Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
تأخر صفوان، ولفظه: ((سأل النبيّ وَلّ أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل
الناس قام يصلي، ثم اتّبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به))، وفي حديث أبي
هريرة: ((وكان صفوان يتخلف عن الناس، فيصيب القدح، والجراب،
والإداوة))، وفي مرسل مقاتل بن حيان: ((فيحمله، فَيَقْدَم به، فيُعَرِّفه في
أصحابه))، وكذا في مرسل سعيد بن جبير نحوه.
(فَادَّلَجَ) بتشديد الدال، وهو سَيْر آخر الليل.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فأدلج))، قال في ((الفتح)): ((أدلج))
بسكون الدال في روايتنا، وهو كـ((اتلج)) بتشديدها، وقيل: بالسكون: سار من
أوله، وبالتشديد: سار من آخره، وعلى هذا فيكون الذي هنا بالتشديد؛ لأنه
كان في آخر الليل، وكأنه تأخر في مكانه حتى قَرُب الصبح، فركب ليظهر له ما
يسقط من الجيش، مما يخفيه الليل، ويَحْتِمِل أن يكون سبب تأخيره ما جرت
به عادته من غلبة النوم عليه، ففي ((سنن أبي داود))، والبزار، وابن سعد،
وصحيحه ابن حبان، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
سعيد: ((أن امرأة صفوان بن المعطّل جاءت إلى رسول الله وَله، فقالت: يا
رسول الله، إن زوجي يضربني إذا صليت، ويُفَطّرني إذا صمت، ولا يصلي
صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، فسأله، فقال: أما
قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ سورتين، وقد نهيتها عنها، وأما قولها :
يفطرني إذا صمت، فأنا رجل شابّ، لا أصبر، وأما قولها: إني لا أصلي حتى
تطلع الشمس ... )) الحديث.
قال البزار: هذا الحديث كلامه منكر، ولعل الأعمش أخذه من غير ثقة،
فدلّسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندي أصل. انتهى.
قال الحافظ: وما أعله به ليس بقادح؛ لأن ابن سعد صرّح في روايته
بالتحديث بين الأعمش وأبي صالح، وأما رجاله فرجال الصحيح، ولَمّا أخرجه
أبو داود قال بعده: رواه حماد بن سلمة، عن حميد، عن ثابت، عن أبي
المتوكل، عن النبيّ ◌َ ﴿، وهذه متابعة جيّدة، تُؤْذِن بأن للحديث أصلاً، وغفل
من جعل هذه الطريقة الثانية علّة للطريق الأُولى.
١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وأما استنكار البزّار ما وقع في متنه، فمراده أنه مخالف للحديث الآتي
قريباً من رواية أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة
الإفك، قالت: ((فبلغ الأمرُ ذلك الرجلَ، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت
كنف أنثى قطّ))؛ أي: ما جامعتها، والكنف - بفتحتين -: الثوب الساتر، ومنه
قولهم: أنت في كنف الله؛ أي: في سِتره، والجمع بينه وبين حديث أبي سعيد
على ما ذكر القرطبيّ أن مراده بقوله: ما كشفت كنف أنثى قط؛ أي: بِزِنا،
قلت: وفيه نظر؛ لأن في رواية سعيد بن أبي هلال، عن هشام بن عروة في
قصة الإفك: ((أن الرجل الذي قيل فيه ما قيل لمّا بلغه الحديث قال: والله ما
أصبت امرأة قط حلالاً ولا حراماً))، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ:
((وكان لا يقرب النساء))، فالذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور ما قبل هذه
القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمع لا اعتراض عليه، إلا بما
جاء عن ابن إسحاق أنه كان حصوراً، لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث
الصحيح .
ونقل القرطبيّ أنه هو الذي جاءت امرأته تشكوه، ومعها ابنان لها منه،
فقال النبيّ وَلّ: ((لَهُما أشبه به من الغراب بالغراب))، ولم أقف على مستند
القرطبيّ في ذلك، وسيأتي هذا الحديث في ((كتاب النكاح))، وأُبَيّن هناك أن
المقول فيه ذلك غير صفوان، وهو المعتمد، إن شاء الله تعالى. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا طوّل الحافظ ◌َّتُهُ في الجمع بين هذه
الأحاديث، ولا يخفى على المنصف أن هذا الجمع ظاهر التكلّف، والتعسّف،
وما قاله البزّار من كون الحديث منكراً هو الأظهر الذي لا غبار عليه، فالجمع
بين هذه القصص، وبين ما في الصحيح، وغيره من قوله: ((ما كشفت كنف
أنثى قط))، وقوله: ((ما أصبت امرأة قط لا حلالاً، ولا حراماً))، وقوله: ((وكان
حصوراً))، وغير ذلك من أبعد ما يكون من الجمع.
وذكر في ((الإصابة)) (٤٤١/٣) قصّة مجيء امرأة صفوان إلى النبيّ وَّل،
وشكواها في الضرب وغيره، ثم قال: ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في
(١) ((الفتح)) ١٠ / ٤٠١ - ٤٠٣.
١٢٣
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
حديث الإفك: إن صفوان قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط، وقد أورد هذا
الإشكال قديماً البخاريّ، ومال إلى تضعيف الحديث أبو سعيد بذلك. انتهى.
والحاصل: أن الجمع المذكور لا يصحّ، فتأمّله بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
(فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي)؛ أي: مكاني الذي نزلت فيه في تلك الليلة، (فَرَأَى
سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِم) السواد بلفظ ضدّ البياض يُطلق على الشخص أيَّ شخص كان،
فكأنها قالت: رَّأى شخص آدميّ، لكن لا يظهر أهو رجل، أو امرأة؟ (فَأَتَانِي،
فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي) هذا يُشعر بأن وجهها انكشف لمّا نامت؛ لأنه تقدّم أنها
تلفّفت بجلبابها، ونامت، فلما انتبهت باسترجاع صفوان بادرت إلى تغطية
وجهها. (وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ) بالبناء للمفعول، (الْحِجَابُ عَلَيَّ)؛
أي: وعلى غيرها من النساء، ولفظ البخاريّ: ((وكان يراني قبل الحجاب))؛
أي: قبل نزول آية الحجاب، وهذا يدلّ على قِدَم إسلام صفوان، فإن الحجاب
كان في قول أبي عبيدة، وطائفة: في ذي القعدة سنة ثلاث، وعند آخرين: فيها
سنة أربع، وصححه الدمياطي، وقيل: بل كان فيها سنة خمس، وهذا مما
تناقض فيه الواقديّ، فإنه ذكر أن المريسيع كان في شعبان سنة خمس، وأن
الخندق كانت في شوال منها، وأن الحجاب كان في ذي القعدة منها، مع
روايته حديث عائشة فيها هذا، وتصريحها فيه بأن قصة الإفك التي وقعت في
المريسيع كانت بعد الحجاب، وسَلِم من هذا ابن إسحاق، فإن المريسيع عنده
في شعبان، لكن سنة ست، وسَلِم الواقديّ من التناقض في قصة سعد بن معاذ
الآتي ذكرها، نعم وسَلِم منها ابن إسحاق، فإنه لم يذكر سعد بن معاذ في
القصة أصلاً، كما سأبيّنه، ومما يؤيد صحة ما وقع في هذا الحديث أن
الحجاب كان قبل قصة الإفك قول عائشة طيّ أيضاً في هذا الحديث أن
النبيّ ◌َل﴿ سأل زينب بنت جحش عنها، وفيه: وهي التي كانت تساميني من
أزواج النبيّ وَِّ، وفيه: وطفِقت أختها حَمْنة تحارب لها، فكل ذلك دالّ على
أن زينب كانت حينئذ زوجته وَل﴾، ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين
دخوله قي بها، فثبت أن الحجاب كان قبل قصة الإفك، قال الحافظ: وقد
كنت أمليت في أوائل ((كتاب الوضوء)) أن قصة الإفك وقعت قبل نزول
١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الحجاب، وهو سهو، والصواب بعد نزول الحجاب، فليُصْلَح هناك. انتهى
كلام الحافظ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيس جدًا، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، حِينَ عَرَفَنِي)؛ أي: بقوله: ((إنا لله، وإنا إليه
راجعون))، وصرّح بها ابن إسحاق في روايته، وكأنه شقّ عليه ما جرى
لعائشة فيها، أو خشي أن يقع ما وقع، أو أنه اكتَفَى بالاسترجاع رافعاً به صوته
عن مخاطبتها بكلام آخر؛ صيانةً لها عن المخاطبة في الجملة، وقد كان
عمر بنظُله يستعمل التكبير عند إرادة الإيقاظ، وفيه دلالة على فطنة صفوان نظُّبه،
وحُسن أدبه.
(فَخَمَّرْتُ)؛ أي: غطّيت (وَجْهِي بِجِلْبَابِي)؛ أي: الثوب الذي كان عليها،
قال الفيّوميّ تَخْذَلُهُ: الجِلْبَابُ: ثوب أوسع من الخمار، ودون الرداء، وقال ابن
فارس: الجِلْبَابُ: ما يُغَطّ به، من ثوب، وغيره، والجمع: الجَلابِيبُ،
وتَجَلْبَيَتِ المرأةُ: لبست الجِلْبَابَ. انتهى(٢).
(وَوالله مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً) عَبّرت بهذه الصيغة؛ إشارةً إلى أنه استمرّ منه
تَرْك المخاطبة؛ لئلا يُفهَم لو عَبّرت بصيغة الماضي اختصاص النفي بحال
الاستيقاظ، فعبَّرت بصيغة المضارعة. (وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ)؛
أي: قوله: إنا لله، وإنا إليه راجعون، (حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) وفي رواية
الكشميهنيّ: ((حين أناخ راحلته))، ووقع في رواية فُليح: ((حتى)) للأصيليّ
و((حين)) للباقين، وكذا عند مسلم عن معمر، وعلى التقديرين فليس فيه نفي أنه
كلمها بغير الاسترجاع؛ لأن النفي على رواية: ((حين)) مقيد بحال إناخة
الراحلة، فلا يمنع ما قبل الإناخة، ولا ما بعدها، وعلى رواية: ((حتى))،
معناها: بجميع حالاته إلى أن أناخ، ولا يمنع ما بعد الإناخة، وقد فَهِم كثير
من الشراح أنها أرادت بهذه العبارة نفي المكالمة البتة، فقالوا: استعمل معها
الصمت اكتفاء بقرائن الحال مبالغة منه في الأدب، وإعظاماً لها،
وإجلالاً . انتهى.
وقد وقع في رواية ابن إسحاق أنه قال لها: ((ما خلَّفك؟))، وأنه قال لها:
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤٠٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٠٤/١.
١٢٥
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
((اركبي))، واستأخر، وفي رواية أبي أويس: ((فاسترجع، وأعظم مكاني -؛ أي:
حين رآني وحدي - وقد كان يعرفني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فسألني عن
أمري، فسترت وجهي عنه بجلبابي، وأخبرته بأمري، فقرَّب بعيره، فوطئ على
ذراعه، فولاني قفاه، فركبت))، وفي حديث ابن عمر: ((فلما رآني ظنّ أني
رجل، فقال: يا نومان قم، فقد سار الناس))، وفي مرسل سعيد بن جبير:
((فاسترجع، ونزل عن بعيره، وقال: ما شأنك يا أم المؤمنين؟ فحدثته بأمر
القلادة)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر ما في ((الصحيحين)) يقوّي ما فهمه
الشرّاح، من أنه لم يكلِّمها أصلاً، لكن إن ثبتت هذه الروايات، تدلّ على أنه
كلّمها، ولكن لا بدّ من التثّت في صحّتها، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا)؛ أي: ليكون أسهل لركوبها، ولا يحتاج إلى مَسّها
عند ركوبها، وفي حديث أبي هريرة: ((فغطى وجهه عنها، ثم أدنى بعيره منها)).
(فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ) هكذا وقع في جميع
الروايات، إلا في مرسل مقاتل بن حيان، فإن فيه: (أنه ركب معها مردفاً لها))،
والذي في ((الصحيح)) هو الصحيح. (بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ) - بضم الميم، وكسر
الغين المعجمة، والراء المهملة -؛ أي: نازلين في وقت الوَغْرة - بفتح الواو،
وسكون الغين - وهي شدّة الحرّ لَمّا تكون الشمس في كبد السماء، ومنه أخذ
وَغْر الصدر، وهو توقّده من الغيظ بالحقد، وأوغر فلان: إذا دخل في ذلك
الوقت؛ کأصبح، وأمسی.
وسيأتي لمسلم عن عبد بن حميد قال: قلت لعبد الرزاق: ما قوله:
((موغرين؟)) قال: الوغرة: شدّة الحر.
وسيأتي أيضاً عنده من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن
كيسان: ((موعزين)) بعين مهملة، وزاي، قال القرطبيّ: كأنه من وعزت إلى فلان
بكذا؛ أي: تقدمت، والأول أَولى، قال: وصحّفه بعضهم بمهملتين، وهو
غلط .
قال الحافظ: ورُوي ((مُغَوِّرين))، بتقديم الغين المعجمة، وتشديد الواو،
والتغوير: النزول وقت القائلة.
١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ووقع في رواية فُليح: ((مُعَرِّسين)) بفتح العين المهملة، وتشديد الراء، ثم
سين مهملة، والتعريس: نزول المسافر في آخر الليل، وقد استُعمل في النزول
مطلقاً، كما تقدم، وهو المراد هنا. انتهى(١).
وقولها: (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) تأكيد لقولها: ((موغرين))، فإن نحر الظهيرة
أولها، وهو وقت شدّة الحرّ، ونحر كل شيء أوله، كأن الشمس لَمّا بلغت
غايتها في الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر الذي هو أعلى الصدر.
ووقع في رواية ابن إسحاق: ((فوالله ما أدركْنا الناسَ، ولا افتُقِدتُ حتى
نزلوا، واطمأنوا، طلع الرجل يقودني))، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): ((في نحر الظهيرة)): وهو وقت القائلة، وشدّة الحرّ،
والنحر الأول، والصدر، وأوائل الشهر تسمى النحور، وقال الداوديّ:
الظهيرة: نصف النهار عند أول الفيء، قال: وقيل: الظهر والظهير لِمَا بعد
نصف النهار؛ لأن الظهر آخر الإنسان، وسمّي آخر الشهر بذلك، ولا نُسَلِّم له؛
لأن أول اشتداد الحرّ قبل نصف النهار. انتهى(٢).
(فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي)؛ أي: هلك الذين اشتغلوا بالإفك عليّ، وفي
رواية أبي أويس: ((فَهُنالك قال فِيّ، وفيه أهل الإفك ما قالوا))، فأبهمت
القائل، وما قال، وأشارت بذلك إلى الذين تكلموا بالإفك، وخاضوا في
ذلك، وأما أسماؤهم فالمشهور في الروايات الصحيحة: عبد الله بن أُبَيّ،
ومِسْطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت، وحَمْنة بنت جحش، وقد وقع في
المغازي من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ قال: قال عروة: لم يُسَمّ من
أهل الإفك أيضاً غير عبد الله بن أُبَّ إلا حسان بن ثابت، ومِسطح بن أُثاثة،
وحَمْنة بنت جحش، في ناس آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما
قال الله تعالى. انتهى.
والعصبة من ثلاثة إلى عشرة، وقد تُطلق على الجماعة من غير حصر في
عدد، وزاد أبو الربيع بن سالم فيهم تبعاً لأبي الخطاب بن دحية: عبد الله،
وأبا أحمد ابنا جحش، وزاد فيهم الزمخشريّ: زيد بن رفاعة، قال الحافظ:
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٣.
١٢٧
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
ولم أره لغيره، وعند ابن مردويه من طريق ابن سيرين: حلف أبو بكر أن لا
ينفق على يتيمين، كانا عنده، خاضا في أمر عائشة، أحدهما: مسطح. انتهى،
ولم أقف على تسمية رفيق مسطح.
وأما القول فوقع في حديث ابن عمر، فقال عبد الله بن أُبَيّ: فَجَرَ بها،
ورب الكعبة، وأعانه على ذلك جماعة، وشاع ذلك في العسكر، وفي مرسل
سعيد بن جبير: وقذفها عبد الله بن أَبَيّ، فقال: ما برئت عائشة من صفوان،
ولا برئ منها، وخاض بعضهم، وبعضهم أعجبه.
(وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ)؛ أي: تَصَدَّى لمعظمه، وتقلّده، و((كبره))؛ أي:
كبر الإفك، وكِبْر الشيء: معظمه، وهو قراءة الجمهور بكسر الكاف، وقرأ
حميد الأعرج بضمها، قال الفراء: وهي قراءة جيّدة في العربية، وقيل:
المعنى: الذي تولى إثمه، فقوله: ((الذي تولّى)) اسم ((كان))، وخبرها قوله:
(عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ) ويجوز العكس، ولكن الأول أولى؛ لأن العَلَم أعرف من
الموصول، فهو أحقّ بأن يكون مسنداً إليه، فتنبّه، وقولها: (ابْنُ سَلُولَ)
بالرفع نعتاً لـ((عبد الله))، لا لـ((أبيّ))، ولذلك ينوّن ((أبيٌّ))، وتثبت همزة الوصل
في (ابن)) خطّاً؛ لأن شرط حذفها أن يقع ((ابن)) بين علمين، ويكون الثاني أباً
للأول، ففي هذه الحالة، يُحذف من الاسم الأول التنوين، كما في ((أبيّ)) هنا،
ويُحذف من ((ابن)) همزة الوصل خّاً، وقد بُيّنت المسألة في شرح ((الخلاصة))،
وحواشيها(١) عند قول ابن مالك تَخُّْهُ :
نَحْوِ ((أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ)»
وَنَحْوَ ((زَيْدٍ)) ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
والحاصل: أن ((أُبيّاً)) والد عبد الله، و((سَلُولَ)) بفتح السين أمه، غير
منصرف؛ للعلميّة والتأنيث.
ووقع في المغازي من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عروة،
قال: أُخبرت أنه كان يشاع، ويتحدّث به عنده، فيُقِرّه - بضم أوله، وكسر
القاف - ويستمعه، ويستوشيه - بمهملة، ثم معجمة -؛ أي: يستخرجه بالبحث
(١) راجع: شرح ((الخلاصة)) ٧٤/٢.
١٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
عنه، والتفتيش، ومنهم من ضبطه: يَقُرّه، بفتح أوله، وضم القاف، وفي رواية
ابن إسحاق: ((وكان الذي تولى كبر ذلك عبد الله بن أبيّ، في رجال من
الخزرج)).
(فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ)؛ أي: مرضت (حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْراً)؛
أي: مدّة شهر، (وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ) بضمّ حرف المضارعة؛ أي: يخوضون، من
أفاض في قول: إذا أكثر منه، وقال في ((العمدة)): هو من الإفاضة، وهي
التكثير، والتوسعة، يقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه،
يخوضون، وهو من قوله: ﴿لَمَتَكُّرْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]،
وقال ابن عرفة: حديث مفاضٌ، ومستفاضٌ، ومستفيضٌ في الناس؛ أي: جارٍ
فيهم، وفي كلامهم(١). (فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ) متعلّق بـ(يُفيضون))، و((أهل
الإفك)) هم: أهل الكذب، والبهتان. (وَلَا أَشْعُرُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه،
يقال: شعرت بالشيء شُعُوراً، من باب قعد، وشِعْراً، وشِعْرَةً بكسرهما:
عَلِمْتُ(٢)؛ أي: لا أعلم.
(بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: مما يخوض فيه الناس، وفي رواية ابن إسحاق:
((وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وَثقه، وإلى أبويّ، ولا يذكرون لي شيئاً من
ذلك))، وفيها: ((أنها مَرِضت بضعاً وعشرين ليلةً))، وهذا فيه ردّ على ما وقع في
مرسل مقاتل بن حيان: ((أن النبيّ وَلُّ لمّا بلغه قول أهل الإفك، وكان شديد
الغيرة، قال: لا تدخل عائشة رحلي، فخرجت تبكي، حتى أتت أباها، فقال:
أنا أحقّ أن أخرجك، فانطلقت تجول، لا يُؤويها أحدٌ، حتى أنزل الله
عذرها))، قال الحافظ: وإنما ذكرته مع ظهور نكارته لإيراد الحاكم له في
((الإكليل))، وتبعه بعض من تأخر غير متأمّل لِمَا فيه من النكارة، والمخالفة
للحديث الصحيح، من عدّة أوجه، فهو باطل.
ووقع في حديث ابن عمر: ((فشاع ذلك في العسكر، فبلغ النبيّ وَّر،
فلما قَدِموا المدينة أشاع عبد الله بن أُبَيّ ذلك في الناس، فاشتد على
رسول الله {لچ)).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١.
١٢٩
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
(وَهُوَ يَرِيبُنِي) بفتح أوله، من الريب، ويجوز الضمّ، من الرباعيّ، يقال:
رابه، وأرابه، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): ((يريبني)) بفتح الياء، وضمها، فالأول من رابني،
والثاني من أرابني، يقال: رابني الأمرُ يَريبني: إذا توهمته، وشككت فيه، فإذا
استيقنته قلت: رابني منه كذا يريبني، وعن الفراء هما بمعنى واحد في الشك،
وقال صاحب ((المنتهى)): الاسم: الريبة بالكسر، وأرابني، ورابني: إذا تخوفت
عاقبته، وقيل: رابني: إذا علمت به الريبة، وأرابني: إذا ظننت به، وقيل:
رابني: إذا رأيت منه ما يريبك، وتكرهه، وتقول هذيل: أرابني، وأراب: إذا
أتى بريبة، وراب: صار ذا ريبة، وقال أبو محمد في ((الواعي)): رابني أفصح.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ كَّلهُ: ((يريبني)): من الريبة، وهي اسم للتهمة، والشك،
تقول: رابني فلان: إذا رأيت منه ما يريبك، وهذيل تقول: أرابني فلان، قال
الهذلي :
يَا قَوْم مَا لِي وَأَبَا ذُؤَيْبِ كَأَنَّنِي أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ
وأراب الرجل: صار ذا ريبة، فهو مريب، حكاه الجوهريّ، وقال غيره:
يقال: أرابني الأمرُ يُرِيبُني: إذا توهّمته، وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت:
رابني منه كذا يَريبني، وقال الفرّاء: هما بمعنى واحد في الشك. انتهى(٢).
(فِي وَجَعِي)؛ أي: في حال مرضي، (أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَه
اللُّطْفَ) بضم أوله، وسكون ثانيه، وبفتحهما، لغتان، والمراد: الرفق، ووقع
في رواية ابن إسحاق: ((أنكرت بعض لطفه))، (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ
أَشْتَكِي)؛ أي: حين أمرض، (إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ:
((كَيْفَ تِكُمْ))) بالمثناة المكسورة، وهي للمؤنث، مثل ذاكم للمذكر، والكاف
لخطاب الحاضرين، وفي رواية ابن إسحاق: ((فكان إذا دخل قال لأمي، وهي
تُمَرِّضني: كيف تيكم))، واستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه
بعض جفاء، ولكنها لمّا لم تكن تدري السبب لم تبالغ في التنقيب عن ذلك،
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٩/٧.
١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حتى تعرفه، ووقع في رواية أبي أويس: ((إلا أنه يقول، وهو مارّ: كيف تيكم؟
ولا يدخل عندي، ولا يعودني، ويسأل عني أهل البيت))، وفي حديث ابن
عمر: ((وكنت أرى منه جفوة، ولا أدري من أي شيء؟)).
(فَذَالَكَ) الذي أراه منه (يَرِيبُني)؛ أي: يوقعني في الشكّ في تغيّر حاله وََّ،
(وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ)؛ أي: بالإفك الذي افتراه الأفّاكون، وانتشر بين الناس،
وتحدّثوا به، (حَتَّى خَرَجْتُ) من البيت (بَعْدَمَا نَقِهْتُ) بفتح القاف، وكسرها
لغتان، حكاهما الجوهريّ في ((الصحاح)) وغيره، والفتح أشهر، واقتصر عليه
جماعة، يقال: نَقَهَ يَنْقَه نُقُوهاً، فهو ناقِةٌ، ككَلَح يَكْلَح كُلُوحاً فهو كالح، ونَقِهَ
يَنْقَه نَقَهاً، فهو ناقه، كفَرِح يَفْرَح فَرَحاً، والجمع نُقَّهُ، بضم النون، وبتشديد
القاف، والناقه هو الذي أفاق من المرض، وبرأ منه، وهو قريب عهد به، لم
يتراجع إليه كمال صحته، قاله النوويّ تَذُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): ((نقهت)) بفتح القاف، وقد تكسر، والأول أشهر،
والناقه بكسر القاف: الذي أفاق من مرضه، ولم تتكامل صحته، وقيل: إن
الذي بكسر القاف بمعنى: فَهِمْت، لكنه هنا لا يتوجه؛ لأنها ما فَهِمَت ذلك،
إلا فيما بعدُ، وقد أطلق الجوهريّ وغيره أنه بفتح القاف وكسرها لغتان، في
برأ من المرض، وهو قريب العهد لم يرجع إليه كمال صحته. انتهى(٢).
(وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَح) وفي رواية أبي أويس: ((فقلت: يا أم مسطح
خذي الإداوة، فاملئيها ماء، فَاذهبي بنا إلى المناصع)). (قِبَلَ الْمَنَاصِعِ) بكسر
القاف؛ أي: جهة المناصع، بفتح الميم، وهي مواضع خارج المدينة، كانوا
يتبرزون فيها، الواحد منصع، وقال الأزهريّ: أراه موضعاً بعينه، خارج
المدينة، وهو في الحديث: ((صعيد أفيح، خارج المدينة))، وقال ابن السِّكِّيت:
المناصع في اللغة: المجالس. انتهى (٣) .
وقوله: (وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا) جملة حاليّة، وهو بفتح الراء المشدّدة، وبالزاي،
وهو الموضع الذي يتبرزون فيه؛ أي: يقضون فيه حاجتهم، والبراز اسم ذلك
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/١٧.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣١/١٣.
(٢) ((الفتح)) ١٠/ ٤٠٧.
١٣١
(١٠) - بَابٌ فِي بَيّانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
الموضع أيضاً(١). (وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلاً إِلَى لَيْلِ)؛ تعني: أنهنّ لا يخرجن لقضاء
حاجتهنّ نهاراً، وهو في الليل، ثم يمتدّ ذلك إلى الليلة المستقبلة، (وَذَلِكَ)؛
أي: كوننا نخرج قبل المناصع، (قَبْلَ أَنَّ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ) بضم الكاف والنون:
جمع كَنيف، قال أهل اللغة: الكنيف الساتر مطلقاً، وسُمّي به موضع الغائط؛
لأنهم يستترون به.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((متبرزنا)) بفتح الراء، قبل الزاي: موضع التبرز،
وهو الخروج إلى البراز، وهو الفضاء، وكله كناية عن الخروج إلى قضاء الحاجة،
و((الكُنُف)) بضمتين: جمع كَنيف، وهو الساتر، والمراد به هنا: المكان المتَّخذ
لقضاء الحاجة، وفي رواية ابن إسحاق: ((الكنف التي يتخذها الأعاجم))(٢).
وقولها: (قَرِيباً مِنْ بُيُوتِنَا) منصوب على الحال، وأُفرد مع أن صاحبه
جمع؛ لأن فعيلاً يستوي فيه الجمع والمفرد، أو منصوب بنزع الخافض على
قلّة؛ أي: في مكان قريب من بيوتنا(٣).
(وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ) بضم الهمزة، وتخفيف الراء: صفة العرب،
وبفتح الهمزة، وتشديد الراء: صفة الأمر، قال النوويّ: كلاهما صحيح، تريد
أنهم لم يتخلقوا بأخلاق العجم.
قال الحافظ: ضبطه ابن الحاجب بالوجه الثاني، وصرّح بمنع وصف
الجمع باللفظ الأول، ثم قال: إن ثبتت الرواية خُرِّجت على أن العرب اسم
جمع، تحته جموع، فتصير مفردة بهذا التقدير. انتهى.
(فِي التَّنَزُّهِ)؛ أي: طلب النزاهة، ووقع في رواية للبخاريّ: ((في التبرز
قِبَل الغائط))، قال في (الفتح)): وفي رواية فليح: ((في البرّية)) بفتح الموحّدة،
وتشديد الراء، ثم التحتانية - ((أو في التنزه)) بمثناة، ثم نون، ثم زاي ثقيلة،
هكذا على الشكّ -، والتنزه: طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء، والمراد:
البعد عن البيوت. انتهى(٤).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣١/١٣.
(٢) ((الفتح)) ١٠ / ٤٠٧.
(٣) راجع: شرح الشيخ الهرريّ ٣٠٧/٢٥.
(٤) ((الفتح)) ١٠/ ٤٠٧، و((عمدة القاري)) ٢٣١/١٣.
١٣٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفٍ)؛ أي: برائحتها، وقوله: (أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا)
(نتّخذ)) صلة ((أن))، والمصدر المؤوّل بدل من ((الكنف)). (فَانْطَلَقْتُ أَنَّا) جيء به
ليمكن العطف على الضمير المتّصل، كما قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَأُمُّ مِسْطَح) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الطاء، آخره
حاء مهملة.
قال في ((الإصابة)): أم مِسطح القرشيّة التيميّة، ويقال: المطلبية، وهي
بنت أبي رُهْم أَنِيس - بفتح الهمزة، بعدها نون مكسورة - ابن عبد المطلب بن
عبد مناف، ويقال: بنت صخر بن عامر بن كعب بن تيم بن مُرّة، قلت: هكذا
حَكَى أبو موسى، وهو غلط، فإن هذا نَسَبُ سَلْمى أم الخير والدة أبي بكر،
هي بنت صخر إلى آخره، والذي قال غيره: أنها بنت خالة أبي بكر الصديق،
اسمها رائطة بنت صخر إلخ، هكذا، قال ابن سعد، يقال: اسمها سَلْمى،
ويقال: ريطة حكاه ابن الأمين، عن ابن بشكوال، وبه جزم ابن حزم في
((الجمهرة))، وهي مشهورة بكنيتها، ثبت ذكرها في ((الصحيحين)) في قصة
الإفك، حين خرجت عائشة لقضاء الحاجة، فعَثَرت، فقالت: تَعِس مسطح،
فقالت لها عائشة: تسبِّين رجلاً شَهِد بدراً؟، فقالت: أوَ لم تعلمي ما قال؟
فذكرت لها قصة الإفك، وكان مسطح ممن تَكَلَّم في ذلك، وقال ابن سعد:
أسلمت أم مسطح، فحَسُن إسلامها، وكانت من أشدّ الناس على مسطح، حين
تكلم مع أهل الإفك. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): أم مِسطح، بكسر الميم، وسكون السين، وفتح الطاء،
بعدها حاء مهملات، قيل: اسمها سَلْمى، وفيه نظر؛ لأن سلمى اسم أم أبي
بكر، ثم ظهر لي أن لا وَهْم فيه، فإن أم أبي بكر خالتها، فسمِّيت باسمها .
انتھی
(٢) .
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٠٢/٨.
(٢) ((الفتح)) ١٠/ ٤٠٧.
١٣٣
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
(وَهِيَ)؛ أي: أم مِسطح (بِنْتُ أَبِي رُهْم) بضمّ الراء، وسكون الهاء، (ابْنِ
الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) قال في (الفتح)): كذَا هنا، ولم ينسبه فُليح، وفي رواية
صالح: ((بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف))، وهو الصواب، واسم أبي
رُهم: أَنِيس. (وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ)؛ أي: ابن كعب بن سعد بن تيم، من
رهط أبي بكر، (خَالَةُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) اسمها رائطة، حكاه أبو نعيم. (وَابْنُهَا
مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بضم الهمزةَ، ومثلثتين: الأولى خفيفة، بينهما ألف، (ابْنِ
عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ) فهو المطلبيّ من أبيه وأمه، والْمِسطح عُود من أعواد الخباء،
وهو لقب، واسمه: عوف، وقيل: عامر، والأول هو المعتمَد، وقد أخرج
الحاكم من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر يعاتب مِسطحاً في قصّة
ـة :
عائشة
يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلْ لَا قُلْتَ عَارِفَةٌ
مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَبْتَغِ بِهِ طَمَعَا
وكان هو وأمه من المهاجرين الأولين، وكان أبوه مات، وهو صغير
فكفله أبو بكر؛ لقرابة أم مسطح منه، وكانت وفاة مسطح سنة أربع وثلاثين،
وقيل: سنة سبع وثلاثين، بعد أن شَهِد صِفِّين مع عليّ ﴾(١).
(فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْم) وفي رواية البخاريّ: ((فأقبلت أنا، وأم
مسطح)) (قِبَلَ)؛ أي: جهة (بَيْتِي حِيِّنَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا)؛ أي: قضينا حاجتنا التي
خرجنا من أجلها، (فَعَثَرَتْ) بفتح العين المهملة، والثاء المثلثة، (أُمُّ مِسْطَح فِي
مِرْطِهَا) بكسر الميم: كساء من صوف، قاله الداوديّ، وقال ابن فارس: مِلَّحفة
يؤتزر بها، وقال الهرويّ: المروط: الأكسية، وضبطه ابن التين: المرط بفتح
الميم، قاله في ((العمدة))(٢).
وقال في ((الفتح)): وفي رواية مِقسم، عن عائشة: ((أنها وطِئت على
عَظْم، أو شوكة))، وهذا ظاهره أنها عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها، ثم
أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن في رواية هشام بن عروة الآتية قريباً أنها عَثَرت
قبل أن تقضي عائشة حاجتها، وأنها لمّا أخبرتها الخبر رجعت، كأن الذي
خرجت له لا تجد منه لا قليلاً، ولا كثيراً، وكذا وقع في رواية ابن إسحاق:
(١) ((الفتح)) ٤٠٨/١٠.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣١/١٣.
١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(قالت: فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي))، وفي رواية ابن أويس: ((فذهب
عني ما كنت أجد من الغائط، ورجعت عَودي على بَدئي))، وفي حديث ابن
عمر: ((فأخذتني الحمى، وتقلص ما كان مني))، ويُجمع بينهما بأن معنى قولها:
((وقد فرغنا من شأننا))؛ أي: من شأن المسير، لا قضاء الحاجة(١).
(فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ) بفتح العين، وكسرها، لغتان مشهورتان، واقتصر
الجوهريّ على الفتح، والقاضي على الكسر، ورجّح بعضهم الكسر، وبعضهم
الفتح، ومعناه: عَثَر، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشرّ، وقيل: بَعُدَ، وقيل:
,(٢)
رَحْمَ للَّهُ
سقط بوجهه خاصّة، قاله النوويّ
.
وقال في ((العمدة)): (تَعِسَ)) بكسر العين، وفتحها، لغتان مشهورتان،
ومعناه: عثر، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشرّ، وقيل: بَعُد، وقيل: سقط
لوجهه، وقيل: التعس: أن لا ينتعش من عثرته، وقيل: تعس تعساً،
وأتعسه الله، وقال ابن التين: المحدّثون يقرؤونه بكسر العين، وهو عند أهل
اللغة بفتحها، وقيل: معناه: انكبّ؛ أي: كبّه الله. انتهى(٣).
قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا: بِتْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْراً؟»
وفي رواية هشام بن عروة: أنها عَثَرت ثلاث مرات، كل ذلك تقول: ((تعس
مسطح))، وأن عائشة تقول لها: ((أي أمُّ أتسبّين ابنك؟))، وأنها انتهرتها في
الثالثة، فقالت: ((والله ما أسبّه إلا فيك))، وعند الطبرانيّ: ((فقلت: أتسبّين
ابنك، وهو من المهاجرين الأولين؟))، وفي رواية ابن حاطب، عن علقمة بن
وقاص: ((فقلت: أتقولين هذا لابنك، وهو صاحب رسول الله صل﴾؟ ففعلت
مرتين، فأعدت عليها، فحدثتني بالخبر، فذهب عني الذي خرجت له، حتى ما
أجد منه شيئاً)).
قال أبو محمد بن أبي جمرة: يَحْتَمِل أن يكون قول أم مسطح هذا عمداً؛
لتتوصل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها، وهي غافلة، ويَحْتَمِل أن يكون اتفاقاً،
أجراه الله على لسانها؛ لتستيقظ عائشة من غفلتها عما قيل فيها. انتهى (٤).
(١) ((الفتح)) ٤٠٨/١٠.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣١/١٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/١٧.
(٤) (بهجة النفوس)) ٥٤/٣.
١٣٥
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
(قَالَتْ) أم مسطح: (أَيْ هَنْتَاهُ) ((أَيْ)) حرف نداء للبعيد، وقد يستعمل
للقريب، حيث يُنزل منه منزل البعيد، والنكتة فيه هنا أن أم مسطح نسبت عائشة
إلى الغفلة عما قيل فيها؛ لإنكارها سبّ مسطح، فخاطبتها خطاب البعيد،
و((هنتاه)) بفتح الهاء، وسكون النون، وقد تفتح، بعدها مثناة، وآخره هاء
ساكنة، وقد تضمّ؛ أي: هذه، وقيل: امرأة، وقيل: بلهى، كأنها نَسَبتها إلى
قلة المعرفة بمكائد الناس، وهذه اللفظة تختص بالنداء، وهي عبارة عن كل
نكرة، وإذا خوطب المذكر قيل: يا هنة، وقد تُشبع النون، فيقال: يا هناه،
وحَكَى بعضهم تشديد النون فيه، وأنكره الأزهريّ، قاله في (الفتح)).
وقال النوويّ: قولها: ((أي هنتاه)): هي بإسكان النون، وفتحها،
والإسكان أشهر، قال صاحب ((النهاية)): ((يا هنتاه))؛ أي: يا هذه، وتفتح النون،
وتسكن، وتضم الهاء الآخرة، وتسكن، وفي التثنية هنتان، وفي الجمع هنوات،
وهنات، وفي المذكر هَنٌّ، وهنان، وهنون. ولك أن تُلحقها الهاء؛ لبيان
الحركة، فتقول: يا هنه، وأن تُشبع الحركة، فتصير ألفاً، فتقول: يا هناه، ولك
ضم الهاء، فتقول: يا هناهُ أَقْبِلْ، قال الجوهريّ: هذه اللفظة تختص بالنداء.
ومعناه: يا هذه، وقيل: يا امرأة، وقيل: يا بلهاء، كأنها نُسبت إلى قلة
المعرفة بمكايد الناس، وشرورهم. انتهى(١).
(أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟)؛ أي: مسطح في شأنك، (قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟)؛
أي: أيّ شيء قال فيّ؟، وفي رواية البخاريّ: ((قالت: قلت: وما قال؟)) وفي
رواية أبي أويس: ((فقالت لها: إنك لغافلة عما يقول الناس))، وفيها: ((أن
مسطحاً، وفلاناً، وفلاناً، يجتمعون في بيت عبد الله بن أُبَيّ، يتحدثون عنك،
وعن صفوان، يرمونك به))، وفي رواية مِقسم، عن عائشة: ((أشهد أنك من
الغافلات المؤمنات))، وفي رواية هشام بن عروة الآتية: ((فنَقَّرت لي الحديث))،
وهي بنون، وقاف ثقيلة؛ أي: شَرَحته، ولبعضهم بموحدة، وقاف خفيفة؛ أي:
أعلمتنيه، قاله في ((الفتح))(٢).
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ص١٠١٤، و((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٠٧.
(٢) ((الفتح)) ٤٠٨/١٠.
١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(قَالَتْ) عائشة: (فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ)؛ أي: بما افتراه أهل
الكذب، وقد تقدّمت أسماؤهم. (فَازْدَدْتُ مَرَضاً إِلَى مَرَضِي) وعند سعيد بن
منصور، من مرسل أبي صالح: ((فقالت: وما تدرين ما قال؟ قالت: لا والله،
فأخبرتها بما خاض فيه الناس، فأخذتها الْحُمَّى))، وعند الطبرانيّ بإسناد
صحيح، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: ((قالت: لما بلغني ما
تكلموا به، هممت أن آتي قَلِيباً، فأطرح نفسي فيه))، وأخرجه أبو عوانة أيضاً.
(فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّ) قيل: الفاء في
((فدخل)) زائدة، والأولى أن في الكلام حذفاً، تقديره: فلما دخلت بيتي،
استقريت فيه، فدخل، ولفظ البخاريّ: ((فلما رجعت إلى بيتي، ودخل عليّ
رسول الله وَ﴾) بالواو، (فَسَلَّمَ) على من في البيت (ثُمَّ قَالَ) وَّ﴿ على عادته:
((كَيْفَ تِيكُمْ؟)))؛ أي: كيف حال هذه المرأة؟ يريد عائشة فيّا، قالت عائشة:
(قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟) أبا بكر، وأم رُومان ◌َّ، وفي رواية هشام بن
عروة: ((فقلت: أرسِلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام))، قال الحافظ: ولم
أقف على اسم هذا الغلام. (قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ)؛ أي: وقت استئذاني إيّاه
(أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ)؛ أي: خبر الإفك (مِنْ قِبَلِهِمَا)؛ أي: من جهة أبويّ،
(فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهَ) في إتياني أبويّ، (فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي) أم
رومان: (يَا أُمَّتَاهْ)؛ أي: يا أمي، (مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟) ((ما)) استفهاميّةٍ؛ أي:
أيّ شيء يتحدّث الناس في شأني؟ (فَقَالَتْ) أمها: (يَا بُنَيَّةُ) تصغير ابنة،
(هَوِّنِي) أمر من التهوين، وهو التسهيل؛ أي: سهّلي (عَلَيْكِ) الأمر، وفي رواية
هشام بن عروة: ((فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن))، (فَوالله لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَّةٌ
قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمان.
[تنبيه]: قوله: ((لقلّما)) ((ما)) هذه زائدة، تسمّى ((ما)) الكافّة؛ لأنها كفّت
(قَلّ)) عن عمل الرفع في الفاعل، قال ابن هشام الأنصاريّ تَظُّ في ((مغنيه)) ما
معناه: لا تتّصل ((ما)) هذه إلا بثلاثة أفعال: ((قلّ))، و((كثُر))، و((طال))، وعلّة
ذلك شَبَهَهنّ بـ(رُبّ))، ولا يدخلن حينئذ إلا على جملة فعليّة، صُرّح بفعلها؛
كقوله [من الخفيف]:
فَلَّمَا يَبْرَعُ اللَّبِيبُ إِلَى مَا يُورِثُ الْمَجْدَ دَاعِياً أَوْ مُجِيبًا
١٣٧
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
وزعم بعضهم أن ((ما)) مع هذا الأفعال مصدريّة، لا كافّة. انتهى(١).
وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها، وهي في تأويل المصدر فاعل ((قَلَّ).
وقال الأمير في ((حاشيته)) ما معناه: وزاد بعضهم على هذه الأفعال:
(قَصُرَ))، قال: وهي أفعال لا فاعل لها؛ كالتوكيد اللفظيّ، في: قام قام زيد،
وكان الزائدة. انتهى (٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت ذلك بقولي:
وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا ((قَصُرًا))
وَ(مَا)) تَكُفُّ (طَالَ)) (قَلَّ) (كَثُرَا))
فِي قَامَ قَامَ إِذْ مُؤَكِّداً سَمَا
وَلَا يَلِي الْفَاعِلُ هَذِهِ كَمَا
فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ ((مَا)) مُؤَوَّلَهْ
(وَضِيئَةٌ) بوزن عظيمة، من الوضاءة، وهو الحُسن والجمال؛ أي: حسنة
جميلة، وكانت عائشة كذلك، ووقع في رواية بن ماهان: ((حَظِيّة)) بمهملة، ثم
معجمة، من الحظوة، وهي الوجاهة، ورفعة المنزلة، وفي رواية هشام: ((ما
كانت امرأة حسناء))، (عِنْدَ رَجُلٍ) خبر ((كان))، (يُحِبُّهَا) نعت لـ((رجل)) وقوله:
(وَلَهَا ضَرَائِرُ) جملة في محلّ نصَب على الحال، و((الضرائر)): جمع ضَرّة، وقيل
للزوجات: ضرائر؛ لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة.
(إِلَّا كَثَّرْنَ)؛ أي: الضرائر، (عَلَيْهَا)؛ أي: أكثرن القول بالنقيصة والعيب
لتلك المرأة الوضيئة، وقال في ((الفتح)): ((أكثرن عليها)) في رواية الكشميهنيّ:
((كَثّرن)) بالتشديد؛ أي: القول في عيبها، وفي رواية ابن حاطب: ((لقلما أحبّ
رجلٌ امرأته، إلا قالوا لها نحو ذلك))، وفي رواية هشام: ((إلا حسدنها، وقيل
فيها))، وفي هذا الكلام من فطنة أمها، وحسن تأتّيها في تربيتها ما لا مزيد
عليه، فإنها عَلِمت أن ذلك يعظم عليها، فهَوَّنت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم
تنفرد بذلك؛ لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له، وأدمجت في ذلك ما تُطَيِّب به
خاطرها من أنها فائقة في الجمال، والحظوة، وذلك مما يُعجب المرأة أن
توصف به، مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش، وأن
(١) ((مغني اللبيب)) ٧/٢ - ٨ بنسخة ((حاشية الأمير)).
(٢) المصدر السابق.
١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها زينب بنت جحش، وعُرف من
هذا أن الاستثناء في قولها إلا أكثرن عليها متصلٌ؛ لأنها لم تقصد قصتها
بعينها، بل ذكرت شأن الضرائر، وأما ضرائرها هي، فإنهنّ وإن كنّ لم يصدر
منهن في حقها شيء، مما يصدر من الضرائر، لكن لم يُعدَم ذلك ممن هو منهن
بسبيل، كما وقع من حمنة؛ لأن ورع أختها منعها من القول في عائشة، كما
منع بقيةً أمهات المؤمنين، وإنما اختصت زينب بالذُّكر؛ لأنها التي كانت
تضاهي عائشة في المنزلة. انتهى (١).
(قَالَتْ) عائشة ◌ِ﴿ّا: (قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ) استغاثت بالله تعالى، متعجبة من
وقوع مثل ذلك في حقها، مع براءتها المحققة عندها، (وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟)
الإفك، زاد الطبريّ من طريق معمر، عن الزهريّ: ((وبلغ رسول الله وَل﴾؟ قالت:
نعم))، وفي رواية هشام: ((فقلت: وقد عَلِم به أبي؟ قالت: نعم، قلت:
ورسول الله وَر؟ قالت: نعم ورسول الله وَل))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فقلت
لأمي: غفر الله لك، يتحدث الناس بهذا، ولا تذكرين لي))، وفي رواية ابن
حاطب، عن علقمة: ((ورجعت إلى أبويّ، فقلت: أما اتقيتما الله فيّ، وما وصلتما
رحمي، يتحدث الناس بهذا، ولم تُعلماني))، وفي رواية هشام بن عروة:
((فاستعبرت، فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي، وهو فوق البيت يقرأ، فقال لأمي: ما
شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذُكر من شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك
يا بنية، إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت))، وفي رواية معمر، عند الطبرانيّ: ((فقالت
أمي: لم تكن علمت ما قيل لها، فأكبَّت تبكي ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية)).
(قَالَتْ) عائشة: (فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)
بالقاف، بعدها همزة؛ أي: لا ينقطع، من رقأ الدمع: إذا انقطع، (وَلَا أَكْتَحِلُ
بِنَوْم)؛ أي: لا أنام، وهو استعارة للسهر، ووقع في رواية مسروق، عن أم
رُومَأَن: ((فخَرَّتْ مغشياً عليها، فما استفاقت إلا وعليها حُمَّى بنافض، فطرحتُ
عليها ثيابها، فغطيتها))، وفي رواية الأسود، عن عائشة: ((فألقت عليّ أمي كلَّ
ثوب في البيت)).
(١) ((الفتح)) ٤١٠/١٠.
١٣٩
(١٠) - بَابٌ فِي بَيَانِ حَدِيثِ الإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ - حديث رقم (٦٩٩٤)
[تنبيه]: طُرُق حديث الإفك مجتمعة على أن عائشة ◌ّا بلغها الخبر من
أم مسطح ◌ُّ، لكن وقع في حديث أم رومان ما يخالف ذلك، ولفظه: ((بينا
أنا قاعدة، أنا وعائشة، إذ وَلَجت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله
بفلان، وفعل، فقلت: وما ذاك؟ قالت: ابني ومن حدّث الحديث، قالت: وما
ذلك؟ قالت: كذا وكذا، هذا لفظ البخاريّ في ((المغازي))، ولفظه في قصة
يوسف: ((قالت: إنه نَمَى الحديث، فقالت عائشة: أيُّ حديث؟ فأخبرتها،
قالت: فسمعه أبو بكر؟ قالت: نعم، قالت: ورسول الله وَ﴾؟ قالت: نعم،
فخَرَّت مغشيّاً عليها)).
قال الحافظ تَخُّْهُ: وطريق الجمع بينهما أنها سمعت ذلك أوّلاً من أم
مسطح، ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها، فأخبرتها أمها بالأمر مجملاً،
كما مضى من قولها: ((هَوِّني عليك))، وما أشبه ذلك، ثم دخلت عليها
الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك، بحضرة أمها، فقوي عندها القطع بوقوع ذلك،
فسألت: هل سمعه أبوها، وزوجها؟ ترجيّاً منها أن لا يكونا سمعا ذلك؛
ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها إنهما سمعاه، غُشي عليها، قال: ولم أقف
على اسم هذه المرأة الأنصارية، ولا على اسم ولدها. انتهى(١).
(ثُمَّ أَصَبَحْتُ)؛ أي: دخلت في الصباح، والحال أني (أَبْكِي) من شدّة
الحزن على ما قيل، (وَدَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) هذا ظاهره أن
السؤال وقع بعدما عَلِمت بالقصة؛ لأنها عَقَّبت بكاءها تلك الليلة بهذا، ثم
عَقَّبت هذا بالخطبة، ورواية هشام بن عروة تُشعر بأن السؤال والخطبة وقعا قبل
أن تعلم عائشة بالأمر، فإن في أول رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة: ((لما
ذُكر من شأني الذي ذُكر، وما علمت به، قام رسول الله وَ ﴿ خطيباً))، فذكر
قصة الخطبة الآتية.
ويمكن الجمع بأن الفاء في قوله: ((فدعا)) عاطفة على شيء محذوف،
تقديره: وكان رسول الله وَله قبل ذلك قد سمع ما قيل، فدعا عليّاً.
(وَدَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) ﴿ه، وفي
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤١١ - ٤١٢.
١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حديث ابن عمر: ((وكان إذا أراد أن يستشير أحداً في أمر أهله، لم يَعْدُ عليّاً
وأسامة))، لكن وقع في رواية الحسن العربي(١) عن ابن عباس، عند الطبرانيّ
أنه وس* استشار زيد بن ثابت، فقال: دعها، فلعل الله يُحدث لك فيها أمراً،
قال الحافظ: وأظنّ في قوله: ابن ثابت تغيير، وأنه كان في الأصل ابن حارثة،
وفي رواية الواقديّ: أنه سأل أم أيمن، فبرّأتها، وأم أيمن هي والدة أسامة بن
زيد، وسيأتي أنه سأل زينب بنت جحش أيضاً.
(حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر، ولم ينزل، قاله في
(العمدة))(٢)، وقال في ((الفتح)): قوله: ((حين استلبث الوحيُّ)) بالرفع؛ أي: طال
لُبث نزوله، وبالنصب؛ أي: أستبطأ النبيّ وَّ نزوله. انتهى(٣).
والمراد من الوحي: هو المتعلّق بشأن عائشة ﴿يّا، لا مطلق الوحي،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (يَسْتَشِيرُهُمَا) جملة حاليّة مقدّرة، وهو من الاستشارة، يقال:
شَاوَرْتُهُ في كذا، واسْتَشَرْتُهُ: راجعته لأرى رأيه فيه، فَأَشَارَ عليّ بكذا: أراني ما
عنده فيه من المصلحة، فكانت إِشَارَةٌ حسنةً، والاسم المَشُورَةُ، وفيها لغتان:
سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزان، مَعُونٍ
ويقال: هي من شَارَ الدابةَ: إذا عَرَضها في الْمِشْوَار، ويقال: من شُرْتُ
العسل، شبّه حُسن النصيحة بشرب العسل، قاله الفيّوميّ(٤).
(فِي فِرَاقٍ أَهْلِهِ)؛ أي: عائشة، وإنما عَدَلت عن قولها: ((في فراقي)) إلى
قولها: ((فراق أهله))؛ لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها. (قَالَتْ) عائشة:
(فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ بِالَّذِي يَعْلَمُ)؛ أي: بما يعلمه من
حال عائشة ﴿ّا، وهو براءتها عن الفواحش والرذائل، وقولها: (مِنْ بَرَاءَةِ
أَهْلِهِ) بيان للموصول، (وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ)؛ أي: لأهل النبيّ وَّ،
(مِنَ الْوُدِّ)؛ أي: من محبّته لهم، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُمْ أَهْلُكَ) هكذا رواية
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعله: ((الحسن العرنيّ))، فليُحرّر.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٢/١٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ٣٢٧/١.
(٣) ((الفتح)) ١٠/ ٤١٢.