Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) أقدر عليه))، وفي رواية أبي أويس: ((نسيت اسم يعقوب؛ لِمَا بي من البكاء، واحتراق الجوف))، ووقع في حديث أم رُومان: ((مَثَلي ومَثَلكم، كيعقوب وبنيه))، وهي بالمعنى؛ للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه. (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) قال الزجاج؛ أي: فشأني، أو الذي أعتقده صبر جميل، وقال قطرب؛ أي: فصبري صبر جميل. وقيل: فصبر جميل أولى بي، قيل: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه. قال الزجاج: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف: ((فصبراً جميلاً)). قال: وكذا في مصحف أنس، قال المبرد: ﴿فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ بالرفع أَولى من النصب؛ لأن المعنى: قال ربّ عندي صبر جميل، وإنما النصب على المصدر؛ أي: فلأصبرنّ صبراً جميلاً. قال الشاعر [من الرجز]: صَبْراً جَمِيلاً فَكِلَانَا مَبْتَلَى شَكَا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى (﴿وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨])؛ أي: المطلوب منه العون (﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾)؛ أي: على إظهار حال ما تصفون، أو على احتمال ما تصفون، وهذا منه علِّ إنشاء، لا إخبار(١). قَالَتْ) عائشة: (ثُمَّ تَحَوَّلْتُ) إلى الجهة الأخرى، (فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي) وزاد ابن جريج: ((وولّيت وجهي نحو الجدر))، (قَالَتْ: وَأَنَا والله حِينَئِذٍ)؛ أي: حين تحوَّلت إلى الجهة الأخرى (أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ) مما رموني به، (وَأَنَّ اللهَ) بفتح الهمزة؛ لعطفه على ((أني)) الأُولى، (مُبَرِّئِي) منزل وحياً يبرّؤني مما رُميت به، (بِيَرَاءَتِي)؛ أي: بسبب براءتي من ذلك. وزعم ابن التين أنه وقع عنده: ((وإن الله مبرئني)) بنون قبل الياء، وبعد الهمزة، قال: وليس ببيِّن؛ لأن نون الوقاية تدخل في الأفعال؛ لتَسْلَم من الکسر، والأسماء تُکسر، فلا تحتاج إليها. انتهى. قال الحافظ: والذي وقفنا عليه في جميع الروايات: ((مبرئي)) بغير نون، وعلى تقدير وجود ما ذَكَر، فقد سُمع مثل ذلك في بعض اللغات. انتهى (٢) . قال الجامع عفا الله عنه: قد ورد شُذوذاً دخول نون الوقاية على اسم (١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ١١/٤. (٢) ((الفتح)) ١٠/ ٤٢٥. ١٦٢ البحر المحيط التجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الفاعل؛ تشبيهاً له بالفعل، وعلى اسم التفضيل؛ لِشَبَهه بالتعجّب، فالأول كقوله وسي لليهود: ((هل أنتم صادقوني؟))(١)، ومنه قول الشاعر: وَلَيْسَ بِمُعْيِينِي وَفِي النَّاسِ مُمْتِعٌ صَدِيقٌ إِذَا أَعْيَا عَلَيَّ صَدِيقُ ومن الثاني قوله وَله: ((غير الدجّال أخوفني عليكم))(٢) روي بلا نون، وبها(٣)، والله تعالى أعلم. (وَلَكِنْ والله مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ) بالبناء للمفعول، (فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى) بالبناء للمفعول أيضاً، (وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ رَّت فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى) بالبناء للمفعول أيضاً، وفي رواية فُليح: ((من أن يُتَكَلَّم بالقرآن في أمري))، وفي رواية ابن إسحاق: ((يُقرأ به في المساجد، ويُصَلَّى به)). قال القرطبيّ كَّلُ: فيه دليل على أن الذين يتعيَّن على أهل الفضل، والعلم، والعبادة، والمنزلة: احتقار أنفسهم، وترك الالتفات إلى أعمالهم، وإلى أحوالهم، وتجريد النظر إلى لطف الله تعالى، ومنّته، وعفوه، ورحمته، وكرمه، ومغفرته، وقد اغترّ كثير من الجهّال بالأعمال، فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وإجابة الدعوات، وزعموا أنهم ممن يُتبرك بلقائهم، ويُغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم، وتعظيمهم، فيُتمسّح بأثوابهم، وتُقبّل أيديهم، ويرون أن لهم من المكانة عند الله بحيث يَنتقم لهم ممن تَنَقَّصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلّها نتائج الجهل العميم، والعقل غير المستقيم، فإنَّ ذلك إنما يصدر من جاهل معجَب بنفسه، غافل عن جُرْمه وذنبه، مغتزّ بإمهال الله رَك له عن أخذه، ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوامّ، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوامّ، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات صدور، وإلى الله عاقبة الأمور. انتهى (٤) (١) أخرجه النسائيّ في ((الكبرى)) بسند صحيح ٤١٣/٦. (٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٩٣٧) ترقيم الأستاذ محمد فؤاد كَذفه. (٣) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٦٠/١ في ((باب النكرة والمعرفة)). (٤) ((المفهم)) ٣٧٤/٧ - ٣٧٥. ١٦٣ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) (وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ وَّةِ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّثُنِي اللّهُ بِهَا)؛ أي: بتلك الرؤيا؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌّ. (قَالَتْ: فَوالله مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ وَهُ مَجْلِسَهُ)؛ أي: ما فارق ◌َله مكان جلوسه، ومصدره الريم بالتحتانية، بخلاف رام بمعنى طلب، فمصدره الروم، ويفترقان أيضاً في المضارع، يقال: رام يروم روماً، ورام يريم رَيْماً، قاله في ((الفتح)). (وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ)؛ أي: من الذين كانوا حينئذ حضوراً، (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ وَتْ عَلَى نَبِّهِ وََّ)، وفي رواية أبي أسامة: ((وأنزل الله على رسوله ﴿ ﴿ من ساعته))، (فَأَخَذَهُ) وَّرِ (مَا) موصول في محل رفع على أنه فاعل، (كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ) بضم الموحّدة، وفتح الراء، ثم مهملة، ثم مدّ: هي شِدّة الْحُمَّى، وقيل: شدّة الكرب، وقيل: شدّة الحرّ، ومنه بَرَحَ بي الْهَمُّ: إذا بلغ مني غايته، ووقع في رواية إسحاق بن راشد: ((وهو العرق))، وبه جزم الداوديّ، وهو تفسير باللازم غالباً؛ لأن الْبُرَحاء شدّة الكرب، ويكون عنده العرق غالباً، وفي رواية ابن حاطب: ((وشَخَص بصره إلى السقف))، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة عند الحاكم: ((فأتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي أخذه السبل))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فسُجّي بثوب، ووُضعت تحت رأسه وسادةٌ، من أدم)). وقولها: (عِنْدَ الْوَحْي) متعلّق بـ((أخذه))، (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ)؛ أي: ليتصبّب، ويسيل (مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ) - بضم الجيم، وتخفيف الميم -: اللؤلؤ، وقيل: حَبّ يُعمل من الفضة؛ كاللؤلؤ، وقال الداوديّ: خَرَزٌ أبيض، والأول أَولى، فشَبّهت قطرات عَرَقه ◌َ﴿ بالجمان؛ لمشابهتها في الصفاء، والحسن، وزاد ابن جريج في روايته: ((قال أبو بكر: فجعلت أنظر إلى رسول الله وَلول أخشى أن ينزل من السماء ما لا مردّ له، وأنظر إلى وجه عائشة، فإذا هو منبق، فيُطمعني ذلك فيها))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فأما أنا فوالله ما فَزِعت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فما سُرِّي عن رسول الله وَ﴿ حتى ظننت لتخرجنّ أنفسهما فَرَقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما يقول الناس))، ونحوه في رواية الواقديّ. وقولها: (مِنَ الْعَرَقِ) بيان لـ ((مثل))، والعَرَقُ مُحرّكة: رشْحُ جِلْدِ الحَيَوان، ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وقِيلَ: هو ما جَرَى من أُصولِ الشَّعَرِ، من ماءِ الحِلْدِ، اسم للجِنْس، لا يُجمَع، وهو في الحَيوانِ أصْلٌ، ويُسْتعارُ لغَيْرِهِ، قال اللّيثُ: لم أسمَعْ للعَرَقِ جمْعاً، فإنْ جُمِع كان قِياسُه على فَعَلٍ وأفْعالٍ، مثل جدَثٍ وأجْداثٍ، ذكره (١) المرتضى (١). وقولها: (فِي الْيَوْمِ) متعلّق بـ(يتحدّر))، (الشَّاتِ) صفة لـ«اليوم))؛ أي: البارد، يقال: شتا اليومُ، فهو شاتٍ، من باب قال: إذا اشتدّ برده(٢). (مِنْ ثِقَلِ)؛ أي: شدّة، وقوّة (الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ) كما أخبر الله رَت بذلك حيث [المزمل: ٥]. (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا سُرِّيَ) قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا بضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، مبنيّاً للمفعول؛ أي: كُشف (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) ما كان يجده من الشدّة، وقولها: (وَهُوَ يَضْحَكُ) جملة حاليّة من ((رسول الله (َّ﴾))، وفي رواية هشام بن عروة: ((فرُفع عنه، وإني لأتبيّن السرور في وجهه، يمسح جبينه))، وفي رواية ابن حاطب: ((فوالذي أكرمه، وأنزل عليه الكتاب، ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سروراً، ثم مسح وجهه))، (فَكَانَ) يَحْتَمِل أن تكون الفاء زائدة، و((كان)) جواب ((لما))، ويَحْتَمِل أن يكون الجواب محذوفاً؛ أي: سُرّي عنه، وهذا هو الذي في ((صحيح البخاريّ))، ولفظه: ((فلما سُرّي عن رسول الله وَّ سُرّي عنه، وهو يضحك، فكان ... إلخ)). وقولها: (أَوَّلَ كَلِمَةٍ) بنصب ((أول)) على أنه خبر ((كان)) مقدّماً، واسمها المصدر المؤوّل بعده، ويجوز العكس، لكن الأول أولى؛ لأن المصدر المؤوّل بمنزلة الضمير، فيكون أعرف، فهو أحقّ بكونه اسم ((كان))، والله تعالى أعلم. وقولها: (تَكَلَّمَ بِهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((كلمة))، (أَنْ قَالَ: ((أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللهُ) رَتْ (فَقَدْ بَرَّأَكِ)))؛ أي: بما أنزل من القرآن، وفي رواية فليح: ((أن قال لي: يا عائشة احمدي الله، فقد برأك))، وعند الترمذيّ من هذا الوجه: ((البشرى يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك)). (فَقَالَتْ لِي أُمِّ قُومِي إِلَيْهِ) قال النوويّ تَخّْتُهُ: معناه: قالت لها أمها: قومي إليه ◌َّ، فاحمديه، وقبّلي (١) (تاج العروس)) ص٦٤٧٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٥/١. ١٦٥ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) رأسه، واشكريه؛ لنعمة الله تعالى التي بشّرك، فقالت عائشة قويّا ما قالت إدلالاً عليه، وعَتْباً لكونهم شَكّوا في حالها، مع عِلمهم بحسن طرائقها، وجميل أحوالها، وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه قوم ظالمون، ولا حجة له، ولا شبهة فيه، قالت: وإنما أحمد ربي لل الذي أنزل براءتي، وأنعم عليّ بما لم أكن أتوقعه، كما قالت: ((ولشأني كان أحقر في نفسي، من أن يتكلم الله تعالى فيّ بأمر يُتْلَى)). انتهى(١). (فَقُلْتُ: والله لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّ اللهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي) وفي رواية صالح: ((فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي))، وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: ((أحمد الله، لا إياكما))، وفي رواية ابن جريج: ((فقلت: بحمد الله، وذَمِّكما))، وفي رواية أبي أويس: ((نحمد الله، ولا نحمدكم))، وفي رواية أم رُومان، وكذا في حديث أبي هريرة: ((فقالت: نحمد الله، لا نحمدك))، ومثله في رواية عمر بن أبي سلمة، وكذا عند الواقديّ، وفي رواية ابن حاطب: ((والله لا نحمدك، ولا نحمد أصحابك))، وفي رواية مِقسم، والأسود، وكذا في حديث ابن عباس: ((ولا نحمدك، ولا نحمد أصحابك))، وزاد في رواية الأسود، عن عائشة: ((وأخذ رسول الله وَل بيدي، فانتزعت يدي منه، فنهرني أبو بكر)). وعُذرها في إطلاق ذلك ما ذَكَرته من الذي خامرها من الغضب، من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال، مع تحققهم حُسْن طريقتها . قال ابن الجوزيّ: إنما قالت ذلك إدلالاً، كما يُدِلُّ الحبیب علی حبيبه، وقيل: أشارت إلى إفراد الله تعالى بقولها: فهو الذي أنزل براءتي، فناسب إفراده بالحمد في الحال، ولا يلزم منه ترك الحمد بعد ذلك. ويَحْتَمِل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله ومثير لها: ((احمدي الله))، ففَهِمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد، فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة، كان من باعث الغضب. (١) ((شرح النوويّ)) ١١٢/١٧ - ١١٣. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وروى الطبريّ، وأبو عوانة من طريق أبي حَصِين، عن مجاهد، قال: ((قالت عائشة: لمّا نزل عذرها، فقبّل أبو بكر رأسها، فقلت: ألا عذرتني؟ فقال: أيُّ سماء تُظلني، وأيّ أرض تُقِلّني إذا قلت ما لا أعلم؟!)). (قَالَتْ) عائشة ◌ِّنا: (فَأَنْزَلَ اللهُ رَّتْ) قوله: (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلِفْكِ عُصْبَةٌ﴾. [النور: ١١]) مرفوع على أنه خبر ((إن))، و(﴿مِنكُ﴾ [النور: ١١]) صفة لعصبة، وقيل: خبر ((إن)) قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ [النور: ١١]، ويكون ((عصبة)) بدلاً من فاعل ﴿جَآءُو﴾، قال ابن عطية: وهذا أنسق في المعنى، وأكثر فائدة من أن يكون الخبر ﴿عُصْبَةٌ﴾، وجملة ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، وإن كانت طلبية، فجعْلها خبراً يصح بتقدير، كما في نظائر ذلك، و((الإفك)): أسوأ الكذب، وأقبحه، وهو مأخوذ من أَفَك الشيء: إذا قلبه عن وجهه، فالإفك: هو الحديث المقلوب، وقيل: هو البهتان، وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية: ما وقع من الإفك على عائشة أمّ المؤمنين خيّا، وإنما وصفه الله بأنه إفك؛ لأن المعروف من حالها مؤقتا خلاف ذلك. قال الواحديّ: ومعنى القَلْب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر: أن عائشة ◌ّا كانت تستحقّ الثناء بما كانت عليه من الحصانة، وشرف النسب، والسبب، لا القذف، فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح، وكذب ظاهر. والعصبة: هم الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا: عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومِسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقيل: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر، وأصلها في اللغة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض. انتهى(١). وقولها: (عَشْرَ آيَاتٍ) بدل من ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو﴾؛ لأنه مفعول به لـ((أنزل)) محكيّ، ولفظ البخاريّ: ((العشر الآيات كلّها))؛ أي: أنزل الله رجمت إلى آخر عشر آيات، وآخر العشرة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . (١) ((فتح القدير)) ١٩٣/٥. ١٦٧ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) قال الحافظ تَخْلُهُ: لكن وقع في رواية عطاء الخراسانيّ، عن الزهريّ: ((فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشر آية، فلعل في قولها: ((العشر الآيات)) مجازاً بطريق إلغاء الكسر، وفي رواية الْحَكَم بن عُتيبة مرسلاً عند الطبريّ: (لَمّا خاض الناس في أمر عائشة ... ))، فذكر الحديث مختصراً، وفي آخره: ((فأنزل الله تعالى خمس عشرة آية من سورة النور، حتى بلغ: الخبيثات للخبيثين))، وهذا فيه تجوّز، وعدّة الآي إلى هذا الموضع ست عشرة، وفي مرسل سعيد بن جبير، عند ابن أبي حاتم، والحاكم في ((الإكليل)): ((فنزلت ثماني عشرة آية، متواليةً، كَذَّبت مَن قذف عائشة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَّمُو﴾ إلى قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]))، وفيه ما فيه أيضاً، وتحرير العدّة سبع عشرة. قال الزمخشريّ: لم يقع في القرآن من التغليظ في معصيةٍ مَا وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة، وأشبعها؛ لاشتماله على الوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في ذلك، واستشناعه، بطرق مختلفة، وأساليب متقنة، كل واحد منها كافٍ في بابه، بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان، إلا بما هو دون ذلك، وما ذلك إلا لإظهار علوّ منزلة رسول الله وَله، وتطهير من هو منه بسبیل. وعند أبي داود من طريق حميد الأعرج، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: ((جلس رسول الله وَير، وكشف الثوب عن وجهه، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآَمُو ◌ِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾)). وفي رواية ابن إسحاق: ((ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم))، ويُجمع بأنه قرأ ذلك عند عائشة، ثم خرج، فقرأها على الناس(١). (فَأَنْزَلَ اللهُ رَّ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ) وفي بعض النسخ: ((هذه الآيات))، وقولها: (بِبَرَاءَتِي)؛ أي: بسبب براءتي، ووقع في بعض النسخ: (بَرَاءَتي)) دون الباء السببيّة، فيكون منصوباً على أنه مفعول من أجله؛ أي: أنزلها لأجل (١) ((الفتح)) ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٨. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة براءتي، فهو مصدر مضاف إلى مفعوله، كما قال في ((الخلاصة)): يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كـ«جُدْ شُكْراً، وَدِنْ)) (قَالَتْ) عائشة ◌َّ: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َظُبه، وقولها: (وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَفَقْرِهِ) جملة معترضة بين القول، ومقوله، وقولها: (لقرابته)) بيان لسبب إنفاقه عليه، وقد تقدم بيان قرابته قبلُ، وقولها: ((وَفَقْرِهِ))؛ أي: ولأجل كونه فقيراً، فهو علّة أخرى للإنفاق عليه. وقال في ((الفتح)): يؤخذ من فعل أبي بكر ظُبه هذا مشروعية ترك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجوداً؛ لأن أبا بكر ظه لم يقطع نفقة مِسطح إلا بعد تحقّق ذنبه فيما وقع منه. (والله لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ)؛ أي: على مِسطح (شَيْئاً أَبَداً)؛ أي: فيما يُستقبل من الزمان حتى أموت، (بَعْدَ) الأمر (الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ)؛ أي: عن عائشة، وفي رواية هشام بن عروة: ((فحلف أبو بكر أن لا ينفع مِسطحاً بنافعة أبداً)). (فَأَنْزَلَ اللهُ رَّتِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: ٢٢]) قال أبو عبيدة: معناه: لا يفتعل من آليت؛ أي: أقسمت، وله معنى آخر من ألوت؛ أي: قَصّرت، ومنه: ﴿لَا يَأَلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقال الفرّاء: الائتلاء الحلف، وقرأ أهل المدينة: ((ولا يتألّ))، بتأخير الهمزة، وتشديد اللام، وهي خلاف رسم المصحف، وما نسبه إلى أهل المدينة غير معروف، وإنما نُسبت هذه القراءة للحسن البصريّ، وقد روى ابن أبي حاتم، من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ يقول: لا يُقسم، وهو يؤيد القراءة المذكورة، قاله في ((الفتح)) (١). وقال في ((فتح القدير))(٢): قوله ﴿وَلَا يَأْثَلِ﴾؛ أي: يحلف، ووزنه: يَفْتَعِل، من الأَلِيّة، وهي اليمين، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: إِلَى نِسْوَةٍ كَأَنَّهُنَّ مَفَائِدُ تَأَلَّى ابْنُ أَوْسٍ حَلْفَةَ لِيَرُدَّنِي وقول الآخر [من الطويل]: وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ (١) ((الفتح)) ٤٤٤/١٠. (٢) ((فتح القدير)) ١٩٩/٥. ١٦٩ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) يقال: ائتلى يأتلي: إذا حلف، ومنه قوله تُعَلَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقالت فرقة: هو من ألوت في كذا: إذا قَصَّرت، ومنه: لم آل جهداً؛ أي: لم أقصر، وكذا منه قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: وَمَا الْمَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَةُ(١) نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أَظْرَافِ الْخُطُوبِ وَلَا آلِي والأوّل أَولى بدليل سبب النزول. انتهى. (﴿أُوْلُواْ الْفَضْلِ﴾)؛ أي: الغنى والسَّعة في المال، وقال النسفيّ: ﴿أُوْلُواْ اٌلْفَضْلِ﴾ في الدين (﴿مِنَكُمْ وَالسَّعَةِ﴾) في الدنيا، وقال أبو السعود: ﴿أُوْلُواْ اٌلْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين، وكفى به دليلاً على فضل الصدّيق ◌َظُبه، ﴿وَالسَّعَةِ﴾. في المال. انتهى (٢). (﴿أَنْ يُؤْثُّواْ﴾)؛ أي: على أن لا يؤتوا، قال الزجاج: أن لا يؤتوا فحذف ((لا))، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيكِ وَأَوْصَالِي وقال أبو عبيدة: لا حاجة إلى إضمار ((لا))، والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان الجامعين لتلك الأوصاف، وعلى الوجه الآخر يكون المعنى: لا يُقَصِّروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم شحناء؛ لذنب اقترفوه، وقرأ أبو حيوة: ((أن تؤتوا)) بتاء الخطاب على الالتفات. ﴿أُوْلِ الْقُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب القربى؛ أي: القرابة، وقوله: ﴿وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ﴾ معطوفان على ﴿أُوْلِ﴾، والمعنى: أن يؤتوا الأقارب، والمساكين، والمهاجرين، فهذه الأوصاف الثلاثة لموصوف واحد، والتعبير بصيغة الجمع، وبالعطف؛ لتعدّد الأوصاف، وإن الموصوف بها واحداً، وهو مِسطح(٣). (إِلَى قَوْلِهِ) رَتْ: (﴿أَ تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]) وتمام الآية: ﴿وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. (١) ((الْحُشاشة)) بالضمّ: بقيّة الروح من المريض. (٢) ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٢١٤/٣. (٣) ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٢١٤/٣. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة قال الشوكانيّ كَُّ: ثم علّمهم سبحانه أدباً آخر، فقال: ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ [النور: ٢٢] عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم، وجنايتهم التي اقترفوها، مِن عَفَا الرَّبْع؛ أي: درس، والمراد: محو الذنب حتى يعفو، كما يعفو أثر الربع، ﴿وَلْيَصْفَحُواْ﴾ [النور: ٢٢] بالإغضاء عن الجاني، والإغماض عن جنايته، وقُرىء بالفوقية في الفعلين جميعاً . ثم ذكر - ترغيباً عظيماً لمن عفا، وصفح -، فقال: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] بسبب عفوكم، وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده، مع كثرة ذنوبهم، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو، والصفح عن المسيئين إليهم. انتهى (١). وقال سليمان الجمل: قوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾؛ أي: أولو الفضل عن الخائضين في الإفك، ﴿وَلْيَصْفَحُواْ﴾؛ أي: ليُعرضوا عن لومهم، فإن العفو أن يتجاوز عن الجاني، والصفح أن يتناسى جُرمه، وقيل: العفو بالفعل، والصفح بالقلب. انتهى(٢) . وقال القرطبيّ ◌َُّهُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ﴾ تمثيل، وحجة؛ أي: كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم، فكذلك اغفروا لمن دونكم، ويُنظر إلى هذا المعنى قوله وَله: ((من لا يَرْحَم لا يُرْحَم))(٣). انتھی. قال الإمام مسلم تَخْتُهُ: (قَالَ حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة (ابنُ مُوسَى) شيخه في هذا الحديث، فهو موصول، وليس معلّقاً. (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ) الآية؛ يعني: قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، (أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ) رَك حيث بشّرت بغفران ذنوب من يغفر، ويصفح عن غيره، قال في ((الفتح)): وإلى هذا أشار القائل: يَخُطُ قَدْرَ النَّجْمِ مِنْ أُفْقِهِ فَإِنَّ قَدْرَ الذَّنْبِ مِنْ مِسْطَحٍ (١) ((فتح القدير)) ١٩٩/٥. (٢) ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٢١٥/٣. (٣) متّفقٌ عليه. ١٧١ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) وَقَدْ جَرَى مِنْهُ الَّذِي قَدْ جَرَى وُعُوتِبَ الصِّدِّيقُ فِي حَقِّهِ [تنبيه]: اختلف في أرجى آية في كتاب الله تعالى: قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تَخُّ: قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لُطف الله بالقذَفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله رَك قوله تعالى: ﴿وَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا [الأحزاب: ٤٧]، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا ٤٧ کِیرًا الصَّلِحَتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فشَرَح الفضل الكبير في هذه الاية، وبشَّر به المؤمنين في تلك. قال: ومن آيات الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ﴾. [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَطِيفٌٌ بِعِبَادِهِ،﴾ [الشورى: ١٩]. وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله رَك: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ [الضحى: ٥]، وذلك أن رسول الله وَل﴾ لا يرضى ببقاء أحد من أمته فَتَرْضَ في النار. انتھی(١). (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َه لما سمع الآية: (والله إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي) وفي رواية هشام بن عروة: ((بلى، والله يا ربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا))، (فَرَجَعَ)؛ أي: ردّ (إِلَى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ)، وفي رواية فليح: ((فرجع إلى مسطح الذي كان يُجري عليه))، وفي رواية هشام بن عروة: ((وعاد له بما كان يصنع))، ووقع عند الطبرانيّ: ((أنه صار يعطيه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك))، (وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا)؛ أي: لا أرفعها، وأقطعها (مِنْهُ أَبَداً)؛ أي: ما دُمت حيّاً. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّه: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ سَأَلَ)، ولفظ البخاريّ: (يسأل))، (زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ِ) وَّا (عَنْ أَمْرِي)؛ أي: عن شأني، وحالي بالنسبة لِمَا رُميت به، (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (عَلِمْتِ) من شأن عائشة ﴿ها، (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (مَا رَأَيْتِ)؛ أي: أيّ شيء أبصرت من عائشة فيما تُرمى به، (فَقَالَتْ) زينب ◌ِّ: (يَا رَسُولَ اللهِ (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٠٨/١٢ - ٢٠٩. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة أَحْمِي) من الحماية؛ أي: أحفظ (سَمْعِي وَبَصَرِي) فلا أنسب إليهما ما لم أسمع، وأبصر. وقال القرطبيّ: قول زينب ﴿يا: ((أحمي سمعي، وبصري))؛ أي: أمنعهما من عقوبة الله تعالى بالكفّ عن قول: سمعت، أو رأيت، ولم أسمع، ولم أر، وما علمت إلا خيراً، فعَصَمها الله من الهلاك بما رزقها من التثبّت، والدين، والورع، مع أنها كانت تناصبها، وتنافسها في المرتبة، فكان كما قال من لا وَيَرْزُقَّهُ مِنْ يجوز عليه الخطأ ولا الكذب: ﴿ .. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمَا (@) حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣](١). (والله مَا عَلِمْتُ) عليها (إِلَّا خَيْراً)؛ أي: عفّة، وحصانة، وتقى. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّ: (وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي)؛ أي: تعاليني من السموّ، وهو العلوّ، والارتفاع؛ أي: تطلب من العلوّ، والرفعة، والحظوة عند النبيّ وَّ ما أطلب، أو تعتقد أن الذي لها عنده مثل الذي لي عنده، قال الحافظ: وذَهِل بعض الشراح، فقال: إنه من سَوْم الخسف، وهو حَمْل الإنسان على ما يكرهه، والمعنى: تغايظني، وهذا لا يصحّ، فإنه لا يقال في مثله: سام، ولكن: ساوم. انتهى. (مِنْ) بين (أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّ، فَعَصَمَهَا)؛ أي: حفظها، (ومنعها اللهُ) وَلاَ (بِالْوَرَعِ)؛ أي: بالمحافظة على دينها، ومجانبة ما تخشَى سوء عاقبته، (وَطَفِقَتْ) بكسر الفاء، وتفتح؛ أي: شرعت، وأخذت (أُخْتُهَا حَمْنَةُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، (بِنْتُ جَحْشٍ) وكانت تحت طلحة بن عبيد الله ظپبه، (تُحَارِبُ لَهَا)؛ أي: تجادل لها، وتَتعصّب، وتحكي ما قال أهل الإفك؛ لتنخفض منزلة عائشة، وتعلو مرتبة أختها زينب، (فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ)؛ أي: حدّثت فيمن حدّث، أو أثمت مع من أثم. (قَالَ) ابن شهاب (الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ) وفي رواية: ((فهذا الذي بلغنا من حديث هؤلاء الرهط))؛ يعني: مشايخه الأربعة: سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. (١) ((المفهم)) ٣٧٧/٧. ١٧٣ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) زاد صالح بن كيسان عن ابن شهاب، عن عروة: ((قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله، والذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط)) - وقد تقدم شرحه قبلُ - قالت عائشة: ((ثم قُتل بعد ذلك في سبيل الله))، وتقدم الخلاف في سنة قتله، وفي الغَزاة التي استُشهد فيها في أوائل الكلام على هذا الحديث. ووقع في آخر رواية هشام بن عروة: ((وكان الذي تكلم به مسطح، وحسان بن ثابت، والمنافق عبد الله بن أبيّ، وهو الذي يستوشيه، وهو الذي تولی کبره هو وحَمنُ». وعند الطبرانيّ من هذا الوجه: ((وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أُبيّ، ومِسطح، وحمنة، وحسان، وكان كِبْر ذلك من قِبَل عبد الله بن أبي)). وعند أصحاب ((السنن)) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة: ((أن النبيّ وَّةٍ أقام حدّ القذف على الذين تكلموا بالإفك)»، لكن لم يذكر فيهم عبد الله بن أُبيّ، وكذا في حديث أبي هريرة، عند البزار، وبنى على ذلك صاحب ((الهدي))(١)، فأبدى الحكمة في ترك الحدّ على عبد الله بن أُبيّ، وفاته أنه ورد أنه ذُكر أيضاً فيمن أقيم عليه الحدّ. ووقع ذلك في رواية أبي أويس، وعن حسن بن زيد، عن عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، وفيه ردّ على الماورديّ حيث صحح أنه لم يحدّهم مستنداً إلى أن الحدّ لا يثبت إلا ببيّنة، أو إقرار، ثم قال: وقيل: إنه حدَّهم، قال الحافظ: وما ضعّفه هو الصحيح المعتمد. انتهى. وقوله: (وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ) بيّن به الاختلاف بين يونس بن يزيد، وبين معمر بن راشد الراويين عن الزهريّ في هذا اللفظ، فرواه يونس بلفظ: ((احتملته الحميّة))؛ أي: حملته الأَنَفة على أن يردّ على سعد بن معاذ نُصرته النبيّ وَلّه بقتل الخزرجيّ، ورواه معمر بلفظ: ((اجتهلته الحميّة))؛ أي: حملته على الجهل، والله تعالى أعلم. (١) يعني: ابن القيّم. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة غيّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٩٤/١٠ و٦٩٩٥ و٦٩٩٦] (٢٧٧٠)، و(البخاريّ) في ((الشهادات)) (٢٦٣٧ و٢٦٦١) و((الجهاد)) (٢٨٧٩) و((المغازي)) (٤٠٢٥ و٤١٤١) و((التفسير)) (٤٦٩٠ و٤٧٥٠) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٦٢) و((الاعتصام)) (٧٣٦٩) و((التوحيد)) (٧٥٤٥)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٣٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٧/٥ و٢٩٨ و٤١٧/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٤/٦ - ١٩٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٤٨)، و(ابن راهويه) في (مسنده)) (٥٢١/٢ و٥٢٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٤/٢٣ و١٣٥ و١٣٩ و١٥٤٠ و١٤١ و١٤٢ و١٤٣ و١٤٤ و١٤٥ و١٤٦ و١٤٧ و١٤٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٢١٢ و٧٠٩٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٩٢٧ و٤٩٣٣ و٤٩٣٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٢/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه، وهذا وإن كان فِعل الزهريّ وحده، فقد أجمع المسلمون على قبوله منه، والاحتجاج به . ٢ - (ومنها): مشروعية القرعة حتى بين النساء، وفي العتق، وغيره، مما ذكرناه في أول الحديث، مع خلاف العلماء. ٣ - (ومنها): وجوب الإقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهنّ. ٤ - (ومنها): أنه لا يجب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات، قال النوويّ: وهذا مجمَع عليه إذا كان السفر طويلاً، وحُكم القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح، وخالف فيه بعض أصحابنا . ٥ - (ومنها): جواز السفر بالنساء حتى في الغزو، وجواز ركوب النساء في الهوادج، وجواز خدمة الرجال لهنّ في تلك الأسفار. ٦ - (ومنها): جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر. ٧ - (ومنها): جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل، ولو كان فيه مدح ١٧٥ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) ناس، وذم ناس، إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي، إذا كان بريئاً عند قصد نُصح من يبلغه ذلك؛ لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق. ٨ - (ومنها): أن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم، وتحصيل الأجر للموقوع فيه. ٩ - (ومنها): استعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام. ١٠ - (ومنها): أن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة. ١١ - (ومنها): جواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير، ولو كان ذلك مما يشقّ عليه، حيث يكون مطيقاً لذلك. ١٢ - (ومنها): جواز خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب. ١٣ - (ومنها): جواز تستّر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن. ١٤ - (ومنها): جواز توجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها، وبغير إذن خاصّ من زوجها، بل اعتماداً على الإذن العامّ المستند إلى العرف العامّ. ١٥ - (ومنها): صيانة المال، ولو كان قليلاً؛ للنهي عن إضاعة المال، فإن عِقد عائشة لم يكن من ذهب، ولا جوهر. ١٦ - (ومنها): بيان شؤم الحرص على المال؛ لأنها لو لم تُطِل في التفتيش لرجعت بسرعة، فلما زاد على قدر الحاجة أَثَّر ما جرى، وقريب منه قصة المتخاصمين، حيث رُفع ◌ِلم ليلة القدر بسببهما، فإنهما لم يقتصرا على ما لا بدّ منه، بل زادا في الخصام، حتى ارتفعت أصواتهما، فأثّر ذلك بالرفع المذكور. ١٧ - (ومنها): توقف رحيل العسكر على إذن الأمير. ١٨ - (ومنها): استعمال بعض الجيش سَاقَةً، يكون أميناً؛ ليحمل الضعيف، ويحفظ ما يسقط، وغير ذلك من المصالح. ١٩ - (ومنها): مشروعيّة الاسترجاع عند المصيبة. ٢٠ - (ومنها): تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي. ٢١ - (ومنها): إطلاق الظنّ على العلم، كذا قيل، وفيه نظر، تقدّم عند شرح قولها: ((وظننت أنهم سيفقدونني)). ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٢٢ - (ومنها): إغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر، وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك. ٢٣ - (ومنها): حسن الأدب مع الأجانب، خصوصاً النساء، لا سيما في الخلوة . ٢٤ - (ومنها): المشي أمام المرأة؛ ليستقر خاطرها، وتأمَن مما يَتوهم من نظره، ولما عساه ينكشف منها في حركة المشي. ٢٥ - (ومنها): ملاطفة الزوجة، وحُسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص، وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغيير الحال، فتعتذر، أو تعترف. ٢٦ - (ومنها): أنه لا ينبغي لأهل المريض أن يُعلموه بما يؤذي باطنه؛ لئلا یزید ذلك في مرضه. ٢٧ - (ومنها): مشروعيّة السؤال عن المريض. ٢٨ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السبب محققاً، فيُترك أصلاً، كما في حال كعب وصاحبيه ﴿ه، وإن كان مظنوناً، فيخفف، وإن كان مشكوكاً فيه، أو محتملاً كما في حال عائشة فيَحْسن التقليل منه، لا للعمل بما قيل، بل لئلا يُظَنّ بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه؛ لأن ذلك من خوارم المروءة. ٢٩ - (ومنها): أن المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها، أو یخدمها، ممن يُؤمَن علیها . ٣٠ - (ومنها): ذبّ المسلم عن المسلم خصوصاً من كان من أهل الفضل، وردع من يؤذيهم، ولو كان منهم بسبيل. ٣١ - (ومنها): بيان مزيد فضيلة أهل بدر . ٣٢ - (ومنها): إطلاق السبّ على لفظ الدعاء بالسوء على الشخص. ٣٣ - (ومنها): مشروعيّة البحث عن الأمر القبيح، إذا أُشيع، وتعرُّف صحته، وفساده بالتنقيب على من قيل فيه، هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه، أو يقرب منه؟ واستصحاب حال من اتَّهِم بسوء، إذا كان قبل ذلك معروفاً بالخير، إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك. ١٧٧ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) ٣٤ - (ومنها): بيان فضيلةٍ قويّة لأم مسطح؛ لأنها لم تُحابٍ ولدها في وقوعه في حقّ عائشة ظًا، بل تعمدت سبّه على ذلك. ٣٥ - (ومنها): أن فيه تقويةً لأحد الاحتمالين في قوله بَّر عن أهل بدر: ((إن الله قال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم))، وأن الراجح أن المراد بذلك أن الذنوب تقع منهم، لكنها مقرونة بالمغفرة؛ تفضيلاً لهم على غيرهم، بسبب ذلك المشهد العظيم، ومرجوحية القول الآخر: أن المراد أن الله تعالى عصمهم، فلا يقع منهم ذنب، نبّه على ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة - نفع الله به -. ٣٦ - (ومنها): مشروعية التسبيح عند سماع ما يَعتقد السامع أنه كذب، وتوجيهه هنا أنه ◌ُعَلَ يُنَزَّه أن يحصل لقرابة رسول الله نَّه تدنيس، فيُشرع شكره بالتنزيه في مثل هذا، نَّه عليه أبو بكر ابن العربيّ. ٣٧ - (ومنها): أن فيه توقفَ خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها، ولو كانت إلى بيت أبويها . ٣٨ _ (ومنها): أن فيه البحثَ عن الأمر المقول ممن يُدِلّ عليه المقول فيه . ٣٩ - (ومنها): التوقف في خبر الواحد، ولو كان صادقاً، وطلب الارتقاء من مرتبة الظنّ إلى مرتبة اليقين. ٤٠ - (ومنها): أن خبر الواحد إذا جاء شيئاً بعد شيء أفاد القطع؛ لقول عائشة ◌ّا: لأستيقن الخبر مِن قِبَلهما، وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين. ٤١ - (ومنها): استشارة المرء أهل بطانته، ممن يلوذ به بقرابة وغيرها، وتخصيص من جُرّبت صحة رأيه منهم بذلك، ولو كان غيره أقرب. ٤٢ - (ومنها): البحث عن حال من اتُّهِم بشيء، وحكايةُ ذلك؛ للكشف عن أمره، ولا يُعَدّ ذلك غِيبة. ٤٣ - (ومنها): استعمال: ((لا نعلم إلا خيراً)) في التزكية، وأن ذلك كافٍ في حقّ من سبقت عدالته، ممن يَطّلع على خفيّ أمره. ٤٤ - (ومنها): التثبت في الشهادة، وفطنة الإمام عند الحادث المهمّ، والاستنصار بالأَخِصّاء على الأجانب. ١٧٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤٥ - (ومنها): توطئة العذر لمن يُراد إيقاع العقاب به، أو العتاب له. ٤٦ - (ومنها): استشارة الأعلى لمن هو دونه. ٤٧ - (ومنها): استخدام من ليس في الرقّ. ٤٨ - (ومنها): أن من استُفْسِر عن حال شخص، فأراد بيان ما فيه من عيب، فليقدّم ذِكر عذره في ذلك، إن كان يعلمه، كما قالت بريرة في عائشة بحيث عابتها بالنوم عن العجين، فقدّمت قبل ذلك أنها جارية حديثة السن. ٤٩ - (ومنها): بيان أن النبيّ ◌َلير كان لا يحكم لنفسه، إلا بعد نزول الوحي؛ لأنه وَلي لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي، نبَّه عليه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة - نفع الله به -. ٥٠ - (ومنها): أن الحميّة لله تعالى، ورسوله وَ ل﴿ لا تُذَمّ. ٥١ - (ومنها): أن فيه فضائل جمّة لعائشة، ولأبويها، ولصفوان، ولعليّ بن أبي طالب، وأسامة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير رضي الله عنهم أجمعين . ٥٢ - (ومنها): أن التعصب لأهل الباطل يُخرج عن اسم الصلاح. ٥٣ - (ومنها): جواز سبّ من يتعرض للباطل، ونسبته إلى ما يسوءه، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه، لكن إذا وقع منه ما يُشبه ذلك جاز إطلاق ذلك عليه؛ تغليظاً له. ٥٤ - (ومنها): إطلاق الكذب على الخطأ. ٥٥ - (ومنها): جواز القسم بلفظ: ((لعمر الله)). ٥٦ - (ومنها): أن فيه الندبَ إلى قطع الخصومة، وتسكين ثائرة الفتنة، وسدّ ذريعة ذلك. ٥٧ - (ومنها): احتمال أخفّ الضررين بزوال أغلظهما . ٥٨ - (ومنها): فضل احتمال الأذى. ٥٩ - (ومنها): مباعدة من خالف الرسول وَله، ولو كان قريباً حميماً. ٦٠ - (ومنها): بيان أن من آذى النبيّ وَّهِ بقول، أو فعل يُقتل؛ لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك، ولم ينكره النبيّ بَّ عليه. ٦١ - (ومنها): مساعدة من نزلت فيه بلية بالتوجع، والبكاء، والحزن. ١٧٩ (١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤) ٦٢ - (ومنها): أن فيه تثبتَ أبي بكر الصديق ◌َظُه في الأمور؛ لأنه لم يُنقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهراً كلمة، فما فوقها، إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية، فكيف بعد أن أعزّنا الله بالإسلام، وقع ذلك في حديث ابن عمر ضًا عند الطبرانيّ. ٦٣ - (ومنها): أن فيه ابتداءَ الكلام في الأمر المهمّ بالتشهد، والحمد، والثناء، وقولٍ: ((أما بعدُ)). ٦٤ - (ومنها): توقيف من نُقِل عنه ذنب على ما قيل فيه بعد البحث عنه. ٦٥ - (ومنها): أن قول: ((كذا وكذا)) يُكنى بها عن الأحوال، كما يكنى بها عن الأعداد، ولا يختصّ بالأعداد. ٦٦ - (ومنها): مشروعية التوبة، وأنها تُقبل من المعترف المقلع المخلص. ٦٧ - (ومنها): أن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها . ٦٨ - (ومنها): أن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز، ولو عُرف أنه يصدَّق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه، بل عليه أن يقول الحقّ، أو یسکت. ٦٩ - (ومنها): أن الصبر تُحمد عاقبته، ويُغبط صاحبه. ٧٠ - (ومنها): أن فيه تقديمَ الكبير في الكلام. ٧١ - (ومنها): توقف من اشتبه عليه الأمر في الكلام. ٧٢ - (ومنها): أن فيه تبشيرَ من تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة. ٧٣ - (ومنها): مشروعيّة الضحك، والفرح، والاستبشار عند تجدد النعمة، واندفاع النقمة. ٧٤ - (ومنها): معذرة من انزعج عند وقوع الشدّة؛ لصغر سنّ ونحوه. ٧٥ - (ومنها): إدلال المرأة على زوجها، وأبويها . ٧٦ - (ومنها): تدريج من وقع في مصيبة، فزالت عنه؛ لئلا يَهْجُم على قلبه الفرح من أول وهلة، فيهلكه، يؤخذ ذلك من ابتداء النبيّ وَّر بعد نزول الوحي ببراءة عائشة رضينا بالضحك، ثم تبشيرها، ثم إعلامها ببراءتها مجملة، ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ثم تلاوته الآيات على وجهها، وقد نصّ الحكماء على أن من اشتدّ عليه العطش لا يُمَكَّن من المبالغة في الريّ في الماء؛ لئلا يفضي به ذلك إلى الهلكة، بل يُجَرَّع قليلاً قليلاً. ٧٧ - (ومنها): أن الشدّة إذا اشتدت أعقبها الفرج. ٧٨ - (ومنها): فضل من يُفَوِّض الأمر لربه، وأن من قَوِيَ على ذلك خفّ عنه الهمّ والغمّ، كما وقع في حالتي عائشة ﴿ّا قبل استفسارها عن حالها، وبعد جوابها بقولها: ((والله المستعان)). ٧٩ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الإنفاق في سبيل الخير خصوصاً في صلة الرحم. ٨٠ - (ومنها): وقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه، أو صفح عنه . ٨١ - (ومنها): أن من حلف أن لا يفعل شيئاً من الخير، استُحِبّ له الحنث . ٨٢ - (ومنها): جواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل. ٨٣ - (ومنها): استحباب التأسّي بما وقع للأكابر، من الأنبياء وغيرهم. ٨٤ - (ومنها): مشروعيّة التسبيح عند التعجب، واستعظام الأمر. ٨٥ - (ومنها): ذمّ الغِيبة، وذم سماعها، وزجر من يتعاطاها، لا سيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه. ٨٦ - (ومنها): ذمّ إشاعة الفاحشة. ٨٧ - (ومنها): تحريم الشكّ في براءة عائشة ٨٨ - (ومنها): جواز تأخير الحدّ عمن يُخشَى من إيقاعه به الفتنة، نبّه على ذلك ابن بطال، مستنداً إلى أن عبد الله بن أُبَيّ كان ممن قذف عائشة ◌َّا، ولم يقع في الحديث أنه ممن حُدّ. وتعقبه القاضي عياض بأنه لم يثبت أنه قَذَف، بل الذي ثبت أنه كان یستخرجه، ویستوشیه. وتعقّبه الحافظ بأنه قد ورد أنه قذف صريحاً، ووقع ذلك في مرسل