Indexed OCR Text

Pages 741-760

٧٤١
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٤)
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (سَمِعَ أَبًا الصِّدِّيقِ) بكسر الصاد، والدال المهملتين، وتشديد
الثانية، واسمه: بكر بن قيس، أو بكر بن عمرو.
وقوله: (النَّاجِيَّ) بالنون، وتخفيف الجيم، وتشديد الياء: نسبة إلى بني
ناجية بن سامة بن لؤيّ، وهي قبيلة كبيرة من سامة، قاله في ((اللباب))(١).
وقوله: (هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟)؛ أي: هل تُقبل توبته بعد هذه الجريمة
العظيمة؟ قال الطيبيّ ◌َخَُّ: في الحديث إشكال؛ لأنا إن قلنا: لا، فقد خالفنا
نصوصاً، وإن قلنا: نعم، فقد خالفنا أيضاً أصل الشرع، فإن حقوق بني آدم لا
تسقط بالتوبة، بل توبتها أداؤها إلى مستحقها، أو الاستحلال منها.
فالجواب: أن الله تعالى إذا رضي عنه، وقَبِل توبته يُرضي خصمه. انتهى (٢).
وقوله: (فَأَى بِصَدْرِهِ)؛ أي: نهض، ويَحْتَمل أن يكون بمعنى: نَاءَ؛ أي:
بعد، يقال: ناء، ونأى بمعنى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٨٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، وَزَادَ فِيهِ: ((فَأَوْحَى اللهُ
إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو
عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٨٧/٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٤٠/٦.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٤٠/٦.

٧٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) فاعل ((زاد)) ضمير ابن أبي عديّ.
وقوله: (فَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي ... إلخ) معناه: أن الله تعالى أمر
الأرض التي خرج منها أن تتباعد عن الرجل، وأمر الأرض التي توجّه تائباً
إليها أن تتقرب إليه حتى تكون أقلّ مسافةً من تلك، فتأخذه ملائكة الرحمة.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: إنما كان ذلك لَمّا حَكَم الحاكم بقياس الأرض،
ويُفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تَرك الله
الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب، لكن غَمَرته الألطاف الإلهية،
وسبقت له العناية الأزلية، فقرّبت البعيد، وألانت الحديد، ويستفاد منه أن
الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها، وأن من أُلهم صِدق التوبة، فقد
سُلك به طريق اللطف، والقربة. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ عن شعبة هذه ساقها البخاريّ تَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٣٢٨٣) - حدّثنا محمد بن بشّار، حدّثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة،
عن قتادة، عن أبي الصّدِّيق الناجيّ، عن أبي سعيد ظُه، عن النبيّ وَِّ قال:
((كان في بني إسرائيل رجل، قتل تسعة وتسعين إنساناً، ثم خرج يسأل، فأَتَّى
راهباً، فسأله، فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له
رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه
ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقرَّبي، وأوحى الله
إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجد إلى هذه أقرب بشبر، فغُفِر
له)). انتھی(٢) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٨٥] (٢٧٦٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
(١) ((المفهم)) ٧/ ٩٣.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٣/ ١٢٨٠.

٧٤٣
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٥)
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ رَكَ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيّاً، أَوْ نَصْرَانِيّاً، فَيَقُولُ:
هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ))).
ء
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى) بن طلحة بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل
الكوفة، صدوقٌ، يخطئ [٦] (ت١٤٨) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
٤ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، وُلد بالبصرة، قيل:
اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز
الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ظُبه، تقدّم
قبل بابین.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية
الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ﴿له، أنه (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) ((كان)) تامّة، و((يوم)) مرفوع على الفاعليّة؛
أي: إذا جاء، ووقع يوم القيامة، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصة، واسمها مقدّر؛
أي: الزمان، أو الوقت، و(يومَ)) منصوب على الخبريّة، وجواب ((إذا)) قوله:
(دَفَعَ اللهُ رَّى إِلَى كُلُّ مُسْلِم)؛ أي: شخص موصوف بالإسلام، فيشمل الذَّكَر
والأنثى، (يَهُودِيّاً، أَوْ نَصْرَانِّيّاً)؛ أي: واحداً من أهل الكتاب، فـ((أو)) للتنويع،
(فَيَقُولُ) الله ◌َ: (هَذَا) الكافر (فَكَاكُكَ) بفتح الفاء، وتُكسر؛ أي: خلاصك
(مِنَ النَّارِ))) وفي الرواية التالية: ((لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ
النَّارَ يَهُودِيّاً، أَوْ نَصْرَانِيّا))، وفي الرواية الثالثة: ((يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ

٧٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وَالنَّصَارَى))، ورواه الطبرانيّ في ((الكبير))، والحاكم في ((الكنى)) عن أبي
موسى، ولفظه: ((إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى إلى كل مؤمن ملكاً معه
كافر، فيقول الملك للمؤمن: يا مؤمن هاك هذا الكافر، فهذا فداؤك من
النار)).
وقال في ((المشارق)): ((هذا فكاكك)) بفتح الفاء؛ أي: خلاصك منها،
ومعافاتك، ومنه فَكاك الرقبة، تخليصها من الرّقّ، وفكاك الرهن تخليصه من
عُهدة الارتهان، وإطلاقه لربه، ((وفُكّوا العاني))؛ أي: افْدُوا الأسيرَ، وخلّصوه
من الأَسْرِ. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: فَكَكْتُ الرهنَ: خَلّصته، والاسم: الفِكَاكُ بالفتح،
والكسر لغةٌ حكاها ابن السِّكِّيت، ومَنَعها الأصمعيّ، والفراء، وفَكَكْتُ الأسيرَ،
والعبدَ: إذا خَلّصته من الإسار، والرقّ. انتهى(٢).
وقال التوربشتيّ كَّتُهُ: فِكاكُ الرهن - بفتح الفاء - ما يُفَكّ به، ويُخَلّص،
والكسر لغة فيه، قال القاضي تخُّ: لمّا كان لكل مكلّف مقعد من الجنة،
ومقعد من النار، فمن آمن حقّ الإيمان بُدِّل مقعده من النار بمقعد من الجنة،
ومن لم يؤمن فبالعكس، كانت الكفرة كالخلف للمؤمنين في مقاعدهم من
النار، والنائب منابهم فيها، وأيضاً لَمّا سبق القَسَم الإلهيّ بملء جهنم كان
ملؤها من الكفار خلاصاً للمؤمنين، ونجاةً لهم من النار، فهم في ذلك
للمؤمنين كالفداء، والفكاك، ولعل تخصيص اليهود والنصارى بالذكر؛
لاشتهارهما بمضادة المسلمين، ومقابلتهما إياهم في تصديق الرسول المقتضي
لنجاتهم. انتهى(٣) .
وقيل: عَبّر عن ذلك بالفكاك تارةً، وبالفداء أخرى، على وجه المجاز
والاتساع؛ إذ لم يُرِد به تعذيب الكتابيّ بذنب المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، والله تعالى أعلم(٤).
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢/ ١٥٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٧٩/٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٦/١١ - ٣٥٠٧.
(٤) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١١٩/١٦.

٧٤٥
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٥)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
طُّ هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٨٥/٨ و٦٩٨٦ و٦٩٨٧ و٦٩٨٨] (٢٧٦٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩١/٤ و٣٩٨ و٤٠٢ و٤٠٧ و٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٩٩)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٥٣٧)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٣٠)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٦/
١٠٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال العلماء في معنى حديث الباب:
قال النوويّ كَُّ: قوله ◌َل ـ: ((إذا كان يوم القيامة دفع الله تعالى إلى كل
مسلم يهوديّاً، أو نصرانياً، فيقول هذا فكاكك من النار))، وفي رواية: (لا
يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديّاً، أو نصرانيا))، وفي رواية:
(يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم،
ويَضَعها على اليهود والنصارى)).
(الفكاك)) بفتح الفاء، وكسرها، والفتح أفصح، وأشهر، وهو الخلاص،
والفداء، ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة ه: لكل أحد
منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن اذا دخل الجنة خَلَفه الكافر في
النار، لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى فكاكك من النار أنك كنت مُعرَّضاً
لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدّر لها عدداً يملؤها، فإذا دخلها
الكفار بكفرهم وذنوبهم، صاروا في معنى الفكاك للمسلمين.
وأما رواية: ((يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب)) فمعناه: أن الله
تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين، ويُسقطها عنهم، ويضع على اليهود
والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب
المسلمين، ولا بد من هذا التأويل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾،
وقوله: ((ويضعها)) مجاز، والمراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم، كما ذكرناه،
لكن لمّا أسقط ◌َلَ عن المسلمين سيئاتهم، وأبقى على الكفار سيئاتهم، صاروا

٧٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
في معنى مَن حَمَل إثم الفريقين؛ لكونهم حملوا الإثم الباقي، وهو إثمهم.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد آثاماً كان للكفار سبب فيها، بأن سَنُّوها، فتسقط
عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها؛ لكونهم سنُّوها، ومن
سنَّ سُنَّة سيئة كان عليه مثل وِزر كل من يعمل بها. انتهى(١).
وقال الحافظ تَُّ في ((الفتح)) - عند شرح الأحاديث التي أوردها
البخاريّ كَُّهُ في ((باب القصاص يوم القيامة)) -: وفي حديث الباب وما بعده
دلالة على ضعف الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية غيلان بن جرير، عن
أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، رفعه: ((يجيء يوم القيامة ناسٌ من
المسلمين بذنوب أمثال الجبال، يغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود
والنصارى))، فقد ضعَّفه البيهقيّ، وقال: تفرَّد به شدّاد أبو طلحة، والكافر لا
يعاقَب بذنب غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقد أخرج أصل
الحديث مسلم من وجه آخر، عن أبي بردة، بلفظ: ((إذا كان يوم القيامة دفع الله
إلى كل مسلم يهوديّاً، أو نصرانياً، فيقول: هذا فداؤك من النار))، قال البيهقيّ:
ومع ذلك فضعَّفه البخاريّ، وقال: الحديث في الشفاعة أصحّ.
قال البيهقيّ: ويَحْتَمِل أن يكون الفداء في قوم كانت ذنوبهم كُفّرت عنهم
في حياتهم، وحديث الشفاعة في قوم لم تكفّر ذنوبهم، ويَحْتَمِل أن يكون هذا
القول لهم في الفداء بعد خروجهم من النار بالشفاعة.
وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون الفداء مجازاً عما يدل عليه حديث أبي
هريرة الآتي في أواخر ((باب صفة الجنة والنار)) قريباً بلفظ: ((لا يدخل الجنة
أحد إلا أُريَ مقعده من النار، لو أساء؛ ليزداد شكراً ... )) الحديث، وفيه في
مقابله: ((ليكون عليه حسرةً))، فيكون المراد بالفداء: إنزال المؤمن في مقعد
الكافر من الجنة الذي كان أُعِدّ له، وإنزال الكافر في مقعد المؤمن الذي كان
أُعدّ له، وقد يلاحظ في ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ لَلْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا﴾
[الزخرف: ٧٢]، وبذلك أجاب النوويّ تبعاً لغيره.
وأما رواية غيلان بن جرير، فأوّلها النوويّ أيضاً تَبَعاً لغيره، بأن الله يغفر
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٨٥.

٧٤٧
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولٍ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٦)
تلك الذنوب للمسلمين، فإذا سقطت عنهم وُضعت على اليهود والنصارى مثلها
بكفرهم، فيعاقبون بذنوبهم، لا بذنوب المسلمين، ويكون قوله: ((ويضعها))؛
أي: يضع مثلها؛ لأنه لمّا أُسقط عن المسلمين سيئاتهم، وأُبقيَ على الكفار
سيئاتهم، صاروا في معنى مَن حَمَل إثم الفريقين؛ لكونهم انفردوا بحمل الإثم
الباقي، وهو إثمهم.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد آثاماً كانت الكفار سبباً فيها بأن سنُّوها، فلما
غُفرت سيئات المؤمنين بقيت سيئات الذي سنّ تلك السُّنَّة السيئة باقيةً؛ لكون
الكافر لا يُغفر له، فيكون الوضع كناية عن إبقاء الذنب الذي لَحِق الكافر بما
سنّه من عمله السيّئ، ووَضْعه عن المؤمن الذي فعله بما منّ الله به عليه من
العفو والشفاعة، سواء كان ذلك قبل دخول النار، أو بعد دخولها، والخروج
منها بالشفاعة، وهذا الثاني أقوى. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ؛ أَنَّ عَوْناً، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمَا شَهِدًا
أَبَا بُرْدَةَ، يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((لَا يَمُوتُ
رَجُلٌ مُسْلِمٌ، إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيّاً، أَوْ نَصْرَانِيّا))، قَالَ: فَاسْتَحْلَفَهُ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ، قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ، قَالَ: فَلَمْ يُحَدِّثْنِي سَعِيدٌ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ
عَلَى عَوْذٍ قَوْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، ورُبّما
وَهِم، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤.
(١) ((الفتح)) ٥٣/١٥ - ٥٤، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٣٣).

٧٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
٢ - (عَوْنُ) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عبد الله الكوفيّ،
ثقةٌ عابدٌ [٤] مات قبل سنة عشرين ومائة (م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) ١٣٦١/٢٧.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، [٥]
(ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٣٣/١٦.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين.
وقوله: (قَالَ)؛ أي: عون بن عبد الله، ويَحتَمِل أن يكون قتادة راوياً
عنه، (فَاسْتَحْلَفَهُ)؛ أي: استحلف أبا بردة (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة الراشد
المتوفّى في رجب سنة (١٠١هـ). (بِاللهِ) متعلّق بـ((استحلفه))، (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ) قال
النوويّ نَّثُهُ: إنما استحلفه؛ لزيادة الاستيثاق، والطمأنينة، ولِمَا حصل له من
السرور بهذه البشارة العظيمة للمسلمين أجمعين، ولأنه إن كان عنده فيه شكّ،
وخَوْفُ غَلَط، أو نسيان، أو اشتباه، أو نحو ذلك أمسك عن اليمين، فإذا
حلف تحقّق انتفاء هذه الأمور، وعُرف صحة الحديث، وقد جاء عن عمر بن
عبد العزيز، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى - أنهما قالا: هذا الحديث أرجى
حديث للمسلمين، وهو كما قالا؛ لِمَا فيه من التصريح بفداء كل مسلم،
وتعمیم الفداء، ولله الحمد. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ: فَلَمْ يُحَدِّثْنِي ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير قتادة؛ يعني: أن
سَعِيد بن أبي بردة لم يحدثه باستحلاف عمر بن عبد العزيز، وإنما حدّثه به
عون بن عبد الله، لكن سعيداً كان حاضراً لتحديث عون به، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيه
قَوْلَهُ؛ يعني: قول عون بالاستحلاف المذكور.
وقال صاحب ((التكملة)): قوله: ((وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى عون قَوْلَهُ))؛ يعني: أن
سعيد بن أبي بردة، وإن لم يذكر قصّة الاستحلاف التي ذكرها عونٌ، ولكنه لم
ينكر على عون في ذكره للاستحلاف، فكأنه سكت عن إثباته، أو نفيه، وإنما
نبّه الراوي على ذلك؛ للإشعار بأن سكوت سعيد عن قصّة الاستحلاف لا يدلّ
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/١٧.

٧٤٩
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٧ - ٦٩٨٨)
على أنها لم تقع؛ لأن المثبت مقدّم على النافي، فعلى الساكت أولى.
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٨٧] (.) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعاً
عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ
حَدِيثٍ عَقَّانَ، وَقَالَ: عَوْنُ بْنُ عُتْبَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ
- بفتح المثناة، وتثقيل النون المضمومة - أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة
[٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية همّام عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد تَظُّ في ((مسنده))،
فقال :
(١٩٥٠٣) - حدّثنا عبد الصمد، ثنا همّام، ثنا قتادة، عن سعيد بن أبي
بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله وَّ ه: ((لا يموت
مسلم إلا أدخل الله رَك مكانه النارَ يهوديّاً، أو نصرانيّا)).
(١٩٥٠٤) - حدّثنا عبد الصمد، ثنا همّام، حدّثنا قتادة، عن سعيد بن
أبي بردة، وعون بن عتبة، أنهما شَهِدا أبا بُردة يحدّث عمر بن عبد العزيز بهذا
الحديث، قال عون: فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو أن أباه حدّثه أنه سمعه
من النبيّ وَّر، فلم يُنكر ذلك سعيد على عون أنه استحلفه. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ،
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٨/٦.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٩١/٤.

٧٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِيُّ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ،
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((يَجِيءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى))، فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا قَالَ أَبُو رَوْحٍ: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكَ؟ قَالَ أَبُو بُرْدَةَ:
فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أَبُوَكَ حَدَّثَكَ هَذَا عَنِ النَّبِّ وَِّ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) الْعَتَكيّ - بفتح العين
المهملة، والمثناة - أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٣٤) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣.
٢ - (حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بن أبي حفصة نابت - بنون، وموحّدة، ثم مثناة -
وقيل: كالجادّة، الْعَتَكيّ، أبو رَوْح البصريّ،، صدوقٌ يَهِم [٩] (ت٢٠١) (خ م
د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩٤/٣١.
٣ - (شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ) هو: شدّاد بن سعيد البصريّ، صدوقٌ
يخطئ [٨].
رَوى عن أبي الوزاع جابر بن عمرو، وسعيد الْجُريريّ، وغيلان بن
جرير، وقتادة، ومعاوية بن قرة، وغيرهم.
وروى عنه حرميّ بن عُمارة، وابن عليّة، وزيد بن الْحُباب، وابن
المبارك، وغيرهم.
قال أحمد: شيخ ثقةٌ، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو خيثمة: شداد بن
سعيد ثقةٌ، وقال البخاريّ: ضعَّفه عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال النسائيّ:
ثقةٌ، وقال العقيليّ: له غير حديث لا يتابَع عليه، وقال ابن حبان في ((الثقات))
في الطبقة الرابعة: وربما أخطأ، وكان قد ذكره قبل الطبقة الثالثة فلم يقل هذه
اللفظة، وقال الدارقطنيّ: بصريّ يُعتبر به، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس
بالقويّ عندهم، وقال النسائيّ في ((الكنى)): أنا أحمد بن عليّ بن سعيد، ثنا
القواريريّ، ثنا يوسف بن يزيد، ثنا شدّاد بن سعيد أبو طلحة، بصريّ ثقةٌ،

٧٥١
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٨)
وقال البزار: ثقة. وقال ابن عديّ: لم أر له حديثاً منكراً، وأرجو أنه لا بأس
به .
أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((فضائل الأنصار))، والترمذيّ،
والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث(١).
٤ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوَليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٢٩) (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٨/١٥.
والباقیان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
وقوله: (فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ) إما لتوبتهم في وقتها، أو لرحمته الخاصّة التي
لا تتقيّد بالقواعد، وعلى الصورة الثانية لا يسع المؤمن أن يجترئ على الذنوب
والمعاصي رجاء رحمة الله تعالى؛ لأن مثل هذه الرحمة مستثناة من القواعد
العامّة، فلا سبيل إلى الجزم بأنه سوف ينالها، والأصل الذي نطقت به نصوص
الكتاب والسُّنَّة أن الذنوب تستحقّ العقاب إلا إذا تداركها المؤمن بالتوبة في
أوانها، وبهذا صرّح النبيّ ◌َّ في حديثه المعروف: ((الكَيِّس من دان نفسه،
وعَمِل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله
الأمانيّ))(٢)، قاله في ((التكملة))(٣).
وقوله: (وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) ليس معناه أن اليهود والنصارى
يُحمّلون من الذنوب ما ارتكبها المسلمون؛ لأن ذلك مخالف لصريح قوله
تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾، بل المراد: أن اليهود والنصارى توضع
عليهم ذنوبهم في حين أن المسلمين المذكورين لا توضع عليهم ذنوبهم، بل
(١) قال في ((التهذيب)): له في مسلم حديث واحد، حديث أبي بردة، عن أبيه، في
وَضْع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى، قال الحافظ: لكنه في الشواهد،
انتھی .
(٢) أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسن، وضعّفه الألبانيّ، وهو أقرب؛ لأن في
سنده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.
(٣) (تكملة فتح الملهم)) ٣٨/٦ - ٣٩.

٧٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
يُغفر لهم، فضمير المؤنّث في ((يضعها)) راجع إلى جنس الذنوب، لا إلى
آحادها التي ارتكبها المسلمون، قاله في ((التكملة)) أيضاً(١)، وهو تحقيق حسن.
وقوله: (فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا) يَحتَمِل أن يكون هذا الشكّ من الراسبيّ، أو
من غيلان، ومعناه: أنه شكّ هل قال شيخه: ((ويضعها على اليهود والنصارى))
أم لا؟ .
وقوله: (قَالَ أَبُو رَوْحٍ: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّك؟) أبو روح هو حرميّ بن
عمارة؛ يعني: أنه شكّ فيَّ قول مَن هذا الشكّ؛ يعني: قوله: ((فيما أحسب
أنا))، هل هو من الراسبيّ، أو من غيلان؟
[تنبيه]: قد تكلّم البيهقيّ كَُّ في أحاديث الباب، وجَمَع بينها جمعاً
حسناً، أحببت إيراده هنا ملخّصاً؛ لنفاسته، وأهمّيّته، فقال في كتابه الممتع
((شُعب الإيمان)):
[فصل في فداء المؤمن]
ثم أخرج بسنده عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن
أبيه، قال: قال رسول الله وَلجر: ((إذا كان يوم القيامة دُفع إلى كل مؤمن رجل
من أهل الملل، فقيل له: هذا فداؤك من النار))، ثم أخرج قصّة استحلاف
عمر بن عبد العزيز لأبي بردة.
ثم قال: وروينا في الحديث الثابت عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا يدخل أحد الجنة، إلا أُري مقعده من
النار، لو أساء؛ ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحد، إلا أري مقعده من الجنة،
لو أحسن؛ ليكون عليه حسرةً»، ثم قال: رواه البخاريّ ◌َظُّهُ في ((الصحيح)).
قال: وفي رواية أخرى: ((ما منكم من رجل إلا له منزلان: منزل في
الجنة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار، ورث أهل الجنة منزله، قال:
[المؤمنون: ١٠])).
فذلك قوله: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِقُونَ
قال البيهقيّ ◌َّهُ: ويشبه أن يكون هذا الحديث تفسيراً لحديث الفداء،
والكافر إذا أورث على المؤمن مقعده من الجنة، والمؤمن إذا أورث على
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٩/٦.

٧٥٣
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولٍ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٨)
الكافر مقعده من النار يصير في التقدير، كأنه فُدي المؤمن بالكافر، والله أعلم.
وقد عَلَّل البخاريّ ◌َظْلَمُ حديث الفداء برواية بُريد بن عبد الله وغيره، عن
أبي بردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، وبرواية أبي حصين عنه، عن
عبد الله بن يزيد، وبرواية حميد عنه عن رجل من أصحاب النبيّ وَّ، ثم قال:
الخبر عن النبيّ ◌َ﴿ في الشفاعة، وأن قوماً يُعَذّبون، ثم يخرجون من النار
أکثر، وأبْیَن.
وحديث أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبيّ وَّه قد صح عند
مسلم بن الحجاج وغيره رحمهم الله من الأوجه التي أشرنا إليها، وغيرها،
ووجهه ما ذكرناه، وذلك لا ينافي حديث الشفاعة، فإن حديث الفداء، وإن
ورد مورد العموم في كل مؤمن، فيَحْتَمِل أن يكون المراد به: كل مؤمن قد
صارت ذنوبه مكفَّرةً بما أصابه من البلايا في حياته، ففي بعض ألفاظه: ((إن
أمتي أمة مرحومةٌ، جعل الله عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة دفع الله إلى
كل رجل من المسلمين رجلاً من أهل الأديان، فكان فداءه من النار))، وحديث
الشفاعة يكون فيمن لم تَصِر ذنوبه مكفّرة في حياته، ويَحْتَمِل أن يكون هذا
القول لهم في حديث الفداء بعد الشفاعة، والله تعالى أعلم.
قال: وأما حديث شدّاد أبي طلحة الراسبيّ، عن غيلان بن جرير، عن
أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبيّ وَّ قال: ((يجيء يوم القيامة ناس
من المسلمين بذنوب مثل الجبال، يغفرها الله لهم، ويَضعها على اليهود
والنصارى، فيما أحسب أنا)) قاله بعض رواته، فهذا حديث شكّ فیه راویه،
وشداد أبو طلحة ممن تكلم أهل العلم بالحديث فيه، وإن كان مسلم بن
الحجاج استَشْهَد به في كتابه، فليس هو ممن يقبل منه ما يخالف فيه، والذين
خالفوه في لفظ الحديث عدد، وهو واحد، وكل واحد ممن خالفه أحفظ منه،
فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه، مع خلاف ظاهر ما رواه الأصولَ الصحيحة
الممهّدة في ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾، والله أعلم. انتهى كلام
البيهقيّ ◌َُّهُ(١).
(١) ((شعب الإيمان)) ٣٤٠/١ - ٣٤٣.

٧٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد البيهقيّ تَّتُهُ في هذا التحقيق، وأفاد،
وخلاصته أن زيادة ((ويضعها على اليهود والنصارى)) غير صحيحة؛ لأمور:
منها: أن الإمام البخاريّ تَخْذَلُ ضعّف حديث الفداء أصلاً بحديث
الشفاعة؛ لكونه أقوى.
ومنها: وقوع الشكّ في هذه الزيادة من راويها.
ومنها: كون من رواها وهو أبو طلحة الراسبيّ ممن لا يُحتَمَل تفرّده،
فكيف وقد خالف غيره من الحفّاظ، كما قال البيهقيّ تَُّ.
ومنها: مخالفتها للنصوص الصريحة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَوَ﴾، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٨٩] (٢٧٦٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيّ، عَنْ فَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِاِبْنِ
عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يُدْنَى
الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ رَتْ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ:
هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي
أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ، وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ
عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزِ) بن زياد المازنيّ، أو الباهليّ البصريّ، ثقةٌ
عابدٌ [٣](١) (ت٧٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
(١) هذا أَولى مِن جَعْلِه في ((التقريب)» من الطبقة الرابعة؛ لِمَا يظهر من مراجعة مشايخه
من الصحابة، والرواة عنه من التابعين في ((التهذيبين))، وكذا تاريخ وفاته يحقّق
ذلك، فتنبّه.

٧٥٥
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٩)
٤ - (إِبْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿ّ، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوی شیخه،
كما أسلفته، والصحابيّ مدنيّ، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، وشدّة اتّباع السُّنَّة من
الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) - بضم
الميم، وسكون الحاء المهملة، وكسر الراء، وبالزاي في آخره - المازنيّ
البصريّ، وليس له عند مسلم إلا ثلاثة أحاديث، وله عند البخاريّ حديثان
فقط .
ووقع في رواية للبخاريّ من طريق شيبان عن قتادة: ((حدّثنا صفوان))،
فانتفت عن قتادة تهمة التدليس.
(قَالَ) صفوان: (قَالَ رَجُلٌ لِاِبْنِ عُمَرَ) وفي رواية للبخاريّ: ((أن رجلاً
سأل ابن عمر))، وفي رواية عن صفوان: ((قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر،
آخذ بيده))، وفي رواية: ((بينما ابن عمر يطوف، إذ عَرَض له رجل))، قال
الحافظ تَخْلُهُ: ولم أقف على اسم السائل، لكن يمكن أن يكون هو سعيد بن
جبير، فقد أخرج الطبرانيّ من طريقه: ((قال: قلت لابن عمر: حدّثني ... ))،
فذكر الحديث.
(كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَ لِ﴿) وفي رواية للبخاريّ: ((فقال: يا أبا
عبد الرحمن))، وهي كنية عبد الله بن عمر ﴿يا. (يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) هي ما
تكلّم به المرء يُسمع نفسه، ولا يُسمع غيره، أو يسمع غيره سرّاً دون من یلیه،
قال الراغب: ناجيته: إذا ساررته، وأصله أن تخلو في نجوة من الأرض،
وقيل: أصله من النجاة، وهي أن تنجو بسرّك من أن يُطَّلَع عليه، والنجوى
أصله المصدر، وقد يوصف بها، فيقال: هو نجوى، وهم نجوى، والمراد بها

٧٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
هنا: المناجاة التي تقع من الرب لل يوم القيامة مع المؤمنين، وقال
الكرمانيّ: أطلق على ذلك النجوى؛ لمقابلة مخاطبة الكفار على رؤوس
الأشهاد هناك. انتهى(١).
(قَالَ) ابن عمر ﴿ه: (سَمِعْتُهُ)؛ أي: رسول الله وَّهِ، (يَقُولُ: ((يُدْنَى)
بالبناء للمفعول، (الْمُؤْمِنُ) وفي رواية للبخاريّ: ((يُدنى أحدكم من ربّه))، (يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ رَتْ)؛ أي: دُنُوّاً يليق بجلاله، فالله ◌َلَ يُدني إليه من يشاء من
عباده إذا شاء، كيف شاء، فنؤمن بصفة الدنوّ على مراد الله، كما يليق بجلاله،
وذلك كما نؤمن بأن المؤمنين يرونه ولا في الآخرة رؤية حقيقيّة، دون أن نعلم
كيفيّتها، فتأويل الشرّاح؛ كالحافظ، والنوويّ، والقاضي عياض، وغيرهم الدنوّ
هنا ليس مما ينبغي، فكما يثبتون الرؤية على حقيقتها، دون تأويل، ولا
تكييف، ولا تشبيه، فكذلك الدنوّ هنا دون أيّ فرق، فتنبّه، فإن هذا مما حادت
فيه الأفهام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَتَفَهُ) - بفتح الكاف، والنون، بعدها فاء -؛ أي: جانبه،
والكنف أيضاً السِّتر، وهو المراد هنا، والأول مجاز في حقّ الله تعالى، كما
يقال: فلان في كنف فلان؛ أي: في حمايته، وكلاءته، وذكر عياض أن
بعضهم صحّفه تصحيفاً شنيعاً، فقال بالمثناة بدل النون، ويؤيد الرواية الصحيحة
أنه وقع في رواية سعيد بن جبير بلفظ: ((يجعله في حجابه))، زاد في رواية
همام: ((وسِتره))، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: والأول - يعني: تفسيره بالجانب -
مجاز في حقّ الله تعالى كما يقال: فلان في كَنَف فلان؛ أي: في حمايته
وگلاءته، فیه نظرٌ من وجهين:
[الأول]: أن المراد هنا بالكنف هو الحجاب والستر؛ لكونه جاء في
الرواية الأخرى بهذا اللفظ، كما سبق بيانه آنفاً، والرواية يفسّر بعضها بعضاً،
وأخرج الحديث البخاريّ في كتابه ((خلق أفعال العباد)) من طريق عبد الله بن
المبارك، عن محمد بن سواء، عن قتادة، ثم قال في آخر الحديث: قال
(١) ((الفتح)) ٦٣٧/١٣، ((كتاب الأدب)) رقم (٦٠٧٠).

٧٥٧
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٩)
عبد الله بن المبارك: كَنَفه: سِتره. قاله في ((الفتح)) (١).
[والثاني]: أنه قال في ((القاموس)): أنت في كَنَف الله تعالى مُحَرَّكَةً: في
حِرْزه وسِتْره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية. انتهى(٢).
فإذا ثبت لغةً إطلاق الكنف على الجانب، فالحقّ إبقاؤه على ظاهره
وحقيقته؛ إذ لا حاجة إلى المجاز، كسائر الصفات من السمع، والبصر،
والكلام، والرضا، والغضب، والاستواء، والنّزول، ونحوها مما وردت به
النصّوص الصحيحة، فنثبتها كلها على الوجه اللائق به لل من غير تعطيل، ولا
تحريف، ومن غير تمثيل، ولا تكييف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الحكمة في وضع الكنف عليه: سَتره عن أهل الموقف حتى لا
يطّلع على سرّه غيره. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): ومن رواه ((كتفه)) بالمثنّاة المكسورة، فقد
صحّف على ما جزم به جَمْع من العلماء. انتهى(٣).
(فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ)؛ أي: يحمله على أن يعترف بها، ويقرّرها على نفسه،
وقد فسّر التقرير بقوله: (فَيَقُولُ) الله رَ: (هَلْ تَعْرِفُ؟) هكذا في هذه الرواية
بحذف المفعول، وقد فُسّر في رواية البخاريّ، ولفظه: ((فيقول: أتعرف ذنب
كذا وكذا؟)) زاد في رواية: ((فيقرره بذنوبه))، وفي رواية سعيد بن جبير: ((فيقول
له: اقرأ صحيفتك، فيقرأ، ويُقرّره بذنب ذنب، ويقول: أتعرف، أتعرف؟))،
وفي رواية للبخاريّ: ((فيقول: عَمِلت كذا وكذا)). (فَيَقُولُ) المؤمن: (أَيْ رَبِّ)
((أي حرف نداء، وقد مرّ الخلاف، هل للقريب، أم للبعيد، أم للوسط؟ وهنا
للقريب، كما يدلّ عليه سياق الحديث. (أَعْرِفُ) ذلك الذنب، (قَالَ) الله رشَت:
(فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا) حيث لم أطلع عليها أحداً من الناس، (وَإِنِّي
(١) ((الفتح)) ١٣/ ٥٩٢.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٧٦٥.
(٣) ((الفتح)) ٥٩٢/١٣.

٧٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) وفي رواية سعيد بن جبير: ((فيلتفت يمنةً ويسرةً، فيقول: لا
بأس عليك، إنك في سِتري، لا يَطَّلِع على ذنوبك غيري))، وفي رواية:
((اذهب، فقد غفرتها لك))، (فَيُعْطَى) بالبناء للمفعول، ووقع في بعض الروايات
بلفظ: ((فُيُطوى))، وهو خطأ. (صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ)؛ أي: بيده اليمنى، حتى يقرأه،
ويستبشر به، ويُقرئه أصحابه، كما قال الله رَكْ: ﴿فَمَّا مَنْ أُوتِ كِنَبَهُ بِمِنِهِ،
فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَبِيَهْ
١٩
إِّ ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَقٍ حِسَابِيَةِ ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ زَّاضِيَةٍ
فِی
جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (@
قُطُوفُهَا دَلِيَةٌ
◌َ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٤].
(وَأَمَّا الْكُفَّارُ، وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى) بالبناء للمفعول، (بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ
الْخَلَائِقِ) ثم بيّن ما هو النداء؟ بقوله: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ) بنسبة
الولد، والشريك إليه ◌َا﴾ .
[تنبيه]: أول الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؛ أي: لا
أحد أظلم منهم لأنفسهم؛ لأنهم افتروا على الله كذباً بقولهم لأصنامهم: هؤلاء
شفعاؤنا عند الله، وقولهم: الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه سبحانه إلى
غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده
الاستفهام الإنكاريّ، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم.
فالمعنى على هذا: لا أحد مثلهم في الظلم فضلاً عن أن يوجد من هو
أظلم منهم، والإشارة بقوله: ﴿أُوْلَِّكَ﴾ إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو
مبتدأ، وخبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد
بعرضهم: عَرْض أعمالهم
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِزْ﴾ الأشهاد: هم الملائكة
الحفظة، وقيل: المرسلون. وقيل: الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلّغوا ما
أمرهم الله بإبلاغه، وقيل: جميع الخلائق.
والمعنى: أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض: هؤلاء المعرضون أو
المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ربهم بما نسبوه إليه، ولم يصرّحوا بما
كذبوا به، كأنه كان أمراً معلوماً عند أهل ذلك الموقف.
وقوله: ﴿أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ هذا من تمام كلام الأشهاد؛ أي:

٧٥٩
(٨) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ - حديث رقم (٦٩٨٩)
يقولون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون: ألا لعنة الله على الظالمين
الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه، قاله
بعدما قال الأشهاد: ﴿هَلُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِزْ﴾ [هود: ١٨]، والأشهاد
جمع شهيد، ورجّحه أبو عليّ بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله: ﴿وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ
وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٦)﴾
[النساء: ٤١]، وقيل: هو جَمْع شاهد
كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في
فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد. انتهى من تفسير
الشوكانيّ كَُّهُ(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ها هذا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٨٩/٨] (٢٧٦٨)، و(البخاريّ) في ((المظالم))
(٢٤٤١) و((التفسير)) (٤٦٨٥) و((الأدب)) (٦٠٧٠) و((التوحيد)) (٧٥١٤) و((خلق
أفعال العباد)) (ص٦١ - ٦٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٤/٦)، و(ابن
ماجه) في ((المقدّمة)) (١٨٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٤/٢ و١٠٥)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٤/٧)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٨٤٦)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٥٥ و٧٣٥٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٩٠
و١٠٧٩)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة) (٦٠٤ و٦٠٥)، و(الطبريّ) في
((التفسير)) (٦٤٩٧ و١٨٠٨٩ و١٨٠٩٠)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص٢٦٨)،
و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١١٦٤/٦)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢/
٢١٦)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٥٣/١) وفي ((الأسماء والصفات))
(ص٢١٩ - ٢٢٠)، والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح القدير)) للشوكانيّ ◌َلَفُ ٤٣٧/٣.

٧٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إكرام الله تعالى لعبده المؤمن، حيث يدنيه منه، ويضع
علیه کنفه، حتى لا يسمع أحد مناجاته له.
٢ - (ومنها): أن فيه الرّدَّ على الجهميّة في إنكارهم الصفات،
حيث إن فيه إثبات صفة الكلام لله جرة، حيث يكلّم عبده المؤمن في
الآخرة.
٣ - (ومنها): بيان فضل سَتر المؤمن على نفسه في الدنيا إذا وقع منه
مخالفة؛ لأن ذلك يكون سبباً لمغفرة الله تعالى له ذلك في الآخرة.
٤ - (ومنها): ما قاله المهلَّب تَّقُ: في الحديث تفضُّل الله على عباده
بسَتره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم، بخلاف قول من
أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يَضع عليه
كنفه وسِتره أحداً إلا الكفار والمنافقين، فإنهم الذين يُنادَى عليهم على رؤوس
الأشهاد باللعنة.
قال الحافظ بعد نقل كلام المهلّب المذكور ما نصّه: قد استشعر البخاريّ
هذا، فأورد في ((كتاب المظالم)) هذا الحديث، ومعه حديث أبي سعيد: ((إذا
خَلَص المؤمنون من النار، حُبِسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصّون مظالم،
كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا، ونُقُوا أُذن لهم في دخول الجنة ... ))،
الحدیث .
فدلّ هذا الحديث على أن المراد بالذنوب في حديث ابن عمر: ما
يكون بين المرء وربه ج دون مظالم العباد، فمقتضى الحديث أنها تحتاج
إلى المقاصصة، ودلّ حديث الشفاعة أن بعض المؤمنين من العصاة يُعذَّب
بالنار، ثم يخرج منها بالشفاعة، كما تقدم تقريره في ((كتاب الإيمان))، فدلّ
مجموع هذه الأحاديث على أن العُصاة من المؤمنين في القيامة على
قسمين :
أحدهما: مَن معصيته بينه وبين ربه، فدلّ حديث ابن عمر على أن هذا
القِسم على قِسمين: قِسْم تكون معصيته مستورة في الدنيا، فهذا الذي يسترها الله