Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٦ و٦٩٥٧) ممكن، وإنما فرض غيرَ المستحيل مستحيلاً فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول، لا الثاني. ويَحْتَمِل أن شدّة الخوف طيّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه، أم لا؟، كما هو المشاهَد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسّك بأدنى شيء؛ لاحتمال أنه لعله ينفعه، فهو فيما قال، وفعل في حكم المجنون. وأجاب بعضهم بأن هذا رجل لم تبلغه الدعوة، وهذا بعيد، والله تعالى أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا البحث مستوفّى في المسألة الخامسة، فارجع إليه تزدد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. (لَيُعَذِّبُنِي) جواب القسم، والفعل مبنيّ على الفتح لاتصال نون التوكيد به، (عَذَاباً مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَداً، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ)؛ أي: جميع ما أوصاهم به، (فَقَالَ) الله تعالى (لِلأَرْضِ: أَدِّي) فعل أمر للمؤنّثة من التأدية، وهي الأرض، (مَا أَخَذْتِ) وفي الرواية الآتية: ((فقَالَ اللهُ وَّ لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً: أَدِّ مَا أَخَذْتَ منه))؛ أي: من أجزاء هذا الميت، وفي رواية البخاريّ: ((فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت ... )). (فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ) ((إذا)» هنا هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان ربه عند أبي عوانة في ((صحيحه)): ((فقال الله له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين)). قال في ((الفتح)): وهذا جميعه - كما قال ابن عقيل -: إخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: ((فجمعه الله))؛ لأن التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح)) نقلاً عن ابن عقيل من أنه إخبار عما سيقع ... إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ سياق الحديث (١) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ١١٣/٣. (٢) ((الفتح)) ٢٠٦/٧ - ٢٠٧ رقم (٣٤٧٨). ٦٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة يأباه، وهذا الذي نفاه من الوقوع قبل ذلك ليس ببعيد، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ٢٠]. فتبصّر، والله تعالى أعلم. پِعَزِيزٍ (فَقَالَ) الله رَ (لَهُ)؛ أي: لذلك الرجل الذي اجتمعت أجزاؤه، (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟) ((ما)) الأولى استفهاميّة، والثانية موصولة؛ أي: أيُّ شيء حملك على هذا الذي صنعته من هذه الوصيّة الجائرة؟ (فَقَالَ) الرجل: (خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ، أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ) برفع ((خشيتك))، أو ((مخافتك)) على الفاعليّة لفعل مقدّر، يدلّ عليه السؤال، كما أشار إلى ذلك ابن مالك تَُّهُ في ((خلاصته))، حيث قال: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرًا كَمِثْلِ (زَيْدٌ)) فِي جَوَابٍ ((مَنْ قَرَا؟» أي: ((حملني على ذلك خشيتك))، أو ((مخافتك)) (فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ)))؛ أي: بسبب خشيته، وفي حديث أبي سعيد رصُّه: ((فتلقّاه برحمته)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ثم ذكر المصنّف تَخْذَلُ الحديث الثاني من الحديثين العجيبين اللذين حدّثه بهما حميد بن عبد الرحمن، فقال بالسند الماضي، وليس معلّقاً، ولذا لم أرقّم له ترقيماً جديداً، فما فعله بعض الشرّاح، وكذا الذين رقموا الكتاب من الترقيم الجدید غیر صحیح، فتنبه. (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: (دَخَلَتِ امْرَأَةُ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً))، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ لِئَلََّّ يَتَكِلَ رَجُلٌ، وَلَا ◌َيْأَسَ رَجُلٌ). قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ظُه هذا من أفراد المصنّف تَخْذَثُهُ وهو متّفق عليه من حديث ابن عمر ظًا، وقد تقدّم في ((كتاب قتل الحيّات)) ((باب تحريم قتل الهرّة)) برقم [٥٨٤١/٤] (٢٢٤٣)، وفي ((كتاب البرّ والصلة)) ((باب تحريم تعذيب الهرّة إلخ)) برقم [٦٦٥٦/٣٧] (٢٦١٩)، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ) لا يُعرف اسمها، فقيل: حِمْيريّة، وقيل: ٦٦٣ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٦ و٦٩٥٧) إسرائيلية، ولا تعارض؛ لأن طائفة من حِمْيَر تهوّدت، فنُسبت إلى دينها تارةً، وإلى قبيلتها أخرى. وقوله: (فِي هِرَّةٍ)؛ أي: بسببها . وقوله: (مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسرها، وضمها، حكاهنّ في ((المشارق))، والفتح أشهر، ورُوي بالحاء المهملة، والصواب المعجمة، وهي هوامّ الأرض، وحشراتها، كما وقع في الرواية الأخرى، وقيل: المراد به: نبات الأرض، وهو ضعيف، أو غلط، قاله النوويّ(١). وقوله: (حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً) بفتح الهاء، وضمّها؛ أي: ضَعفاً، قال المجد كَّتُهُ: الهُزالُ بالضم: نقيضُ السِّمَنِ، وهُزِلَ، كعُنِيَ هُزالاً، وهَزَلَ، كَنَصَرَ هَزْلاً، ويُضَمُّ، وهَزَلْتُه أهْزِلُه، وهَزَّلَّتُه، وأَهْزَلُوا: هُزِلَتْ أمْوالهُم، كهَزَلُوا، كضَرَبوا، وحَبَسوا أمْوالَهُم عن شِدَّةٍ، وضِيقٍ. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ) إشارة إلى سبب ذكره الحديثين: حديث صاحب الوصيّة، وحديث صاحبة الهرّة، فذكرتُ الحديث الثاني (لِئَلَا يَتَّكِلَ رَجُلٌ) من أهل الطاعة على طاعته، فيستخفّ بالمعاصي، ويسترسل فيها؛ اتكالاً على الطاعة، فإن هذه المرأة الظاهر أنه كانت مطيعة، وإنما دخلت النار بسبب ظلمها الهرة فقط، فإذا سمع القصّة تَرَك الاتكال على طاعته، وانكفّ عن الاسترسال في المعاصي؛ خوفاً من المؤاخذة، كما وقع لهذه المرأة. (وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ)؛ أي: وذكرتُ الحديث الأول؛ لئلا يقع رجل من أهل المعاصي في القنوط بسبب كثرة معاصيه، فإذا سمع هذا الحديث انشرح صدره الرجاء رحمة ربه، فأناب، وتاب، فقبل الله تعالى توبته، كما قبل توبة الرجل، والله تعالى أعلم. وقال صاحب ((التكملة)): قوله: (لئلا يتكل إلخ))؛ يعني: أن قصّة تعذيب المرأة بسبب الهرّة توجب الحذر من الذنوب، فإن الذنب اليسير ربّما يكفي لتعذيب الإنسان في الآخرة، فهذه القصّة تنفي الاتكال على الرجاء، والغفلة عن الخوف. وأما قصّة الرجل الذي أوصى بتحريقه، فإنها تنفي اليأس والقنوط من (١) (شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٣٨٣. ٦٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة رحمة الله تعالى، فليكن الإنسان دائراً بين الخوف والرجاء، ولذلك أتبع الإمام الزهريّ تَخْلُهُ حديث الرجل بحديث الهرّة؛ ليستوي الطرفان. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٨] (٢٧٥٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ))، بِنَحْوِ حَدِيثٍ مَعْمَرٍ إِلَى قَوْلِهِ: ((فَغَفَرَ اللهُ لَهُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ فِي قِصَّةِ الْهِرَّةِ، وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ: ((فَقَالَ اللهُ رَى لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً: أَدِّ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (أَبُوِ الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ)(٢) بن رُشيد البغداديّ الأحول الْخُتَّليّ - بضم الخاء المعجمة، وتشديد المثناة - [١١]. كان أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال ابن قانع: ثقة. وقال صالح بن محمد الأسدي: أبو الربيع الأحول ثقة، كان ببغداد. مات سنة (٢٣١). انفرد به مسلم. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمْصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤]. ٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٧٤]. والباقون ذُكروا قبله. (١) (تكملة فتح الملهم)) ١٩/٦ - ٢٠. (٢) قال الجامع عفا الله عنه: كون صاحب الترجمة هنا هو الْخُتّليّ هو الصواب، وعليه أصحاب برامج الحديث، وقد أخطأ الشارح الهرريّ، فكتب ترجمة سليمان العتكيّ الزهرانيّ، راجع ((شرحه)) ٢١٧/٢٥، وقد كنت أنا أيضاً أخطات فيما مضى في ((كتاب الطبّ)) [٥٧١٣/٦] (٢١٩٧)، لكني تراجعت تبعاً للحافظ المزيّ في ((تهذيب الكمال)» ٤١٤/١١ - ٤١٥ حيث بيّن أنه الختّليّ، وأخرج الحديث من روايته، فلیتنبّه. ٦٦٥ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٩) [تنبيه]: رواية الزبيديّ عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ تَكْثُ في ((المجتبى))، فقال: (٢٠٧٩) - أخبرنا كثير بن عُبيد، قال: حدّثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله * يقول: ((أسرف عبد على نفسه، حتى حضرته الوفاة، قال لأهله: إذا أنا متّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبنّي عذاباً، لا يعذبه أحداً من خلقه، قال: ففعل أهله ذلك، قال الله ◌َّ لكل شيء أخذ منه شيئاً: أَدِّ ما أخذت، فإذا هو قائم، قال الله مت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك، فغفر الله له)). انتھی(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٩] (٢٧٥٧) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ؛ ((أَنَّ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَاشَهُ اللهُ مَالاً وَوَلَداً، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ، أَوْ لِأُوَلِّيَنَّ مِيرَانِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مِتُّ، فَأَحْرِقُونِي - وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ -: ثُمَّ اسْحَقُونِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْراً، وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقاً، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا))). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قريباً. ٢ - (عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ) الأزديّ الْعَوْذيّ، أبو نَهّار البصريّ، ثقةٌ [٤] قديم الموت، مات سنة ثلاث وثمانين (خ م س) تقدم في ((البيوع)) ٤٠٧٦/٣٩. ٣ - (أَبُو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﴿ها، تقدّم قريباً. (١) ((سنن النسائيّ (المجتبى)) ١١٢/٤. ٦٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة والباقون ذُکروا بابین. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ؛ أنه (سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ) الأزديّ البصريّ، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ◌َبه، حال كونه (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ؛ ((أَنَّ رَجُلاً) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه. (فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)؛ أي: من الأمم السابقة، بني إسرائيل، أو غيرهم، (رَاشَهُ اللهُ مَالاً وَوَلَداً) قال النوويّ تَخُّْ: هذه اللفظة رويت بوجهين في ((صحيح مسلم)): أحدهما: ((راشه)) بألف ساكنة غير مهموزة، وبشين معجمة، والثاني: رأسه بهمزة، وسين مهملة، قال القاضي: والأول هو الصواب، وهو رواية الجمهور، ومعناه: أعطاه الله مالاً وولداً، قال: ولا وجه للمهملة هنا، وكذا قال غيره: ولا وجه له هنا. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَّقُ: قوله: ((راشه الله مالاً)) كذا الرواية الصحيحة، ومعناه: أكسبه الله مالاً. قال ابن الأعرابيّ: الرِّياش: المال، وقال القتبيّ: أصله من الرِّيش، كأنّ الْمُعْدِمَ لا نهوض له مثل المقصوص من الطير. وعند الفاسيّ: ((رأسه)) بألف مهموزة، وسين مهملة، وهو تصحيف، ولا وجه له. وفي رواية: ((رغسه الله مالاً وولداً)) بغين معجمة، وسين مهملة؛ أي: أعطاه الله تعالى من ذلك كثيراً. قال أبو عبيد: يقال: رغسه الله يَرْغَسه رغساً (٢): إذا كان ماله نامياً كثيراً، وكذلك هو في الحَسَب. انتهى (٣). (١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٧٣. (٢) من باب منع، ويقال: أرغسه بالهمزة، كما في ((القاموس)). (٣) ((المفهم)) ٧/ ٧٧ - ٧٨. ٦٦٧ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٩) (فَقَالَ لِوَلَدِهِ) بفتحتين، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ، فسكون، وهو لغة فيه: قال الفيّوميّ كَّلُ: الوَلَدُ بفتحتين: كلُّ ما وَلَده شيء، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكّر، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ وزان قُفْل لغة فيه، وقيس تجعل المضموم جَمْع المفتوح، مثل أُسْدٍ، جمع أَسَدٍ. انتهى(١). (لَتَفْعَلُنَّ) باللام الموطّئة للقسم؛ أي: والله لتفعلنّ، وهو فعل مضارع مسند لضمير الجماعة، مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة، وأصله لتفعلوننّ، حُذفت نون الرفع؛ لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار لتَفْعَلُنّ. (مَا) موصولة؛ أي: الشيء الذي (آمُرُكُمْ بِهِ، أَوْ لأُوَلِّيَنَّ) بنون التوكيد الثقيلة أيضاً، من التولية؛ أي: لأعطينّ (مِيرَائِي)؛ أي: ما يورث مني من المال، (غَيْرَكُمْ) ممن لا يرثني، قال القرطبيّ تَخْتُهُ: وفيه ما يدلّ على أنه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يُوَرِّث ماله من يشاء من الناس، فنَسخ ذلك شرعنا. انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: ويَحْتَمل أن يكون قاله تهديداً لهم، لا ليفعله، والله تعالى أعلم. والمعنى: اختاروا أحد الأمرين: إما أن تفعلوا ما آمركم به، أو يحصُل مني إعطاء ميراثكم مني غيركم، ثم بيّن لهم ما يفعلونه بقوله: (إِذَا أَنَا مُتُّ) بضمّ الميم، من مات يموت، كقال يقول، وبكسرها، كخاف يخاف، (فَأَحْرِقُونِي) بهمزة القطع، من الإحراق، قال شعبة: (وَأَكْثَرُ) بالثاء المثلّثة (عِلْمِي)؛ أي: أكبر ظنّي (أَنَّهُ)؛ أي: قتادة (قَالَ: ثُمَّ اسْحَقُونِي)؛ أي: دُقّوني، واطحنوني، وهو بفتح الحاء المهملة، أمْر من سَحَق يَسْحَق، كمنع يمنع، قيل: روي ((اسحكُوني))، و(اسهكوني))، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن. وقال في ((العمدة)): قوله: (فاسحقوني)) من السحق، وهو دَقّ الشيء ناعماً، أو قال: ((فاسهكوني))، شكّ من الراوي، من السهك، قالوا: السحق والسهك بمعنى واحد، وقيل: السهك دونه، وهو أن يُفَتّ الشيء، أو يدقّ (١) ((المصباح المنير)) ٦٧١/٢. (٢) ((المفهم)» ٧٩/٧. ٦٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة قِطَعاً صغاراً. انتهى(١). وقال القاضي عياض في ((المشارق)): قوله في حديث المحرق: ((سحكوني، أو قال: اسحقوني)) كذا في بعض الروايات، وفي رواية عن أبي ذرّ: ((أو قال: اسهكوني))، وفي باب آخر: ((اسكهوني)) بتقديم الكاف. انتھی(٢). (وَاذْرُونِي) يصحّ أن يُقرأ موصول الألف، من ذَرأت الشيء: فرّقته، ويصح أن يكون أصله من الثلاثي المزيد فيه، فتُقطع الهمزة، من قولهم: أذرت العين دمعَها، وأذريتُ الرجلَ عن فرسه؛ أي: رميته، وقال ابن التين: قرأناه بقطع الهمزة، قاله في ((العمدة))(٣). (فِي الرِّيحِ) متعلّق بما قبله، ثم ذكر لهم سبب أمْره بذلك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنِّي)؛ أي: لأني (لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْراً) قال القرطبيّ دَخْذُ: بالهاء، رواية الشيوخ، وعند ابن ماهان: ((لم يبتئر))، بالهمزة، وكلاهما بمعنى واحد، والهمزة تُبدل من الهاء، وكذلك ابتار، وامتار، بالباء، والميم، فإنَّها تُبدل منها. وقد فسّرها قتادة، فقال: لم يَدّخر، وهو تفسير صحيح، ويشهد له المعنى، والمساق. انتهى (٤). وقال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في بعض النسخ، ولبعض الرواة: ((أبتئر)) بهمزة بعد التاء، وفي أكثرها: ((لم أبتهر)) بالهاء، وكلاهما صحيح، والهاء مُبدلة من الهمزة، ومعناهما: لم أُقَدِّم خيراً، ولم أَدِّخره، وقد فسَّرها به قتادة في كلامه الآتي، وفي رواية: ((لم يبتئر)) هكذا هو في جميع النسخ، وفي رواية: ((ما امتأر)) بالميم، مهموزٌ أيضاً، والميم مبدلة من الباء الموحّدة. انتهى (6). (وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذَّبَنِي) قال القرطبيّ كَّتُهُ: وجدنا الروايات، والنُّسخ تختلف في ضَبْط هذه الكلمات، وحاصله يرجع إلى تقییدین: أحدهما: تشديد ((إنّ)) مكسورة، ونَصْب الاسم المعظّم بها، و((يَقْدِرُ)) (١) ((عمدة القاري)) ٧٤/٢٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٧٤/٢٣. (٥) ((شرح النوويّ)) ٧٣/١٧. (٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٠٨/٢. (٤) ((المفهم)) ٧٨/٧. ٦٦٩ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٩) مرفوعاً فعل مضارع، وهو خبر ((إنّ))، و((على أن يعذبني)) متعلّق به، وهذا خبر محقَّق عن الرجل، أخبر به عن نفسه أن الله يَقْدِر على تعذيبه، وهي رواية مصححة لقول من قال: لم يكن جاهلاً، ولا شاكّاً، وإنما كان خائفاً . وثانيهما: تخفيف ((إِنْ)) المكسورة، ورَفْع اسم الله تعالى بعدها، وجَزْم (يَقْدِرْ)) بها، و((عليّ)) مشددة الياء، و((يُعَذِّبْني)) مجزوم على جواب الشرط، وهذه الرواية مصححة لقول من قال: إن الرجل كان شاكّاً على ما ذكرناه، والأول أشبه ما اخترناه، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال النوويّ دَّثُ: قوله: ((وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي)) هكذا هو في معظم النُّسخ ببلادنا، ونقل القاضي عياض اتفاق الرواة، والنسخ عليه، هكذا بتكرير ((إن))، وسقطت لفظة ((إن)) الثانية في بعض النسخ المعتمدة، فعلى هذا تكون ((إن)) الأُولى شرطية، وتقديره: إن قدر الله عليَّ عَذْبَنِي، وهو موافق للرواية السابقة، وأما على رواية الجمهور، وهي إثبات ((إن)) الثانية مع الأولى، فاختلف في تقديره، فقال القاضي: هذا الكلام فيه تلفيق، قال: فإن أُخذ على ظاهره، ونُصِب اسم الله، وجُعِل ((يَقدِر)) في موضع خبر ((إنّ)) استقام اللفظ، وصح المعنى، لكنه يصير مخالفاً لِمَا سبق من كلامه الذي ظاهره الشكّ في القدرة، قال: وقال بعضهم: صوابه حذف ((إن)) الثانية، وتخفيف الأُولى، ورَفْع اسم الله تعالى، قال: وكذا ضبطناه عن بعضهم، هذا كلام القاضي. وقيل: هو على ظاهره بإثبات ((إن)) في الموضعين، والأُولى مشدّدة، ومعناه: إن الله قادر على أن يعذبني، ويكون هذا على قول من تأوَّل الرواية الأُولى على أنه أراد بقَدَر: ضيّق، أو غيره مما ليس فيه نفي حقيقة القدرة، ويجوز أن يكون على ظاهره، كما ذكر هذا القائل، لكن يكون معنى قوله هنا : إن الله قادر على أن يعذبني، إن دفنتموني بهيئتي، فأما إن سحقتموني، وذريتموني في البرّ والبحر، فلا يقدر عليّ، ويكون جوابه كما سبق، وبهذا تجتمع الروايات، والله أعلم. انتهى(٢). (قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقاً، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي) قال النوويّ ◌َُّهُ: هكذا (١) ((المفهم)) ٧٨/٧ - ٧٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٣/١٧ - ٧٤. ٦٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة هو في جميع نُسخ ((صحيح مسلم)): ((وربي)) على القَسَم، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه أيضاً في كتاب مسلم، قال: وهو على القَسَم من المخبِر بذلك عنهم؛ لتصحيح خبره، وفي ((صحيح البخاريّ)): ((فأخذ منهم ميثاقاً، وربي ففعلوا ذلك به))، قال بعضهم: وهو الصواب، قال القاضي: بل هما متقاربان في المعنى والقسم، قال: ووجدته في بعض نُسخ ((صحيح مسلم)) من غير رواية لأحد من شيوخنا، إلا للتميميّ من طريق ابن الحذّاء: ((ففعلوا ذلك، وذري)) قال: فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام؛ لأنه أمرهم أن يَذرُوه، ولعل الذال سقطت لبعض النساخ، وتابعه الباقون، هذا كلام القاضي، قال النوويّ: والروايات الثلاث المذكورات صحيحات المعنى، ظاهرات، فلا وجه لتغليط شيء منها، والله أعلم. انتهى(١). (فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا)؛ أي: ما تداركه، والتاء فيه زائدة، قاله النوويّ، وضمير ((غيرها)) للرحمة؛ أي: لم يصادفه عند قوله: ((مخافتك)) إلا الرحمة والمغفرة، ويبيّن هذا رواية البخاريّ للحديث بلفظ: ((فتلقّاه برحمته))، وفي رواية: ((فتلقاه رحمته))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فتلقاه رحمته)) في رواية الكشميهني ((فتلافاه))، قال ابن التين: أما تلقاه بالقاف فواضح، لكن المشهور تعديته بالباء، وقد جاء هنا بغير تعدية، وعلى هذا فالرحمة منصوبة على المفعولية، ويَحْتَمِل أن يكون ذَكَر الرحمة، وهي على هذا بالرفع، قال: وأما تلافاه بالفاء فلا أعرف له وجهاً، إلا أن يكون أصله فتلففه؛ أي: غشاه، فلما اجتمعت ثلاث فاءات أُبدلت الأخيرة ألفاً، مثل دسّاها. قال الحافظ: كذا قال، ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر أنه من الثلاثيّ، والقول فيه كالقول في التلقي، وقد وقع في حديث سلمان: ((مما تلافاه عندها أن غَفَر له)). انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَخُّْ: وفي الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من (١) ((شرح النوويّ)) ٧٤/١٧. (٢) ((الفتح)) ١٣٨/٨ - ١٣٩، ((كتاب الأنبياء)) رقم (٣٤٧٨). ٦٧١ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٦٠) رحمة الله تعالى، ومغفرته(١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٥٩/٤ و٦٩٦٠] (٢٧٥٧)، و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٧٨) و((الرقاق)) (٦٤٨١) و((التوحيد)) (٧٥٠٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٣/٣ و١٧)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٦٤٩ و٦٥٠)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٣٢/٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٥٥٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٤/٢ و٤٦٩/٨)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٦١/٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ بَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، ذَكَرُوا جَمِيعاً بِإِسْنَادِ شُعْبَةً نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ، وَأَبِي عَوَانَةَ: ((أَنَّ رَجُلاً مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ اللهُ مَالاً وَوَلَدَا))، وَفِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ: (فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَثِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْراً))، قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْراً، وَفِي حَدِيثٍ شَيْبَانَ: ((فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا ابْتَأَرَ عِنْدَ اللهِ خَيْراً))، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ: ((مَا امْتَأَرَ)) بِالْمِيمِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) هو: يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. (١) ((المفهم)) ٧٩/٧. ٦٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ الحافظ تقدّم قبل بابين. ٣ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب - بمعجمة، ثم تحتانية - أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢١/٥٥. ٤ - (شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة، بطن من الأزد، لا إلى علم النحو [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد بن المثنّى، أبو موسى الْعَنّزي المعروف بالزّمِن، تقدّم قريباً. ٦ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٢٧) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٣/٦. ٧ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ) ضمير التثنية لشيبان، وأبي عوانة. وقوله: (ذَكَرُوا جَمِيعاً ... إلخ) ضمير الجماعة للثلاثة، وهم: سليمان التيميّ، وشيبان النحويّ، وأبو عوانة. وقوله: (بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ)؛ أي: عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِ)؛ أي: نحو حديث شعبة. وقوله: (رَغَسَهُ اللهُ مَالاً وَوَلَداً) هو بالغين المعجمة المخففة، والسين المهملة؛ أي: أعطاه مالاً، وبارك له فيه، قاله النوويّ. وقال في ((الفتح)): قوله: ((رغسه الله)) بفتح الراء، والغين المعجمة، بعدها سين مهملة؛ أي: كَثّر ماله، وقيل: رَغْسُ كلِّ شيء أصله، فكأنه قال: جعل له أصلاً من مال، قال: ووقع في مسلم: ((رأسه الله)) بهمز بدل الغين المعجمة، قال ابن التين: وهو غلط، فإن صح - أي: من جهة الرواية - فكأنه كان فيه رَاشَهُ - يعني: بألف ساكنة، بغير همز، وبشين معجمة - والريش والرياش: المال. انتهى. ٦٧٣ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٦٠) ويَحْتَمِل في توجيه رواية مسلم أن يقال: معنى ((رأسه)): جعله رأساً، ويكون بتشديد الهمزة، وقوله: ((مالاً))؛ أي: بسبب المال. انتهى(١). وقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَثِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْراً) قال في ((الفتح)): كذا وقع هنا (يبتثر)) بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثناة، بعدها تحتانية مهموزة، ثم راء مهملة، وتفسير قتادة صحيح، وأصله من البئيرة بمعنى الذخيرة، والخبيئة، قال أهل اللغة: بأرت الشيءَ، وابتأرته أباره، وأبتئره: إذا خبأته، ووقع في رواية ابن السكن: ((لم يأبتر)) بتقديم الهمزة على الموحّدة، حكاه عياض، وهما صحيحان بمعنى، والأول أشهر، ومعناه: لم يُقَدِّم خيراً، كما جاء مفسراً في الحديث، يقال: بأرتُ الشيء، وابتأرته، وائبترته: إذا ادّخرته، ومنه قيل للحفرة: البئر، ووقع في ((التوحيد))، وفي رواية أبي زيد المروزيّ فيما اقتصر عليه عياض، وقد ثبت عندنا كذلك في رواية أبي ذرّ: ((لم يبتئر، أو لم يبتئز)) بالشك في الزاي، أو الراء، وفي رواية الجرجاني بنون بدل الموحّدة، والزاي، قال: وكلاهما غير صحيح، وفي بعض الروايات في غير البخاريّ: (ينتهز)) بالهاء بدل الهمزة، وبالزاي، و((يمتئر)) بالميم بدل الموحّدة، وبالراء أيضاً، قال: وكلاهما صحيح أيضاً، كالأولين. انتهى(٢). وقوله: (قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير سليمان التيميّ. وقوله: (مَا ابْتَأَرَ، وكذا مَا امْتَأَرَ) بِالْمِيم معناهما واحد، كما سبق آنفاً؛ أي: ما ادّخر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية سليمان التيميّ عن قتادة فساقها البخاريّ كَّلُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦١١٦) - حدّثنا موسى، حدّثنا معتمر، سمعت أبي، حدّثنا قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدريّ ظُه، عن النبيّ وَّ ذكر رجلاً فيمن كان سلف، أو قبلكم، آتاه الله مالاً وولداً؛ يعني: أعطاه، قال: فلما حُضِر، قال لبنيه: أيُّ أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر عند الله خيراً - فسَّرها قتادة: لم يدخر - وإن يَقْدَم على الله يعذبه، فانظروا، (١) ((الفتح)) ١٣٦/٨. (٢) ((الفتح)) ١٣٦/٨. ٦٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة فإذا متّ، فأحرقوني، حتى إذا صِرْت فَحْماً، فاسحقوني، أو قال: فاسهكوني، ثم إذا كان ريح عاصف، فاذروني فيها، فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا، فقال الله: كن، فإذا رجل قائم، ثم قال: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك، أو فَرَق منك، فما تلافاه أن تَظّثُ))، فحدّثت أبا عثمان(١)، فقال: سمعت سلمان، غير أنه زاد: ((فاذروني في البحر))، أو كما حدث . وقال معاذ: حدّثنا شعبة، عن قتادة، سمعت عقبة، سمعت أبا سعيد الخدريّ، عن النبيّ وَِّ. انتهى(٢). وأما رواية شيبان النحويّ عن قتادة، فساقها الإمام أحمد دَّثُهُ في ((مسنده))، فقال: (١١٦٨٢) - حدّثنا حسن بن موسى، ثنا شيبان، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله وَّه: ((إن رجلاً ممن خلا من الناس، رَغَسه الله مالاً وولداً، فلما حضره الموت، ودعا بنيه، فقال: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه والله ما ابتأر عند الله خيراً قط، فإذا مات فاحرقوه، حتى إذا كان فَحْماً، فاسحقوه، ثم اذروه في يوم؛ يعني : ريحاً عاصفاً، قال: وقال نبيّ الله وَعليه: أخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا وربي، لمّا مات أحرقوه، حتى إذا كان فحماً سحقوه، ثم أذروه في يوم عاصف، قال ربه: كن، فإذا هو رجل قائم، قال له ربه: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: رب خِفت عذابك، قال: فوالذي نفس محمد بيده ما تلافاه غيرها، أن غفر الله له))، قال الحسن مرّةً: ((ما تلاقاه غيرها، أن غفر الله له))، قال قتادة: رجل خاف عذاب الله، فأنجاه الله من مخافته. انتهى(٣). وأما رواية أبي عوانة عن قتادة، فساقها البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه))، فقال: (١) القائل: ((فحدثت)) هو سليمان التيميّ، و((أبو عثمان)) هو: النهديّ، و((سلمان)) هو مضرعنه . الفارسيّ الصحابيّ (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٧٨/٥. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦٩/٣. ٦٧٥ (٥) - بَابُ قَبُولِ الَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦١) (٣٢٩١) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد ظبه، عن النبيّ وَعليه؛ أن رجلاً كان قبلكم رَغَسه الله مالاً، فقال لبنيه لمّا حُضِر: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيراً قط، فإذا متّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله ريق، فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته)). انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٥) - (بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٦١] (٢٧٥٨) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ رَ، قَالَ: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْباً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّأَ، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّتْبِ، ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارََ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّأَ يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً، يَغْفِرُ الذَّتْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ))، قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لَا أَدْرِي أَقَالَ فِي الثَّالِئَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ: ((اعْمَلْ مَا شِئْتَ))؟ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَهْ الْقُرَشِيُّ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدِ النَّرْسِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٢٨٢/٣. ٦٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ، أبو يحيى المعروف بالنَّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ(١)، من كبار [١٠] (ت٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٣٠/ ٦٦٧. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) واسمه عمرو بن محصن، وقيل: غيره، الأنصاريّ النجاريّ، ثقةٌ، يقال: وُلد في عهد النبيّ وَّرِ، وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة [٢] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٩٢/٤٧. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به، ذُكر في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسحاق، والباقيان بصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُبه، وقد سبق القول فيه قريباً. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ التابعيّ المشهور، (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) قال في ((الفتح)): تابعيّ جليل من أهل المدينة، له في البخاريّ عن أبي هريرة عشرة أحاديث، غير هذا الحديث، واسم أبيه كنيته، وهو أنصاريّ صحابيّ، ويقال: إن لعبد الرحمن رؤيةً، وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة، ولهم عبد الرحمن بن أبي عمرة آخر، أدركه مالك، وقال ابن عبد البرّ: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمرة، نُسب لجدّه، (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): لا بأس به، كما يظهر من ((تهذيب التهذيب)). ٦٧٧ (٥) - بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦١) قال الحافظ: فعلى هذا هو ابن أخي الراوي عنه. انتهى(١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َُّه وأخرج البخاريّ هذا الحديث في ((كتاب التوحيد)) من ((صحيحه))، فقال: ((حدّثنا أحمد بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن عاصم، حدّثنا همّام، حدّثنا إسحاق بن عبد الله، سمعت عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: سمعت أبا هريرة، قال: سمعت النبيّ (َّ﴾)) فصرّح بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره. (عَنِ النَّبِيِّ وَهُ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ رَ) هذا هو المسمّى بالحديث القدسيّ. (قَالَ) وَلِ: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ)؛ أي: من هذه الأمة أو من غيرهم، (ذَنْباً) وفي رواية البخاريّ: ((إن عبداً أصاب ذنباً - وربما قال -: أذنب ذنباً))، قال الحافظ: كذا تكرر هذا الشكّ في هذا الحديث من هذا الوجه، ولم يقع في رواية حماد بن سلمة - يعني: في رواية مسلم هنا - ولفظه عن النبيّ وَّل فيما يحكي عن ربه ◌َك قال: ((أذنب عبد ذنباً))، وكذا في بقية المواضع. انتھی(٢). (فَقَالَ) ذلك العبد، وهو عَظْف على ((أذنب))، قال الطيبيّ: الفاء سببيّة، جعل اعترافه بالذنب سبباً للمغفرة، حيث أوجب الله تعالى المغفرة للتائبين المعترفين بالسيّئات على سبيل الوعد(٣). (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي) وفي رواية البخاريّ: ((إن عبداً أصاب ذنباً، وربما قال: أذنب ذنباً، فقال: رب أذنبت، وربما قال: أصبت فاغفر لي)). (فَقَالَ تَبَارَكَ)؛ أي: تكاثرت خيرات أسمائه (وَتَعَالَى)؛ أي: ارتفع عن كلّ ما لا يليق به، (أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً، يَغْفِرُ الذَّنْبَ)؛ أي: إذا شاء لمن شاء، (وَيَأْخُذُ بِالذّتْبِ)؛ أي: يؤاخذ، ويعاقب فاعله، إذا شاء لمن شاء، وفي رواية البخاريّ: ((فقال ربه: أَعَلِم عبدي أن له ربّاً يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي))، ((فقال ربه)) للملائكة: (أَعَلِمَ عبدي)) بهمزة الاستفهام، والفعل الماضي، وللأصيليّ: ((علم)) بحذف الهمزة، وقال الطيبيّ: قوله: ((أعلم)) يجوز أن يكون استخباراً عن الملائكة، (١) ((الفتح)) ٥١٣/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥٠٧). (٢) ((الفتح)) ١٧/ ٥١٣. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٤٣/٦. ٦٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وهو أعلم به؛ للمباهاة، وأن يكون استفهاماً للتقرير، والتعجيب، وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة شكراً لصنيعه إلى غيره، وإحماداً له على فعله. انتهى (١). (ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ) وفي رواية البخاريّ: ((ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً، وربما قال: أصاب ذنباً))، (فَقَالَ: أَيْ) بفتح، فسكون: حرف نداء للقريب، وفيها خلاف بين النحاة، أشرت إليه في ((التحفة المرضيّة))، بقولي: أَوْ ذِي الْبُعْدِ وَالتَّفْسِيرَ أَيْضاً قَدْ رَأَوْا ((أَيْ)) لِنَدَا الْأَوْسَطِ أَوْ ذِي الْقُرْبِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِيٍ، فَقَالَ تَبَارََكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبَّ يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارََ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ)؛ أي: من الذنب المعقَّب بالتوبة الصحيحة، ففيه أن التوبة الصحيحة لا يضرّ فيها العود إلى الذنب ثانياً، بل مضت على صحتها، ويتوب من المعصية الثانية. (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)))؛ أي: ما دُمت تُذنب، ثم تتوب، قال المنذريّ تَخْذَثُ: قوله: ((فليعمل ما شاء)) معناه: إذا كان هذا دأبه، يذنب الذنب، فيتوب منه، ويستغفر، فليفعل ما شاء؛ لأنه كلما أذنب كانت توبته، واستغفاره كفارة لذنبه، فلا يضرّه، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه، من غير إقلاع، ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين، ويدل له قوله: ((ثم أصاب ذنباً آخر)). انتهى. وقال النوويّ كَّلُهُ: معناه: ما دُمت تذنب، ثم تتوب غفرت لك. وقال الطيبيّ نَّثُهُ: أي: اعمل ما شئت ما دُمت تذنب، ثم تتوب، فإني أغفر لك، قال: وهذه العبارة تُستعمل تارة في معرض السخطة والنكير، وتارةً في صورة التلطّف والحفاوة، وليس المراد منه في كلتا الصورتين حثّ على الفعل، أو الترخّص فيه، وعلى السخطة والنكير وَرَدَ قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الحفاوة والتلطّف وَرَدَ هذا الحديث، وذلك مثل قولك لمن تودّه، وترى منه الجفاء: اصنع ما شئت، فلست بارك لك، وقوله ◌َيه في حقّ حاطب بن أبي بلتعة ◌َظُه: (لعلّ الله اطّلع (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٤٣/٦. ٦٧٩ (٥) - بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ - حديث رقم (٦٩٦١) على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)). انتهى. قال المباركفوريّ كَُّ: قد أشكل على كثير من الناس معنى قوله: ((فليعمل ما شاء)) كما أشكل عليهم معنى قوله المذكور في حديث حاطب، فإن ظاهره إباحة كل الأعمال لأهل بدر، وتخييرهم فيما شاءوا منها، وذلك ممتنع. وقد أجيب عن ذلك بوجوه: منها: ما قال ابن القيم تَظُّ في ((الفوائد)) ص١٦: إن هذا خطاب لقوم قد عَلِمَ الله ◌َُّ أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرّين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح، واستغفار، وحسنات، تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وإنهم مغفور لهم، ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض؛ وثوقاً بالمغفرة، فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لَمَا احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة، ولا صيام، ولا حجّ، ولا زكاة، ولا جهاد، وهذا محال، ومِن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب، فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله في الحديث الآخر: ((أذنب عبد ذنباً، فقال: أيْ رب أذنبت ذنباً، فاغفره لي، فغفره له ... )) الحديث، وفيه: ((قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء))، فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات، والجرائم، وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك، إذا أذنب وتاب، واختصاص هذا العبد بهذا؛ لأنه قد عَلِم أنه لا يصرّ على ذنب، وأنه كلما أذنب تاب، وهذا حكمٌ يعمّ كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك، كما قُطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بَشَّره رسول الله وَ ﴿ بالجنة، أو أخبره بأنه مغفور له لم يَفْهَم منه هو ولا غيره من الصحابة ﴿ إطلاق الذنوب والمعاصي له، ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشدّ اجتهاداً، وحذراً، وخوفاً بعد البشارة منهم قبلها؛ كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وقد كان الصدّيق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر، فإنهم عَلِموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها، والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيدة بانتفاء موانعها، ولم يَفْهم أحد منهم من ذلك ٦٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة الإطلاق الإذن فيما شاءوا من الأعمال. انتهى كلام ابن القيّم ◌َُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله ثَلَ أعلم. وقوله: (قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن حمّاد شيخه، (لَا أَدْرِي أَقَالَ) فاعله ضمير حمّاد بن سلمة، (فِي) المرّة (الثَّالِئَةِ، أَوِ) المرّة (الرَّابِعَةِ: ((اعْمَلْ مَا شِئْتَ))؟)؛ يعني: أنه شكّ في قوله: ((اعمل ما شئت)) هل قاله في المرة الثالثة، أو في الرابعة. وقوله: (قَالَ أَبُو أَحْمَدَ) هو: محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ المتوفَّى في ذي الحجة سنة (٣٦٨هـ) (٢) وهو تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ الزاهد الفقيه، راوي هذا الكتاب عن مؤلِّفه مسلم بن الحجاج. (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَهْ الْقُرَشِيُّ الْقُشَيْرِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغداديّ، أبو بكر الغزال، ثقةٌ [١١]، مات سنة (٢٥٨) وليس هو من رجال مسلم، وإنما يروي عنه الجلوديّ في زياداته؛ لعلوّ إسناده، وقد تقدّم هذا. (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ النَّرْسِيُّ) شيخ مسلمُ (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بإسناد مسلم، وهو عن حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي رضىعنه. هريرة وغرض أبي أحمد بهذا الكلام بيان علوّ إسناده في هذا الطريق على إسناده في طريق مسلم؛ لأنه وصل إلى عبد الأعلى بهذا بواسطة واحدة، وهو ابن زنجويه، بخلافه هناك، فإنه وصل إليه بواسطتين، وهما: أبو إسحاق، ومسلم، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الفوائد)) لابن قيّم الجوزيّة كَذّلهُ ص١٦. (٢) تقدّمت ترجمته في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٦٣.