودٍ سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ العسكريّ، نزيل
الريّ، أحد الحفاظ، صدوقٌ، له غرائب، [١٠] (٢٣٥) (م) تقدم في ((الإيمان))
١٢١/٥، من أفراد المصنّف.
٢ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ) أبو مسعود الكوفيّ الْمُجَدَّر - بالجيم -
صدوقٌ، صاحب حديث [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٥٩٣/٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً.
٤ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو
الحارث المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
(١) ((المفهم)) ٢٢٩/٧.

٣٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفتن، وأشراط الساعة
٥ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِم) بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٣]
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
و((أَبُو هُرَيْرَةَ)) رَُبه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله،
وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد الله عن خبيب، عن
حفص، وفيه أبو هريرة نظابه رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((يُوشِك) بكسر
الشين المعجمة؛ أي: يقرب (الْفُرَاتُ)؛ أي: النهر المشهور، وهو بالتاء
المجرورة على المشهور، ويقال: يجوز أن يُكتَب بالهاء، كالتابوت، والتابوه،
والعنكبوت، والعنكبوه، أفاده الكمال ابن العديم في ((تاريخه)) نقلاً عن
إبراهيم بن أحمد بن الليث. (أَنْ يَحْسُرَ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه،
وضمّه، والحاء والسين مهملتان؛ أي: ينكشف (عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ
فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً))) هذا يُشعر بأن الأخذ منه ممكن، وعلى هذا فيجوز أن
يكون دنانير، ويجوز أن يكون قِطَعاً، ويجوز أن يكون تِبْراً(١).
قال في ((الفتح)): وتسميته كنزاً باعتبار حاله قبل أن ينكشف، وتسميته
جبلاً للإشارة إلى كثرته، ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة،
رفعه: ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان، من الذهب والفضة،
فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قَتلت، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قُطعت
يدي، ثم يَدَعُونه، فلا يأخذون منه شيئاً».
قال ابن التين: إنما نُهي عن الأخذ منه؛ لأنه للمسلمين، فلا يؤخذ إلا
بحقه، قال: ومن أخذه، وكثر المال نَدِم؛ لِأَخْذه ما لا ينفعه، وإذا ظهر جبل
من ذهب کسد الذهب، ولم يُرَدْ.
(١) ((الفتح)) ٨٠/١٣.