Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (٣) - بَابُ ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَخَلْقِ آدَمَ عَلَّهُ - حديث رقم (٧٠٢٨) (اعلم): أنه قد تكلّم العلماء في هذا الحديث، قال الحافظ ابن كثير دَخّْتُهُ في ((تفسيره)): وهذا الحديث من غرائب ((صحيح مسلم))، وقد تكلم عليه عليّ ابن المدينيّ، والبخاريّ، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة، فجعلوه مرفوعاً، وقد حرّر ذلك البيهقيّ(١). وقال في موضع آخر: فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في ((مسنده))، ومسلم في ((صحيحه))، والنسائيّ من غير وجه، وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨]، ولهذا تكلم البخاريّ، وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة، عن كعب الأحبار، ليس مرفوعاً، والله أعلم(٢) . وقال أيضاً: قد علَّله البخاريّ في ((التاريخ))، فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ظته، عن كعب الأحبار، وهو الأصح. انتهى (٣). وقال البيهقيّ تَخْتُهُ: قال عليّ ابن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى، قال البيهقيّ: وقد تابعه على ذلك موسى بن عُبيدة الرّبَذِيّ، عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سُليم، عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف، والله أعلم. انتهى(٤). وعلّقه البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق أيوب، وقال: وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصحّ. انتهى(٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة دَّثُ في ((مجموع الفتاوى)): وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة: ((خلق الله التربة يوم السبت)). قال: وهذا الحديث مخالف لِمَا تقدم، وهو أصح، ولكن هذا له نظائر، روى مسلم أحاديث، قد (٢) ((تفسير ابن كثير)) ٢٢١/٢. (١) ((تفسير ابن كثير)) ١/ ٧٠. (٣) ((تفسير ابن كثير)) ٤/ ٩٥. (٤) ((الأسماء والصفات)) للبيهقيّ ٣٥٢/٢. (٥) (التاريخ الكبير)) للبخاريّ ٤١٣/١ - ٤١٤. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... عُرف أنها غلط، مثل قول أبي سفيان لمّا أسلم: أريد أن أزوجك أم حبيبة، ولا خلاف بين الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي سفيان، ولكن هذا قليل جداً، ومثل ما رُوي في بعض طرق حديث صلاة الكسوف أنه صلاها بثلاث ركوعات وأربع، والصواب أنه لم يصلّها إلا مرة واحدة بركوعين؛ ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا، وكذلك الشافعيّ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وغيرهما، والبخاريّ سَلِم من مثل هذا؛ فإنه إذا وقع في بعض الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التي تبيّن غلط الغالط، فإنه كان أعرف بالحديث وعلله، وأفقه في معانيه من مسلم ونحوه. انتهى(١). وقال أيضاً فيما نقله عنه القاسميّ في ((الفضل المبين)): هذا الحديث طَعَن فيه من هو أعلم من مسلم، مثل يحيى بن معين، ومثل البخاريّ، وغيرهما، وذكر البخاريّ أن هذا من كلام كعب الأحبار، وطائفة اعتبرت صحّته، مثل أبي بكر بن الأنباريّ، وأبي الفرج بن الجوزيّ، وغيرهما، والبيهقيّ وغيره وافقوا الذين ضعّفوه، وهذا هو الصواب؛ لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستّة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدلّ أسماء الايام، وهذا المنقول الثابت في أحاديث وآثار أُخر، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو خلاف ما أخبر به القرآن، مع أن حذّاق علم الحديث يُبتّون علّة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه فلان غلط فيه؛ لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمّى معرفة علل الحديث، يكون الحديث إسناده في الظاهر جيّداً، ولكن عُرف من طريق آخر أن راويه غَلِطَ، فرفعه، وهو موقوف، أو أسنده، وهو مرسل، أو دخل عليه الحديث في حديث، وهذا فنّ شريف، وكان يحيى بن سعيد القطّان، ثم صاحبه عليّ ابن المدينيّ، ثم البخاريّ من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم، وكذلك النسائيّ، والدار قطنيّ، وغيرهم، وفيه مصنّفات معروفة. انتهى(٢). (١) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية ٢٣٦/١٧ - ٢٣٧. (٢) ((الفضل المبين)) ص ٤٣٢ - ٤٣٤. ٣٤٣ (٤) - بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧٠٢٩) وقال المناويّ تَخْتُ: قال الزركشيّ: أخرجه مسلم، وهو من غرائبه، وقد تكلم فيه ابن المدينيّ، والبخاريّ، وغيرهما، من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه منه، لكن اشتبه على بعض الرواة، فجعله مرفوعاً، وقد حرّر ذلك البيهقيّ، ذكره ابن كثير في (تفسيره))، وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر السماوات، وفيه ذِكر خلق الأرض، وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن؛ لأن الأربعة خُلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السماوات في يومين. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تحرّر من كلام هؤلاء الأئمة - رحمهم الله تعالى - أن هذا الحديث مما انتُقد على مسلم تَّتُهُ وأن رفعه غير صحيح، وإنما هو موقوف على كعب الأحبار، والظاهر أنه هذا من راويه أيوب بن خالد، فإنه ليّن الحديث، كما سبق عن ((التقريب))، وقال الأزديّ: أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلّم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد، ونظراؤه لا يكتبون حديثه. انتهى(٢) . والظاهر أن هذا من أوهامه، ظن الموقوف مرفوعاً، فرفعه، ولكن هذا لا يغُضّ من قَدْر مسلم تَخَّتُهُ فإن هذا قليل، وهو إمام حافظ ناقد للحديث، ولكن الإنسان عرضة للنسيان، ومن الذي ينجو منه؟ إلا من عصم الله تعالى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ . (٤) - (بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٩] (٢٧٩٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِینَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ؛ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ)). (١) ((فيض القدير)) ٤٤٨/٣. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ١/ ٢٠٢. ٣٤٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧. ٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، و((أبو حازم)) اسمه سلمة بن دينار. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وخالد، فكوفيّان، وفيه سهل تَّثُ آخر من مات من الصحابة ه بالمدينة على بعض الأقوال. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) ﴿َه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يُحْشَرُ) بضمّ أوله، مبنيّاً للمفعول، (النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ) قال الخطابيّ: الْعَفَر: بياض ليس بالناصع، وقال عياض: الَعَفَر بياض يضرب إلى حمرة قليلاً، ومنه سُمّي عَفَر الأرض، وهو وجهها، وقال ابن فارس: معنى عفراء: خالصة البياض، وقال الداوديّ: شديدة البياض، كذا قال، والأول هو المعتمد(١). (كَقُرْصَةِ النَّقِيّ) بفتح النون، وكسر القاف؛ أي: الدقيق النقيّ من الغَشّ، والنُّخال، قاله الخطابيّ. وقال النوويّ: العفراء بالعين المهملة، والمدّ: بيضاء إلى حمرة، والنقيّ بفتح النون، وكسر القاف، وتشديد الياء: هو الدقيق الْحُوَّرَى، وهو (١) (الفتح)) ١٧/١٥، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٢١). ٣٤٥ (٤) - بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧٠٢٩) الدَّرْمَك (١) وهو الأرض الجيّدة، قال القاضي: كأن النار غيّرت بياض وجه الأرض إلى الحمرة. قال: وقوله: ((ليس فيها عَلَم لأحد)) هو بفتح العين، واللام؛ أي: ليس بها علامة سكنى، أو بناء، ولا أثر. انتهى(٢). وقوله: (لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لأَحَدٍ))) هكذا في رواية مسلم موصولاً بالحديث، وفيه إدراج، فقد أخرج الحديث البخاريّ، ثم قال في آخره: ((قال سهل، أو غيره: ليس فيها مَعْلَم لأحد))، فبيّن أنه ليس موصولاً بالحديث، وإنما هو من كلام سهل، أو غيره، فتنبّه. وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال سهل، أو غيره: ليس فيها مَعْلم لأحد)» هو موصول بالسند المذكور، وسهل هو راوي الخبر، وأو للشكّ، والغير المبهم لم أقف على تسميته، ووقع هذا الكلام الأخير لمسلم من طريق خالد بن مَخلد، عن محمد بن جعفر مُدرجاً بالحديث، ولفظه: ((ليس فيها عَلَمٌ لأحد»، ومثله لسعيد بن منصور، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، و((الْعَلَم))، و((الْمَعْلم)) بمعنی واحد. قال الخطابيّ: يريد أنها مستوية، والْمَعلَم بفتح الميم، واللام، بينهما مهملة ساكنة، هو الشيء الذي يُستدَلّ به على الطريق. وقال عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يُهتدَى بها في الطرقات؛ كالجبل، والصخرة البارزة، وفيه تعريض بأرض الدنيا، وأنها ذهبت، وانقطعت العلاقة منها، وقال الداوديّ: المراد: أنه لا يحوز أحد منها شيئاً، إلا ما أدرك منها، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﴿جا هذا متَّفقٌ عليه. (١) ((الدَّرْمَك)) بوزن جعفر: الدقيق الحُوَّرَى. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٣٤. ٣٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٢٩/٤] (٢٧٩٠)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٢١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٨٣١ و٥٩٠٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٤٣/١٣)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢١٧/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٣٢٠)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٣١٧/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٣٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلاً على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة؛ ليكون السامع على بصيرة، فيُخَلِّص نفسه من ذلك الهول؛ لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضةً النفس، وحَمْلها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتةً. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدّاً. ٣ - (ومنها): أن الحكمة في صفة الأرض المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حقّ، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهراً عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه وال على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحل خالصاً له وحده، قاله ابن أبي جمرة كَخَّهُ(١). ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن أرض الدنيا اضمحلّت، وأُعدمت، وأن أرض الموقف تجددت(٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله رَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ . اُلْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: (اعلم): أنه قد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بهذه الآية، هل معنى تبديلها : تغيير ذاتها وصفاتها، أو تغيير صفاتها فقط؟ وحديث الباب يؤيد (١) ((بهجة النفوس)) ٤/ ٢١٣ - ٢١٤. (٢) ((الفتح)) ١٧/١٥، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٢١). ٣٤٧ (٤) - بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧٠٢٩) الأول، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والطبريّ في تفاسيرهم، والبيهقيّ في ((الشعب)) من طريق عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود رَظُه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٨] قال: تبدّل الأرض أرضاً كأنها فضة، لم يُسفك فيها دم حرام، ولم يُعمل عليها خطيئة، ورجاله رجال الصحيح، وهو موقوف، وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعاً، وقال: الموقوف أصحّ. قال الجامع عفا الله عنه: لكن الموقوف في مثل هذا مرفوع حكماً؛ لأنه مما لا يُنال بالرأي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأخرجه الطبريّ، والحاكم من طريق عاصم، عن زِرّ بن حُبيش، عن ابن مسعود نظته بلفظ: ((أرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة))، ورجاله موثقون أيضاً، ولأحمد من حديث أبي أيوب نظُله: ((أرض كالفضة البيضاء، قيل: فأين الخلق يومئذ؟ قال: هم أضياف الله، لن يعجزهم ما لدیه)). وللطبريّ من طريق سنان بن سعد، عن أنس ظه مرفوعاً: ((يبدلها الله بأرض من فضة، لم يُعمل عليها الخطايا)). وعن عليّ رُه موقوفاً نحوه. ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ((أرض كأنها فضة، والسماوات كذلك)». وعن عليّ: ((والسماوات من ذهب)). وعند عبد من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال: ((بلغنا أن هذه الأرض - يعني: أرض الدنيا - تُطْوَى، وإلى جنبها أخرى يُحشر الناس منها إليها)) . وفي حديث الصُّور الطويل: ((تُبَدَّل الأرض غير الأرض، والسماوات، فيبسطها، ويسطحها، ويمدّها مدَّ الأديم العكاظيّ، لا ترى فيها عوجاً، ولا أمتاً، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأُولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان عليها)). انتهى. وهذا يؤخذ منه أن ذلك يقع عقب نفخة الصعق بعد الحشر الأول، ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلْأَرْضُ مُدَّتْ ٣، ٤]. وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٣ [الانشقاق: وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض دون ذاتها، فمستنَده ما أخرجه الحاكم، عن عبد الله بن عمرو ظًا، قال: ((إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم، وحُشر الخلائق)). ومن حديث جابر ﴿لله رفعه: ((تُمَدّ الأرض مَدَّ الأديم، ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه))، ورجاله ثقات، إلا أنه اختُلف على الزهريّ في صحابيه . ووقع في تفسير الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: ((يزاد فيها، وينقص منها، ويذهب آكامها، وجبالها، وأوديتها، وشجرها، وتُمَدّ مدّ الأديم العكاظيّ)) وعزاه الثعلبيّ في (تفسيره)) لرواية أبي هريرة، وحكاه البيهقيّ عن أبي منصور الأزهريّ، وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول، فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع الأرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها، ويؤيده ما وقع في الحديث الآتي في الباب التالي أن أرض الدنيا تصير خبزة، والحكمة في ذلك ما تقدّم أنها تُعَدّ لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف، ثم تصير نُزُلاً لأهل الجنة. وأما ما أخرجه الطبريّ من طريق المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود رضيه قال: ((الأرض كلها تأتي يوم القيامة))، فالذي قبله عن ابن مسعود أصحّ سنداً، ولعل المراد بالأرض في هذه الرواية: أرض البحر، فقد أخرج الطبريّ أيضاً من طريق كعب الأحبار، قال: يصير مكان البحر ناراً . تضر عنه: وفي تفسير الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَيّ بن كعب تصير السماوات جِفاناً، ويصير مكان البحر ناراً. وأخرج البيهقيّ في ((البعث)) من هذا الوجه في قوله تعالى: ﴿وَحُلَتِ آلْأَرْضُ وَلْمِبَالُ فَذُكِّنَا دَّكَّةً وَحِدَةً (﴿1﴾ [الحاقة: ١٤] قال: يصيران غَبَرَةً في وجوه الكفار. قال الحافظ تَُّهُ: ويمكن الجمع بأن بعضها يصير ناراً، وبعضها غُباراً، وبعضها يصير خبزة. ٣٤٩ (٤) - بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧٠٢٩) وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة فيها أنها سألت النبيّ وَّ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ اْأَرْضِ﴾ أين يكون الناس حينئذ؟ قال: ((على الصراط))، وفي رواية الترمذيّ: ((على جسر جهنم))، ولأحمد من طريق ابن عباس، عن عائشة: ((على متن جهنم)). وأخرج مسلم أيضاً من حديث ثوبان تظنه مرفوعاً: ((يكونون في الظلمة دون الجسر))، فقد جمع بينها البيهقيّ بأن المراد بالجسر: الصراط، وأن في قوله: ((على الصراط)) مجازٌ لكونهم يجاوزونه؛ لأن في حديث ثوبان زيادة يتعيّن المصير إليها لثبوتها، وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نَقْلهم مِن أرض الدنيا إلى أرض الموقف، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِذَا ذُكَّتِ [الفجر: ٢١، ٢٢]. اُلْأَرْضُ دَكَّا دَكَّ ® وَجَاءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّاً واختلف في السماوات أيضاً فتقدم قول من قال: إنها تصير جِفاناً، وقيل: إنها إذا طويت تكوّر شمسها، وقمرها، وسائر نجومها، وتصير تارة کالمهل، وتارة كالدهان. وأخرج البيهقيّ في ((البعث)) من طريق السّيّ، عن مُرّة، عن ابن مسعود قال: السماء تكون ألواناً؛ كالمهل، وكالدهان، وواهيةً، وتشقّق، فتكون حالاً بعد حال. وجَمَع بعضهم بأنها تنشق أوّلاً، فتصير كالوردة، وكالدهان، وواهيةً، وكالمهل، وتكوّر الشمس والقمر وسائر النجوم، ثم تطوى السماوات، وتضاف إلى الجنان. ونقل القرطبيّ في ((التذكرة)) عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب ((الإفصاح)) أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السماوات والأرض يقع مرتين: إحداهما تبدل صفاتهما فقط، وذلك عند النفخة الأُولى، فتنثر الكواكب، وتخسف الشمس والقمر، وتصير السماء كالمهل، وتُكشط عن الرؤوس، وتسير الجبال، وتموج الأرض، وتنشق إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة، ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض، وتبدل السماء والأرض إلى آخر كلامه في ذلك، والعلم عند الله تعالى، ذكر هذا في ((الفتح)»، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. ٣٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٠] (٢٧٩١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ قَوْلِهِ رَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَةٌ﴾، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((عَلَى الصِّرَاطِ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ : ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضمّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، كان يَهِم بأخرة [٥] (ت١٤٠) وقيل: قبلها (خ ت م ٤) تقدم في ((الإيمان)» ٢٢١/٢٧. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرم [٢] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قريباً. وشیخه ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتْهُ، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: داود، عن الشعبيّ، عن مسروق، وفيه عائشة غيّا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ُّ؛ أنها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ قَوْلِهِ رَتْ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾) التبديل: هو التغيير، وهو قد يكون في الذات؛ كقولك: بدّلت الدارهم بالدنانير، وقد يكون في الصفات؛ كقولك ٣٥١ (٤) - بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حديث رقم (٧٠٣٠) بدّلت الحلقة خاتماً، إذا حذفتها، وسوّيتها خاتماً، واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: يبدل أوصافهما، فتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتُجعل مستوية، لا ترى فيها عوجاً، ولا أمتاً، وتبديل السماوات بانتشار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وقيل: يُخلق بدلهما أرض أخرى، وسماوات أخرى، والصحيح أن التبديل هنا تغيّر الذات، كما يدل عليه السؤال والجواب(١)، وقد استوفيت البحث في هذا في المسألة الرابعة من المسائل المذكورة في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) وَّهِ: (عَلَى الصِّرَاطِ)))؛ أي: يكونون عليه، قال الأبّيّ تَظْذُ(٢): الصراط يَحْتَمِل أنه الصراط المعروف، ويَحتَمِل أنه اسم لموضع غيره يستقرّ الخلق عليه، وكأنه الأظهر للحديث الآخر، وقد سئل: أين يكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات؟ قال: ((هم في الظلمة دون الجسر))(٣)، والجسر الصراط يكون، وقال ابن عطيّة: وروي حديث أنه ◌َّ م قال: ((المؤمنون في وقت التبديل في ظل العرش))، وفي حديث آخر، سأله يهوديّ أين الخلق عند ذلك؟ قال: ((أضياف الله، فلن يُعجزهم ما لديه)) (٤) . وبالجملة فأحوال الآخرة لا يدرك كنهها بهذه العقول في الدنيا، والسبيل الأسلم الإيمان بما جاء في النصوص الصحيحة، وترك الخوض في تفاصيلها(٥)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: ضَّا هذا من أفراد المصنّف نَُّهُ. (المسألة الأولى): حديث عائشة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣٠/٤] (٢٧٩١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٢١)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٧٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٥/٦)، (١) راجع: ((شرح سنن ابن ماجه)) للسندي ٣١٦/١. (٣) رواه مسلم. (٢) ((شرح الأبّيّ)) ١٩٤/٧. (٤) ((تفسير الطبريّ)) ٢٥٤/١٣. (٥) ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ١١٧. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٢٥٢/١٣ و٢٥٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٨٠)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٥٢/٢)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (٣/ ٤١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ . (٥) - (بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣١] (٢٧٩٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: (تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَكْفَؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ؛ نُزُلاً لأَهْلِ الْجَنَّةِ))، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟، قَالَ: (بَلَى))، قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامُ، وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ، وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةٍ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفاً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد، أبو الحارث المصريّ الإمام الشهير، تقدّم قريباً . ٣٥٣ (٥) - بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ - حديث رقم (٧٠٣١) ٤ - (خَالِدُ بْنُ بَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسَكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيُّ الأصلِ، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، وضعّفه ابن حزم، وليس له سلفٌ إلا أن الساجيّ حكى عن أحمد أنه اختَلَط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٨٧/ ٤٦٢. والباقون تقدّموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من ثُمانيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمصريين إلى سعيد، والباقون مدنيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد من المكثرين السبعة. ضرعنه شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َظُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِ)؛ أنه (قَالَ: (تَكُونُ الأَرْضُ)؛ يعني: أرض الدنيا، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً) بضم الخاء المعجمة، وسكون الموحّدة، وفتح الزاي، قال الخطابيّ: الخبزة: الظُّلْمة، بضم الطاء المهملة، وسكون اللام، وهو عجينٌ يوضع في الْحُفْرة بعد إيقاد النار فيها، قال: والناس يُسَمُّونها الْمَلَّة، بفتح الميم، وتشديد اللام، وإنما الملّة الحفرة (١) نفسها. انتهى ٠ (يَكْفَؤُهَا) بفتح أوله وثالثه، وسكون ثانيه، يقال: كفأه، كمنعه: إذا صرفه، وكبّه، وقَلَبه(٢)، والمناسب هنا القلب، ولفظ البخاريّ: ((يتكفّؤها))، بفتح المثناة، والكاف، وتشديد الفاء المفتوحة، بعدها همزة؛ أي: يُميلها، من كفأت الإناء: إذا قلبته (٣). (الْجَبَّارُ) وَ (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، (كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ) قال النوويّ: خبزة المسافر: هي التي (١) ((الفتح)) ١٤/١٥، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٢٠). (٢) راجع: ((القاموس)) ص ١١٣٧. (٣) ((الفتح)) ١٥/ ١٤. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... يجعلها في الْمَلَّةِ(١)، ويتكفأها بيديه؛ أي: يُميلها من يد إلى يد، حتى تجتمع، وتستوي؛ لأنها ليست منبسطة؛ كالرُّقَاقة، ونحوها، قال: ومعنى الحديث أن الله تعالى يجعل الأرض كالظُلمة(٢)، والرَّغيف العظيم، ويكون ذلك طعاماً نُزُلاً لأهل الجنة، والله على كل شيء قدير. انتهى(٣). (فِي السَّفَرِ) قال الخطابيّ: يعني: خُبز الْمَلّة الذي يصنعه المسافر، فإنها لا تُدْحَى كما تُدْحَى الرُّقَاقَةُ (٤)، وإنما تُقلب، على الأيدي حتى تستوي، وهذا على أن السَّفَر بفتح السين المهملة، والفاء، ورواه بعضهم بضم أوله، جمع سُفْرة، وهو الطعام الذي يُتخذ للمسافر، ومنه سُمِّيت السُّفْرة. (نُزُلاً لأَهْلِ الْجَنَّةِ)) ((النُّزُل)) بضم النون، وبالزاي، وقد تسكن: ما يُقَدَّم للضيف، وللعسكر، يُطلق على الرزق، وعلى الفضل، ويقال: أصلح للقوم نُزُلهم؛ أي: ما يَصلُح أن ينزلوا عليه، من الغذاء، وعلى ما يُعَجَّل للضيف قبل الطعام، وهو اللائق هنا . قال الداوديّ: المراد أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة، من أهل المحشر، لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلوا الجنة. وتعقّبه الحافظ بأن ظاهر الخبر يخالفه، وكأنه بنى على ما أخرجه الطبريّ عن سعيد بن جبير، قال: تكون الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه، ومن طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، أو محمد بن قيس، نحوه، وللبيهقيّ بسند ضعيف، عن عكرمة: تُبدَّل الأرض مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام، حتى يفرغوا من الحساب، وعن أبي جعفر الباقر نحوه. ونقل الطيبيّ عن البيضاويّ أن هذا الحديث مشكل جدّاً، لا من جهة إنكار صنع الله، وقدرته على ما يشاء، بل لعدم التوقيف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم، والمأكول، مع ما ثبت في الآثار أن (١) (المَلّة)) بالفتح: قيل: الْحُفرة التي تحفر للخبز، وقيل: التراب الحارّ، والرماد. اهـ. ((المصباح)) ٥٨/٢. (٢) ((الظُّلْمة)) بضمّ الطاء المهملة: الخبزة. اهــ ((ق)). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٧. (٤) ((الرُّقاقُ)): كغُراب: الخبز الرقيق، الواحدة رُقاقة، قاله في ((القاموس)). ٣٥٥ (٥) - بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ - حديث رقم (٧٠٣١) هذه الأرض تصير يوم القيامة ناراً، وتنضم إلى جهنم، فلعل الوجه فيه أن معنى قوله: ((خبزة واحدة))؛ أي: كخبزة واحدة، مِن نَعْتها كذا وكذا، وهو نظير ما في حديث سهل؛ يعني: المذكور قبل حديث: ((كقرصة النقيّ))، فضرب المثل بها؛ لاستدارتها، وبياضها، فضرب المثل في هذا الحديث بخبزة، تُشْبه الأرض في معنيين: أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ، والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى نزلاً لأهل الجنة، وبيان عِظَم مقدارها ابتداعاً، واختراعاً . قال الطيبيّ: وإنما دخل عليه الإشكال؛ لأنه رأى الحديثين في باب الحشر، فظنّ أنهما لشيء واحد، وليس كذلك، وإنما هذا الحديث من باب، وحديث سهل من باب، وأيضاً فالتشبيه لا يستلزم المشاركة بين المشبّه والمشبَّه به في جميع الأوصاف، بل يكفي حصوله في البعض، وتقريره أنه شبّه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء، والبياض، وشبَّه أرض الجنة في كونها نزلاً لأهلها، ومهيأة لهم تكرمة بعجالة الراكب زاده يقنع به في سفره. قال الحافظ: آخر كلامه يقرر ما قال القاضي أن كون أرض الدنيا تصير ناراً محمول على حقيقته، وأن كونها تصير خبزة يأكل منها أهل الموقف محمول على المجاز، والآثار التي أوردتها عن سعيد بن جبير وغيره تردّ عليه، والأَولى الحمل على الحقيقة، مهما أمكن، وقدرة الله تعالى صالحة لذلك، بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ، وكون أهل الدنيا يوم القيامة إما أهل إسلام، وإما أهل كفر. ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله، بغير علاج، ولا كلفة، ويكون معنى قوله: ((نزلاً لأهل الجنة))؛ أي: الذين يصيرون إلى الجنة، أعمّ من كون ذلك يقع بعد الدخول إليها، أو قبله، والله أعلم. انتهى(١). (قَالَ) أبو سعيد نَظُه: (فَأَتَى رَجُلٌ) وفي رواية: ((فأتاه رجل))، (مِنَ الْيَهُودِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. (فَقَالَ) ذلك الرجل: (بَارََكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِم) بحذف حرف النداء، وفي رواية البخاريّ: ((يا أبا القاسم))، (١) ((الفتح)) ١٥/١٥. ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... (أَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ) أَِّ: ((بَلَى)))؛ أي: أخبرني به، وقد تقدّم البحث في ((بلى))، و((نَعَمْ)) غير مرّة، فلا تغفل. (قَالَ) الرجل (تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، قَالَ) أبو سعيد تَظُهُ: (فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، ثُمَّ ضَحِكَ) يريد أنه أعجبه إخبار اليهوديّ عن كتابهم بنظير ما أخبر به من جهة الوحي، وكان يُعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنزَل عليه، فكيف بموافقتهم فيما أُنزل عليه. (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالنون، والجيم، والذال المعجمة: جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس، ولكل إنسان أربع نواجذ، وتُطلق النواجذ أيضاً على الأنياب، والأضراس. (قَالَ) الرجل أيضاً: (أَلَا أُخْبِرُكَ) وفي لفظ: ((ألا أُخبركم)) (بِإِدَامِهِمْ؟) بكسر الهمزة؛ أي: ما يؤكل به الخبز، قال الفيّوميّ: الإدام: ما يُؤتَدَم به، مائعاً كان، أو جامداً، وجَمْعه أُدُمٌّ، مثل كتاب وكُتب، ويسكن للتخفيف، فيعامَل معاملة المفرد، ويُجمع على آدَامٍ، مثلُ قُفْل وأقفال. انتهى(١). (قَالَ) أَِّ: (بَلَى)))؛ أي: أخبرني، (قَالَ) الرجل: (إِدَامُهُمْ بَالَامُ) بفتح الموحّدة، بغير همز، (وَنُونٌ)؛ أي: بلفظ أول السورة. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون في ذلك المجلس: (وَمَا هَذَا؟)، وللبخاريّ: ((ما هذا؟))؛ أي: ما تفسير بالام، ونون؟ (قَالَ) الرجل: (ثَوْرٌ، وَنُونٌ) قال الخطابيّ: هكذا رووه لنا، وتأملت النسخ المسموعة من البخاريّ من طريق حماد بن شاكر، وإبراهيم بن مَعْقِل، والفِرَبريّ، فإذا كلها على نحو واحد. قال الحافظ: وكذا عند مسلم، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وغيره، قال الخطابيّ: فأما نون فهو الحوت، على ما فُسِّر في الحديث، وأما بالام، فدلّ التفسير من اليهوديّ على أنه اسم للثور، وهو لفظ مبهم، لم ينتظم، ولا يصح أن يكون على التفرقة اسماً لشيء، فيُشْبه أن يكون اليهوديّ أراد أن يُعَمِّي الاسم، فقطع الهجاء، وقدم أحد الحرفين، وإنما هو في حقّ الهجاء لام ياء هجاء لَأُيٍ بوزن لَغْيٍ(٢)، وهو الثور الوحشيّ، وجمعه آلاء، بثلاث همزات، (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٩. (٢) اللأيُ؛ كاللَّغْىٍ: الثور الوحشيّ. اهـ. ((ق)). ٣٥٧ (٥) - بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ - حديث رقم (٧٠٣١) وزن أحبال، فصحّفوه، فقالوا: بالام بالموحّدة، وإنما هو بالياء، آخر الحروف، وكتبوه بالهجاء، فأشكل الأمر، هذا أقرب ما يقع لي فيه، إلا أن يكون إنما عبّر عنه بلسانه، ويكون ذلك بلسانهم، وأكثر العبرانية فيما يقوله أهل المعرفة مقلوب على لسان العرب، بتقديم في الحروف، وتأخير، والله أعلم بصحته . وقال عياض: أورد الحميديّ في اختصاره - يعني: ((الجمع بين الصحيحين)) - هذا الحديث بلفظ بِاللأَى، بكسر الموحّدة، وألف وصل، ولام ثقيلة، بعدها همزة مفتوحة، خفيفة، بوزن الرَّحَى، واللأى: الثور الوحشيّ، قال: ولم أر أحداً رواه كذلك، فلعله من إصلاحه، وإذا كان هكذا بقيت الميم زائدة، إلا أن يُدَّعَى أنها حُرِّفت عن الياء المقصورة، قال: وكل هذا غير مسلَّم؛ لِمَا فيه من التكلف، والتعسف، قال: وأولى ما يقال في هذا أن تبقى الكلمة على ما وقع في الرواية، ويُحْمَل على أنها عبرانية، ولذلك سأل الصحابة اليهوديّ عن تفسيرها، ولو كان اللأى لعرفوها؛ لأنها من لسانهم. وجزم النوويّ بهذا، فقال: هي لفظة عبرانية، معناها ثور(١). (يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةٍ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفاً) قال عياض كَذَتُ: زيادة الكبد، وزائدتها: هي القطعة المنفردة المتعلّقة بها، وهي أطيبه، ولهذا خُصّ بأكلها السبعون ألفاً، ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فُضِّلوا بأطيب النزل، ويَحْتَمِل أن يكون عبَّر بالسبعين عن العدد الكثير، ولم يُرد الحصر فيها . وفي مسائل عبد الله بن سلام: ((أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت))، وفي حديث ثوبان ظُه المتقدّم لمسلم في ((كتاب الحيض)): ((تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون))، وفيه: ((غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها))، وفيه: ((وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلاً)). وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) بسند حسن، عن كعب الأحبار: أن الله تعالى يقول لأهل الجنة، إذا دخلوها: ((إن لكل ضيف جزوراً، وإني أجزركم اليوم حوتاً، وثوراً، فيجزر لأهل الجنة))، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٥/١٥ - ١٦. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠٣١/٥] (٢٧٩٢)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٢٠)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٩٦٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عجيب صنع الله ◌ُعَلَ، حيث يجعل الأرض التي نشاهدها خبزة يأكل أهل الجنّة منها . ٢ - (ومنها): بيان ما سيفعل الله رَك بالمؤمنين، حيث يُعدّ لهم نُزُلاً، كما يُعد للضيوف، وهذا غاية الإكرام والتبجيل. ٣ - (ومنها): أن مما يقوله أهل الكتاب ما هو حقّ موافق لِمَا في القرآن والسُّنَّة، فلذا قال النبيّ وَ له: ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿مَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]؛ لأنه إذا صدّقهم فربما يكون خبرهم كذباً، فليزم تصديق الكذب، وإذا كذّبهم، فربما يكون خبرهم صدقاً، كما في هذا الحديث، فليزم تكذيب الصدق، فأرشد إلى ما هو الصواب فيه، وهو أن يقول المسلمون إذا حدّثهم أهل الكتاب: ﴿َآمَنَّا بِلَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦))]. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن يأخذ الحقّ ممن قاله، ولا ينظر إلى أهليّة قائله، إذا لم يظهر منه ما يردّه، فإنه ◌َّ قَبِل ما قاله هذا اليهوديّ، ولم يعترض عليه؛ لكونه حقّاً موافقاً لِمَا أُوحي إليه، ولمّا أخبروه بخلاف الحقّ حين سألهم، ردّ عليهم، وكذّبهم، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه))، عن أبي هريرة رضيه قال: لمّا فُتحت خيبر أُهديتْ للنبيّ وَ﴿ شاة فيها سمّ، فقال النبيّ ◌َّ: ((اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود))، فجُمعوا له، فقال: ((إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ عنه؟))، فقالوا: نعم، قال لهم النبيّ ◌َّ: ((من أبوكم؟)) قالوا: فلان، فقال: ((كذبتم، بل أبوكم فلان))، قالوا: صدقت، قال: ((فهل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألت عنه؟))، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كَذَبنا عرفت كَذِبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم: ((مَن أهل النار؟))، ٣٥٩ (٥) - بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ - حديث رقم (٧٠٣٢) قالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تَخْلُفونا فيها، فقال النبيّ ◌َّه: ((اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً))، ثم قال: ((هل أنتم صادقيّ عن شيء، إن سألتكم عنه؟)) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: ((هل جعلتم في هذه الشاة سمّاً؟)) قالوا: نعم، قال: ((ما حملكم على ذلك؟)) قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح، وإن كنت نبيّاً لم يضرّك، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٢] (٢٧٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (لَوْ تَابَعَنِي عَشْرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيُّ إِلَّا أَسْلَمَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين، و((قرّة)) هو: ابن خالد السَّدُوسيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه أبو هريرة نظابه أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (لَوْ تَابَعَنِي) ولفظ البخاريّ: ((لو آمن بي))، (عَشْرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) قال صاحب ((التحرير)): عشرة من أحبارهم (١). (لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا)؛ أي: على ظهر الأرض، ويَحْتَمل أن يكون المراد: ظهر المدينة، لكنه بعيد، والأول هو الظاهر، والله تعالى أعلم. (يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ))) وفي رواية الإسماعيليّ: ((لم يبق يهوديّ إلا أسلم))، (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١٧. ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وكذا أخرجه أبو سعيد في ((شرف المصطفى))، وزاد في آخره قال: ((قال كعب: هم الذين سمّاهم الله في سورة المائدة))، فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، وإلا فقد آمن به هل أكثر من عشرة، وقيل: المعنى لو آمن بي في الزمن الماضي؛ كالزمن الذي قبل قدوم النبيّ وَّ ر المدينة، أو حال قدومه. قال الحافظ: والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعاً لهم، فلم يُسلم منهم إلا القليل، كعبد الله بن سلام، وكان من المشهورين بالرياسة في اليهود، عند قدوم النبيّ وَّة، ومن بني النضير أبو ياسر بن أخطب، وأخوه حُييّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الْحُقَيق، ومن بني قينقاع عبد الله بن حنيف، وفنحاص، ورفاعة بن زيد، ومن بني قريظة الزبير بن باطيا، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم، وكان كل منهم رئيساً في اليهود، ولو أسلم لاتبعه جماعة منهم، فَيَحْتَمِل أن يكونوا المرادَ. وقد رَوَى أبو نعيم في ((الدلائل)) من وجه آخر الحديث بلفظ: ((لو آمن بي الزبير بن باطيا، وذووه، من رؤساء يهود، لأسلموا كلهم)). وأغرب السهيليّ، فقال: لم يُسلم من أحبار اليهود إلا اثنان؛ يعني: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن صُوريا، كذا قال، قال الحافظ: ولم أر لعبد الله بن صوريا إسلاماً من طريق صحيحة، وإنما نسبه السهيليّ في موضع آخر لتفسير النقاش. ووقع عند ابن حبان قصة إسلام جماعة من الأحبار، كزيد بن سعنة مطوّلاً . ورَوَى البيهقيّ أن يهوديّاً سمع النبيّ وَله يقرأ ((سورة يوسف))، فجاء، ومعه نفر من اليهود، فأسلموا كلهم، لكن يَحْتَمِل أن لا يكونوا أحباراً. وأخرج يحيى بن سلام في ((تفسيره)) من وجه آخر عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة هذا الحديث، فقال: قال كعب: إنما الحديث اثنا عشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، فسكت أبو هريرة، قال ابن سيرين: أبو هريرة عندنا أولى من كعب، قال يحيى بن سلام: وكعب أيضاً صدوق؛ لأن المعنى: عشرة بعد الاثنين، وهما عبد الله بن سلام، ومخيريق، كذا قاله، وهو معنوي. انتهى، والله تعالى أعلم.