Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(٥) - بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦١)
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٦١/٥ و٦٩٦٢] (٢٧٥٨)، و(البخاريّ) في
((التوحيد)) (٧٥٠٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١١/٦) وفي ((عمل اليوم
والليلة)) (٣١٨/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٦/٢ و٤٠٥ و٤٩٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٢ و٦٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٠٩/١١)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٤٢/٤)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة))
(١٠٦٧/٦)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (٥٠٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٨٨/١٠) و((شعب الإيمان)) (٤٠٥/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سعة رحمة الله چل، وفضله، وكرمه.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: في هذا الحديث أن الذنوب لو
تكررت مائة مرة، بل ألفاً، أو أكثر، وتاب في كل مرة قُبلت توبته، أو تاب
عن الجميع توبة واحدة صحّت توبته.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلهُ: هذا الحديث يدل على عظيم فائدة
الاستغفار، وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، ولا شكّ في أن هذا
الاستغفار ليس هو الذي ينطق به اللسان، بل هو يثبت معناه في الجِنان، مقارناً
للسان؛ لتنحل به عقدة الإصرار، ويحصل معه الندم على ما سلف من الأوزار،
فإذاً الاستغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها، ولذلك قال: ((خياركم كل مُفْتَنٍ
تواب)) (١)، قيل: هو الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلّما وقع في الذنب عاد
إلى التوبة، وأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصرّ على تلك المعصية،
فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار؛ إذ لا صغيرة مع
الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار. انتهى (٢).
قال الحافظ تَّتُهُ: ويشهد له ما أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث ابن
*ّ مرفوعاً: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من
عباس
(١) رواه البيهقيّ في ((شعب الإيمان)) (٧١٢٠ و٧١٢١). قال الشيخ الألبانيّ كَثْلُهُ: ضعيف،
وقد صحّ بلفظ: ((إن المؤمن خُلق مفتناً توّاباً ... )). راجع: ((الضعيفة)) ٢٦٨/٥.
(٢) ((المفهم)) ٨٥/٧ - ٨٦.

٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الذنب، وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه))، والراجح أن قوله: والمستغفر ...
إلى آخره موقوف، وأوله عند ابن ماجه، والطبرانيّ من حديث ابن مسعود نَظُنّه،
وسنده حسن، وحديث: ((خياركم كل مفتن توّاب))، ذكره في ((مسند الفردوس))
عن عليّ ر ◌ُه(١).
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضاً: فائدة هذا الحديث أن العود إلى
الذنب، وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى نقض التوبة، فالعودة إلى
التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه انضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، فإنه
لا غافر للذنوب سواه. انتهى(٢).
٥ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخُّْهُ: في هذا الحديث أن المصرّ على
المعصية في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، مغلّباً الحسنة
التي جاء بها، وهي اعتقاد أن له رباً خالقاً، يعذبه، ويغفر له، واستغفاره إياه
على ذلك يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:
١٦٠] ولا حسنة أعظم من التوحيد، فإن قيل: إن استغفاره ربه توبة منه.
قلنا: ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد يطلبها المصرّ والتائب،
ولا دلالة في الحديث على أنه تاب مما سأل الغفران عنه؛ لأن حدّ التوبة
الرجوع عن الذنب، والعزم على أن لا يعود إليه، والإقلاع عنه، والاستغفار
بمجرّده لا يُفهم منه ذلك(٣) .
وقال غيره: شروط التوبة ثلاثة: الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا
يعود إليه، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم، بل هو إلى معنى
الإقلاع أقرب.
قال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم
الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم، لا أصلان معه،
ومن ثم جاء الحديث: ((الندم توبة))، وهو حديث حسن من حديث ابن
(١) تقدّم أن قوله: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) حديث حسن لغيره.
(٢) ((المفهم)) ٨٥/٧ - ٨٦.
(٣) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال كذفه ٥٠٣/١٠.

٦٨٣
(٥) - بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالثَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦٢)
مسعود ربه، أخرجه ابن ماجه، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان من
حديث أنس، وصححه، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في أوائل ((كتاب
التوبة))، فلتراجعه هناك، وبالله تعالى التوفيق.
وقال السبكيّ الكبير في ((الحلبيات)): الاستغفار طلب المغفرة، إما
باللسان، أو بالقلب، أو بهما، فالأول: فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت،
ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني: نافع جدّاً، والثالث: أبلغ منه، لكن لا
يمحصان الذنب ــ أي: قطعاً، وجزماً - حتى توجد التوبة منه، فإن العاصي
المصرّ يطلب المغفرة، ولا يستلزم ذلك وجود التوبة - إلى أن قال -: والذي
ذكرته إن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحَسَب وَضْع اللفظ، لكنه غلب
عند كثير من الناس أن لفظ ((أستغفر الله)) معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده
فهو يريد التوبة، لا محالة، ثم قال: وذكر بعض العلماء أن التوبة لا تتم إلا
بالاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، والمشهور
أنه لا يشترط. انتهى من ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٢] (.) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ،
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاصِنٌّ يُقَالُ لَهُ:
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ عَبْداً أَذْنَبَ ذَنْباً))، بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، وَذَكَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: ((أَذْنَبَ ذَنْباً))، وَفِي الثَّالِئَةِ: ((قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ
مَا شَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) هو: عبد الحميد بن حُميد الكسيّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ، ذُكر قبل حديث.
(١) ((الفتح)) ٥١٤/١٧ - ٥١٥، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥٠٧).

٦٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية همّام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله هذه ساقها
الطبرانيّ تَخْثُ في ((الدعاء)) بلفظ المصنّف تَّتُهُ فقال:
(١٧٧٦) - حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا عفان، وحفص بن عمر
الحوضيّ (ح) وحدّثنا يوسف القاضي، ثنا أبو الوليد الطيالسيّ، قالوا: ثنا
همام، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: كان قاصّ بالمدينة، يقال
له: عبد الرحمن بن أبي عمرة، فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة ظ ◌ُبه يقول:
سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول: ((إن عبداً أذنب، فقال: يا رب أذنبت ذنباً، فاغفر
لي، فقال ربه رَّمَ: عَلِم عبدي أن له ربّاً يغفر الذنب، ويأخذ به، فغفر له، ثم
أذنب ذنباً آخر، فقال: يا رب أذنبت ذنباً، فاغفر لي، فقال ربه : عَلِم
عبدي أن له ربّاً يغفرالذنب، ويأخذ به، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً
آخر، فقال: رب أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال ربه ريك: عَلِم عبدي أن له ربّاً
يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء)). انتهى (١).
وأخرجه أحمد بنحو معناه في («مسنده)) (٢٩٦/٢)، وابن حبّان في
((صحيحه)) (٣٨٨/٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٣] (٢٧٥٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى،
عَنِ النَّبِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَّنْ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ
يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قريباً.
٢ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
(١) ((الدعاء)) للطبرانيّ ٥٠٣/١.

٦٨٥
(٥) - بَابُ قَبُولِ الثَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالثَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦٣)
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨)
وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٥/ ٤٥٢.
٣ - (أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا
اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] والراجح أنه لا
يصح سماعه من أبيه، مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٥/ ٤٥٢.
٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار - بفتح المهملة،
وتشديد الضاد المعجمة - الأشعريّ الصحابيّ المشهور، أَمّرَه عمر، ثم
عثمان ﴿ه، وهو أحد الحكمين بصِفِين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين،
والثاني بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير
الصحابة
ذو مناقب جمّة.
،
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ
(إِنَّ اللهَ وَ يَبْسُطُ يَدَهُ)؛ أي: بسطاً حقيقيّاً، لا مجازيّاً، فإن الحقّ، والصواب
أن لله تعالى يداً حقيقيّة، كما أثبتتها نصوص الكتاب والسُّنَّة، فتُثبتها إثباتاً بلا
تمثيل، وننزّه الله يل عن مشابهة خَلْقه، تنزيهاً، بلا تعطيل، وأما ما يذكره
شرّاح هذا الحديث من التأويل، فهو تأويل مذموم مخالف لِمَا عليه السلف
الصالح، ودونك بعض ما قالوه.
قال في ((المرعاة)): قوله: ((إن الله يبسط يده)) قيل: بسط اليد عبارة عن
الطلب؛ لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئاً من أحدهم بسط إليه كفه؛
والمعنى: يدعو المذنبين إلى التوبة، وقال النوويّ: معناه: يقبل التوبة من
المسيئين نهاراً وليلاً، حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا يختص قبولها بوقت،
فبسط اليد استعارة في قبول التوبة، قال المازريّ: المراد به قبول التوبة، وإنما

٦٨٦
=
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ورد لفظ بسط اليد؛ لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا
كرهه قبضها عنه، فخوطبوا بأمر حسيّ يفهمونه، وهو مجاز، فإن يد الجارحة
مستحيلة في حق الله تعالى. انتهى. وقيل: البسط عبارة عن التوسع في الجود،
والعطاء، والتنزه عن المنع، وفي الحديث تنبيه على سعة رحمته، وكثرة
تجاوزه. وقال الطيبيّ: هو تمثيل يدلّ على أن التوبة مطلوبة عنده، محبوبة
لديه، كأنه يتقاضاها من المسيء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه التأويلات كلّها غير مقبولة؛ لأن حاصلها
حَمْل بسط الله تعالى يده على لازم المعنى، والحقّ أن أصل المعنى ثابت الله وَلَ
على ما يليق بجلاله، ثم يتبعه ما ذكروه من اللوازم، فتنبذه، ولا تغترّ بكثرة
القائلين، وإنما الحقّ ما دلّ عليه صريح الكتاب والسُّنَّة، وإن قلّ قائلوه، على
أن هذه المسألة القائلون بها كثيرون، وهم السلف، ومن سلك سبيلهم، فاتّبع
طريقهم تَسْلَم، وتَغْنَم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم.
(بِاللَّيْلِ)؛ أي: فيه، فالباء بمعنى ((في))، (لِيَتُوبَ مُسِي ءُ النَّهَارِ)؛ يعني:
أنه لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يمهلهم؛ ليتوبوا، (وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ
اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)))؛ أي: إلى طلوع الشمس من محلّ
غروبها، وذلك قرب الساعة، وهو وقت غلق باب التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى
بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ [الأنعام: ١٨٥]، قال القرطبيّ نَّتُهُ: يعني: أن
التوبة تصحّ، وتُقبل دائماً إلى الوقت الذي تطلع فيه الشمس من حيث تغرب،
فإذا كان ذلك طُبع على كلّ قلب بما فيه، ولم تنفع توبة أحد، وهذا معنى قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَنُّهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ
فِيّ إِيمَنِهَا خَيرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وسرّ ذلك، وسببه أن ذلك هو أول قيام الساعة، فإذا شوهد ذلك،
وَعُوِيِنَ حصل الإيمان الضروريّ، وارتفع الإيمان بالغيب الذي هو المكلّف به،
وسيأتي القول في تحقيق القول في طلوع الشمس من مغربها في محلّه (١).
(١) ((المفهم)) ١٠٥/٧.

٦٨٧
(٥) - بَابُ قَبُولِ الثَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالثَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦٤)
قال الجامع عفا الله عنه: طلوع الشمس من مغربها إحدى العلامات
الكبرى التي رمز إليها بعضهم بقوله: ((مَدْعِي طَد)» فالميم للمهديّ، والدال
الدجّال، والعين لعيسى لعلّها، والياء ليأجوج ومأجوج، والطاء لطلوع الشمس
من مغربها، والدال لدابّة الأرض، ويزاد عليها ثلاث خسوف: خسف
بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وريح تخرج من قعر
عدن، فتسوق الناس إلى المحشر، فهذه هي الآيات العشر التي سيأتي بيانها
بالتفصيل في ((كتاب الفتن، وأشراط الساعة)) عند شرح حديث حذيفة بن أَسِيد
الغِفَاريّ ◌َبه، قال: اطّلع النبيّ وَ﴿ علينا، ونحن نتذاكر، فقال: ((ما
تذاكرون؟)) قالوا: نذكر الساعة، قال: ((إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر
آيات، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول
عيسى ابن مريم مثلا، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق،
وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تَخرج من اليمن،
تطرد الناس إلى محشرهم)).
وسأستوفي شرحها هناك بالتفصيل - إن شاء الله تعالى -.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف نَخْذَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٦٣/٥ و٦٩٦٤] (٢٧٥٩)، و(النسائيّ) في
((الكبرى))، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٥/٤ و٤٠٤)، و(عبد بن حميد) في
(مسنده)) (١٩٧/١)، و(البزّار) في («مسنده)) (٣٩/٨)، و(اللالكائيّ) في («اعتقاد
أهل السُّنَّة)) (٦٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٦/٨ و١٨٨/١٠) و((شعب
الإيمان)) (٤٠٠/٥) وفوائده ستأتي في ((كتاب الفتن، وأشراط الساعة)) - إن
شاء الله تعالى -.
[٦٩٦٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).

٦٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة،
تقدّم قريباً .
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
و((شُعبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة هذه ساقها البيهقيّ تَظَّتُهُ في
(«الکبری))، فقال:
(١٦٢٨١) - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنبأ عبد الله بن
جعفر الأصبهانيّ، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسيّ، ثنا شعبة، عن
عمرو بن مُرّة، سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى الأشعريّ ◌َظ ◌ُبه قال: قال
رسول الله ◌َ: ((إن الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب
مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَتْ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٥] (٢٧٦٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ
أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات
في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٧/٦.
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٣٦/٨.

٦٨٩
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَتْ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٦٥)
والباقون كلّهم تقدّموا قبل أربعة أبواب، وإسحاق هو ابن راهويه،
و((جرير)) هو ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه
إسحاق، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه عبد الله مهملاً،
ذو المناقب الجمّة.
مضى
هو ابن مسعود
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((لَيْسَ أَحَدٌ
أَحَبَّ إِلَيْهِ) أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وقوله: (الْمَدْخُ) بالرفع فاعله،
(مِنَ اللهِ) وحبّ الله المدح ليس من جنس ما يُعقل من حب المدح، وإنما الرب
أحب الطاعات، ومن جملتها مَدْحه؛ ليثيب على ذلك، فينتفع المكلّف، لا
لينتفع هو بالمدح، ونحن نحب المدح لننتفع، ويرتفع قدرنا في قومنا، فظهر
من غلط العامة قولهم: إذا أحب الله المدح، فكيف لا نحبه نحن، فافهم، قاله
في ((العمدة))(١).
(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ)؛ أي: ولأجل حبه المدح (مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ
مِنَ اللهِ) ((أغير)) أفعل تفضيل من الغَيْرة - بفتح الغين - وهي الأَنَفَة، والْحَمِيّة،
قال النحّاس: هو أن يحمي الرجل زوجته وغيرها، من قرابته، ويمنع أن يدخل
عليهنّ، أو يراهن غير ذي محرم، والغيور ضدّ الدَّيّوث، والقندع، بضم الدال،
وفتحها: الدّيّوث، وفي ((الموعب)) لابن التيانيّ: رجل غيران، من قوم غيارى،
وغيارى بفتح الغين، وضمها، وقال ابن سِيده: غار الرجل غَيرة، وغَيْراً،
وغاراً، وغياراً، وحكى البكريّ عن أبي جعفر البصريّ: غِيرة بكسر الغين،
والْمِغيار: الشديد الغيرة، وفلان لا يتغير على أهله؛ أي: لا يغار، وقال
الزمخشريّ: أغار الرجل امرأته: إذا حملها على الغيرة، يقال: رجل غيور،
وامرأة غيور، هذا في حقّ الآدميين، وأما في حقّ الله، فقد جاء مُفَسّراً في
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٨.

٦٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الحديث، وغيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرّمه الله عليه؛ أي: أن غيرته
مَنْعُه وتحريمه، ولمّا حرّم الله الفواحش، وتواعد عليها وصفه بَّله بالغيرة،
وقال ◌َّ: ((مِن غَيْرته أن حرَّم الفواحش))(١).
وقال في ((الفتح)): وقيل: غيرة الله كراهة إتيان الفواحش؛ أي: عدم
رضاه بها، لا التقدير(٢)، وقيل: الغضب، لازم الغيرة، ولازم الغضب إرادة
إيصال العقوبة. انتهى (٣).
وكتب الشيخ البرّاك تعليقاً على ما ذكره في ((الفتح))، فقال: قوله:
((وقيل: غيرة الله كراهة إتيان الفواحش إلخ)): لا ريب أن غيرة الله ◌ُعَلَ من
الفعل تتضمّن كراهته له، والغضب على فاعله، وهذا يدلّ على قبح الفعل
عنده نَّلَ، ولذلك يحرّمه على عباده، يدلّ على ذلك قوله وَله: ((من أجل ذلك
حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن))، والغيرة، والكراهة، والغضب صفات
ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، تأويلها بإرادة إيصال العقوبة هي طريقة
الأشاعرة الذين لا يُثبتون إلا الصفات السبع، ومنها الإرادة، ومعنى ذلك: أنه
لا يوصف عندهم بهذه الصفات على حقيقتها. انتهى كلام البرّاك - حفظه الله
تعالى - (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذا المسألة: مسألة
الصفات، كالغيرة؛ والمحبّة، والرضا، والغضب، والإتيان، والمجيء،
والاستواء والنزول أننا نعتقد ثبوتها للهنعمل على ظواهرها، على ما يليق
بجلاله، إثباتاً بلا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل، والله تعالى أعلم.
(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ)؛ أي: لأجل الغيرة (حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ))) قال الإمام ابن
جرير دخّلُ: إن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالفواحش، فمنهم من حملها
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٨، ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٥٧/٩.
(٢) هكذا وقع في ((الفتح)) بلفظ: ((التقدير))، وقال الشيخ البرّاك: الظاهر أن هذه اللفظة
مصحّفة من ((التغيير))؛ لأنه المناسب لمادّة الغيرة. انتهى.
(٣) ((الفتح)) ٣٥٢/١٧.
(٤) من هامش ((الفتح)) ٣٥٢/١٧ (كتاب التوحيد)) رقم (٧٤٠٣).

٦٩١
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَكْ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٦٥)
على العموم، وساق ذلك عن قتادة، قال: المراد: سرّ الفواحش، وعلانيتها،
ومنهم من حملها على نوع خاصّ، وساق عن ابن عباس قال: كانوا في
الجاهلية لا يرون بالزنى بأساً في السرّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله
الزنى في السرّ والعلانية، ومن طريق سعيد بن جبير، ومجاهد: ما ظهر نكاح
الأمهات، وما بطن الزنى، ثم اختار ابن جرير القول الأول، قال: وليس ما
رُوي عن ابن عباس وغيره بمدفوع، ولكن الأولى الحمل على العموم.
انتھی(١).
وقال في ((العمدة)): اختَلَف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ
اٌلْفَوَاحِشَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، فعن ابن عباس، والحسن، والسديّ أنهم قالوا:
كانوا يستقبحون فعل الزنى علانية، ويفعلونه سرّاً، فنهاهم الله رَك، وقيل: ما
ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا، قاله الضحاك، وقال الماورديّ: الظاهر: فِعل
الجوارح، والباطن: اعتقاد القلب، وقيل: هي عامّة في الفواحش، ما ظهر،
ما أُعلن منها، وما بَطن فُعِل سرّاً، وقيل: ما ظهر: ما بينهم وبين الخلق، وما
بطن: ما بينهم وبين الله تعالى، وقيل: ما ظهر: العِناق والقُبلة، وما بطن:
النية. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود قته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦ /٦٩٦٥ و٦٩٦٦ و٦٩٦٧ و٦٩٦٨] (٢٧٦٠)،
و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٦٣٤ و٤٦٣٧) و((النكاح)) (٥٢٢٠) و((التوحيد))
(٧٤٠٣)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٣٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(١١١٨٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٩/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٦/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه))
(٢٩٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٣/٩ و١٠٩)، و(الطبرانيّ) في
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٥٧/٩.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/١٨.

٦٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
((الكبير)) (١٠٣٧٨)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٤٤/٢)، و(البيهقيّ) في
((الصفات)) (ص٢٨٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٣٧٣)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات صفة المحبّة لله تعالى على ما يليق بجلاله ◌ُعَلَ، ومما
يُحبّه الله تعالی المدح، ولأجل محبته مدح نفسه في كتابه الکریم.
٢ - (ومنها): إثبات صفة الغيرة له تُخْلَ على ما يليق بجلاله، ولا نتأوله،
كما تأوله الأشاعرة، وغيرهم، قال ابن دقيق العيد: المنزّهون الله إما ساكت
عن التأويل، وإما مؤوّل، والثاني يقول: المراد بالغيرة: المنع من الشيء،
والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأُطلقت على سبيل المجاز؛ كالملازمة،
وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب. انتهى(١).
وتعقّبه الشيخ البرّاك، فقال: قول ابن دقيق العيد: المنزّهون ... إلخ يريد
بالمنزّهين: نفاة حقائق كثيرة من الصفات؛ كالمحبّة، والرضا، والضحك،
والفرح، والغضب، والكراهة، والغيرة، وأنهم في نصوص هذه الصفات
طائفتان: إما مفوّضةٌ، وإما مؤوّلة، وهذا يصدق على الأشاعرة ونحوهم، فإنهم
ينفون هذه الصفات، ويوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف
لظاهر اللفظ، وإطلاق لفظ المنزّهة عليهم يستلزم أن من يُثبت هذه الصفات
مشبّه، وكذلك يسمّون المثبتين لسائر الصفات - وهم أهل السُّنَّة - مشبّهةً، كما
أن الجهميّة، والمعتزلة يسمّون المثبتين لبعض الصفات؛ كالأشاعرة مشبّهةً،
والحقَّ أن المنزهة على الحقيقة هم أهل السُّنّة والجماعة الذين أثبتوا لله جميع
الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ونزَّهوه عن مماثلة المخلوقات، فتسيمة
النفاة منزّهةً، والمثبتين للصفات مشبّهةً من المغالطات، وتسمية الحقائق بغير
أسمائها. انتهى كلام البرّاك، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن من أجل غيرة الله وَلَ حرّم على عباده الفواحش ما ظهر
منها، وما بطن، والله تعالى أعلم.
(١) نقله في ((الفتح)» ٣٨٢/١٧.

٦٩٣
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَكَ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٦٦ - ٦٩٦٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٦] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ الهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، غير أبي كريب محمد بن العلاء،
فتقدّم قريباً .
وقوله: ((لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) يجوز أن تكون ((لا)) هنا نافية للجنس
تعمل عما ((إن))، و((أحد)) اسمها مبنيّ على الفتح، و((أغير)) مرفوع على الخبريّة
لها، وأن تكون عاملة عمل ((ليس))، فـ«أحدٌ)» اسمها مرفوع، و((أغيرَ)) خبرها
منصوب بها، و((من الله)) متعلّق به، وكذا إعراب قوله: ((وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ
الْمَدْحُ مِنَ اللهِ)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا وَائِلِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ؟ قَالُّ: نَعَمْ،
وَرَفَعَهُ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَزَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم ذُكروا في الباب وقبله.

٦٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
وقوله: (قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ ... إلخ) السائل هو عمرو بن مرّة سأل أبا
وائل، عن سماعه بنفسه عن ابن مسعود، فأجابه بنعم، وزاده أن ابن مسعود
رفع الحديث إلى النبيّ وَلّد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، وبالله تعالى
التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ رَكْ، مِنْ
أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ،
وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ
الرُّسُلَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ) السّلميّ الرَّقّيّ، ويقال: الكوفيّ، ثقةٌ [٤]
(ت٩٤) (بخ م د س) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٦٣١٠/٢٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من
كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: ((لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْعُ مِنَ اللهِ رَّ) إلخ قوله: ((المدح))؛
أي: الثناء بالجميل؛ يعني: أنه يحب المدح من عباده؛ ليثيبهم على مَدْحهم
الذي هو بمعنى الشكر، والاعتراف بالعبودية للواحد الخالق المنعم القهار،
فإذا كان الأشخاص المعلولون المربوبون المذنبون المقصرون يحبون المدح،
فالذي يستحقه أولى، وأحقّ تبارك الممدوح في أوصافه، المحمود على أفعاله،
المنعم على عباده، البرّ الرؤوف الرحيم، قال في ((التنقيح)): فَهِم النوويّ منه أن
يقال: مدحت الله، وليس صريحاً؛ لاحتمال كون المراد أنه تعالى يحب أن

٦٩٥
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَكْ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٦٨)
يمدح غيره، لا أن المراد: يحب أن يمدحه غيره. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ كَّلُهُ هو الصواب؛ إذ هو ظاهر
النصّ، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى)):
حقيقة هذا مصلحة للعباد؛ لأنهم يُثنون عليه منَالنَ، فيثيبهم، فينتفعون، وهو
سبحانه غنيّ عن العالمين، لا ينفعه مدحهم، ولا يضرّه تَرْكهم ذلك، وفيه تنبيه
على فضل الثناء عليه ، وتسبيحه، وتهليله، وتحميده، وتكبيره، وسائر
الأذكار. انتهى(٢).
وقوله: (وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ) قال ابن بطّال ◌َّتُهُ: معناه
ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيْئَاتِ﴾
[الشورى: ٢٥]، فالعذر في هذا الحديث: التوبة والإنابة. انتهى (٣).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((العذر)) مرفوع؛ لأنه فاعلُ ((أحبّ))، قال
الكرمانيّ: المراد بالعذر: الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٢٥)﴾ [النساء: ١٦٥]،
وقال صاحب ((التوضيح)): العذر: التوبة، والإنابة. انتهى (٤).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((أحب إليه العذر ... إلخ)) قال القاضي:
يَحْتَمِل أن المراد: الاعتذار؛ أي: اعتذار العباد إليه من تقصيرهم، وتوبتهم من
معاصيهم، فيغفر لهم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾
[الشورى: ٢٥].
وقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ)))؛ أي: من أجل أنه
يحبّ العذر أنزل الكتاب، والمراد جنسه، فيشمل القرآن، والتوراة، والإنجيل،
وأرسل الرسل؛ أي: جميع المرسلين الذين أرسلهم لإرشاد الخلق إلى الحقّ.
وقال المناويّ تَكْثُ: جمع بين محبة المدح والعذر الموجبين لكمال
(١) ((فيض القدير)) ٣٦١/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧ / ٧٧ - ٧٨.
(٣) (شرح ابن بطال لصحيح البخاريّ)) ٩٠/٢٠.
(٤) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) ٦٤/٣٦.

٦٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الإحسان، وبيَّن أنه لا يؤاخذ عبيده بما ارتكبوه حتى يعذر إليهم المرة بعد
الأخرى، ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كُتُبه؛ إعذاراً وإنذاراً، وهذا غاية
المجد والإحسان، ونهاية الكمال والامتنان، فهو لا يُسرع بإيقاع العقوبة من
غير إعذار منه، ومن غير قبول للعذر ممن اعتذر إليه، وفيه دلالة على
كرم الله عَل، وقبوله عُذْر عباده، فقد بَسَط عُذْرهم، ودلَّهم على موضع التملق
له، وعرّفهم أنه يُقِيل عثراتهم، ويعفو عن زلاتهم، ويتجاوز عن سقطاتهم.
(١)
انتھی
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٦٩ و٦٩٧٠] (٢٧٦١ و٢٧٦٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى:
وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ
الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ)).
قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ
أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَغْيَرَ مِنَ اللّهِ رَ))).
رجال هذين الإسنادين: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قريباً .
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنُ عُلَيَّةَ) البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَّلْت الْكِنْديّ
مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت٢٤٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٨/٥٢.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر
اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلِّس، ويرسل [٥] (ت١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
(١) ((فيض القدير)) ٣٦١/٥.

٦٩٧
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٦٩ - ٦٩٧٠)
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت٩٤ أو ١٠٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَ لُه، ذُكر في الباب الماضي.
٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة
ـته (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
عثمان
٨ - (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصّدّيق، زوج الزبير بن العوام، من كبار
الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين (ع)
تقدمت في ((الطهارة)) ٦٨١/٣٣.
شرح الحديث:
(عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ) اسمه ميسرة، وقيل: سالم الصوّاف البصريّ،
أنه (قَالَ: قَالَ يَخْيَى)؛ أي: ابن أبي كثير، (وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) هكذا بواو
العطف، وهو معطوف على محذوف؛ أي: حدثني أبو سلمة بكذا، وحدّثني
أيضاً (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (إِنَّ اللهَ يَغَارُ)
((الغيرة)): بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها راء، قال عياض وغيره:
هي مشتقة من تغير القلب، وهيجان الغضب، بسبب المشاركة فيما به
الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين، هذا في حقّ الآدميّ، وأما في
حقّ الله، فقال الخطابيّ: أحسن ما يفسّر به ما فُسّر به في حديث أبي
هريرة له هذا، وهو قوله: ((وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم الله عليه)).
قال عياض: ويَحْتَمِل أن تكون الغيرة في حقّ الله: الإشارة إلى تغير حال فاعل
ذلك، وقيل: الغيرة في الأصل: الحميّة، والأَنَفَةُ، وهو تفسير بلازم التغير،
فيرجع إلى الغضب، وقد نَسب إلى نفسه في كتابه الغضب، والرضا.
وقال ابن العربيّ: التغير محال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله
بلازمه؛ كالوعيد، أو إيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك، ثم قال: ومن أشرف
وجوه غَيرته تعالى اختصاصه قوماً بعصمته؛ يعني: فمن ادَّعَى شيئاً من ذلك

٦٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
لنفسه عاقبه، قال: وأشدّ الآدميين غيرةً رسول الله وَلّ؛ لأنه كان يغار لله،
ولِدِينه، ولهذا كان لا ينتقم لنفسه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل الحافظ في ((الفتح)) عن القاضي
عياض، وابن العربيّ تأويل غيرة الله مك بلازم المعنى، وهذا غير صحيح، وقد
كتب الشيخ البرّاك حفظه الله تعالى في هذه المسألة تحقيقاً نفيساً، فقال: دلّ
حديث ابن مسعود ظه - يعني: الذي قبل هذا - على إثبات صفة الغيرة لله
تعالى، وأن غيرته أكمل وأعظم من غيرة كلّ أحد، فيجب أن يكون القول فيها
كالقول في سائر الصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى يغار حقيقةً، وأن غَيْرته
ليست كغيرة المخلوقين، بل غيرة تليق به لل، ويدلّ على أن الغيرة من الله
حقيقة قوله ﴿ في حديث سعد؛ يعني: قوله رَلّى: ((أتعجبون من غيرة سعد؟
لأنَا أغير منه، والله أغير مني))، والغيرة في مثل هذا السياق تتضمّن الغضب؛
لانتهاك الحرمة، فالله ◌َلَ يُبغض ما حرّم، ويغضب إذا انتهكت حرماته.
قال ردّاً على قول القاضي عياض وغيره مما تقدّم: وقول عياض:
ويَحْتَمل أن تكون الغيرة في حقّ الله: الإشارة إلى تغيّر حال فاعل ذلك، هو
من التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة، والحامل عليه الحذر من إضافة
التغيّر إلى الله تعالى الذي يُشعر به لفظ الغيرة، وهو ممتنع عنده، وعند ابن
العربيّ، ولهذا قال فيما نقله الحافظ ابن حجر: التغيّر محال على الله بالدلائل
القطعيّة، والحقّ أن التغيّر من الألفاظ المجملة المبتدعة في باب صفات الله
تعالى؛ إذ لم يَرِد إطلاقه على الله تعالى نفياً ولا إثباتاً، والواجب في مثل هذا:
التفصيل، والاستفصال، فمن أراد بالإثبات، أو النفي حقّاً قُبل، وإن أراد
باطلاً رُدّ، فالتغيّر إن أريد به النقص بعد الكمال، أو الكمال بعد النقص، فهو
ممتنع على الله ريك؛ لأنه منزّه عن النقص أزلاً وأبداً، وإن أُريدَ به التغيّر في
أفعاله تبعاً لمشيئته وحكمته، مثل أن يُحبّ، ويُبغض، ويغضب، ويرضى،
فذلك من كماله، وتسمية هذا تغيّراً في ذاته ممنوع وباطل، والأسماء لا تغيّر
الحقائق، والمعوّل في الأحكام على الحقائق والمعاني، لا على الألفاظ
والعبارت. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد البرّاك في هذا التحقيق، وخلاصته

٦٩٩
(٦) - بَابُ بَيَانِ غَيْرَةِ اللهِ رَكْ، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ - حديث رقم (٦٩٦٩ - ٦٩٧٠)
إثبات صفة الغيرة لله ول على حقيقتها، كما يليق بجلاله، وعدم تأويلها بشيء
مما تقدّم عن عياض، وابن العربيّ، وغيرهما، وهذا هو الذي سلكه السلف في
جميع صفات الله تعالى، وهو الحقّ المبين، وما عداه رأي عاطل مهين، والله
تعالى أعلم.
(وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ)؛ أي: يتغير قلبه، ويهيج غضبه، إذا شورك فيما له به
اختصاص، وقوله: (وَغَيْرَةُ اللهِ) مبتدأ خبره قوله: (أَنْ يَأْتِيَ)؛ أي: يفعل
(الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ») يَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الله،
ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، والجارّ والمجرور هو النائب عن الفاعل.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((ما حَرّم الله))، قال في ((الفتح)): قوله:
((وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم الله))، كذا للأكثر، وكذا هو عند مسلم،
لكن بلفظ: ((ما حَرَّمَ عليه)) على البناء للفاعل وزيادة ((عليه))، والضمير للمؤمن،
ووقع في رواية أبي ذرّ: ((وغيرة الله أن لا يأتي)) بزيادة ((لا))، وكذا رأيتها ثابتة
في رواية النسفيّ، وأفرط الصغانيّ، فقال: كذا للجميع، والصواب حذف
((لا))، قال الحافظ: كذا قال، وما أدري ما أراد بالجميع، بل أكثر رواة
البخاريّ على حَذْفها وفاقاً لمن رواه غير البخاريّ؛ كمسلم، والترمذيّ،
وغيرهما، وقد وجّهها الكرمانيّ وغيره بما حاصله: أن غيرة الله ليست هي
الإتيان، ولا عدمه، فلا بد من تقدير مثل: لِأَنْ لا يأتي؛ أي: غيرةُ الله على
النهي عن الإتيان، أو نحو ذلك، وقال الطيبيّ: التقدير: غيرة الله ثابتة لأجل
أن لا يأتي، قال الكرمانيّ: وعلى تقدير ((أن لا)) يستقيم المعنى بإثبات ((لا))،
فذلك دليل على زيادتها، وقد عُهدت زيادتها في الكلام كثيراً مثل قوله: ﴿مَا
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [صَ: ٧٥]، ﴿لِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِنَبِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغير ذلك.
(١)
انتھی(١).
ثم قال المصنّف تَخْثُ بالسند المذكور قبله:
(قَالَ يَحْيَى) فهو موصول، وليس معلّقاً، و((يحيى)) هو ابن أبي كثير
المذكور في السند الماضي. (وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) هكذا بواو العطف، فهو
(١) ((الفتح)) ٦٧١/١١، ((كتاب النكاح)) رقم (٥٢٢٣).

٧٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
معطوف على ((وحدّثني أبو سلمة الماضي، (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ)؛ أي: أبا
سلمة، قال في ((الفتح)): ورواية أبي سلمة عن عروة، من رواية القرين عن
القرين؛ لأنهما متقاربان في السنّ واللقاء، وإن كان عروة أسنّ من أبي سلمة
قليلاً. انتهى (١). (أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌َِّا (حَدَّثَنْهُ)؛ أي: عروة،
(أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ رَ))) وفي الرواية
الثالثة: ((لا شيء أغير من الله رَك))، ومعنى الروايتين واحد.
[تنبيه]: جمع المصنّف كَُّهُ بين حديثي أبي هريرة، وأسماء ﴿ه هنا
بسند واحد، وهكذا صنع البخاريّ، غير أنه قدّم حديث أسماء، ثم عَطَف عليه
حديث أبي هريرة، عكس صنيع مسلم، ودونك نصّه:
(٤٩٢٤) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا همّام، عن يحيى، عن أبي
سلمة؛ أن عروة بن الزبير حدّثه، عن أمه أسماء، أنها سمعت رسول الله وَلايه
يقول: ((لا شيء أغير من الله)).
وعن يحيى: أن أبا سلمة حدّثه، أن أبا هريرة حدّثه، أنه سمع النبيّ وَّر.
(٤٩٢٥) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة؛ أنه
سمع أبا هريرة به، عن النبيّ وَ ﴿ أنه قال: ((إن الله يغار، وغيرةُ الله أن يأتي
المؤمن ما حَرَّم الله)). انتهى(٢).
قال في ((الفتح)): قوله: ((وعن يحيى أن أبا سلمة حدثه أن أبا هريرة
حدثه)) هكذا أورده، وهو معطوف على السند الذي قبله، فهو موصول، ولم
يَسُق البخاريّ المتن من رواية همام، بل تحول إلى رواية شيبان، فساقه على
روايته، والذي يظهر أن لفظهما واحد، وقد وقع في رواية حجاج بن أبي
عثمان عند مسلم بتقديم حديث أبي سلمة، عن عروة، على حديثه عن أبي
هريرة عكس ما وقع في رواية همام عند البخاريّ، وأورده مسلم أيضاً من رواية
حرب بن شداد، عن يحيى بحديث أبي هريرة فقط، مثل ما أورده البخاريّ من
رواية شيبان، عن يحيى، ثم أورده مسلم من رواية هشام الدستوائيّ، عن
يحيى، بحديث أسماء فقط، فكأن يحيى كان يجمعهما تارةً، ويُفْرد أخرى، وقد
(١) ((الفتح)) ٦٧١/١١.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٠٢/٥.