Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ وَلْ، وَتَحْرِيمِ الْقَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٧١)
أخرجه الإسماعيليّ من رواية الأوزاعيّ، عن يحيى بحديث أسماء فقط، وزاد
في أوله: ((على المنبر)). انتهى(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
هذان
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة، وأسماء بنت أبي بكر
متّفقٌ عليهما .
(المسألة الثانية): في تخريجهما :
أخرجهما (المصنّف) هنا [٦ / ٦٩٦٩ و٦٩٧٠ و٦٩٧١ و٦٩٧٢ و٦٩٧٣
و ٦٩٧٤] (٢٧٦١ و٢٧٦٢)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٢٢٢ و٥٢٢٣)،
و(الترمذيّ) في ((الرضاع)) (١١٦٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٤٠
و٢٣٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٣/٢ و٣٨٧ و٥١٩ و٥٢٠ و٥٣٦
و٥٣٩)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٢٩١ و٢٩٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٤/ ٢٢١ و٢٢٢ و٢٢٣ و٢٢٤ و٢٢٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧١] (٢٧٦١)(٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا
أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، وَحَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ الَّبِّ وَهَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ
حَدِيثَ أَسْمَاءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات
في حدود (١٦٠) (خ م « ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٥٤٠.
٢ - (حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليَشْكُريّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ [٧]
(ت١٦١) (خ م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣٣٣٩/٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و((أبو داود)) هو: سليمان بن
داود الطيالسيّ.
(١) ((الفتح)) ٦٧١/١١.
(٢) مكرّر.

٧٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ أَسْمَاءَ) هكذا النسخ، بإفراد فاعل ((يذكر))،
وكان الأولى أن يقول: ولم يذكرا؛ لأنه يعود إلى أبان، وحرب، لكن لِمَا هنا
وجه، وهو أن يقدّر: ولم يذكر كلّ منهما، والله تعالى أعلم.
وقوله أيضاً: (وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ أَسْمَاءَ) توضيح لمعنى ((خاصّة)).
[تنبيه]: رواية أبان بن يزيد، وحرب بن شدّاد كلاهما عن يحيى بن أبي
كثير ساقها الإمام أحمد تَخْذَثُ في ((مسنده))، فقال:
(١٠٧٤٦) - حدّثنا سليمان(١) ثنا حرب وأبان عن يحيى بن أبي كثير، ثني
أبو سلمة، أن أبا هريرة أخبره؛ أن رسول الله وَ لاه قال: ((إن الله وَ يغار، وإن
المؤمن يغار، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمن ما حَرَّم عليه)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧٢] (٢٧٦٢)(٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا
بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ أَسْمَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ رَى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن
عطاء بن مُقَدَّم - بالتشديد - أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠]
(٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثم موحدة، وزانُ
جعفر - أبو بكر البصريّ الدستوائيّ - بفتح الدال، وسكون السين المهملتين،
وفتح المثناة، ثم مدّ ــ ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله
ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
(١) يعني: سليمان بن داود، وهو أبو داود الطيالسيّ.
(٢) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٥١٩/٢.
(٣) مكرر.

٧٠٣
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَّكْ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٧٣)
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ رَى))) ((شيء)) اسم ((لا)) مبنيّ على الفتح،
و(أغير)) بالرفع خبرها، وهو أفعل تفضيل من الغيرة؛ أي: لا شيء أشدّ غيرة
على ما حرّمه من الله رَ، وفيه إطلاق لفظ ((شيء)) على الله تعالى، قال
المناويّ: وقوله: ((شيء)) اسم من أسمائه التي لا يختص بها، فكل موجود
شيء، وهو لا شيء، لا كالأشياء، يسمى به في التعريف، ولا يسمى به في
الابتهال، ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٩]. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسألتيه قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧٣] (٢٧٦١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ:
((الْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْراً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبيد الدّرَاوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم
المدنيّ، صدوق، كان يحدّث من كُتب غيره، فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه
عن عبيد الله العُمَريّ منكر [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (وَاللهُ أَشَدُّ غَيْراً) قال النوويّ تَخْذُهُ: هكذا هو في النُّسخ: ((غَيْراً))
بفتح الغين، وإسكان الياء، منصوب بالألف، وهو الغيرة، قال أهل اللغة:
الغَيْرة، والْغَيْرُ، والغار بمعنى. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: غَارَ الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها
يَغَارُ، من باب تَعِب غَيْراً، وغَيْرَةً، بالفتح، وغَاراً، قال ابن السِّكِّيت: ولا
يقال: غِيراً، وَغِيرَةً، بالكسر، فالرجل غَيُورٌ، وغَيْرَانُ، والمرأة غَيُورٌ أيضاً،
(١) ((فيض القدير)) ٤٢٨/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٩/١٧.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وغَيْرَى، وجمع غَيُورٍ غُيُرٌ، مثلُ رسول ورُسُل، وجمع غَيْرَانَ، وغَيْرَى
غُيَارَى، بالضم، والفتح، وأَغَارَ الرجل زوجته: تزوج عليها، فَغَارَتْ عليه.
(١)
انتهى(١) .
وقال في ((المشارق)): الغيرة: تغيُّر القلب، وهيجان الحفيظة، بسبب
المشاركة في الاختصاص من أحد الزوجين بالآخر، أو بحريمه، وذُّه عنهم،
ومَنْعه منهم، يقال: غار الرجل فهو غَيُور، من قوم غُيُر، مثل كُتُب، وغائر
أيضاً، قال: وجاء في حديث أم سلمة: ((وأنا غيور)) للأنثى، وكثيراً ما جاء
فَعُول للأنثى بغير هاء، كعَروب، وضَحوك، وشَموع، وعَقَبة كؤود، وأرض
صَعود، وحَدور، وكذا الباب كله متى كان فَعول بمعنى فاعل. انتهى
باختصار(٢) .
والحديث متّفقٌ عليه.
[٦٩٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة عن العلاء هذه ساقها الإمام أحمد تظلّتُهُ في
((مسنده))، فقال :
(٧٩٨١) - حدّثنا محمد بن جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، قال: سمعت الْعَلَاءَ يحدّث
عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن رَسُولَ اللهِ،وَّهِ قال: ((الْمُؤْمِنُ، الْمُؤْمِنُ مَرَّتَيْنِ، أو
ثَلَاثاً يَغَارُ، يَغَارُ، وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْراً)). انتهى(٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المصباح المنير)) ٤٥٨/٢.
(٢) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٢٧٢/٢.
(٣) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٢/ ٣٠٠.

٧٠٥
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَلْ: ﴿إِنَّ الْمَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٥)
(٧) - (بَابُ قَوْلِ الله رَى: ﴿إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رََّثُمُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧٥] (٢٧٦٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ
الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع - وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِلٍ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا
التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بَّنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً،
فَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَزَلَتْ: ﴿وَأَقِ الصَّلَوَةَ طَرَفِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ
الَّيْلَّ إِنَّ الْخَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ
قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ:
أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية العيشيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طرخان البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو، تقدَّم قبل بابين أيضاً.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأن معظمه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن مسعود الصحابيّ الشهير ذو المناقب
الجمّة .
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رَبُهُ (أَنَّ رَجُلاً) هو أبو الْيَسَر - بفتح الياء، آخر
الحروف، والسين المهملة - وقد صرّح به الترمذيّ في روايته، فأخرج بسنده
عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً، فقلت: إن
في البيت تمراً أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها، فقبلتها،
فأتيت أبا بكر ﴿ه، فذكرت ذلك له، فقال: استُرْ على نفسك، وتُبْ، فأتيت

٧٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
عمر رَظُه، فذكرت له ذلك، فقال: استُر على نفسك، وتُبْ، ولا تخبر أحداً،
فلم أصبر، فأتيت رسول الله وَ ل﴿، فذكرت ذلك له، فقال: أخَلَفْت غازياً في
سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلى تلك الساعة،
حتى ظن أنه من أهل النار، قال: فأطرق رسول الله وَله طويلاً حتى أوحى الله
تعالى إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
(12)﴾ [هود: ١١٤]، قال أبو اليسر: فأتيته، فقرأها عليّ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ
رسول الله وَيه، فقال أصحابه: يا رسول الله ألهذا خاصّة أم للناس عامّة؟ قال:
((لا بل للناس عامّة))، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.
وقال الذهبيّ: أبو اليسر كعب بن عمرو السَّلَميّ بدريّ.
(أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ) لم يُعرف اسمها، إلا أن في رواية أنها من الأنصار،
والجارّ والجرور حال مقدّم من قوله: (قُبْلَةً) بضمّ القاف، وسكون الموحّدة:
اسم من قبّلت الولد تقبيلاً، والجمع قُبَلٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف(١)؛ أي: قبّلها من
مجامعة .
(فَأَتَّى) الرجل (النَّبِيَّ نَّ) بعد أن ندم على فعله، وعزم على تلافي حاله؛
عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َّلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ الآية [النساء: ٦٤]،
(فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ)؛ أي: إصابته من امرأة قبلةً، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن
أبيه التالية: ((فذكر أنه أصاب من امرأة قبلةً، أو مسّاً بيد، أو شيئاً، كأنه يسأل
عن كفارة ذلك))، وعند عبد الرزاق عن معمر، عن سليمان التيميّ بإسناده:
((ضَرَب رجل على كَفَل امرأة ... )) الحديث، وفي رواية علقمة والأسود، عن
ابن مسعود: ((جاء رجل إلى النبيّ وَّة، فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة
في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها، ولزمتها، فافعل
بي ما شئت ... )) الحديث، وللطبريّ من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعيّ:
((قال: جاء فلان ابن معتب الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله دخلت على امرأة،
ففعلت منها ما ينال الرجل من أهله، إلا أني لم أجامعها ... )) الحديث،
وأخرجه ابن أبي خيثمة، لكن قال: ((إن رجلاً من الأنصار، يقال له: معتب)).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٨٨/٢.

٧٠٧
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٥)
وقد جاء أن اسمه كعب بن عمرو، وهو أبو اليسر - بفتح التحتانية،
والمهملة - الأنصاريّ، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، والبزار، من طريق
موسى بن طلحة، عن أبي اليسر بن عمرو: ((أنه أتته امرأة، وزوجها قد بعثه
رسول الله ﴿ في بعث، فقالت له: بعني تمراً بدرهم، قال: فقلت لها،
وأعجبتني: إن في البيت تمراً أطيب من هذا، فانطلق بها معه، فغمزها،
وقبلها، ثم فرغ، فخرج، فلقي أبا بكر، فأخبره، فقال: تُبْ، ولا تَعُدْ، ثم أتى
النبيّ ◌َّر .. الحديث، وفي روايته أنه صلى مع النبيّ وَّر العصر، فنزلت)).
وفي رواية ابن مردويه من طريق أبي بريدة (١)، عن أبيه: ((جاءت امرأة من
الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة، وكانت حسناء جميلة، فلما نظر إليها
أعجبته))، فذكر نحوه، ولم يُسَمّ الرجل، ولا المرأة، ولا زوجها.
وذكر بعض الشراح في اسم هذا الرجل: نبهان التمار، وقيل: عمرو بن
غَزِيّة، وقيل: أبو عمرو زيد بن عمرو بن غزية، وقيل: عامر بن قيس، وقيل:
عبّاد.
وقصة نبهان التمار ذكرها عبد الغني بن سعيد الثقفيّ أحد الضعفاء في
((تفسيره)) عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن
عباس مطوّلاً، وأخرجه الثعلبيّ وغيره من طريق مقاتل بن سليمان، عن
الضحاك(٢)، عن ابن عباس: ((أن نبهاناً التمار أتته امرأة حسناء جميلة، تبتاع
منه تمراً، فضرب على عجيزتها، ثم ندم، فأتى النبيّ ◌َ *، فقال: إياك أن
تكون امرأة غازٍ في سبيل الله، فذهب يبكي، ويصوم، ويقوم، فأنزل الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]،
فأخبره، فحمد الله، وقال: يا رسول الله هذه توبتي قُبلت، فكيف لي بأن يُتقبل
شكري؟ فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النََّارِ﴾ [هود: ١١٤] الآية)).
(١) هكذا النسخة، ولعله ((ابن بريدة))، فليُحرّر.
(٢) قال في ((الإصابة)): مقاتل متروك، والضحّاك لم يسمع من ابن عبّاس، وعبد الغنيّ
وموسى هالكان.

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قال الحافظ: وهذا إن ثبت(١) حُمل على واقعة أخرى؛ لِمَا بين السياقين
من المغايرة.
وأما قصة ابن غزيّة، فأخرجها ابن منده، من طريق الكلبيّ، عن أبي
صالح، عن ابن عباس في قوله: ((﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ قال: نزلت في
عمرو بن غزية، وكان يبيع التمر، فأتته امرأة تبتاع تمراً، فأعجبته ... )) الحديث
والكلبيّ ضعيف، فإن ثبت حُمل أيضاً على التعدد.
وظن الزمخشري أن عمرو بن غزية اسم أبي اليسر، فجزم به، فَوَهِم.
وأما ما أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، وغيرهما من حديث أبي أمامة،
قال: ((جاء رجل إلى النبيّ وَّه، فقال: إني أصبت حدّاً، فأقمه عليَّ، فسكت
عنه ثلاثاً، فأقيمت الصلاة، فدعا الرجل، فقال: أرأيت حين خرجت من بيتك
ألست قد توضأت، فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى، قال: ثم شهدت الصلاة
معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك، وتلا هذه الآية))، فهي قصة أخرى
ظاهر سياقها أنها متأخرة عن نزول الآية، ولعل الرجل ظنّ أن كل خطيئة فيها
حدّ، فأطلق على ما فعل حدّاً، والله أعلم.
وأما قصة عامر بن قيس، فذكرها مقاتل بن سليمان في ((تفسيره))، وأما
قصّة عبّاد، فحكاها القرطبيّ، ولم يَعْزُها، وعبّاد اسم جدّ أبي اليسر، فلعله
نُسب، ثم سقط شيء.
وأقوى الجميع أنه أبو اليسر، والله أعلم(٢).
(فَأَتَى النَّبِيَّ وََّ) وفي رواية عبد الرزاق: أنه أتى أبا بكر، وعمر أيضاً،
وقال فيها: فكل من سأله عن كفارة ذلك قال: أمُعزبة هي؟ قال: نعم، قال:
لا أدري، حتى أَنزل، فذكر بقية الحديث، وهذه الزيادة وقعت في حديث
يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عند أحمد بمعناه، دون قوله: ((لا أدري)»،
قاله في ((الفتح)).
(قَالَ) عبد الله: (فَنَزَلَتْ) الآية، قال الطيبيّ: الفاء عطف على مقدر؛
(١) قد عرفت مما قاله في ((الإصابة)) أنه لا يثبت، فتنبّه.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٧/١٠ - ٢٢٨، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٦٨٧).

٧٠٩
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٥)
أي: فأخبره، فسكت رسول الله بصير، فصلى الرجل، فأنزل الله، يدل عليه
الحديث الآتي. انتهى.
وقال في ((العمدة)): يشير بهذا إلى أن سبب نزول هذه الآية في أبي اليسر
المذكور، وفي تفسير ابن مردويه عن أبي أمامة: ((أن رجلاً جاء إلى النبيّ وَه،
فقال: يا رسول الله أقم فيّ حد الله مرّة أو مرّتين، فأعرض عنه، ثم أقيمت
الصلاة، فأنزل الله تعالى الآية)).
وروى أبو عليّ الطوسيّ في ((كتاب الأحكام)) من طريق عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن معاذ ر ◌ُبه قال: ولم يسمع منه: ((أتى النبيّ وَّهو رجل، فقال: يا
رسول الله أرأيت رجلاً لقي امرأة، وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئاً
إلى امرأته، إلا قد أتاه إليها، إلا أنه لم يجامعها، فأنزل الله تعالى الآية، فأمره
أن يتوضأ، ويصلي، قال معاذ: فقلت: يا رسول الله أهي له خاصّة أم للمؤمنين
عامّة؟ قال: بل للمؤمنين عامة)).
قال العينيّ كَّثُهُ: واعلم أن كون الرجل في الحديث المذكور أبا اليسر
هو أصح الأقوال الستة.
القول الثاني: إنه عمرو بن غزية بن عمرو الأنصاريّ أبو حَبّة بالباء
الموحدة التمار، رواه أبو صالح، عن ابن عباس: ((جاءت امرأة إلى عمرو بن
غزية تبتاع تمراً، فقال: إن في بيتي تمراً، فانطلقي أبيعك منه، فلما دخلت
البيت بَطَش بها، فصنع بها كل شيء، إلا أنه لم يقع عليها، فلما ذهب عنه
الشيطان نَدِم على ما صنع، وأتى النبيّ بَّه، فقال: يا رسول الله تناولت امرأة،
فصنعت بها كل شيء، يصنع الرجل بامرأته، إلا أني لم أقع عليها، فقال
النبيّ ◌َ﴾: ما أدري، ولم يردّ عليه شيئاً، فبينما هم كذلك، إذ حضرت
الصلاة، فصلّوا، فنزلت الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ﴾.
القول الثالث: إنه ابن معتب رجل من الأنصار، ذكره ابن أبي خيثمة في
((تاريخه)) من حديث إبراهيم النخعيّ، قال: ((أتى النبيّ ◌َله رجل من الأنصار،
يقال له: معتب، فذكر الحديث.
القول الرابع: إنه أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاريّ، ذكره مقاتل في
((نوادر التفسير))، وقال هو الذي نزل فيه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ﴾.

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
القول الخامس: هو نبهان التمار، وزعم الثعلبي أن نبهان لم ينزل فيه إلا
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
القول السادس: إنه عبّاد، ذكره القرطبيّ في ((تفسيره)). انتهى (١).
وهي قوله تعالى: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾)؛ أي: الغداة، والعشيّ؛
أي: الصبح، والظهر، والعصر، وانتصاب ﴿طَرَفَِّ اٌلَّهَارِ﴾ على الظرف؛ لأنهما
مضافان إلى الوقت، كقولك: أقمت عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار،
وأوله وآخره، تَنصب هذا كلَّه على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه(٢).
(﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾) قال النسفيّ ◌َخْذُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ اَلنَّهَارِ﴾ غدوة وعشية
﴿وَزُلَّا مِّنَ الَّيْلِ﴾، وساعات من الليل، جَمْع زلفة، وهي ساعته القريبة من آخر
النهار، من أزلفه: إذا قرّبه، وصلاة الغدوة: الفجر، وصلاة العشية: الظهر،
والعصر؛ لأن ما بعد الزوال عشيّ، وصلاة الزلف: المغرب والعشاء. انتهى(٣).
وقال ابن كثير تَخْلُهُ: قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأَقِ
الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ قال: يعني: الصبح والمغرب، وكذا قال الحسن،
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال الحسن - في رواية - وقتادة، والضحاك،
وغيرهم: هي الصبح والعصر.
وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره.
وكذا قال محمد بن كعب القُرَظي، والضحاك في رواية عنه.
وقوله: ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم:
يعني: صلاة العشاء.
وقال الحسن في رواية ابن المبارك، عن مبارك بن فَضَالة، عنه: ﴿وَزُلَفًا
مِنَ الَّيْلِ﴾؛ يعني: المغرب والعشاء، قال رسول الله وَّهِ: ((هما زُلْفَتَا الليل:
المغرب والعشاء)). وكذا قال مجاهد، ومحمد بن كعب، وقتادة، والضحاك:
إنها صلاة المغرب والعشاء.
وقد يَحْتَمِل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٣٦٢/٢٧.
(٢) ((تفسير النسفيّ)) ٢/ ٥٠.
(٣) (تفسير النسفيّ)) ٢/ ٥٠.

٧١١
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٥)
الإسراء؛ فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس،
وصلاة قبل غروبها. وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نُسخ في حق
الأمة، وثَبَت وجوبه عليه، ثم نُسخ عنه أيضاً، في قول، والله أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الأخير بعيد جدّ؛ لأن سياق
الروايات يبطله، فتنبّه.
(﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾)؛ أي: إن الصلوات الخمس يُذهبن
الذنوب، وفي الحديث: ((الصلوات الخمس كفارة ما بينهنّ ... ))، أو المراد:
الطاعات، كما قال ◌َله: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها))، أو ((سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
وقال الطبريّ: يقول تعالى ذكره: إنّ الإنابة إلى طاعة الله، والعمل بما
يرضيه، يُذهب آئام معصية الله، ويكفّر الذنوب.
قال: ثم اختلف أهل التأويل في الحسنات التي عنى الله في هذا
الموضع، اللاتي يُذهبن السيئات، فقال بعضهم: هنّ الصلوات الخمس
المكتوبات، وقال آخرون: هو قول: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر)).
قال الطبريّ: وأَولى التأويلين بالصواب في ذلك، قولُ من قال في ذلك:
((هن الصلوات الخمس))؛ لصحة الأخبار عن رسول الله وَليه، وتواترها عنه أنه
قال: ((مَثَلُ الصلوات الخمس مَثَلُ نَهْرِ جَارٍ عَلَى بابِ أحَدِكم، ينغمس فيه كل
يومٍ خمس مرات، فماذا يُبقينَ من دَرَنه؟))، وأن ذلك في سِياق أمْر الله بإقامة
الصّلوات، والوعدُ على إقامتها الجزيلَ من الثواب عَقيبها، أولى من الوعد على
ما لم يَجْر له ذكر من صالحات سائر الأعمال، إذا خُصّ بالقصد بذلك بعضٌ
(٢)
(١).
دون بعض. انتهى"
وقوله: (﴿ذَلِكَ﴾) إشارة إلى قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ﴾، فما بعده، أو القرآن.
(﴿ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾)؛ أي: عظة للمتعظين.
وقال الطبريّ ◌َُّهُ: قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾، يقول تعالى ذِكره: هذا
(١) (تفسير ابن كثير)) ٣٥٥/٤.
(٢) ((تفسير الطبريّ)) ٥١٥/١٥.

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الذي أوعدت عليه من الركون إلى الظلم، وتهددت فيه، والذي وعدت فيه من
إقامة الصلوات اللواتي يُذهبن السيئات، تذكرة ذَكّرت بها قوماً يَذكُرون وعد الله،
فيرجُون ثوابه ووعيده، فيخافون عقابه، لا من قد طُبع على قلبه، فلا يجيب
داعياً، ولا يسمع زاجراً. انتهى(١).
(قَالَ) ابن مسعود: (فَقَالَ الرَّجُلُ) السائل عن هذه المسألة، وهو على
الصحيح أبو اليسر. (أَلِيَ) بفتح الياء، وسكونها لغتان، (هَذِهِ) الآية (يَا
رَسُولَ اللهِ؟)؛ يعني: أهذه الآية مختصة بي بأن صلاتي مذهبة لمعصيتي، أو
عامة لكل الأمة؟ والهمزة في ((ألي)) مفتوحة؛ لأنها للاستفهام، وقوله: ((هذه))
مبتدأ، وخبره مقدماً قوله: ((ألي))، وقُدّم لإفادة التخصيص(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال الرجل ألي هذه؟))؛ أي: الآية؛ يعني:
خاصة بي بأن صلاتي مذهبة لمعصيتي، وظاهر هذا أن صاحب القصة هو
السائل عن ذلك، ولأحمد والطبرانيّ من حديث ابن عباس: ((قال: يا رسول الله
ألي خاصة، أم للناس عامة؟ فضرب عمر صدره، وقال: لا، ولا نعمة عين،
بل للناس عامة، فقال النبيّ ◌َّار: صدق عمر)).
وفي حديث أبي اليسر: ((فقال إنسان: يا رسول الله له خاصة))، وفي
رواية إبراهيم النخعيّ عند مسلم: ((فقال معاذ: يا رسول الله أله وحده، أم
للناس كافّة؟))، وللدارقطني مثله، من حديث معاذ نفسه، ويُحْمَل على تعدد
السائلين عن ذلك، وقوله: ((ألي)) بفتح الهمزة استفهاماً، وقوله: ((هذا)) مبتدأ،
تقدم خبره عليه، وفائدته التخصيص. انتهى (٣) .
(قَالَ) بَِّ: ((لِمَنْ عَمِلَ بِهَا) الجارّ والمجرور خبر لمحذوف؛ أي: هي
كائنة لمن عمل بها؛ أي: بهذه الآية، بأن فعل حسنة بعد سيئة، وقوله: (مِنْ
أُمَّتِي))) بيان لـ((من))؛ أي: هي عامّة لأمتي كلّهم الموجودين الآن، والآتين بعد
إلى يوم القيامة.
(١) ((تفسير الطبريّ)) ٥١٥/١٥.
(٢) راجع: ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٣٦٢/٢٧.
(٣) ((الفتح)) ٢٢٨/١٠ - ٢٢٩.

٧١٣
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَلِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٥)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال: لمن عَمِل بها من أمتي)) تقدم في
((الصلاة)) من هذا الوجه بلفظ: ((قال: لجميع أمتي كلهم))، وتمسّك بظاهر قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ المرجئة، وقالوا: إن الحسنات تكفّر كل
سيئة كبيرة كانت، أو صغيرة، وحَمَل الجمهور هذا المطلق على المقيّد في
الحديث الصحيح أن ((الصلاة إلى الصلاة كفارة لِمَا بينهما، ما اجتُنبت
الكبائر)).
فقال طائفة: إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفارة لِمَا عدا الكبائر من
الذنوب، وإن لم تُجتنب الكبائر لم تَحُظّ الحسنات شيئاً.
وقال آخرون: إن لم تُجتنب الكبائر لم تَحُطّ الحسنات شيئاً منها، وتحط
الصغائر، وقيل: المراد أن الحسنات تكون سبباً في ترك السيئات، كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لا أنها
تكفّر شيئاً حقيقةً، وهذا قول بعض المعتزلة، وقال ابن عبد البرّ: ذهب بعض
أهل العصر إلى أن الحسنات تكفر الذنوب، واستدل بهذه الآية وغيرها من
الآيات، والأحاديث الظاهرة في ذلك، قال: ويَرُدّه الحثّ على التوبة في أيّ
كبيرة، فلو كانت الحسنات تكفر جميع السيئات لَمَا احتاج إلى التوبة.
واستُدلّ بهذا الحديث على عدم وجوب الحدّ في القبلة، واللمس،
ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئاً منها، وجاء تائباً نادماً، واستنبط
منه ابن المنذر أنه لا حدّ على مَن وُجد مع امرأة أجنبية في ثوب واحد. انتهى(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧ /٦٩٧٥ و٦٩٧٦ و٦٩٧٧ و٦٩٧٨ و٦٩٧٩]
(٢٧٦٣)، و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٢٦) و((التفسير)) (٤٦٨٧)، و(الترمذيّ)
في ((التفسير)) (٣١١٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٤/١ و٣١٨/٤ و٣٦٦/٦)،
(١) ((الفتح)) ٢٢٨/١٠ - ٢٢٩.

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٩٨) و((الزهد)) (٤٢٥٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٨٥/١ و٤٢٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣١٢)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (١٧٢٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٦٧/٥)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (١٥٦/٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٥٦٠)، و(الطبريّ) في
(تفسيره)) (١٨٦٧٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤١/٨)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية المذكورة.
٢ - (ومنها): بيان أن الحسنات يكفّرن السيئات؛ أي: صغائر الذنوب،
قال الحافظ ابن رجب كَّلهُ: هذا الذنب الذي أصابه ذلك الرجل، وسأل عنه
النبيّ وَّله، فنزلت الآية بسببه، كان من الصغائر، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن
الصلاة إنما تكفر الصغائر دون الكبائر، وكذلك الوضوء، غيرَ أن الصلاة تكفر
أكثر مما يكفر الوضوء، كما قال سلمان الفارسيّ وَر: الوضوء يكفر
الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر، والصلاة تكفر أكثر من
ذلك، خرّجه محمد بن نصر المروزيّ وغيره، وفي حديث حذيفة رظُه: ((فتنة
الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصيام،
والصدقة))؛ وذلك لأن أكثر ما يصيب الإنسان في هذه الأشياء تكون من
الصغائر دون الكبائر، قال: وقد ذكرنا في ((كتاب الوضوء)) الاختلاف في أن
الوضوء: هل يكفر الصغائر خاصة، أم يعم الذنوب كلها؟ والأكثرون على أن
لا يكفر سوى الصغائر، وقد ذهب قوم إلى أنه يكفر الكبائر أيضاً. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه فيه عدم وجوب الحدّ في القبلة وشِبْهها من المسّ
ونحوه من الصغائر، وهو من اللمم المعفوّ عنه باجتناب الكبائر بنصّ القرآن.
٤ - (ومنها): ما قاله صاحب ((التوضيح)) كَُّ: وقد يُستدل به على أنه لا
حدّ، ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وُجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن
المنذر. انتهى.
(١) ((فتح الباري لابن رجب)) ١٥/٤ - ١٦.

٧١٥
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَلْ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٦)
قال العينيّ ◌َخْذَلُهُ: سلّمنا في نفي الحدّ، ولا نسلّم في نفي الأدب، سيما
في هذا الزمان. انتهى(١).
٥ - (ومنها): بيان أن إقامة الصلوات الخمس تجري مجرى التوبة
لمرتكب الصغائر.
٦ - (ومنها): بيان أن باب التوبة مفتوح، والتوبة مقبولة.
وقال المباركفوريّ تَخُّ: واستدلّ مغلطائي الحنفي بقوله: ﴿وَزُلَفًا مِّنَ
اَلَيْلِ﴾ على وجوب الوتر؛ لأن زلفاً جمع وأقله الثلاث، فلا بد أن تكون هناك
صلاة ثالثة، وهي الوتر.
قال بعض الحنفية: لا دليل في الآية على وجوب الوتر. أما جمعية
الزلف فهي باعتبار وقوع العشاء في هذه الحصة تارة وتارة في الحصة الأخرى،
فكانت باعتبار حصص الليل وساعاته من حيث تعجيل العشاء وتأخيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد هذا الحنفيّ حيث ردّ على هذا القول،
ولم يتعصّب لمذهبه، كما تعصّب مغلطاي، وتبعه العينيّ، وقد أسلفت الردّ
على القول بوجوب الوتر في محلّه بأدلّة لا مجال لمغالطتها، ولا محيد عن
القول بها، وبالله التوفيق، وله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ،
حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنِ
امْرَأَةٍ إِمَّا قُبْلَةً، أَوْ مَسّاً بِيَدٍ، أَوْ شَيْئاً، كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتِهَا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ رَتْ،
ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
وقوله: (إِمَّا قُبْلَةً، أَوْ مَسّأَ بِيَدٍ، أَوْ شَيْئاً) هذا شكّ من المعتمر، أو من
غيره، هل قبّل تلك المرأة، أو مسّها بيده، أو فعل فعلاً نحو ذلك، كالمعانقة؟.
(١) ((عمدة القاري)) ١٢/٥.

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير ((المعتمر))؛ أي:
ذكر المعتمر عن أبيه مثل حديث يزيد بن زريع عن التيميّ، وهو أبو المعتمر.
[تنبيه]: رواية المعتمر عن أبيه هذه ساقها ابن خزيمة ◌َّثُ في
«صحيحه))، فقال:
(٣١٢) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، وإسحاق بن
إبراهيم بن حبيب ابن الشهيد، قالا: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، نا أبو عثمان،
عن ابن مسعود: أن رجلاً أتى النبيّ وَلَّ، فذكر له أنه أصاب من امرأة، إما
قبلةً، أو مسّاً بيد، أو شيئاً، كأنه يسأل عن كفارتها، قال: فأنزل الله رحمت :
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّمْئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلَّكِرِينَ
[هود: ١١٤]، قال: فقال الرجل: أليَ هذه؟ قال: ((هي لمن عَمِل
بها من أمتي)).
قال: وحدّثناه الصنعانيّ، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا سليمان، وهو
التميميّ، بهذا الإسناد مثله، فقال: ((أصاب من امرأة قبلةً))، ولم يشكّ، ولم
يقل: كأنه يسأل عن كفارتها. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ: قَالَ: أَصَابَ رَجُلٌ مِنِ امْرَأَةٍ شَيْئاً، دُونَ الْفَاحِشَةِ، فَأَتَّى
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّبِ، فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَّى أَبَا بَكْرٍ ، فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ◌َِ،
فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ، وَالْمُعْتَمِرِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
وقوله: (شَيْئاً، دُونَ الْفَاحِشَةِ) تقدّم تفسير الشيء بأنه القبلة، والمراد
بالفاحشة: الزنا في الفرج.
وقوله: (فَعَظَّمَ عَلَيْهِ)؛ أي: عدّ عمر ظُه هذا الفعل من الرجل ذنباً
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) ١/ ١٦١.

٧١٧
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله وَلَ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٨)
عظيماً حيث ارتكب ما حرّم الله عليه، وكذا أبو بكر ◌ُه، ولعلهما كانا يریان
هذا من الكبائر، وإلا فهذا من الصغائر، أو عظّما عليه زجراً له، ولغيره، وحثًّا
على التوبة والاستغفار، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ، وَالْمُعْتَمِرٍ) فاعل ((ذكر)) ضمیر جرير بن
عبد الحميد؛ أي: ذكر جرير عن سليمان التيميّ بمثل ما ذكره يزيد بن زريع،
والمعتمر بن سليمان، عن سليمان التيميّ.
[تنبيه]: رواية جرير عن سليمان التيميّ هذه ساقها البيهقيّ ◌َُّ في
((الکبری)»، فقال:
(١٧٣٣١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله،
أنبأ الحسن بن سفيان، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن سليمان التيميّ،
عن أبي عثمان، عن عبد الله، قال: أصاب رجل من امرأة شيئاً دون الفاحشة،
فأتى عمر ظه، فعَظّم عليه، ثم أتى أبا بكر ◌ُه، فعظّم عليه، ثم أتى
النبيّ وَل﴿، فلا أدري أعظّم عليه أم لا؟ قال: فأنزل الله ◌َيَّ: ﴿وَقِمِ الصَّلَوةَ
طَرَفِ النََّرِ وَزُلَفًا مِنَ الَيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ﴾، فقال الرجل: أَلِيَ هذه
يا رسول الله؟ فقال: ((هي لمن أخذ بها من أمتي)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٧٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو
الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ
رَجُلٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ،
وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا فَاقْضٍ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:
لَقَدْ سَتَرَََ اللهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ وَّهِ شَيْئاً، فَقَامَ الرَّجُلُ،
فَانْطَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلاًّ دَعَاهُ(٢)، وَثَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِ الصَّلَوَةَ طَرَفَ
النَّارِ وَزَُّفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْمَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّاكِينَ
(١١٤)
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣٢٢/٨.
(٢) وفي نسخة: ((فدعاه، فتلا)).

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللّهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (سِمَاك) بن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، تقدّم ايضاً قريباً.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ
الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) وهو ابن خمسين، أو نحوها (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٥ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) تقدّم أن الأصحّ أنه
أبو اليسر - بفتح المثناة التحتية، والسين المهملة - كعب بن عمرو الأنصاريّ،
وقيل: نبهان التمار، وقيل: عمرو بن غزية. (إِلَى النَّبِيِّ نََّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ
إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً)؛ أي: داعبتها، ونِلت منها ما يكون بين الرجل والمرأة غير
أني ما جامعتها، وقال النوويّ تَخَّتُهُ: معنى ((عالجها))؛ أي: تناولها، واستمتع
بها، والمراد بالمسّ: الجماع، ومعناه: استمتعت بها بالقبلة، والمعانقة،
وغيرهما، من جميع أنواع الاستمتاع إلا الجماع. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: ((عالجت امرأة))؛ أي: حاولتها لأصيب منها غرضاً،
وشهوة، (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ)؛ أي: ما بَعُدَ منها؛ يعني: موضعاً خالياً عن
الناس. انتهى (٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٨٠.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٨٧.

٧١٩
(٧) - بَابُ قَوْلِ الله رَى: ﴿إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ﴾ - حديث رقم (٦٩٧٨)
(وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) ((ما)) موصوله؛ أي: أصبت منها ما
يجاوز المسّ؛ أي: المجامعة، (فَأَنَا هَذَا)؛ أي: أنا موجود، وحاضر بين
يديك، ومنقاد لحكمك.
وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((ما دون أن أمسّها))؛ أي: لم أجامعها، وقد
قال في رواية أخرى: إن الذي أصاب منها قبلةٌ قبّلها، وإياها عنى في الرواية
الأخرى بقوله: ((أصبت حدّاً))، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أصبت منها شيئاً
ممنوعاً؛ لأن الحدّ في أصله هو المنع، ويَحْتَمِل أنه ظن أن في ذلك حدّاً، فأطلق
عليه ذلك، وهو الظاهر من قوله: ((أصبت حدّاً، فأقم عليّ كتاب الله)). انتهى(١).
(فَاقْضِ فِيَّ)؛ أي: فاحكم في حقي (مَا شِئْتَ)؛ أي: الذي أردت أن
تقضيه، مما يجب عليّ، وهو كناية عن غاية التسليم، والانقياد إلى حكم الله
تعالى، ورسوله وَِّ. (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َظُهُ: (لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ) حيث
لم يعلم أحد من الناس بما فعلته، (لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ)؛ أي: لكان حسناً.
(قَالَ) ابن مسعود: (فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ شَيْئاً)؛ أي: لم يردّ بََّ على الرجل، بل
سكت؛ انتظاراً لقضاء الله تعالى فيه؛ رجاءَ أن يخفف من عقوبته. (فَقَّامَ
الرَّجُلُ)؛ أي: من مجلس النبيّ وَّه (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب إلى حاجته؛ ظنّاً
منه؛ لسكوته ﴿ أن الله سينزل فيه شيئاً، وأنه لا بدّ أن يبلغه، فإن كان عفواً
شكر، وإلا عاد؛ ليُستَوفَى منه. (فَأَتَبَعَهُ النَّبِيُّ وَّه) بقطع الهمزة، من الإتباع؛
أي: أرسل وراءه (رَجُلاً) لم يُعرف الرجل، وقوله: (دَعَاهُ) جملة في محلّ
نصب صفة ((رجلاً))، وفي بعض النسخ: ((فدعاه))، (وَتَلَا) وفي بعض النسخ:
(فتلا))؛ أي: قرأ النبيّ وَّرِ (عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الرجل (هَذِهِ الآيَةَ) وهي
قوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ﴾)؛ أي: المفروضة، ((طَرََّ النَّهَارِ﴾) ظرف لـ((أقم))؛
أي: الغداة، والعشيّ؛ أي: الصبح، والظهر، والعصر، (﴿وَزُلَفًا﴾) جمع زلفة؛
أي: طائفة، وهو عطف على ﴿طَرَفِ﴾، فينتصب على الظرفية؛ إذ المراد به
ساعات الليل القريبة من النهار، وقوله: (﴿مِّنَ الَّيْلِ﴾)؛ أي: المغرب والعشاء،
(﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ﴾) كالصلوات الخمس، (﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾)؛ أي: يمحونهنّ.
(١) ((المفهم)) ٧/ ٨٧.

٧٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(﴿ذَلِكَ﴾)؛ أي: ما ذُكر من قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآيات،
(﴿ذِكْرَى﴾) عظة (﴿لِلَّكِرِينَ﴾)؛ أي: المتعظين، وقال القرطبيّ: أي: تَذَكُّرٌ لمن
تذكّر، واتعاظ لمن اتعظ. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخْتُ أيضاً: قوله: ((فدعاه، فتلا عليه هذه الآية)) إنما دعاه
النبيّ ◌َّه بعد انصرافه عنه؛ لأن الله تعالى أنزل الآية بعد انصرافه بسبب سؤال
الرجل المذكور، كما جاء نصّاً في رواية أخرى: ((أن رجلاً أصاب من امرأة
قبلة، فأتى النبيّ وَّ، فذكر ذلك له، قال: فنزلت الآية))، فتبيّن أن الآية نزلت
بسبب ذلك الرجل.
وإقامة الصلاة: القيام بفعلها على سُنَّتها، والمثابرة عليها، وطرفا النهار:
هما الصبح والعصر، وقيل: الظهر والعصر، وقيل: العشاء، والمغرب، وزُلَفاً
من الليل: بفتح اللام على قراءة الجماعة، وهي الساعات المتقاربة، جمع
زُلفة، وهي القربة والمنزلة، وقرأها يزيد بضمّ اللام، وابن محيصن بسكونها،
والمراد: المغرب والعشاء. انتهى(١).
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) قيل: هو أبو اليسر، وقيل: معاذ، وقيل: عمر. (بَا
نَبِيَّ اللهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً))) قال النوويّ تَخْذُهُ: هكذا تستعمل
((كافّة)) حالاً؛ أي: كلهم، ولا يضاف، فلا يقال: كافة الناس، ولا الكافة
بالألف واللام، وهو معدود في تصحيف العوامّ، ومَن أشبههم. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ ◌َخَّتُهُ: وجاء الناس كَافَّةً قيل: منصوب على الحال، نصباً
لازماً، لا يستعمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً
لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]؛ أي: إلا للناس جميعاً، وقال الفراء في ((كتاب معاني
القرآن)): نُصبت؛ لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لم تُدخل العرب فيها
الألف واللام؛ لأنها آخر لكلام مع معنى المصدر، وهي في مذهب قولك:
قاموا معاً، وقاموا جميعاً، فلا يُدخلون الألف واللام على معاً، وجميعاً، إذا
كانت بمعناها أيضاً، وقال الأزهريّ أيضاً: كافّةً منصوب على الحال، وهو
مصدر على فاعلة، كالعافية، والعاقبة، ولا يُجمع، كما لو قلت: قاتلوا
(١) ((المفهم)) ٧/ ٨٧ - ٨٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٠/١٧.