Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٢) ((مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ، فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ))، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَهَا خَيْلُنَا خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ، ثُمَّ تَتَامَّ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ))، فَأَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: والله لأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت١٥٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦. ٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدُوق، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقون ذُكروا في الباب. من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ، وفيه جابر بن عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا، وأحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ◌ِّهَا؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ) يَحْتَمِل أن تكون موصولة، و(يصعد)) صلتها مرفوع، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، و((يصعد)) فِعل شرطها مجزوم بها، قال القاري كَّتُهُ: ((من يَصعدِ الثنية)) بكسر الدال على أنه مجزوم، حُرِّك لالتقاء الساكنين، وفي نسخة بالرفع، على أن ((مَنْ)) موصولة مبتدأ، متضمن معنى الشرط. انتهى. وقوله: (يَصْعَدُ) بفتح أوله، وثالثه، قال المجد ◌َّتُهُ: صَعِدَ في السلّم، کسمِعَ صُعُوداً، وصَعَّد في الجبل، وعليه تصعيداً: رَقِيَ، ولم يُسمع ((صَعِدَ)) فيه. انتهى. وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: صَعِدَ في السلم، والدرجة يَصْعَدُ، من باب تَعِبَ صُعُوداً، وصَعِدْتُ السطحَ، وإليه، وصَغَّدْتُ في الجبل بالتثقيل: إذا علوته، وصَعِدْتُ في الجبل، من باب تَعِبَ لغة قليلةٌ. انتهى(١). (١) ((المصباح المنير)) ٣٤٠/١. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة الفيّوميّ هذه أن ما نفاه المجد بقوله: ((ولم يُسمَع صَعِد فيه)) مسموع، إلا أنه قليلٌ، وقد ذكر المرتضى في ((التاج)) ما يؤيّد ما قاله الفيّومي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (الثَّنِيَّةَ) بالنصب مفعول (يصعد))، وهي الطريق الصاعد في الجبل، وقوله: (ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ) بالنصب بدل، أو عطف بيان لـ((الثنيّة))، قال النوويّ تَخْتُهُ: قوله: ((من يصعد الثنية ثنية المرار)) هكذا هو في الرواية الأُولى: ((المرار)) بضم الميم، وتخفيف الراء، وفي الثانية: ((الْمَرَار))، أو ((الْمُرار)) بضم الميم، أو فتحها على الشكّ، وفي بعض النسخ بضمها، أو كسرها، والله أعلم. و((المرار)) شجر مُرّ، وأصل الثنية: الطريق بين جبلين، وهذه الثنية عند الحديبية، قال الحازميّ: قال ابن إسحاق: هي مهبط الحديبية. انتهى(١). وقال القاري كَّتُهُ: ((المرار)) بضم الميم، وهو المشهور، على ما في (النهاية))، وبعضهم يكسرها، وبعضهم يقوله بالفتح، وهو موضع بين مكة والحديبية، من طريق المدينة، وإنما حثّهم على صعودها؛ لأنها عقبة شاقّة، وصلوا إليها ليلاً حين أرادوا مكة سنة الحديبية، فرغّبهم في صعودها، بقوله: (فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ) بالبناء للمفعول، وهو جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، وقوله: (مَا حُطَّ) مبنيّ للمفعول أيضاً، و((ما)) موصول هو نائب فاعل ((يُحطّ))، (عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)؛ يعني: أنه يوضع عنه مثل ما وُضع عن بني إسرائيل؛ أي: لو قالوا ما أُمروا به، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]؛ أي: قولوا: حُطّ عنّا ذنوبنا حِطَّةً، لكنهم ما قالوه، فلم يُحطّ عنهم. (قَالَ) جابر نَظُه: (فَكَانَ أَوَّلَ) بالنصب على أنه خبر ((كان)) مقدّماً، ويجوز العكس، لكن الأول أولى. (مَنْ صَعِدَهَا)؛ أي: تلك الثنيّة، (خَيْلُنَا) معاشر الأنصار، وقوله: (خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ) مرفوع على أنه بدل، أو عطف بيان لـ «خيلُنا))، وبنو الخزرج هم قبيلة جابر نظُه، والمعنى أنه كان خيلُنا أولَ (١) (شرح النوويّ)) ١٢٦/١٧. ٢٨٣ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٢) خيل صعدها، والمراد بالخيل هنا: الفُرسان؛ لأن الخيل يُطلق عليه، قال الفيّوميّ كَُّ: الخَيْلُ: معروفة، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خيول، قال بعضهم: وتُطلق الخَيْلُ على الْعِراب، وعلى الْبَرَاذين، وعلى الْفُرسان، وسُمِّيت خَيْلاً؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحاً، ومنه يقال: اْتَالَ الرجل، وبه خَيَلاءُ، وهو الكبر، والإعجاب. انتهى(١). (ثُمَّ تَتَامَّ النَّاسُ) بتشديد الميم: تفاعل من التمام؛ أي: تتابعوا، وجاؤوا كلهم، وتَمُّوا، والمعنى: صَعِدوا الثنية كلُّهم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ))) قال القاضي عياض: قيل: هذا الرجل هو الجدّ بن قيس المنافق(٢)، وقال القاري: هو عبد الله بن أُبَيّ رئيس قته : المنافقين، فالاستثناء منقطع، نحو جاء القوم إلا حماراً، قال جابر (فَأَتَيْنَاهُ)؛ أي: ذلك الرجل، (فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ) إلى مجلس رسول الله وَيه (يَسْتَغْفِرْ لَكَ) بالجزم على جواب الأمر، (رَسُولُ اللهِ نَّه) حتى يغفر لك، كما وعد بذلك فقال : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. (فَقَالَ) الرجل غير مكترث بذلك: (والله لأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي)؛ يعني: جمله الأحمر الذي کان ینشده، والضالّة بالهاء: الحيوان الضائع، قال الفيّوميّ كَظُّهُ: قيل للحيوان الضائع: ضَالَّةٌ، بالهاء للذكر، والأنثى، والجمع الضَّوَالُّ، مثل دابةٌ ودوابٌ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ، ولُقَطٌ، وضَلَّ البعير: غاب، وخفي موضعه، وأَضْلَلْتُهُ بالألف: فَقَدْته. انتهى(٣). (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ)؛ يعني: النبيّ ◌ََّ، وهذا غاية النفاق، وغاية الاستخفاف بالنبيّ نَّه، فقد عبّر بقوله: ((صاحبكم))؛ لأنه لا يراه صاحباً له، كفى به شقيّاً. وقال القاري تخّتُهُ: وهذا كفر صريح منه، وقد أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَّمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُءُوسَهُ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُم (١) ((المصباح المنير)) ١٨٦/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣١٢/٨. ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَهُمْ﴾ ◌ُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون: ٥، ٦]. (قَالَ) جابر نَظُه: (وَكَانَ رَجُلٌ يَنْشُدُ) بفتح الياء، وضم الشين، من باب نصر؛ أي: يسأل عنها، (ضَالَّةً لَهُ) وفي الرواية التالية: ((وَإِذَا هُوَ أَغْرَابِيٌّ، جَاءَ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ))، فقوله: ((رجلٌ)) مرفوع على أنه اسم ((كان))، وجملة ((يشد)) صفته، وخبرها محذوف؛ أي: صاحبَ الجمل الأحمر، وفي رواية أبي يعلى: ((وإذا هو رجل يَنشُد ضالةً))، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌ّ هذا من أفراد المصنّف رَخْذّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١٢/١ و٧٠١٣] (٢٧٨٠)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٣٩٤/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٧٨/٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٩٣/٤)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٢٢٩/١١)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الترمذيّ تَخْلُهُ حديث جابر ظُه هذا بلفظ: ((ليدخلنّ الجنة من بايع تحت الشجرة ... ))، فقال في ((جامعه)): (٣٨٦٣) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أزهر السمان، عن سليمان التيميّ، عن خِدَاش، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ وَّ قال: ((ليدخلنّ الجنة من بايع تحت الشجرة، إلا صاحب الجمل الأحمر))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ غريبٌ. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ (١) ((جامع الترمذيّ)) ٦٩٦/٥، وفي إسناده خداش بن عيّاش البصريّ ليّن الحديث، كما في (التقريب))، ولذا ضعّف الحديث الشيخ الألبانيّ كثُّ. ٢٨٥ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٤) رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ يَصْعَدُ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ، أَوِ الْمَرَارِ))، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا هُوَ أَعْرَابِيٌّ، جَاءَ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مَنْ يَصْعَدُ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ، أَوِ الْمَرَارِ)؛ أي: بالشكّ بين الْمُرار بضمّ الميم، والْمَرار بفتحها، وفي بعض النسخ بضمّها، أو كسرها . وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ)؛ يعني: خالد بن الحارث روى هذا الحديث عن قُرّة بن خالد بمثل ما رواه معاذ بن معاذ عن قرّة. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) فاعل ((قال)) ضمير خالد بن الحارث، وغرضه بيان اختلاف معاذ وخالد، فإن الأول رواه بلفظ: ((وكان رجلٌ ينشُد ضالّة له))، ورواه الثاني بلفظ: ((وإذا هو أعرابيّ ينشُد ضالّة له))، و((إذا)) هي الفجائيّة. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن قُرّة بن خالد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٤] (٢٧٨١) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنَّ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، قَدْ قَرَأَ ((الْبَقَرَةَ))، وَ((آلَ عِمْرَانَ))، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ وَّل، فَانْطَلَقَ هَارِباً، حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا، فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ ٢٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... الأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا، فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذاً). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم البصريّ، أبو سعيد، ثقةٌ ثقةٌ، قاله يحيى بن معين [٧] أخرج ه البخاريّ مقروناً، وتعليقاً [١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من سليمان، وشيخه نيسابوريّ، وأبو النضر بغداديّ، وفيه ثابت ألزم الناس لأنس ظه، لزمه أربعين سنة، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة، والمشهور بالخادم؛ لأنه خدم النبيّ وَل عشر سنين، فنال بركة دعوته، فبورك في عمره، وأولاده، وأمواله، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) تَظُبه؛ أنه (قَالَ: كَانَ مِنَّا)؛ أي: معاشر الأنصار، (رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن في رواية مسلم من طريق ثابت، عن أنس: ((كان منّا رجل، من بني النجار)). (مِنْ بَنِي النَّجَّارِ) بكسر النون، وتشديد الجيم قبيلة من الأنصار، وهي قبيلة أنس ظه، قال ابن الأثير تَخْلُ: اسم النجّار: تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وإنما قيل له: النجّار؛ لأنه اختَتَن بقدّوم، وقيل: لأنه ضرب رجلاً بقدّوم. انتهى(١). [فإن قلت]: قوله: ((منّا، من بني النجّار)) يعارض ما في ((صحيح البخاريّ)) بلفظ: ((كان رجل نصرانيّاً، فأسلم، وقرأ البقرة، وآل عمران))، فكيف الجمع بينهما؟ . (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٩٨/٣. ٢٨٧ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٤) [قلت]: يُجاب بأنه يمكن أن الرجل كان من بني النجّار، فتنصّر قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أسلم، ثم ارتدّ بعد ذلك، والله تعالى أعلم. (قَدْ قَرَأَ) ذلك الرجل سورة (الْبَقَرَةَ، وَ) سورة (آلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ) الرجل (يَكْثُبُ لِرَسُولِ اللهِ وَ ﴿) الوحي وغيره مما يريد النبيّ وَّهِ كتابته، (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب من عند النبيّ وَّ، حال كونه (هَارِباً)؛ أي: فارّاً، وشارداً من الإسلام وأهله، يقال: هَرَب يَهْرُبُ هَرَباً، وهُرُوباً: فَرّ، والموضع الذي يُهْرَب إليه مَهْرَبٌ، مثل جَعْفَرٍ، ويتعدّى بالتثقيل، فيقال: هرّبته(١) . وقوله: (حَتَّى لَحِقَ) غاية لهروبه، و(لَحِقَ)) بكسر الحاء، يقال: لَحِقْتُهُ، ولَحِقْتُ به، أَلْحَقُ، من باب تَعِب لَحَاقاً، بالفتح: أدركته، وأَلْحَقْتُهُ بالألف مثله، وأَلْحَقْتُ زيداً بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وأَلْحَقَ أيضاً، وفي الدعاء: ((إن عذابك بالكفار مُلْحَقٌ)) يجوز بالكسر، اسمَ فاعل، بمعنى لَاحِقٍ، ويجوز بالفتح، اسمَ مفعول؛ لأن الله أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: يُنزله بهم، قاله الفيّوميّ تَُّهُ(٢) . (بِأَهْلِ الْكِتَابِ) متعلّق بـ(لحِق))، وفي رواية البخاريّ: ((فعاد نصرانيّاً، فكان يقول: ما يدري محمد، إلا ما كتبت له))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((وكان يقول: ما أرى يُحسن محمد إلا ما كنت أكتب له))، وروى ابن حبان من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه. وهذا الذي قاله كذبٌ وزور، وافتراء، واجتراء على الله تَعَلَ، وعلى رسوله وَ﴿، ولذا عاجله الله تعالى بالعقوبة. (قَالَ) أنس (فَرَفَعُوهُ)؛ أي: رفع أهل الكتاب منزلة هذا الرجل، وأعلوا قدره. (قَالُوا: هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ) وَّ الوحي، (فَأُعْجِبُوا بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: استحسنوا أمره، وعظّموا قَدْره، حيث ارتدّ إلى دينهم، قال الفيّوميّ كَُّهُ: ويُستعمل التَّعَجُّبُ على وجهين: أحدهما ما يَحمده الفاعل، ومعناه: الاستحسان، والإخبار عن رضاه به، والثاني ما يكرهه، ومعناه: الإنكار، والذمّ له، ففي الاستحسان يقال: أَعْجَبَنِي بالألف، وفي الذمّ والإنكار: عَجِبْتُ وزان تَعِبْتُ. انتهى(٣). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٣٧. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٠. ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... قال الجامع عفا الله عنه: وما هنا من المعنى الأول، ومعناه: أن هؤلاء الكتابيين استحسنوا فعل هذا الرجل، وأحبّوه بسبب ارتداده عن الاسلام، ودخوله في دينهم، إلا أن الله رَك عاجله بالعقوبة، كما بيّنه بقوله: (فَمَا لَبِثَ) بكسر الموحّدة؛ أي: لم يتأخر مكثه عندهم، (أَنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ) من باب ضرب؛ أي: كسر الله تعالى، يقال: قَصَمت العود قَصْماً، من باب ضرب: كسرته، فأبَنْته، فانقصم، وتقصّم، وقولهم في الدعاء: قصمه الله، قيل: معناه: أهانه، وأذلّه، وقيل: قرّب موته(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمُنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١]؛ أي: أهلكناها . و((أن)) مصدريّة، و((قصم الله عنقه)) صلتها، وهي في تأويل المصدر فاعل ((لَبِثَ))؛ أي: فما تأخّر قَصْم الله تعالى عنقه، وإهلاكه إياه فيهم. وقوله: (عُنُقَهُ) بضمّتين، أو ضمّ، فسكون؛ أي: رقبته، قال الفيّومي: الْعُنُق: الرقبة، وهو مذكّر، والحجاز تؤنِّث، فيقال: هي العُنُق، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق. (٢) انتھی(٢). وقوله: (فِيهِمْ) متعلّق بـ((قَصَمَ))؛ والمعنى: عاجله الله رَّك بكسر عنقه، فمات (فَحَفَرُوا لَهُ)؛ أي: حفر أهل الكتاب لدفن هذا الرجل، كما يُفعل لغيره من الأموات، (فَوَارَوْهُ) من المواراة، وهي الستر؛ أي: ستروه، ودفنوه، (فَأَصْبَحَت)؛ أي: صارت (الأَرْضُ) التي دُفن فيها (قَدْ نَبَذَتْهُ)؛ أي: ألقته، ورمته (عَلَى وَجْهِهَا)؛ أي: على ظاهرها عبرةً للناظرين، (ثُمَّ عَادُوا) لحفر القبر (فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا) مرّةً ثانيةً، (ثُمَّ عَادُوا، فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا) مرّةً ثالثة، (فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذاً)؛ أي: مطروحاً على وجه الأرض، وفي رواية البخاريّ: ((فأماته الله، فدفنوه، فأصبح، وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعل محمد، وأصحابه، لَمّا هَرَب منهم نبشوا عن صاحبنا، فألقوه، فحفروا له، فأعمقوا، فأصبح، وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعل محمد وأصحابه، نبشوا عن (١) ((المصباح المنير)) ٥٠٦/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٢/٢. ٢٨٩ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٤) صاحبنا لمّا هرب منهم، فألقوه، فحفروا له، وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه)). وقوله: ((وقد لفظته الأرض))؛ أي: رمته من القبر إلى الخارج، ولَفَظَّته بكسر الفاء، وبفتحها، وقال القزاز في («جامعه»: كلّ ما طرحته من يدك فقد لَفَظْته، ولا يقال بكسر الفاء، وإنما يقال بالفتح. انتهى (١). وقال المجد تَخُّْهُ: لَفَظه، وبه، كضرب، وسَمِعَ: رماه. انتهى (٢). وقال الإمام أحمد كَّتُهُ في ((مسنده)): (١٢٢٣٦) - حدّثنا يزيد بن هارون، أنا حميد، عن أنس، أن رجلاً كان يكتب للنبيّ وَّله، وقد كان قرأ البقرة، وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة، وآل عمران جَدّ فينا - يعني: عَظُم - فكان النبيّ وَّهِ يملي عليه: غفوراً رحيماً، فيكتب: عليماً حكيماً، فيقول له النبيّ ◌َلير: اكتب كذا وكذا، اكتب كيف شئت، ويملي عليه: عليماً حكيماً، فيقول: اكتب سميعاً بصيراً، فيقول: اكتب اكتب كيف شئت، فارتدّ ذلك الرجل عن الإسلام، فلَحِق بالمشركين، وقال: أنا أعلمكم بمحمد، إن كنت لأكتب ما شئت، فمات ذلك الرجل، فقال النبيّ وَّه: ((إن الأرض لم تقبله))، وقال أنس: فحدّثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل، فوجده منبوذاً، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفّاه مراراً، فلم تقبله الأرض. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك نظّبه هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: من الغريب أن صاحب ((التكملة)) (٤) قال: هذا الحديث لم يُخرجه أحد من الأئمة الستّة غير المصنّف، وتبعه على ذلك الشيخ الهرريّ، وليس كما قالا، فقد أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) في ((كتاب المناقب)) في ((باب علامات النبوّة في الإسلام))، فقال: (١) ((عمدة القاري)) ١٦/ ١٥٠. (٢) ((القاموس)) ص ١١٨٢. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٢٠/٣. (٤) راجع شرحه ١٠٧/٦، و((شرح الهرريّ)) ٣٦٧/٢٥. ٢٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... (٣٦١٧) - حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز، عن أنس رظُه قال: كان رجل نصرانيّا، فأسلم، وقرأ البقرة، وآل عمران، فكان يكتب للنبيّ وَّر، فعاد نصرانيّاً فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح، وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعل محمد وأصحابه لَمّا هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا، فألقوه، فحفروا له، فأعمقوا، فأصبح، وقد لَفَظَته الأرض، فقالوا: هذا فِعل محمد، وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لمّا هرب منهم، فألقوه، فحفروا له، وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لَفَظَته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه. انتهى (١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١٤/١] (٢٧٨١)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦١٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٢/٣ و٢٤٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٢٧٨ و١٢٨٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٢/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ وَله حيث أظهر الله ◌ُعَلَ على هذا المرتدّ عن دينه هذه الخارقة الباهرة؛ ليكون نكالاً وعظة لمن بعده، قال في ((العمدة)): ظهرت معجزة النبيّ وَله في لَفْظ الأرض إياه مرات؛ لأنه لمّا ارتدّ عاقبه الله تعالى بذلك؛ لتقوم الحجة على من يراه، ويدلّ على صدق نبوّة النبيّ ◌َلِ﴾(٢) . ٢ - (ومنها): بيان أن الهداية بيد الله تعالى، فالمهديّ من هداه الله، وليست الآيات والبراهين كافية إلا أن يشاء الله تعالى، فإن هذا الرجل قد شاهد من الآيات، وكَتَب الوحي، واطلع على محاسن الإسلام كلّها، ومع ذلك أعرض؛ لأنه ◌َُّ لم يُرِد أن يهديه للإسلام، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمَّ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت آمين. (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٣٢٥/٣. (٢) ((عمدة القاري)) ١٥٠/١٦. ٢٩١ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٥) ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّتُهُ: إنما أظهر الله تعالى تلك الآية في هذا المرتدّ؛ ليوضّح حجة نبيّه وَ ل﴿ لليهود عياناً، وليُقيم لهم على ضلالة من خالف دينه برهاناً، وليزداد الذين آمنوا إيماناً ويقيناً. انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٥] (٢٧٨٢) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ، هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتٍ مُنَافِقٍ))، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب. ٢ - (حَفْصُ بُّنُ غِيَاثٍ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيّرِ حِفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. ٣ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر ظُه، قد تقدّم القول فيه قريباً. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) رَبُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَدِمَ) بكسر الدال، (مِنْ سَفَرٍ) هي سفر غزوة بني المصطلق، كما سيأتي. (فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ) بنصب أَقُرب)) على نزع الخافض، والخبر متعلّقه؛ أي: فلما كان النبيّ وَلّ واصلاً بقربها (هَاجَتْ)؛ أي: ثارت، وظهرت (رِيحٌ شَدِيدَةٌ، تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ) بكسر الفاء؛ أي: تقرب أن تواري (الرَّاكِبَ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في جميع النسخ: ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... (تَدْفِن)) بالفاء، والنون؛ أي: تُغَيِّه عن الناس، وتَذهب به؛ لشدتها. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب))؛ أي: هبّت ريح شديدة، تَحْمِل معها التراب والرمل؛ لشدتها، حتى لو عارضها راكب على بعيره لدفنته بما تُسَفّي عليه من التراب والرمل، وكأن هذه الريح إنما هاجت عند موت ذلك المنافق العظيم؛ ليعذّب بها، أو جعلها الله علامة لنبيّه وَّ على موت ذلك المنافق، وأنه مات على النفاق - والله تعالى أعلم - انتھی(٢) . [تنبيه]: قال الطيبيّ كَُّهُ: قوله: ((تكاد أن تدفن)): قال ابن مالك: وقع خبر ((كاد)) مقروناً بـ((أن))، وهو صحيح، لكن وقوعه غير مقرون بها أكثر، وأشهر، ولذلك لم يقع في القرآن إلا غير مقرون بها، والسبب المانع من الاقتران في باب المقاربة هو دلالة الفعل على الشروع، كطفق، وجعل، فإنّ ((أنْ)) تقتضي الاستقبال، وفِعل الشروع يقتضي الحال، فتنافيا، وما لا يدلّ على الشروع؛ كعسى، وأوشك، وكرَبَ، وكاد فمقتضاه مستقبل، فاقتران خبره بـ((أن)) مؤكّد لمقتضاه، فإذا انضمّ إلى هذا التعليل استعمال فصيح، ونَقْل صحيح، كما في الحديث المذكور، وغيره كقول أنس: ((فما كدنا أن نصل إلى منازلنا))، وقول بعض الصحابة: ((والْبُرمة بين الأثافي، قد كادت أن تنضج))، وقول جُبير بن مطعم: ((كاد قلبي أن يطير)) تأكّد الدليل على الجواز، ولم يوجد لمخالفته سبيل، وقد اجتمع الوجهان في قول عمر نظالله: ((ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب)). انتهى (٣). (فَزَعَمَ)؛ أي: قال، فالزعم هنا مستعمل في القول المحقّق، وإن كان أصل وَضْعها لغير المحقّق، وقد تقدّم هذا غير مرّة. (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((بُعِثَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُرسلت (هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتٍ مُنَافِقٍ)؛ أي: في وقت موته؛ أي: عقوبة له، وعلامةً لموته، وراحة البلاد، والعباد به(٤). (فَلَمَّا (١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٢٧. (٢) ((المفهم)) ٧/ ٤١٣ - ٤١٤. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧٧٩/١٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٢٧. ٢٩٣ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٥) قَدِمَ) وَِّهِ (الْمَدِينَةَ، فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ) ((إذا)) هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأه موته، (مِن) جملة (الْمُنَافِقِينَ) الذين كانوا بالمدينة، (قَدْ مَاتَ) قال ابن بشكوال تَظَّتُهُ: هذا المنافق هو رفاعة بن زيد بن التابوت، قاله محمد بن إسحاق، وذكر أن النبيّ ◌َّ قاله، وهو قافل من غزوة بني المصطلق(١). وأخرج عبد بن حميد في ((مسنده)) عن جابر ظُه: كنا مع النبيّ ◌َّ في سفر، هاجت ريح تكاد تَدِفِن الراكب، فقال رسول الله وَله: ((بُعثت هذه الريح لموت منافق، فلما رجعنا إلى المدينة، وجدنا مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق، فسمعت أصحابنا بعدُ يقولون: هو رافع بن التابوت)). انتهى(٢). وقال ابن الجوزيّ: قال الواقديّ: هذا القفول كان في غزوة المريسيع(٣)، وكان بين عيينة بن حِصْن الفزاريّ وبين رسول الله وَ﴾ُ مدّة، فخاف أصحاب رسول الله و 18 أن يكون عيينة قد أغار على المدينة، فقال رسول الله ◌َ: ((ليس عليكم بأس، ما بالمدينة من نَقْب، إلا عليه ملَك، وما كان ليدخلها عدوّ حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم رجل من المنافقين عظيم، ولذلك عصفت هذه الريح، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت)). انتهى(٤)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف(٥) رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١٥/١] (٢٧٨٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ١٣٥ و٣٤١ و٣٤٦)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣١٥/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٧٩/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٠٠)، و(أبو يعلى) في (١) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٢٠١/١. (٢) ((مسند عبد بن حميد)) ٣١٥/١. (٣) لا يخالف هذا ما تقدّم من أنها غزوة بني المصطلق؛ لأن غزوة المريسيع هي غزوة بني المصطلق، فتنبّه. (٤) ((کشف المشکل من حدیث الصحیحین) ص٧٥٢. (٥) فقول القاري في ((المرقاة)) ٢٢٧/١٠: وكذا أخرجه البخاري، فمن غلطه، فتنبّه. ٢٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... ((مسنده)) (٢٠١/٤)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٦١/٤)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣١١/١٣)، و(ابن بشكوال) في ((غوامض الأسماء)) (٣٠١/١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٦] (٢٧٨٣) - (حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ مُوسَى الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِيَاسٌ، حَدََّنِي أَبِي، قَالَ: عُدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ رَجُلاًّ مَوْعُوكاً، قَالَ: فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: والله مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلاًّ أَشَدَّ حَرّاً(١)، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِوَّهِ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشَدَّ حَرّاً مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ الرَّاكِبَيْنِ الْمُقَفَِّيْنِ))، لِرَجُلَيْنِ حِينَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) هو: عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة، أبو الفضل البَصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت٢٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٢ - (أَبُو مُحَمَّدٍ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْيَمَامِيُّ) الْجُرَشيّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٣ - (عِكْرِمَةُ) بن عَمّار العِجْليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ، يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٤ - (إِيَاسُ) بن سلمة بن الأكوع الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١١٩) وهو ابن سبع وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. ٥ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِدَ بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. (١) وفي نسخة: ((بأشد حرِّ)). ٢٩٥ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٦) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَّتُهُ، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه . شرح الحديث: عن إِيَاس بن سلمة، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبِي) سلمة بن الأكوع ◌َظُهُ (قَالَ: عُدْنَا) بضمّ العين، يقال: عُدت المريض أعوده، من باب قال عيادةً: إذا زرته، فالرجل عائد، وجَمْعه عُوّاد، وعُوّدٌ، والمرأة عائدة، وجَمْعها عُوّد، فقط، قال في ((الخلاصة)): وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَذَانٍ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرًا (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ رَجُلاً) لم يُعرف اسمه، (مَوْعُوكاً)؛ أي: مصاب بشدّة ألم الْحُمَّى، قال المرتضى ما حاصله: الوَعْكُ بفَتْح، فسكون، وأَجازَ بعضُهم فَتْحَ العين، قِيلَ: لمَكانٍ حَرفِ الحَلْقِ، وهي لُغَةٌ مَشَهورة: سُكُونُ الريحِ، وشِدَّةُ الحرّ، هذا هو الأَصْلُ في الوَعْكِ، كما قالَهُ ابنُ دُرَيْد، والرّاغِبُ؛ كَالْوَعْكَةِ، وقد سُمّيَ أَذَى الحُمَّى، وقِيل: وَجَعُها، وقِيلَ: مَغْثُها في البَدَنِ: وَعْكاً بهذا الاعْتِبارِ، وقد وَعَكَتْهُ الحُمَّى وَعْكاً، ووُعِكَ، فهو مَوْعُوٌ، وقِيلَ: الوَعك: أَلَمُ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ، وقد يُرادُ بهِ المَرَضُ الخَفِيفُ مُطْلَقاً، وقالَ الحافظ أبو عُمَرو بنُ عبد البرّ: الوَعْكُ لا يَكُونُ إِلا من الحُمَّى، دُونَ سائِرِ الأمْراضِ، ورَجُلٌ وَعْكٌ تَسمِيَةٌ بالمَصْدَرِ، ووَعِكٌ، ككَتِفٍ، ووُعِكَ فهو مَوْعوٌ: مَحْمُومٌ، ووَعَكَهُ، كوَعَدهُ وَعْكاً: دَّه دَكّاً، وهو مَجازٌ. انتهى كلام المرتضى(١). (قَالَ) سلمة رَظُهُ: (فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الموعوك (فَقُلْتُ: والله مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلاً أَشَدَّ حَرّاً) منصوب على التمييز، (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وَل: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ) ((ألا)) أَداة عرض، وتحضيض؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ [النور: ٢٢] (بِأَشَدَّ حَرّاً مِنْهُ)؛ أي: بالشخص الذي يكون أشدّ حرارة (١) (تاج العروس)) ص ٦٨١١. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... من حرارة هذا الرجل، وفي بعض النسخ: ((بأشدّ حرّ منه))، بإضافة ((أشدّ)) إلى (حرّ))، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ((أشدّ))، (هَذَيْنِكَ) قال القرطبيّ تَخْتُ: الرواية بخفض ((هذينك)) على البدل من ((أشدّ))، وهو من إبدال المعرفة من النكرة، وما بعد ((هذينك)) نعوت له. (الرَّجُلَيْنِ الرَّاكِبَيْنِ الْمُقَفِّيَيْنِ)))؛ أي: المولّيين أقفيتهما منصرفين، أو الجاعلين ظهورهما واليةً لنا؛ لاستدبارهما لنا (١). وقوله: (لِرَجُلَيْنِ) هذه اللام كاللام في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، وقد اختلف فيها، فقال ابن الحاجب: هي بمعنى ((عن))، وقال ابن مالك وغيره: هي لام التعليل، وقيل: هي لام التبليغ، ذكره ابن هشام تَظُّهُ(٢). (حِينَئِذٍ)؛ أي: وقت قوله ◌َّله هذا الكلام، وقوله: (مِنْ أَصْحَابِهِ) قال النوويّ تَخْتُ: سمّاهما من أصحابه؛ لإظهارهما الإسلام، والصحبة، لا أنهما ممن نالته فضيلة الصحبة. انتهى(٣). وقال القرطبيّ رَّتُهُ: إنما نَسَبهما الراوي لأصحاب النبيّ وَّ؛ لأنَّهما كانا في غمارهم، ودخلا بحكم ظاهرهما في دينهم، والعليم الخبير يَعلم ما تُجنّه الصدور، وما يختلج في الضمير، فأعلم الله تعالى نبيّه وَّه بخبث بواطنهما، وبسوء عاقبتهما، فارتفع اسم الصحبة، وصِدق اسم العداوة والبغضاء. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن عمرو بن الأكوع ظه هذا من أفراد المصنّف نَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١٦/١] (٢٧٨٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٢٤٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٥١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨) ١٩٨)، والله تعالى أعلم. (١) ((الكوكب الوهاج)) ٣٦٩/٢٥. (٢) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٤١٩/١ - ٤٢٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٧. (٤) ((المفهم)) ٤١٤/٧. ٢٩٧ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٧) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٧] (٢٧٨٤) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِّ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمَّدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْتِ الثَّقَفِيَّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت١٨٤) عن نحو ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف نَُّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ثها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿ّا (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ)؛ أي: وَصْفه الذي يتميّز به من المؤمن، (كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ)؛ أي: المتردّدة، والمتحيّرة، قال التوربشتيّ: وأكثر استعماله في الناقة، وهي التي تخرج من إبل إلى أخرى؛ ليضربها الفحل، ثم اتُّسِع في المواشي. (بَيْنَ الْغَتَمَيْنِ)؛ أي: القطيعين من الغنم، قال في ((المفصل)): قد يُثنى الجمع على تأويل الجماعتين في الفرقتين، قال: ومنه هذا الحديث، وقال الأندلسيّ في ((شرحه)): تثنية الجمع ليس بقياس، وقد يَعرِض في بعض المعاني ما يُحوج إلى تثنيته، كما في الحديث، كأنه لا يمكن التعبير بمجرد الجمع، فتستحق عند ذلك تثنيته. انتهى(١). (١) ((فيض القدير)) ٥١٦/٥. ٢٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... وقال في ((اللسان)): العائرة: التي تخرج من الإبل إلى أخرى ليضربها الفحل. انتهى. وقال السنديّ: وهي التي تطلب الفحل، فتتردد بين قطيعين، ولا تستقرّ مع إحداهما، والمنافق مع المؤمنين بظاهره، ومع المشركين بباطنه؛ تبعاً لهواه وغرضه الفاسد، فصار بمنزلة تلك الشاة. وفيه سلب الرجوليّة عن المنافقين. والغنمة واحدة، والغنم جمع، ففي هذا الحديث تثنية للجمع بتأوله بالجماعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والغنمة واحدة إلخ)) هذا غلط، فقد صرّح في ((القاموس))، و((اللسان))، و((المصباح))، وغيرها من كتب اللغة أن الغنم لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها الشاة من غير لفظها، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وقال السيوطيّ كَُّ في ((شرحه)): قال الزمخشريّ في ((المفصّل)): قد يُثنّى الجمع على تأويل الجماعتين، والفرقتين، ومنه هذا الحديث. انتهى. (تَعِيرُ) بفتح أوله، من باب ضرب يضرب؛ أي: تتردّد، وتذهب (إِلَى هَذِهِ مَرَّةً) إشارة إلى إحدى الغنمين، وأنَّث الضمير لأن الغنم اسم جنس مؤنّث، قال الفيّوميّ: الغنم اسم جنس يُطلق على الضأن، والمعز، وقد تُجمع على أغنام، على معنى قُطَعَاناتٍ من الغنم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباريّ. وقال الأزهريّ أيضاً: الغنم الشاء، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمان؛ أي: قَطِيعان من الغنم، كلُّ قطيع منفردٌ بمَرْعَى وراعٍ. وقال الجوهريّ: الغنم اسم مؤنّثٌ، موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور والإناث، وعليهما، ويُصغّر، فتدخل الهاء، ويقال: غُنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغّرت، فالتأنيث لازم لها . انتهى. (وَ) تعير (إِلَى هَذِهِ مَرَّةً)))؛ يعني: أنها تارة تذهب إلى هذه الغنم، وأخرى إلى هذه الغنم. وفي الرواية التالية: ((تكرّ في هذه مرّةً، وفي هذه مرّةً))، وهو بكسر الكاف؛ أي: تعطِف على هذه مرّة، وعلى هذه مرّة. وزاد النسائيّ في روايته: ((لَا تَدْرِي أَيَّهَا تَتْبَعُ)) بفتح أوله، وسکون ثانیه، ٢٩٩ (١) - بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٧٠١٨) مضارع تبع، وزان تعِب، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديد الثانية، مضارع اتّبعت من باب الافتعال؛ أي: لا تعلم؛ أيّ الغنمين تتبع؛ لأنها غريبة، ليست منهما، فكذا المنافق لا يستقرّ بالمسلمين، ولا بالكافرين، بل يقول لكل منهم: أنا منكم، قال الطيبيّ: شبَّه تردده بين المؤمنين والكافرين تبعاً لهواه، وقصداً لأغراضه الفاسدة، كتردد الشاة الطالبة للفحل، فلا تستقر على حال، ولذلك وُصفوا في التنزيل: ﴿مُذَبّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ﴾ [النساء: ج ١٤٣](١)، قال المفسرون: ﴿مُّذَبِّذَبِينَ﴾؛ يعني: أن المنافقين متحيرون بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا هم مع الكفار ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشكّ، فتارةً يميل إلى هؤلاء، وتارةً يميل إلى هؤلاء(٢)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر طيها هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١٧/١ و٧٠١٨] (٢٧٨٤)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٠٣٩) وفي ((الكبرى)) (٥٣٨/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢/٢ و٤٧ و٨٢ و١٠٢ و١٤٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٠)، و(القضاعيّ) في (مسند الشهاب)) (٢٨٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣٤١/٦)، و(الرامَهُرْمُزيّ) في ((الأمثال)) (٨٣/١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َل بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((تَكِرُّ فِي هَذِهِ مَرَّةً، وَفِي هَذِهِ مَرَّةً)). (١) ((فيض القدير)) ٥١٦/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ٦٩/١٦. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب ذكر المنافقين، والقيامة، والجنة، والنار ... رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْقَارِيُّ(١)) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ - بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عياش - بتحتانية، ومعجمة - الأسديّ مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي، لم يصح أن ابن معين لَّنه [٥] (ت١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (تَكِرُّ فِي هَذِهِ مَرَّةً ... إلخ) بكسر الكاف؛ أي: تعطف على هذه، وعلى هذه، قاله النوويّ تَخْذَّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ضبط النوويّ ((تكرّ)) بكسر الكاف، وتبعه الشرّاح، وهذا وإن كان هو الأصل في المضاعف اللازم، إلا أن السماع بالضمّ، وهو الموجود في كتب اللغة، فقد ضبطه في ((المصباح)) من باب قتل، وهو ظاهر عبارة ((القاموس)) و((شرحه))، وكذا عدّ ابن مالك في ((لاميّته)) أن (كرّ)) من الأفعال اللازمة التي سُمعت بضمّ عين مضارعها، فقال: لُزُومِ فِي امْرُرْ بِهِ وَجَلَّ مِثْلُ جَلَا واضْمُمَنَّ مَعَ الْـ هَبَّتْ وَذَرَّتْ وَأَجَّ كَرَّ هَمَّ بِهِ وَعَمَّ زَمَّ وَسَخَّ مَلَّ أَيْ ذَمَلَا والحاصل أن الصواب ضبطه بضمّ الكاف، لا بكسرها، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القاضي عياض كَخَّتُهُ: قوله: ((تكرّ في هذا مرّة)) كذا في بعض الروايات، وعند العذريّ: ((تكرّ)) بكسر الكاف، وعند الفارسيّ: ((تكير)) بزيادة ياء باثنتين تحتها، وعند ابن ماهان: (تكبُنُ)) بسكون الكاف، وباء موحّدة (١) بتخفيف الراء، وتشديد الياء: نسبة إلى قارة قبيلة معروفة بجودة الرّمي. (٢) (شرح النوويّ)) ١٢٨/١٧.