Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٨١)
الحديث له علّةٌ، ولذلك - والله أعلم - لم يُخرجه البخاريّ، فإن همّاماً رواه
عن قتادة قال: حدّثني أربعة عن مطرّف بن عبد الله، منهم: يزيد بن عبد الله
أخو مطرّف، والعلاء بن زياد، ورواه عنهما عن همّام بنُ أبي خيثمة، وابن أبي
شيبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، ويزيد أخي مطرّف، وعقبة بن عبد الغافر
عن مطرّف؛ إذ هما أعلى وأحفظ، ولم يبال بمن خالفهم، واستشهد بما حكاه
يحيى عن شعبة، أو سعيد من قول قتادة: سمعت مطرّفاً، فأزال إشكال
(١).
العنعنة. انتهى
[تنبيه آخر]: رواية يحيى القطان، عن هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه
ساقها الإمام أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال:
(١٧٥١٩) - حدّثنا يحيى بن سعيد، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن مطرّف،
عن عياض بن حمار، أن النبيّ وَّ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: ((إن
ربي ◌َّ أمرني أن أعلمكم ما جَهِلتم، مما علّمني في يومي هذا، كلُّ مال
نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين،
فأضلتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتهم أن يشركوا بي ما
لم أُنزل به سلطاناً، ثم إن الله رَ نظر إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عجميّهم
وعربيّهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك،
وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً، ويقظاناً، ثم إن الله رحمات
أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: يا رب إذاً يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً، فقال:
استخرجهم كما استخرجوك، فاغزهم نُغزك، وأنفق عليهم، فسننفق عليك،
وابعث جنداً نبعث خمسةً مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة
ثلاثة: ذو سلطان مُقسط متصدق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي
قربى ومسلم، ورجل فقير عفيف متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي
لا زَبْر له الّذين هم فيكم تبعاً، أو تُبَعاء - شك يحيى - لا يبتغون أهلاً ولا
مالاً، والخائن الذي لا يخفى عليه طمع، وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح،
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٩٨/٨.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
ولا يمسي، إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك))، وذكر البخل، والكذب،
والشنظير الفاحش. انتهى (١).
وساقها أيضاً ابن عساكر تَخُّْ في ((تاريخه)) (١٨٥/٥٤) بسند المصنّف،
تامّاً، فقال:
أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن،
أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق، أنبأنا جدّي أبو بكر،
حدّثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن هشام
الدستوائيّ، حدّثنا قتادة، عن مطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عياض بن
حمار المجاشعيّ، أن رسول الله وَ* قال ذات يوم في خطبته: ((ألا وإن ربي
أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم، مما علّمني يومي هذا، كلُّ مال نحلته عبدي
حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن
دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به
سلطاناً، ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عجمهم وعربهم، إلا بقايا
من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً
لا يغسله الماء، تقرأه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أُحرق قريشاً، فقلت: يا
رب إذاً يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً، فقال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم
نُغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً، فنبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن
أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط مصدق ومؤمن،
ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل ضعيف فقير متصدق،
وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له الذَّين هم فيكم تبعٌ أو تُبَعَاء - شك
يحيى - لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يَخفى له طمع، وإن دقّ إلا
خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك))، وذكر
البخل، أو الكذب، والشنظير الفحاش.
(ح) قال: وحدّثنا عبد الرحمن بن بشر في عقبه: ثنا يحيى، قال:
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ١٦٢.

٨٣
(١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٨٢)
وسمعت عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفاً في هذا الحديث.
(١)
انتھی
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ
مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ حِمَارٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَاهـ
ذَاتَ يَوْمِ خَطِيباً، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي))، وَسَّاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
هِشَامِ، عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ
عَلَىَ أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعأَ لَا يَبْغُونَ
أَهْلاً، وَلَا مَالاً))، فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللهِ، لَقَدْ
أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ، مَا بِهِ إِلَّ وَلِيدَتُهُمْ يَطَوُّهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) الْخُزاعيّ مولاهم المروزيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الصيام)) ١٧/ ٢٦١٩.
٢ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ - بسين مهملة مكسورة، ونونين - أبو
عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وربما أغرب، من كبار [٩] (ت١٩٢) في ربيع
الأول (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٦/٢٦.
٣ - (الْحُسَيْنُ) بن واقد المروزيّ، أبو عبد الله القاضي، ثقةٌ، له أوهام
[٧] (ت٧ أو ١٥٩) (خت م ٤) تقدم في ((الجهاد والسِّير)) ٤٧ / ٤٦٨٧.
٤ - (مَطَرٌ) بفتحتين ابن طَهْمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم
الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦]
(ت٥ أو١٢٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) ((تاريخ مدينة دمشق)) ١٨٥/٥٤ - ١٧٦.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير مطر، وكذلك فاعل ((وزاد
فيه)) الآتي بعده.
وقوله: (وَإِنَّ اللهَ) تعالى (أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا) ((أَنْ)) هذه مفسِّرة؛ لِمَا
في الإيحاء من معنى القول، و((تواضعوا)) أمْر من التواضع، تفاعل من الضِّعَة
بالكسر، وهي الذلّ، والهوان، والدناءة. (حَتَّى لَا يَفْخَرَ) متعلِّق بـ((أوحى))،
وهو بفتح الخاء، من الفخر، وهو ادّعاء العظمة، والكبرياء والشرف؛ أي: كي
لا يتعاظم (أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ) بكسر الغين المعجمة؛ أي: ولا يظلم
(أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) وفي الجمع بينهما إشعار بأن الفخر والبغي نتيجتا الكبر؛ لأن
المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق كل أحد، ولا ينقاد لأحد، قاله القاري(١).
وقال المناويّ رَُّهُ: ((إن الله أوحى إليّ))؛ أي: وحيَ إرسال، والوحي
إعلام في خفاء، ((أن تواضعوا)) بخفض الجناح، ولِيْن الجانب، و((أن)) مفسرة
((حتى لا يفخر أحد منكم على أحد)) بتعداد محاسنه كِبْراً، ورَفْع قَدْر نفسه على
الناس تَيْهاً، وعُجْباً، قال ابن القيم تَظَّتُهُ: والتواضع انكسار القلب لله، وخَفْض
جناح الذلّ والرحمة للخلق، حتى لا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له عند
أحد حقّاً، والفخر ادعاء العظمة.
وقال الطيبيّ تَخْتُ: و((حتى)) هنا بمعنى ((كي))، و((لا يبغي)) بالنصب عطفاً
على ((تواضعوا))؛ أي: لا يجور، ولا يتعدى أحد منكم على أحد، ولو ذميّاً،
أو معاهَداً، أو مؤمناً، والبغي: مجاوزة الحدّ في الظلم.
قال الطيبيّ: المراد أن الفخر والبغي شحناء الكبير؛ لأن المتكبر هو
الذي يرفع نفسه فوق منزلته، فلا ينقاد لأحد.
وقال المجد ابن تيمية كَُّ: نهى الله على لسان نبيّه وَّ عن نوعي
الاستطالة على الخلق، وهي الفخر، والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحقّ
فقد افتخر، أو بغير حق فقد بغى، فلا يحل هذا ولا هذا، فإن كان الإنسان من
طائفة فاضلة، كبني هاشم، أو غيرهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه،
والنظر إليها، فإنه مخطئ؛ إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فَرُبَّ
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٢١/٩.

١
٨٥
(١٧) - بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - حديث رقم (٧١٨٢)
حبشيّ أفضل عند الله من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه، وخروجه
عن الفضل، فضلاً عن استعلائه بهذا، واستطالته به.
وأُخذ منه أنه يتأكد للشيخ التواضع مع طَلَبته، ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اَعَكَ
﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وإذا طُلب التواضع لمطلق الناس، فكيف
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
لمن له حقّ الصحبة، وحرمة التودد، وصدق المحبة؟ لكن لا يتواضع معهم مع
اعتقاد أنهم دونه، فقد قال ابن عطاء الله: من أثبت لنفسه تواضعاً فهو المتكبر
حقّاً، فالتواضع لا يكون إلا عن رفعة مع عظمة، واقتدار، وليس المتواضع
الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، بل الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما
صنع. انتهى(١).
وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ) فاعل ((قال)) ضمير مطر أيضاً.
وقوله: (فَقُلْتُ) هذا من كلام قتادة، يقول: فقلت لمطرّف بن عبد الله
(فَيَكُونُ ذَلِكَ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفيكون، ويحصل، ويقع هذا الأمر
(يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟) كنية مطرّف، (قَالَ) مطرّف: (نَعَمْ) يوجد هؤلاء الضعفاء الذين
لا زَبْر لهم، ويكتفون بالمحرّمات، ولا يطلبون لأنفسهم حلالاً، ثم أكّد ذلك
بقوله: (وَاللهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: في أواخر أيام الجاهلية،
والجاهليّة ما قبل الإسلام، (وَإِنَّ الرَّجُلَ) من أولئك الضعفاء (لَيَرْعَى) المواشي
(عَلَى الْحَيِّ)؛ أي: القبيلة؛ سمُّوا بذلك؛ لأن بعضهم يحيا ببعض؛ أي:
يتناصرون، ويتعاضدون. (مَا) نافية؛ أي: ليس (بِهِ) رغبة، وليس له أجر، (إِلَّا
وَلِيدَتُهُمْ)؛ أي: جاريتهم (يَطَؤُّهَا)؛ أي: مقابل رعيه لهم.
وقال النوويّ كَّلُهُ: أبو عبد الله - يعني: في قوله: يا أبا عبد الله - هو
مطرّف بن عبد الله، والقائل له قتادة، وقوله: ((لقد أدركتهم في الجاهلية)) لعله
يريد أواخر أمر الجاهلية، وآثارهم، وإلا فمطرّف صغير عن إدراك زمن
الجاهلية حقيقةً، وهو يعقل. انتهى(٢). وقال القاضي عياض ◌َخُّْهُ: قوله: ((لقد
أدركتهم في الجاهليّة)) دلّ على صحّة صحبة مطرّف؛ لإدراكه الجاهليّة، وإن
(١) ((فيض القدير)) ٢١٧/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١٧.

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
كان أبو عمر بن عبد البرّ لم يذكره في ((كتابه)) (١)، ومن شرطه أن يذكره؛ لأنه
وُلد في زمنه رََّ، وقد ذكر ابن أبي خيثمة عن أخيه يزيد بن عبد الله قال: أنا
أكبر من الحسن بعشر سنين، وأخي مطرّف أكبر مني بعشر سنين، ووُلد الحسن
فيما قاله الواقديّ لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطّاب وظُبه، وقد ذكر أن
عمر رظلُّه أغزاه مدداً للأحنف إلى نيسابور، وذكر ابن قتيبة: وُلد مطرّف في
حياة النبيّ وَّل، ومات عمر وهو ابن عشرين سنة، وتُوفّي بعد سنة سبع
وثمانين. انتهى(٢) .
[تنبيه]: رواية مَطَرِ الوراق عن قتادة هذه لم أجد من ساقها تامّة، إلا أن
الخطيب البغداديّ تَّتُهُ أوردها في ((تاريخه))(٣)، ولكن فيها أخطاء، ولذا
أعرضت عن إيراده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١٨) - (بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ الَّارِ عَلَيْهِ،
وَإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٣] (٢٨٦٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ
مَقْعَّدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يُقَالُ: هَذَا مَفْعَدَُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضاً قبل باب.
(١) يعني: ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)).
(٢) ((كمال المعلم)) ٣٩٨/٨ - ٣٩٩.
(٣) راجع: ((تاريخ بغداد)) للخطيب ٩/ ٤٧١.

٨٧
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٣)
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ظًّا، تقدّم أيضاً قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيات المصنّف تَّتُهُ، وهو (٤٣٦) من رباعيات الكتاب، وأنه
مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة، وفيه ابن عمر ظًّا من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن مشاهير الصحابة في الفتوى، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ) ولفظ
النسائيّ: ((ألا إن أحدكم))، و((أَلَا)) أداة تحضيض، قال ابن عبد البرّ كَّتُهُ:
الخطاب موجّه إلى أصحابه، وإلى المنافقين، فيُعرض على المؤمن مقعده من
الجنة، وعلى المنافق مقعده من النار. انتهى (١).
(إِذَا مَاتَ عُرِضَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قال
الحافظ وليّ الدين كَّتُهُ: فيه أن الميت يُعرَض عليه في قبره بالغداة والعشيّ
مقعده من الجنّة، وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنّة، وتعذيب لمن هو من
أهل النار بمعاينة ما أعدّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود، ويوافق هذا في
أحد الشّقّين قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (®﴾ [غافر: ٤٦].
وقال ابن التين كَّلُهُ: يَحْتَمِل أن يريد بالغداة والعشيّ غداة واحدة،
وعشيّة واحدة، يكون العرض فيها. ومعنى قوله: ((حتى يبعثك الله))؛ أي: لا
تصل إليه إلى يوم البعث. ويَحْتَمِل أن يريد كلّ غداة، وكلّ عشيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، كما تؤيّد
الآية المذكورة أَحَد شقيه، فالشقّ الآخر مثله، فَيُعرَض على كل فريق مقعده كلّ
غداة، وكلّ عشيّ، ولا يعارضه ما تقدم من عرض المقعد عند السؤال، فذاك
عرضٌ غير هذا، والله تعالى أعلم.
(١) ((الاستذكار)) ٨٧/٣.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
وقال أبو العباس القرطبيّ ◌َخّْلهُ: ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح
وحدها، ويجوز أن يكون عليها مع جزء من البدن، والله أعلم بحقيقة الحال.
قال وليّ الدين: ظاهر الحديث عرض هذا على جملته، ولا مانع من إعادة
الروح إلى الجسد، أو إلى البعض الذي يدرك منه حالة العرض.
فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشيّ، وليلٌ ونهار؟.
قلت: المراد: في وقت الغداة والعشيّ عند الأحياء، ويَحْتمل أن يمثّل له
وقت الغداة والعشيّ في حال عرض المقعد عليه، وقد ورد في سؤال الملَكين
أنه يُمثّل له وقت صلاة العصر، ودنوّ الشمس للغروب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستشكال من أصله فيه إشكال،
فأين النصوص التي تنفي الغداة والعشيّ، والليل والنهار عن أهل القبور، حتى
نستشكل؟ بل ظواهر النصوص على إثبات ذلك، فلا داعي إلى ردّ مثل هذا
الاستشكال الذي لا ينبني على دليل صحيح. فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وحَكَى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العَرْض هنا:
الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم، والجزاء لها عند الله تعالى، قال: وأريد
بالتكرير بالغداة والعشيّ تذكارهم بذلك، قال: ولسنا نشكّ أن الأجساد بعد
الموت، والمسألة هي في الذهاب، وأكل التراب لها، والفناء، ولا يُعرَض
شيء على فانٍ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الروح
خاصّة، وذلك أن الأرواح لا تفنى، وهي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة،
أو النار. انتهى.
قال وليّ الدين تَخّْتُهُ: وما ذكره أولاً من أن معنى العَرْض هنا الإخبار قد
يقتضي عدم معاينة المقعد حقيقةً، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، ولا مانع من
حَمْل الحديث، والآية على ظاهرهما، وإذا لم يَصرِف عن الظاهر صارِف
فالإيمان به واجبٌ، وما ذكره من أن العرض على الأرواح خاصّة هو أحد
احتمالَي القرطبيّ، وظاهر الحديث خلافه، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظواهر النصوص هو
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٣٠٤/٣ - ٣٠٥.

٨٩
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٣)
الحق الذي يجب التمسك به، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات العقلية
التي تخالف هذه الظواهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. والله
تعالى وليّ التوفيق.
(إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظاً،
ولا بدّ فيه من تقدير. قال التوربشتيّ تَخْلُهُ: التقدير: إن كان من أهل الجنّة،
فمقعده، من مقاعد أهل الجنة يُعرض عليه. وقال الطيبيّ دَخَّتُهُ: الشرط والجزاء
إذا اتحدا لفظاً دلّ على الفخامة، والمراد: أنه يرى بعد البعث من كرامة الله
تعالى ما يُنسيه هذا المقعد. انتهى. ووقع عند مسلم في الرواية التالية بلفظ:
((إن كان من أهل الجنّة فالجنّة))؛ أي: فالمعروض الجنّة(١).
(وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ) التقدير فيه كالتقدير في سابقه،
(يُقَالُ: هَذَا مَفْعَدَُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) وفي الرواية التالية: (ثُمَّ
يُقَالُ: هَذَا مَفْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وفي رواية النسائيّ: ((حتى
يبعثك الله ريك يوم القيامة))، بكاف الخطاب.
وحَكَى ابن عبد البرّ فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثرين
رووه كرواية البخاريّ - يعني: حتى يبعثك الله يوم القيامة - وأن ابن القاسم
رواه كرواية مسلم، قال: والمعنى: حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد، ويَحْتَمِل
أن يعود الضمير إلى الله، فإلى الله تُرجع الأمور، والأول أظهر. انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده رواية الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، بلفظ: ((ثم
يقال: هذا مقعدك الذي تُبعث إليه يوم القيامة)). أخرجه مسلم. وقد أخرج
النسائيّ رواية ابن القاسم، لكن لفظه كلفظ البخاريّ. انتهى (٢)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا مُتّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ٦١٣/٣.
(٢) ((الفتح)) ٦١٤/٣.

٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٨٣/١٨ و٧١٨٤] (٢٨٦٦)، و(البخاريّ) في
((الجنائز)) (١٣٧٩) و((بدء الخلق)) (٣٢٤٠) و((الرقاق)) (٦٥١٥)، و(الترمذيّ) في
((الجنائز)) (١٠٧٢)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٠٧٠ و٢٠٧١ و٢٠٧٢) وفي
((الكبرى)) (٢١٩٧ و٢١٩٨ و٢١٩٩)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٣٢٤)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦/٢ و٥١ و١١٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٥٦٤)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٣/٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣/
٥٨٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٣٠)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار))
(٥٩٥/٢ و٥٩٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٥٥/٢ و١٣٤/٨) و((الصغير))
(٢/ ١٤٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٨/١٠)، و(عبد بن حميد) في
((مسنده)) (٢٣٩/١)، و(البيهقيّ) في ((إثبات عذاب القبر)) (٤٩)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (١٥٢٤)، والله تعالى أعلم.
في فوائده :
(المسألة الثالثة) :
١ - (ومنها): أن في هذا الحديث دليلاً على أن الجنة والنار مخلوقتان،
كما يقول جماعة أهل السُّنَّة، وهم الجماعة الذين هم الحجة أهل الرأي
والآثار، ويدل على ذلك قول الله رَى: ﴿يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:
٣٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّبْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ اُلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:
٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ﴾ [طه:
١١٧]، وقال لإبليس: ﴿فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]، وقال رَمّ في آل
فرعون: ﴿الَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وقول رسول الله وَّه :
((اشتكت النار إلى ربها ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، وقوله وَلّ: ((اطلعت في
الجنة، فرأيت أكثر أهلها المساكين، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها
النساء))، متّفقٌ عليه، وقوله: ((دخلت الجنة، فأخذت منها عنقوداً ... ))
الحديث.
وقوله وَلّه: ((لمّا خَلَق الله الجنة حفّها بالمكاره، وخَلَق النار، فحفَّها
بالشهوات ... ))، والآثار في أن الجنة والنار قد خُلقتا كثيرة جدّاً.
٢ - (ومنها): أن فيه الإقرارَ بالموت، والبعث بعده، والإقرارَ بالجنة والنار،
وإثبات عذاب القبر؛ لأن عَرْض مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب.

٩١
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٣)
٣ - (ومنها): أنه يَستدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور،
قال ابن عبد البرّ: وهو أصحّ ما ذهب إليه في ذلك؛ لأن الأحاديث بذلك
أحسن مجيئاً، وأثبت نقلاً من غيرها .
والمعنى عندي: أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها لا تَرِيم،
ولا تفارق أفنية القبور، بل هي كما قال مالك تَّتُهُ: إنه بلغه أن الأرواح تسرح
حيث شاءت، وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دُفن
(١) .
الميت، لا تفارق ذلك، والله أعلم.
انتهى .
٤ - (ومنها): أن الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العرض لا يمكن إلا
على الحيّ.
قال القرطبيّ تَخّلُهُ: هذا الحديث، وما في معناه يدلّ على أن الموت
ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ومفارقة الروح للبدن.
وقال بعضهم: ومما يدلّ على حياة الروح، وأنها لا تفنى قوله رغمت :
﴿اَللَّهُ يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا
اَلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَتَّىَ﴾ [الزمر: ٤٢]، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): ما تقدّم من ذكر عرض المقعد على الميت في قبره
واضح في الكافر، والمؤمن المخلص، أما المخلّط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها،
غير معفوّ عنها، فماذا يُعرض عليه؟. قال وليّ الدين: الذي يظهر أن المعروض
عليه مقعده من الجنة، وأما النار، فليس له بها مقعد مستقرّ، وإنما يدخلها
لعارض، ليُنقّى، ويطهّر، ويُمحّص، ثم يدخل مقعده من الجنّة، نقيّاً، مخلصاً.
وذكر أبو العباس القرطبيّ في ذلك تردّداً، فقال: وأما المؤمن المؤاخَذ
بذنوبه، فله مقعدان، مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنّة بعد إخراجه،
فهذا يقتضي أن يُعرضا عليه بالغداة والعشيّ، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنّة
كلّ من يدخلها، كيفما كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ أخيراً هو
الأرجح، كما مال إليه وليّ الدين، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم.
(١) ((الاستذكار)) ٨٩/٣.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
(المسألة الخامسة): قال أبو العباس القرطبيّ تَخْتُهُ: هذا إخبار عن غير
الشهداء، فإن أرواحهم في حواصل طير، تسرح في الجنّة، وتأكل من ثمارها.
قال الحافظ وليّ الدين تَخُّْ: هذا مبنيّ على أن عرض المقعد على
الأرواح خاصّة، فلا يحتاج إلى عرضه عليها؛ لأنها في الجنة، وقد يقال:
فائدة ذلك تبشيرها باستقرارها في الجنّة، مقترنة بجسدها في ذلك المحلّ
المخصوص على التأبيد، وهذا قَدْر زائد على ما هي فيه، وأما إذا كان عرض
المقعد على الأجساد، فلا مانع من أن الشهداء حينئذ كغيرهم؛ لأن الذي في
الجنة إنما هو أرواحهم، وأما أجسادهم فهي في قبورهم، فتنعّم بعرض المقعد
عليها بكرة وعشياً.
على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقاً، رواه النسائيّ، من
حديث كعب بن مالك ظُه، عن رسول الله وَ له، قال: ((إنما نسمة المؤمن
طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة)). ورواه ابن ماجه
بلفظ: ((إن أرواح المؤمنين في طير خضر، يعلُقُ بشجر الجنة)). وهو عند
الترمذيّ بلفظ: ((إن أرواح الشهداء)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ
عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ بِالْغَدَّاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ فَالنَّارُ))، قَالَ: ((ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا مَفْعَدَُ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر،
أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً، عابداً فاضلاً، كان
يُشَبَّه بأبيه في الهدي، والسمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٣٠٥/٣ - ٣٠٦.

٩٣
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٥)
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (فَالْجَنَّةُ)؛ أي: فالمعروض الجنة، وكذا قوله: (فالنار).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٥] (٢٨٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ
الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ أَبُو
سَعِيدٍ: وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنَ النَّبِيِّ ◌َِِّ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: بَيْنَمَا
النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ، فَكَادَتْ
تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِنَّةٌ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ، قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ، فَقَالَ:
((مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: ((فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟»،
قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشْرَاكِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا
تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ))، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الَّارِ،
فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ:
(تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))، قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ
فِتْنَةِ الدَّجَّالِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ،
تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم البصريّ، تقدّم قريباً.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
٤ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضم الجيم - ابن إياس، أبو مسعود البصريّ،
ثقةٌ، اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] مات سنة أربع وأربعين ومائة (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون، وضاد معجمة ساكنة ـ المنذر بن مالك بن قُطَعة
الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﴿ها، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) بن الضحاك بن لَوْذان الأنصاريّ النجاريّ، أبو
سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كَتَب الوحي، قال مسروق: كان من
الراسخين في العلم، مات سنة خمس، أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين
(ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩٣/٢٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّ، وأنه مسلسل بالبصريين سوى شيخيه،
فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ، وسوى الصحابيين، فمدنيّان، وفيه رواية
صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ،
ومن المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان
ثَابِتٍ) رَبُهُ (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َبه (وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنَ النَّبِيِّ وَلَِّ)؛ أي: لم
أحضر هذا الحديث حين حدّث به النبيّ وَِّ، (وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ زَيْدُ بْنُ
ثَابِتٍ) رَظُه، ثم بيّن كيف حدّثه، فقال: (قَالَ) زيد نَظُه: (بَيْنَمَا) تقدّم الكلام
في ((بينما))، و((بينا)) غير مرّة، فلا تغفل. (النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَائِطٍ)؛ أي: كائن في
بستان (لِبَنِي النَّجَّارِ) قبيلة من الأنصار، (عَلَى بَعْلَةٍ لَهُ) حال من الضمير المستتر
في الخبر، (وَنَحْنُ مَعَهُ) حال متداخلة؛ لأنه حال من الضمير في الحال، (إِذْ
حَادَتْ بِهِ) بالحاء المهملة؛ أي: مالت، ونفرت؛ أي: ملتبسة به، فـ(به)) حال،
و((إذ)) بسكون الذال للمفاجأة بعد ((بينما))، نصّ على ذلك سيبويه، على ما في

٩٥
(١٨) - بَابُ عَرْضِ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٥)
((المغني)). (فَكَادَتْ)؛ أي: قربت البغلة (تُلْقِيهِ) من الإلقاء؛ أي: تُسقط النبيّ وَّه
وترميه عن ظهرها من شدّة نفرتها، وقوله: (وَإِذَا) بالألف للمفاجأة؛ أي: ففاجأنا
(أَقْبُرٌ) بفتح، فسكون، فضم: جمع قبر، كفلس وأفلس، وقوله: (سِتَّةٌ، أَوْ
خَمْسَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ) بدل من ((أقبر))، و((أو)) فيها للشك، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) ابن
عليّة (كَذَا)؛ أي: مثل ما تقدّم بالترديد والشكّ. (كَانَ يَقُولُ) سعيد (الْجُرَيْرِيُّ)؛
يعني: أنه رواه بالشك في عدد الأقبر، هل هي ستة، أو خمسة، أو أربعة؟.
(فَقَالَ) النبيّ وَ لَهَ لأصحابه الحاضرين لديه في ذلك المكان: ((مَنْ)
استفهاميّة؛ أي: أيّ شخص (يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟)))؛ أي: ذواتهم،
وصفاتهم، وتاريخ وفاتهم، وأيام حياتهم، (فَقَالَ رَجُلٌ) لَم يسمَّ، (أَنَا)؛ أي:
أعرفهم. (قَالَ) وَه إذا كنت تعرفهم ((فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءٍ؟))) أفي الجاهلية، أم
بعدها، مشركين، أو مؤمنين؟ (قَالَ) الرجل: (مَاتُوا فِي الإِشْرَاكِ)؛ أي: في
زمنه، أو صفته، وقال ابن حجر الهيتميّ: أي: بعدٍ بعثتك، بدليل قوله: ((إن
هذه الأمة تبلى إلخ)). (فَقَالَ) بَّهِ: ((إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ)؛ أي: جنس الأمة،
فـ(هذه)) إشارة لِمَا في الذهن، وخبره بيان له، كهذا أخوك، وأصل الأمة: كل
جماعة يجمعهم أمر واحد، إما دين، أو زمان، أو مكان، سواء كان ذلك
الأمر الجامع تسخيراً، أو اختياراً (١). (تُبْتَلَى)؛ أي: تُمتحن (فِي قُبُورِهَا) بسؤال
الملكين، وغيره، ثم تنعّم، أو تعذّب. (فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا) بحذف إحدى
التاءين، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَفَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿نَزَُّ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]؛
أي: لولا مخافة عدم التدافن إذا كشف لكم، (لَدَعَوْتُ اللهَ)؛ أي: سألته (أَنْ
يُسْمِعَكُمْ) من الإسماع مفعول ثان لـ(دعوت)) على تضمين ((سألت)) أن يجعلكم
سامعين (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) يَحْتَمِل أن تكون ((من)) للتبعيض، ويَحْتَمِل أن تكون
زائدة، قال في ((الأزهار)) قيل: المعنى: المانع من الدعاء هو الخوف،
والحيرة، والدهشة، وانخلاع القلب، وقيل: المانع ترك الإعانة في الدفن،
وقال التوربشتيّ: لو سمعوا ذلك لأهمَّ كلَّ واحد منهم خُويصّة نفسه، وعمَّهم
من ذلك البلاء العظيم، حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن، وخَلَع الخوف
أفئدتهم، حتى لا يكادوا يقربون جيفة ميت(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٩٢/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣١٨/١.

٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
(الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ)))؛ أي: الذي أسمعه من القبر، وقال ابن حجر(١):
أي: مثل الذي أسمعه، وهو مفعول ثان لـ((يُسمِع))؛ أي: أن يوصل إلى آذانكم
أصوات المعذّبين في القبر، فإنكم لو سمعتم ذلك تركتم التدافن، من خوف
قلع صياح الموتى أفئدتكم، أو خوف الفضيحة في القرائب؛ لئلا يُطّلع على
أحوالهم، وهذا الحديث مثل قوله ◌َّ: ((لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً
ولبكيتم كثيراً)).
وقال التوربشتيّ تَخْتُ: هذا كلام مجمل، وما يسبق إلى الفهم هو أنهم لو
سمعوا ذلك لتركوا التدافن حذراً من عذاب القبر، وفيه نظر؛ لأن المؤمن لا
يليق به ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد أن الله تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذّبه،
ولو في بطن الحيتان، وحواصل الطيور، وسيّان دون القدرة الإلهيّة بَطْن
الأرض وظهرها، وبعد ذلك، فإن المؤمنين أُمروا بدفن الأموات، فلا يسعهم
تَرْك ذلك إذا قَدَروا عليه، والذي نهتدي إليه بمقدار علمنا هو أن الناس لو
سمعوا ذلك لأهمّ كلّ واحد منهم خويصّة نفسه، وعمّهم من ذلك البلاء العظيم
حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن، وخَلَع الخوف أفئدتهم حتى لا يكادوا يقربوا
جيفة ميت، مثل قوله وقلله: (لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً))،
وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومن كوشف بما لا يسعه يطيح، ويهلك.
(٢)
انتھی
وقال المناويّ كَّتُهُ: قوله: ((فلولا أن لا تدافنوا)) بحذف إحدى التاءين؛
أي: لولا خوف ترك التدافن، من خوف أن يصيبكم من العذاب ما أصاب
الميت، ((لدعوت الله أن يسمعكم)) هو مفعول ((دعوت)) على تضمينه معنى
سألت؛ لأن دعوت لا يتعدى إلى مفعولين.
وقال الطيبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((أن يسمعكم)) مفعول ثان لـ(دعوت)) على
تضمين (سألت))، و((الذي)) مفعول ((أن يسمعكم))، و((من عذاب القبر)) بيان له،
حال منه، مقدَّم عليه، ومعنى ((لولا أن لا تدافنوا)) أنهم لو سمعوه لتركوا
(١) هو: الهيتميّ بالتاء، لا العسقلانيّ، فتنبّه.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٩٢/٢.

٩٧
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَفْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٥)
التدافن؛ حذراً من عذاب القبر، أو لاشتغل كلٌّ بخويصته حتى يفضي بهم إلى
ترك التدافن، وقيل: ((لا)) زائدة، ومعناه: لولا أن تموتوا من سماعه، فإن
القلوب لا تطيق سماعه، فيصعق الإنسان لوقته، فكَنَى عن الموت بالتدافن،
ويرشد إليه قوله في الحديث الآخر: ((لو سمعه الإنسان لصعق))؛ أي: مات،
وفي رواية لأحمد: (لولا أن تدافنوا)) بإسقاط ((لا))، وهو يدلّ على زيادتها في
تلك الرواية، وقيل: أراد: لأسمعتكم عذاب القبر؛ أي: صوته؛ ليزول عنكم
استعظامه، واستبعاده، وهم وإن لم يستبعدوا جميع ما جاء به، كنزول الملَك
وغيره، من الأمور المغيبة، لكنه أراد أن يتمكن خبره من قلوبهم تمكنَ عيان،
وليس معناه أنهم لو سمعوا ذلك تركوا التدافن؛ لئلا يصيب موتاهم العذاب،
كما قيل، لأن المخاطبين وهم الصحابة ه عالمون بأن العذاب - أي:
عذاب الله - لا يُرَدّ بحيلة، فمن شاء تعذيبه عذّبه، ولو ببطن حوت، بل معناه:
لو سمعوا عذابه تركوا دفن الميت؛ استهانة به، أو لِعجزهم عنه؛ لدهشتهم،
وحيرتهم، أو لفزعهم، وعدم قدرتهم على إقباره، أو لئلا يحكموا على كل من
اطلعوا على تعذيبه في قبره بأنه من أهل النار، فيتركوا الترحم عليه، وترجّي
العفو له، وإنما أحب ◌َلّ إسماعهم عذاب القبر دون غيره، من الأهوال؛ لأنه
أول المنازل.
وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومن كوشف بما لا يطيقه هلك. انتهى (١).
(ثُمَّ أَقْبَلَ) النبيّ وَِّ (عَلَيْنَا) وقوله: (بِوَجْهِهِ) تأكيد لـ((أقبل))، كقولك:
رأيته بعيني؛ لمزيد الاهتمام بشأن التذكير(٢). (فَقَالَ) وَلّ للحاضرين: («تَعَوَّذُوا
باللّهِ مِنْ عَذَابِ الثَّارِ)))؛ أي: اطلبوا منه أن يدفع عنكم عذابها، (قَالُوا: نَعُوذُ
بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الَّارِ)؛ أي: نعتصم به منها، (فَقَالَ) وَ («تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابٍ
الْقَبْرِ))) قال القاري تَُّهُ: ولعل تقديم عذاب النار في الذُّكر، مع أن عذاب
القبر مقدَّم في الوجود؛ لكونه أشدّ، وأبقى، وأعظم، وأقوى(٣). (قَالُوا: نَعُوذُ
(١) ((فيض القدير)) ٣٤١/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٩٣/٢.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٣١٨/١.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ) بَرِ (تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ) بكسر، ففتح: جمع
فتنة، وهي الامتحان، وتُستعمل في المكر، والبلاء، وهو تعميم بعد تخصيص،
وقوله: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ))) بدل من ((الفتن))، وهو عبارة عن شمولها؛ لأن
الفتنة لا تخلو منهما؛ أي: ما جهر، وأسرّ، وقيل: ما يجري على ظاهر
الإنسان، وما يكون في القلب، من الشرك، والرياء، والحسد، وغير ذلك، من
مذمومات الخواطر. (قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ) وقوله: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ) عبارة عن شمولها؛ لأن الفتنة لا تخلو من هذين الأمرين، عمّم بعد
التخصيص؛ تأكيداً، وتقريراً(١).
(قَالَ) وَهِ: (تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))) فعّال، ومعناه الكذاب. قال
ثعلب: الدَّجَّالُ: هو الممَوِّه، يقال: سيف مُدَجَّلٌ: إذا طُلي بذهب، وقال ابن
دريد: كلّ شيء غطيته، فقد دَجّلته، واشتقاق الدَّجَّالِ من هذا؛ لأنه يُغطي
الأرض بالجمع الكثير، وجَمْعه دَجَّالُونَ. انتهى(٢).
(قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) وخَصّ الدجال؛ لأنه أكبر الفتن،
حيث يجرّ إلى الكفر المفضي إلى العذاب المخلد، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت رضيبه هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧١٨٥/١٨] (٢٨٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٩٠/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (١٨٥/١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٤٧٨٥)، و(ابن حبّان)(٣) في (صحيحه)) (١٠٠٠)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد
أهل السُّنَّة)) (١١٣٠/٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٩٦٥/٢)، و(ابن أبي
عاصم) في ((السنّة)) (٢/ ٤٢١)، و(أبو بكر الشيباني) في ((الآحاد والمثاني)) (٤/
٩٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٦١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٩٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٨٩/١ - ١٩٠.
(٣) لكنه أسقط زيد بن ثابت من السند، فتنبّه.

٩٩
(١٨) - بَابُ عَرْضٍ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ ... إلخ - حديث رقم (٧١٨٦)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصحابيّ، وإن كان كثير الرواية عن النبيّ ◌َّ، إلا
أنه يغيب أحياناً فيروي عمن حضر من الصحابة
٢ - (ومنها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة الظاهرة، والمعجزة الباهرة
للنبيّ وَيه، حيث إن الله وَلَ يُطلعه على مغيّباته مما يكون في الدار الآخرة،
وفي البرزخ، وما سلف في الأمم الماضية.
٣ - (ومنها): أن فيه إثبات عذاب القبر، وأن هذه الأمة تبتلى في
قبورها .
٤ - (ومنها): بيان فضل الله العظيم، حيث حجب الثقلين من سماع ما
يلقاه الموتى في قبورهم، ولولا ذلك لَمَا تدافنوا.
٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ وَله بأمته، حيث ترك دعاء ربه كي
يسمع الأمة بفتن القبر؛ لئلا يتركوا التدافن، وهذا مصداق قوله رحمت: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
[الأنبياء: ١٠٧]، وقوله:
رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
[التوبة: ١٢٨].
(TA)
رَحِيمٌ
٦ - (ومنها): الأمر بالتعوّذ من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن الفتن
ما ظهر منها، وما بطن، ومن فتنة الدجال، اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من عذاب النار،
ومن عذاب القبر، ونعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، ونعوذ بك من
فتنة المسيح الدّجّال، إنك سميع الدعاء، برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٨٦] (٢٨٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ
لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب الماضي، وقبل بابين، سوى أنس بن مالك
فتقدّم قبل ثلاثة أبواب، وشرح الحديث يُعلم مما مضى.
مضر عنْه ،

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنة، وصفة نعيمها، وأهلها
وقوله: (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) يَحْتمل أن تكون ((من)) للتبعيض؛ أي: بعض
عذابه، ويَحْتَمل أن تكون زائدة على مذهب من يرى زيادتها في الإثبات، وهو
الأخفش، وجعل منه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١].
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف هنا، وقد ساقه النسائيّ كَّهُ في
(الکبری)) وفيه قصّة، فقال:
(٢١٨٥) - أنبأ سويد بن نصر، عن عبد الله، عن حميد، عن أنس، أن
النبيّ ◌َّير سمع صوتاً من قبر، فقال: ((متى مات هذا؟)) قالوا: مات في
الجاهلية، فسُرّ بذلك، وقال ◌َله: ((لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم
عذاب القبر)). انتهى(١).
وفي رواية لأحمد: عن أنس، أن رسول الله وعليه كان على بغلة شهباء،
فمَرّ على حائط لبني النجار، فإذا هو بقبر يعذب صاحبه، فحامت البغلة،
فقال: ((لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)). انتهى(٢).
وفي رواية لابن حبّان عن أنس بن مالك، عن رسول الله وَ لو أنه دخل
حائطاً من حوائط بني النجار، فسمع صوتاً من قبر، قال: ((متى دُفن صاحب
هذا القبر؟)) فقالوا: في الجاهلية، فَسُرّ بذلك، وقال: ((لولا أن لا تدافنوا
لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)). انتهى(٣).
وفي رواية الطبريّ عن قاسم الرحال، سمع أنساً، دخل النبيّ وَُّ خَرِبة
لبني النجار، كأنه يقضي فيها حاجة، فخرج إلينا، وهو كأنه مذعور، وهو
يقول: ((لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب أهل القبور ما
(٤)
أسمعني)). انتهى (٤).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رَّبه هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((السنن الكبرى)) ٦٦١/١ وكذا في ((المجتبى)) ١٠٢/٤.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٥٣/٣.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٣٩٦/٧.
(٤) (تهذيب الآثار)) ٦٠٣/٢.