Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٤)
وقوله: ((لم ييأس من الجنة)) قيل: المراد أن الكافر لو عَلِم سعة الرحمة
لَغَظَّى على ما يعلمه من عِظَم العذاب، فيحصل له الرجاء، أو المراد: أن
متعلَّق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إلى مقابلها يُطمعه في الرحمة.
قيل: في الجملة الأولى نوع إشكال، فإن الجنة لم تُخلق للكافر، ولا
طَمَع له فيها، فغير مستبعَد أن يطمع في الجنة من لا يعتقد كُفْر نفسه، فيُشكل
ترتب الجواب على ما قبله.
وأجيب بأن هذه الكلمة سيقت لترغيب المؤمن في سعة رحمة الله التي لو
علمها الكافر الذي كُتب عليه أنه يختم عليه أنه لا حظ له في الرحمة لتطاول
إليها، ولم ييأس منها، إما بإيمانه المشروط، وإما لِقَطْع نَظَرَه عن الشرط مع
تيقنه بأنه على الباطل، واستمراره عليه عناداً، وإذا كان ذلك حال الكافر،
فكيف لا يطمع فيها المؤمن الذي هداه الله للإيمان؟(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٥٤/٤] (٢٧٥٥)، و(البخاريّ) في ((الرقاق))
(٦٤٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٤/٢
و٤٨٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٤٥ و٦٥٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٣٩٢/١١)، و(الطبرايّ) في ((الأوسط)) (١٥٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٤/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سعة رحمة الله وال، بحيث إنه لو يعلم الكافر به حقيقة
لَمَا قنط من الجنّة، وقد ورد أن إبليس يتطاول للشفاعة لِمَا يرى يوم القيامة من
سعة الرحمة، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، من حديث جابر، ومن حديث
حذيفة، وسند كل منهما ضعيف(٢).
(١) ((الفتح)) ٢٠٢/١١.
(٢) ((الفتح)) ٢٠٢/١١.

٦٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
٢ - (ومنها): بيان شدّة عقوبة الله رَمَك، بحيث إن المؤمن لو علم
بحقيقته، لَمَا طمع في الجنّة، وقريب من هذا الحديث حديث أبي هريرة
Lww.
ضُرعيّه
الآخر، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((لَمّا خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى
الجنة، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاء، فنظر
إليها، وإلى ما أعدَّ الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: وعزتك لا يسمع
بها أحد إلا دخلها، فأمر بها، فحُفّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فانظر إلى
ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها، فإذا هي قد حُفّت بالمكاره، فرجع
إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، وقال: اذهب إلى النار،
فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب
بعضها بعضاً، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد، فيدخلها، فأمر
بها، فحُفّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد
خشيت أن لا ينجو منها أحد، إلا دخلها))، رواه أبو داود، والنسائيّ،
والترمذيّ، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.
٣ - (ومنها): أن الكرمانيّ كَّثُ تكلّم هنا على ((لو)) بما حاصله: أنها هنا
لانتفاء الثاني، وهو الرجاء لانتفاء الأول، وهو العلم، فأشبهت: لو جئتني
أكرمتك، وليست لانتفاء الأول لانتفاء الثاني، كما بحثه ابن الحاجب في قوله
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والعلم عند الله، قال:
والمقصود من الحديث: أن المكلَّف ينبغي له أن يكون بين الخوف والرجاء،
حتى لا يكون مُفَرِّطاً في الرجاء، بحيث يصير من المرجئة القائلين: لا يضرّ مع
الإيمان شيء، ولا في الخوف بحيث لا يكون من الخوارج، والمعتزلة القائلين
بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار، بل يكون وسطاً بينهما،
كما قال الله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابٌَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ومن تتبع
دين الإسلام وجد قواعده أصولاً وفروعاً كلها في جانب الوسط، والله أعلم.
٤ - (ومنها): أن الحديث قد اشتمل على الوعد والوعيد المقتضيين
الرجاء والخوف، فمن عَلِم أن من صفات الله تعالى الرحمة لمن أراد أن
يرحمه، والانتقام ممن أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته،

٦٤٣
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَّتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة، ولو
كانت صغيرة، وملازمة الطاعة، ولو كانت قليلة، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٥٥] (٢٧٥٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ ابْنُ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ
مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا مَالِكَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرَّقُوهُ،
ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً
لَا يُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ،
فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ
خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ ابْنُ(١) بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ) هو: محمد بن
محمد بن مرزوق الباهليّ نُسِب لجدّه مرزوق، صدوقٌ له أوهام [١١] (ت٢٤٨)
(م ت ق) تقدم في ((الحج)) ٣١٨٤/٥٩.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيْسيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك،
والباقيان بصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُبه، قد سبق
القول فيه قريباً .
(١) قوله: ((ابنُ بنت)) برفع (ابن)) صفة لمحمد، فما وقع في النسخ المطبوعة مضبوطاً
بالجرّ غلطٌ، فتنبّه.

٦٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ)؛ أي: ممن كان
قبلنا، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ: ((أن رجلاً كان قبلكم رزقه الله مالاً))، وفي
رواية له: ((ذكر رجلاً فيمن سلف، أو فيمن كان قبلكم))، وصرح في حديث
حذيفة، وأبي مسعود عند الطبرانيّ أنه كان من بني إسرائيل، ولذلك أورد البخاريّ
حديث أبي سعيد، وحذيفة، وأبي هريرة في ذِكر بني إسرائيل، قيل: اسم هذا
الرجل جهينة، فقد أخرج أبو عوانة في ((صحيحه)) من حديث حذيفة، عن أبي بكر
الصديق أن الرجل المذكور في حديث الباب هو آخر أهل النار خروجاً منها،
وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وقد وقع في ((غرائب مالك)) للدارقطني من طريق
عبد الملك بن الحكم، وهو واهٍ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، رفعه: ((إن
آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، فيقول أهل الجنة: عند
جهينة الخبر اليقين))، وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هنّاد، قاله في ((الفتح))(١).
وقوله: (لَمْ يَعْمَلْ) صفة ((رجلٌ)) (حَسَنَةً قَطُ) ولفظ البخاريّ: ((خيراً قط))؛
أي: عملاً صالحاً بعد الإسلام، قال الباجيّ: ظاهر أن العمل ما يتعلق
بالجوارح، وهو العمل، وإن جاز أن يُطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز
والاتساع، فقوله والله عن هذا الرجل: إنه لم يعمل شيئاً من الحسنات التي
تعمل بالجوارح، وليس فيه إخبار عن اعتقاد الكفر، وإنما يُحمل هذا الحديث
على أنه اعتقد الإيمان، ولكنه لم يأت من شرائعه بشيء، فلما حضره الموت
خاف تفريطه، فأمر أهله أن يحرقوه. انتهى.
قال المباركفوريّ: وقع في رواية أحمد ٣٠٤/٢: ((كان رجل ممن كان
قبلكم، لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد))، وهكذا وقع استثناء التوحيد في حديث
ابن مسعود أيضاً عن أحمد ٣٩٨/١، ورواية الباب وإن لم يذكر فيها هذا
الاستثناء صريحاً لكنها كالصريح في ذِكره؛ لإطباق الروايات على ذِكر خشيته،
وخوفه من عذابه، وغفرانه تعالى. انتهى (٢).
(١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٨/٨.
(٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٨/٨.

٦٤٥
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
وفي رواية ((أسرف رجل على نفسه))؛ أي: بالغ في فعل المعاصي، وهذا
لفظ مسلم، وللبخاريّ: ((كان رجل يسرف على نفسه))، وفي حديث حذيفة عند
البخاريّ: ((إنه كان يسيء الظن بعمله))، وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين:
((فإنه لم يبتئر عند الله خيراً)، وفسَّرها قتادة: لم يَدَّخِر، ووقع في آخر حديث
حذيفة عند البخاريّ: قال عقبة بن عمرو أبو مسعود: وأنا سمعته - يعني:
النبيّ وَله - يقول ذلك، وكان نباشاً - أي: للقبور - يسرق أكفان الموتى، قال
الحافظ: قوله: ((وكان نباشاً)) هو من رواية حذيفة، وأبي مسعود معاً، كما يدل
عليه رواية ابن حبان.
ووقع في رواية للطبراني بلفظ: ((بينما حذيفة وأبو مسعود جالسين، فقال
أحدهما: سمعت رسول الله * يقول: ((إن رجلاً من بني إسرائيل كان ينبش
القبور)).
وقوله: (لأَهْلِهِ) متعلّق بـ((قال))، (إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ) بصيغة الأمر من
التحريق، وفي الرواية التالية: ((فأحرقوه)) من الإحراق، ومقتضى السياق أن
يقول: إذا مت فحرّقوني، لكنه على طريق الالتفات، قال الطيبيّ: قوله: ((إذا
مات ... إلخ)) مقول ((قال)) على الرواية الأولى، ومعمول ((أوصى)) على الرواية
الأخرى، فقد تنازعا فيه في عبارة الكتاب. انتهى.
(ثُمَّ اذْرُوا) يجوز فيه وصل الهمزة، وقَطْعها من الثلاثي المجرد،
والمزيد، يقال: ذَرَت الريح التراب وغيره تَذْرُوه ذرواً وذرياً وذَرّته: أطارته،
وسفّته، وأذهبته، وفرّقته بهبوبها، قال الحافظ: بهمز قَطْع وسكون المعجمة،
مِن: أذرت العين دمعها، وأذريت الرجل عن الفرس، وبالوصل مِن: ذروت
الشيءَ، ومنه: ﴿نَذْرُؤُهُ الرَِّجُ﴾ [الكهف: ٤٥].
وفي رواية: ((ثم اطحنوني، ثم ذُرُّوني)) بضم المعجمة، وتشديد الراء، من
الذرّ؛ أي: فرّقوني. وفي حديث حذيفة عند البخاري في ((الرقاق)): ((فذروني))،
قال الحافظ: بالتخفيف بمعنى الترك، وبالتشديد بمعنى التفريق، وهو ثلاثيّ
مضاعف، تقول: ذررت الملح أَذُرّه، ومنه الذريرة نوع من الطّيب. قال ابن
التين: ويَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، وكذا قرأناه، ورويناه بضمها، وعلى الأول
هو من التذرية، وعلى الثاني من الذرّ. انتهى.

٦٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
(نِصْفَهُ)؛ أي: نصف رماده (فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ) وفي حديث
حذيفة: ((إذا أنا مت، فاجمعوا لي حطباً كثيراً، وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذا
أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فامتحشت، فخذوها، فاطحنوها، ثم
انظروا يوماً راحاً (١)، فاذروه في اليمّ ... )) الحديث.
وفي حديث أبي سعيد: ((فإذا مت فاحرقوني: حتى إذا صرت فحماً،
فاسحقوني - أو قال -: فاسهكوني، ثم إذا كان ريح عاصف، فاذروني فيها،
فأخذ مواثيقهم على ذلك)).
قال الباجيّ : وذلك علی وجھین:
أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنه غير فائت، كما يفرّ الرجل أمام
الأسد، مع اعتقاده أنه لا يفوته سَبْقاً، ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله.
والوجه الثاني: أن يفعل هذا خوفاً من الباري تعالى، وتذللاً ورجاء أن
يكون هذا سبباً إلى رحمته، ولعله كان مشروعاً في ملته. انتهى(٢).
(فَوَ اللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ) بتخفيف الدال، وتشديدها، من القَدْر، بمعنى
التضييق، أو بمعنى القضاء، لا من القدرة والاستطاعة. (لَيُعَذَّبَنَّهُ) بنون التوكيد
المشدّدة، (عَذَاباً)؛ أي: تعذيباً (لَا يُعَذِّبُهُ)؛ أي: ذلك العذاب، (أَحَداً مِنَ
الْعَالَمِينَ)؛ أي: من الموحدين.
وقد استُشكل هذا الحديث؛ لأن صنيع الرجل، وقوله ظاهر في الشكّ في
قدرة الله تعالى على البعث والإحياء، والشك في القَدَر كُفر، وقد قال في آخر
الحديث: ((خَشْيَتك، وغفر له))، والكافر لا يخشاه، ولا يُغفر له.
واختلف في تأويله، فقيل: إن ((قدَر)) بالتخفيف بمعنى ضَيّق، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] بالتخفيف، والتشديد، وهو أحد
الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، والمعنى: لئن
ضيَّق الله عليه، وناقشه في حساب.
وقيل: المعنى: لئن قَدَر عليه العذاب؛ أي: قضى، من قَدَر بالتخفيف،
(١) أي: كثير الريح وشديده.
(٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٨/٨.

٦٤٧
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
والتشديد، بمعنى واحد؛ أي: لئن قدر عليه أن يعذبه ليعذبنه، ولكن هذا
كالذي قبله معنى غير مناسب للسوق أصلاً، مع أنه وقع في حديث معاوية بن
حيدة عند أحمد ٤٤٧/٤ و٣/٥، ٤: ((ثم اذروني في الريح، لعلي
أضلّ الله ◌َّ))؛ أي: أغيب عنه، وأفوته، يقال: ضل الشيءُ: إذا فات
وذهب، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِ﴾ [طه: ٥٢]، وهذا يدل على أن
قوله: ((لئن قدر الله عليه)) على ظاهره، وأنه أراد التمنع بالتحريق من قدرة الله،
ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه، فلا بد من وجه يمكن القول بإيمانه، فقيل:
مقصود الرجل بهذه الوصية: إن فرقوا أجزائي في البرّ والبحر بحيث لا يكون
هناك سبيل إلى جَمْعها، فيَحْتَمِل أنه رأى أن جَمْعه حينئذٍ يكون مستحيلاً،
والقدرة لا تتعلق بالمستحيل، فلذلك قال: ((فلئن قدر الله عليه))، فلا يلزم أنه
نفى القدرة، أو شك فيها، فصار بذلك كافراً، فكيف يغفر له؟ وذلك أنه ما
نفى القدرة على ممكن، وإنما فَرَض غير المستحيل مستحيلاً فيما لم يثبت عنده
أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول لا الثاني.
وقيل: إن الرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع تُرك فلم يُنْشَر، ولم يعذَّب،
وأما تلفّظه بقوله: ((لئن قدر الله))، وبقوله: ((فلعلي أضل الله)) فلأنه كان جاهلاً
بذلك.
وقد اختلف في مثله، هل يكفر أم لا؟ بخلاف الجاحد للصفة.
قال الخطابيّ: إنه لم ينكر البعث، وإنما جهل، فظن أنه إذا فُعل به ذلك
لا يعاد، فلا يعذّب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله.
وقيل: كان هذا الرجل موحّداً مثبتاً للصانع، وكان في زمن الفترة حين
ينفع مجرد التوحيد، ولم تبلغه شرائط الإيمان، ولا تكليف قبل ورود الشرع
على المذهب الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الإسراء: ١٥].
وقيل: إنما وصى بذلك تحقيراً لنفسه، وعقوبة لها بعصيانها، وإسرافها؛
رجاء أن يرحمه، فيغفر له، وهذا يؤيد أن قوله: ((لئن قدر)) بمعنى ضيّق، وقيل:
لقي من هول المطلع ما أدهشه، وسَلَب عقله، فلم يتمكن من تمهيد القول،
وتخميره، فبادر بسَقْط من القول، وأخرج كلامه مخرجاً لم يعتقد حقيقته.

٦٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قال التوربشتيّ: وهذا أسلم الوجوه، وقال الطيبيّ: وهو كلام صدر عن
غلبة حيرة، ودهشة، من غير تدبر في كلامه، كالغافل، والناسي، فلا يؤاخذ
فيما قال، قال القاري: هذا هو الظاهر من الحديث كما سيأتي حيث قال
تعالى: (لِمَ فعلت؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم)).
وقيل: ذلك لا يؤاخذ عليه، وقال السنديّ: يَحْتَمِل أن شدة الخوف
طيَّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه أم لا؟، كما
هو المشاهَد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسك بأدنى شيء لاحتمال أنه لعله
ينفعه؛ إذ هو فيما قال، وفَعَل في حُكْم المجنون. انتهى.
وجعل الحافظ هذا القول أظهر الأقوال، حيث قال: وأظهر الأقوال أنه
قال ذلك في حال دهشته، وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لِما يقول،
ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل، والذاهل،
والناسي الذي لا يؤاخَذ بما يصدر منه، قال: وأبعد الأقوال قول من قال: إنه
كان في شَرْعهم جواز المغفرة للكافر. انتهى.
وقال ابن أبي جمرة: كان الرجل مؤمناً؛ لأنه قد أيقن بالحساب، وإن
السيئات يعاقب عليها، وأما ما أوصى به فلعله كان جائزاً في شرعهم لتصحيح
التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قَتْلهم أنفسهم، وقيل: ظن هذا الرجل
أن الله تعالى إن وجده على حاله وهيئته يعذبه شديداً، وإذا وجده محترقاً
مطحوناً مفرقاً، فلعله يرحمه، ويُشفق عليه؛ لتحمّله تلك المشاقّ والشدائد،
كما هو دأب الموالي الكرماء، فإنهم إذا وجد أحدهم عبده المسيء في مرض،
أو شدة رَحِمه، وعَطَف عليه، ورضي عنه، وإن كان قبل ذلك ساخطاً عليه،
وغضبان، والله تعالى أعلم(١).
(فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ) الموصي بذلك، (فَعَلُوا)؛ أي: أهله، أو بَنُوه، (مَا
أَمَرَهُمْ) به، من التحريق وغيره، (فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ)؛ أي: من أجزاء
الرجل، (وَأَمَرَ الْبَحْرَ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ)؛ أي: من أجزائه أيضاً، وفي رواية:
((فأمر الله تعالى الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم))،
(١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٨/٨.

٦٤٩
(٤) - بَابٌ فِي بَيّانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
وفي حديث أبي سعيد: ((فقال الله: كن، فإذا رجل قائم))، وفي حديث سلمان
الفارسيّ عند أبي عوانة في ((صحيحه)): ((فقال الله له: كن، فكان كأسرع من
طرفة العين))، وهذا جميعه كما قال ابن عقيل: إخبار عما سيقع له يوم القيامة،
وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله:
فجمعه الله؛ لأن التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع،
ويعاد عند البعث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي إلى صرف ظاهر الحديث بهذا
التأويل، فإن الحديث ظاهر في كون هذا الأمر بعد أن فَعل الرجل ما أَمر به
مباشرة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) الله رَّت للرجل: (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟)؛ أي: ما ذُكر من الوصية
الجائرة، وفي رواية: ((ما حملك على ما صنعت؟)) (قَالَ) الرجل: (مِنْ
خَشْيَتِكَ)؛ أي: فعلتُ ما فعلتُ من أجل خشيتي لعذابك (يَا رَبِّ) وفي حديث
حذيفة: ((ما حملني إلا مخافتك))، (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) بقصدي من ذلك، قال ابن
عبد البرّ تَخْذَثُهُ: وهذا دليل على إيمانه؛ إذ الخشية لا تكون إلا لمؤمن، بل
العالم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨]، ويستحيل
أن يخافه من لا يؤمن به، وقد رُوي الحديث بلفظ: ((قال رجل لم يعمل خيراً
قط إلا التوحيد)»، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمانه، والأصول تعضدها:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
قلت (٢): الخشية من لوازم الإيمان، ولمّا كان فعله هذا من أجل خشية الله
تعالى، وخوفه، فلا بد من القول بإيمانه، وعلى هذا فالحديث ظاهر، بل هو
كالصريح في استثناء التوحيد، كما تقدم، فلا إشكال فيه.
(فَغَفَرَ اللهُ لَهُ))) وفي حديث أبي سعيد رَُّه: ((فما تلافاه أن رحمه))؛ أي:
تداركه، و((ما)) موصولة؛ أي: الذي تلافاه هو الرحمة، أو نافية، وصيغة
الاستثناء محذوفة، وفي رواية بلفظ: ((فتلقاه رحمة)).
(١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٨/٨.
(٢) القائل هو المباركفوري، صاحب ((المرعاة))، فتنبّه.

٦٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قال الحافظ لَّلهُ: قالت المعتزلة: غُفر له؛ لأنه تاب عند موته، وندم
على فعله، وقالت المرجئة: غُفر له بأصل توحيده الذي لا تضرّ معه معصية.
وتُعُقّب الأول بأنه لم يَرِد أنه ردَّ المظلمة، فالمغفرة حينئذ بفضل الله، لا
بالتوبة؛ لأنها لا تتم إلا بأخذ المظلوم حقه من الظالم، وقد ثبت أنه كان
نَّاشاً .
وتُعُقِّب الثاني بأنه وقع في حديث أبي بكر الصديق ظته المشار إليه أولاً
أنه ◌ُذّب، فعلى هذا فتُحْمَل الرحمة والمغفرة على إرادة ترك الخلود في النار،
وبهذا يردّ على الطائفتين معاً: على المرجئة في أصل دخول النار، وعلى
المعتزلة في دعوى الخلود فيها، وفيه أيضاً ردّ على من زعم من المعتزلة أنه
بذلك الكلام تاب، فوجب على الله قبول توبته. انتهى.
وقيل: إن مغفرته إنما هي لكمال خوفه، وخشيته من الله وم؛ لأن
الخشية من المقامات السنية، ولمّا كانت على أقصى مراتبها، وإن حصلت عند
حضور علامات الموت، صارت سبباً لمحو جميع سيئاته، ووسيلة إلى مغفرة
جميع ذنوبه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُثْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾،
وقد تقدّم أن الخوف من الله من لوازم الإيمان، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فى تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٥٥/٤ و٦٩٥٦] (٢٧٥٦)، و(البخاريّ) في
((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٨١) و((التوحيد)) (٧٥٠٦)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(١١٢/٤) وفي ((الكبرى)) (٢٢٠٦)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٥٥)،
و(مالك) في ((الموّأ)) (٢٤٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٨/١ و٢٠٤/٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٨٣ و٤١٨٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قد ذكر الإمام أبو عمر بن عبد البرّ كَّثُ اختلاف رواة
(الموظّأ)) في رفع هذا الحديث ووقفه، فقال بعد أن أورد الحديث من رواية
يحيى بن يحيى الليثيّ عن مالك مرفوعاً ما نصّه:

٦٥١
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
قال أبو عمر: تابع يحيى على رفع هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد
أكثر رواة ((الموطأ))، ووَقَفه مصعب بن عبد الله الزبيريّ، وعبد الله بن مسلمة
القعنبيّ، فجعلاه من قول أبي هريرة، ولم يرفعاه، وقد رُوي عن القعنبيّ
مرفوعاً كرواية سائر الرواة عن مالك، وممن رواه مرفوعاً عن مالك: عبد الله بن
وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأبو المصعب، ومطرف، ورَوح بن عبادة،
وجماعة. انتھی '.
وقال في ((الاستذكار)) بعدما ذكر نحو هذا: والصواب رفعه؛ لأن مثله لا
يكون رأياً، وقد ذكرنا في ((التمهيد)) طرقاً كثيرة لحديث أبي هريرة هذا، وذكرنا
(٢)
من رواه معه من الصحابة ﴿ه. انتهى(٢).
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إثبات البعث بعد الموت، وإن تفرقت الأجزاء،
وتلاشت .
٢ - (ومنها): بيان عظمة قدرة الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان فضيلة الخوف من الله تعالى، وغَلَبتها على العبد،
وأنها من مقامات الإيمان، وأركان الإسلام، وبها انتفع هذا المسرف،
وحصلت له المغفرة.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين كَّلُهُ: إن قلت: في ((الصحيحين)) من
حديث أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّ، عن الله تعالى: ((أنا عند ظنّ عبدي
بي))، وهذا قد ظنّ بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟.
قلت: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء،
وتأميل العفو. وقيل: معناه: بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب،
والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. فإن قلنا بالثاني، فالجمع واضح؛
لأن هذا قد ندم على ما فَرَطَ منه، ولولا ندمه لَمَا أَمَر أن يُفعل به ذلك، فكان
تائباً، فقُبلت توبته، وغُفر له. وإن قلنا بالأوّل، فقد حكى القاضي عياض،
والنوويّ في ((شرح مسلم)) أنه قيل: إنما أوصى بذلك تحقيراً لنفسه، وعقوبة
(١) ((التمهيد)) ٣٧/١٨.
(٢) ((الاستذكار)) ٩٤/٣.

٦٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
لها؛ لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى، فهو حينئذ قد رجا
العفو، وأمّله، فكان الله عند ظنّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله: ((إن
قدر الله عليّ))، إن لم يؤوّله بما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله القاضي عياض، والنوويّ
- رحمهما الله تعالى - جواب سليم، وتوجيه مستقيم، وبه يزول الإشكال. والله
تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه لا ضرر على العبد في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب
الوفاة، وإن كان المطلوب من العبد في تلك الحالة أن يُحسن ظنه بربّه، لِمَا
أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ◌ًا، قال: سمعت رسول الله وَله
قبل موته بثلاثة أيام، يقول: ((لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن
بالله رات)).
٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن خوف العبد من ذنبه، ليس كراهية للقاء الله
تعالى؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه
مرضيّ، يقربه إلى الله تعالى، فَكَرِه حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء الله
تعالى مطلقاً، بل أحبّ لقاءه على غير تلك الحالة، قاله وليّ الدين تَخْذَتُهُ.
٦ - (ومنها): أن الأعمال بالنيات، والمقاصد، فإن الله تعالى لم ينظر
إلى هذا العمل، بل إلى القصد، فقال له: (لم فعلت هذا؟))، ولما كان الحامل
عليه الخشية، كان سبب المغفرة، ولو حَمَل عليه سبب آخر فاسد، لكان الأمر
بخلاف ذلك، فيما يظهر، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ سعة رحمة الله تعالى، ومغفرته، وأن المسرف
على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ
أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
٥٣)
[الزمر: ٥٣]، وقد قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله تعالى، اللَّهُمَّ اغفر لنا
ذنوبنا، وكفّر عنّا سيّتنا، وأدخلنا الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين.
(المسألة الخامسة): أنه استُشكل قوله: ((لئن قدر الله عليّ، ليعذّبّي))؛
لأن ظاهره نفي قدرة الله تعالى على إحيائه، وإعادته، والشاّ في قدرة الله
تعالى كافر، مع أن الحديث يدلّ على إسلامه من وجهين:

٦٥٣
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
أحدهما: إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا
يخشى الله تعالى.
الثاني: إخباره وَّ ر بأن الله تعالى غفر له، والكافر لا يُغفر له، مع ما
انضمّ إلى ذلك من الرواية التي في ((مسند أحمد)» الصريحة في أنه كان موحّداً،
فاختلف العلماء في تأويله :
فقالت طائفة: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لِمَا ذكرناه، فيكون له
تأويلان:
أحدهما: أن معناه: لئن قدر الله عليّ العذاب؛ أي: قضاه، يقال منه:
قَدَرَ ۔ بالتخفيف - وقَدَّر - بالتشدید - بمعنى واحد.
الثاني: أن ((قدَرَ)) بمعنى: ضَيّق، فقوله: ((لئن قدر الله عليّ))؛ أي: لئن
ضيّق الله، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، وهو أحد الأقوال
في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقال الآخرون: اللفظ على ظاهره، وذكروا له تأويلات:
أحدها: أن هذا الرجل قال هذا الكلام، وهو غير ضابط لكلامه، ولا
قاصد لحقيقة معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدّهْشُ،
والخوف، والجزّع الشديد، بحيث ذهب تيقّظه، وتدبّره، ما يقوله، فصار في
معنى الغافل، والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل
الآخر الذي غلب عليه الفرَح حين وجد راحلته: ((أنت عبدي، وأنا ربّك))، فلم
يُكفَّر بذلك، للدهش، والغلبة، والسهو، وقد ورد في غير ((الصحيحين)):
(فلعلي أضلّ الله))؛ أي: أغيب عنه، وهذا يدلّ على أن قوله: ((لئن قدر الله))
على ظاهره، كما ذكرنا .
الثاني: أن هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمّونه: مزج
الشكّ باليقين، وسمّاه بعضهم: تجاهل العارف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ
لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِ ضَلَلِ تُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فصورته صورة شكّ،
والمراد به الیقین.
الثالث: أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات الله تعالی،
وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، فممن كفّره بذلك محمد بن جرير

٦٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الطبريّ، وقاله الشيخ أبو الحسن الأشعريّ أوّلاً. وقال آخرون: لا يكفّر بجهل
الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو
الحسن الأشعريّ، وعليه استقرّ قوله، قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً نقطع
بصوابه، ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حقّ؛ قال هؤلاء:
ولو سئل الناس عن الصفات، لَوُجد العالم بها قليلاً.
وحكاه ابن عبد البرّ عن المتقدّمين، من العلماء، ومن سلك سبيلهم، من
المتأخرين، واستدلّ عليه بأن عمر، وعمران بن حُصين، وجماعة من الصحابة،
سألوا رسول الله وَّر عن القدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك، وهم
جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك
کافرین. انتھی.
الرابع: أنه كان في زمن فترة، حين ينفع مجرّد التوحيد، ولا تكليف قبل
ورود الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
[الإسراء: ١٥].
رَسُولَاءِ
الخامس: أنه يجوز أنه كان متمسّكاً بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر،
وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا، فإنه من مجوّزات العقول عند أهل السُّنَّة،
وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
الآية [النساء: ١١٦]. وغير ذلك من الأدلّة.
ونصّ عبارة ابن عبد البرّ ◌َخْثُ في ((الاستذكار)): وفي رواية أبي رافع عن
أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: ((قال رجل لم يعمل خيراً قط إلا
التوحيد)»، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل، والأصول كلها
تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يغفر الله للذين يموتون وهم كفار؛
لأن الله ◌َّ قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، وقال: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن
يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فمن لم ينته عن شركه، ومات
على كفر لم يك مغفوراً له، قال الله رَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اُلْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ
كُفَّارُ﴾ [النساء: ١٨].
وأما قوله: ((لم يعمل حسنة قط)) وقد روي: ((لم يعمل خيراً قط)) ما عدا

٦٥٥
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
التوحيد من الحسنات والخير، بدليل حديث أبي رافع المذكور.
وهذا شائع في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض، وقد
تقول العرب: لم يفعل كذا قط تريدُ الأكثر من فعله، ألا ترى إلى قوله وَلقوله:
((لا يضع عصاه عن عاتقه)) يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيراً، لا أن عصاه
کانت ليلاً ونهاراً على عاتقه.
والدليل على أن الرجل كان مؤمناً قوله حين قال له: ((لم فعلت هذا؟))
قال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا لمؤمن يصدق، بل ما تكاد
تكون إلا من مؤمن عالم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾
[فاطر: ٢٨].
قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ويستحيل أن يخاف من لا
یؤمن به .
وأما قوله: ((لئن قدر الله عليّ)) فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقال بعضهم: هذا رجل جهل بعض صفات الله تعالى، وهي القدرة،
قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله ريك، وآمن به، وعلم سائر صفاته، أو
أكثر صفاته لم يكن بجهله بعضها كافراً، وإنما الكافر مَن عاند الحقّ، لا مَن
جَهِله، والشواهد على هذا من القرآن كثيرة.
ومنها قول الله وَك: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ
[آل عمران: ٧٠]، وقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ ◌ِلْبَطِلِ
تَشْهَدُونَ
وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٧١]، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ
اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقال: ﴿فَلَا تَّجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَّد
تَّعْلَمُونَ أَنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ
أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
فهذا هو الكفر المجتمع عليه في الاسم الشرعيّ، والاسم اللغويّ.
والدليل على أن من جهل صفة من صفات الله تعالى لا يكون بها كافراً
إذا كان مصدّقاً بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر: أن أصحاب رسول الله وله
عمر وغيره سألوا رسول الله و ﴿ عن القدر، ومعناه قِدَمُ العلم أنه مكتوب عنده

٦٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ما سبق في علمه، وفي ذلك يجري خلفه لا فيما يستأنف، بل ما قد جَفّ به
القلم، وكل صغير وكبير مسطّر في اللوح المحفوظ، فأعلمهم أنه ما أخطأهم
لم يكن ليصيبهم، ومعلوم أنهم في حين سؤالهم وقبله كانوا مؤمنين، ولا يسع
مسلماً أن يقول فيه غير ذلك، ولو كان لا يسعه جهل صفة من صفات الله
تعالى، وهي قِدَم العلم لِعِلمهم بذلك مع الشهادة بالتوحيد، ويجعله عموداً
سادساً للإسلام.
وقال آخرون: أراد بقوله: ((لئن قدر الله عليّ))؛ أي: لئن كان قدر الله
عليه، والتخفيف في هذه اللفظة والتشديد سواء في اللغة، فَقَدَر هنا عند هؤلاء
من القدر الذي هو الحُكم، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء، وهو
مثل قوله رَك: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها من
التقدير والقضاء، والآخر: أنها من التقتير والتضييق.
والمعنى في قول هؤلاء - والله أعلم - لئن ضيّق الله عليّ، وبالغ في
محاسبتي، ولم يغفر لي وجازاني على ذنوبي ليكونن ما ذُكر.
والوجه الآخر: كأنه قال: لئن كان قد سبق في قَدَر الله وقضائه أن يعذب
كل ذي جرم على جرمه، لَيعذبنني على ذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين
غيري، وهذا منه خوف ويقين وإيمان، وتوبيخ لنفسه، وخشية لربه، وتوبة على
ما سلف من ذنوبه، وهذا كله لا يكون إلا لمؤمن مصدق مؤمن بالبعث
والجزاء.
وفي القدر لغتان مشهورتان: قَدَّر الله - بالتشديد - وقَدَر الله - بالتخفيف -
ذكره ابن قتيبة عن الكسائيّ، وذكره ثعلب وغيره. انتهى كلام ابن
عبد البرّ ◌َخَّهُ(١).
وقد ذكرناه والشواهد عليه في التمهيد والحمد له.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال هو
القول بأن الرجل إنما تكلم بهذا الكلام في حال شدّة خوفه من الله تعالى،
(١) ((الاستذكار)) ٩٤/٣ - ٩٥.

٦٥٧
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٥)
فطار عقله، وغاب وعيه، فَعَذره الله تعالى في خطئه بسبب ذلك، كما عَذَر من
أخطأ في شدة الفرح بقوله: ((اللَّهُمَّ أنت عبدي، وأنا ربّك))، والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين تَخُّ: إن قلت: ظاهر حال
هذا الرجل أنه وقع في كبيرة، وهو اليأس من رحمة الله، وكان هذا خاتمة
أمره، فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة؟.
قلت: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره، بحمل ((قَدَرَ)) على ((قضى))، أو
(ضيّق))، فليس فيه اليأس من رحمة الله، فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي
عليه بالعذاب، أو لا يضيّق عليه على اختلاف القولين.
وإن أخذناه على ظاهره، فالجواب عن هذا: أن شدّة الخوف اصطلمته،
وأذهلته، حتى خرج عن حدّ التكليف، فنفعه خوفه، ونَجّاه مع التوحيد، ولم
يضرّه يأسه؛ لأنه حصل له في حالة انقطع عنه فيها التكليف، وبتقدير أنه لم
يصل إلى حالة أخرجته عن حيّز المكلّفين، فالخوف الحاصل له كفّر عنه سيّئته
التي هي اليأس من رحمة الله، بل كفَّر عنه سيئاته التي كان يرتكبها طول عمره،
وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه، ومعصية من وجه، فربما غلبت
الطاعة، فكفّرت المعصية، وربما غلبت المعصية، فأحبطت ثواب الطاعة، وفي
هذا المحلّ غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية.
وعن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرّمة، فأحدثت
له أحوالاً صالحة، يحصل له إثم السماع المحرّم، وثواب الأعمال الصالحة،
فإن غلب الثواب ربح، وإن غلب الإثم خسر، وإن استويا تكافأ. هذا معناه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره وليّ الدين من كلام الشيخ
عز الدين ابن عبد السلام، غير صحيح، فإن السماع المحرّم لا تحصل منه
أحوال صالحة، وإن تخيّل صاحبه ذلك، وادّعاه، فإن الأحوال الصالحة، إنما
تحصل بطاعة الله تعالى، وأما المحرّمات، فلا يحصل بها إلا الأحوال
الشيطانية، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قال: وروى الإمام أحمد تَخُّْ في ((مسنده))، وغيرُهُ بإسناد جيّد، عن ابن
عمر ﴿يا: أن رسول الله وَّل﴾ قال الرجل: ((فعلتَ كذا وكذا؟))، قال: لا،
والذي لا إله إلا هو، يا رسول الله، ما فعلت، فقال: ((بلى، ولكن غُفر لك

٦٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
بالإخلاص)). وروي هذا المعنى أيضاً من حديث ابن عباس، وأنس، وابن
الزبير . انتهى كلام وليّ الدين دَّثُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: لعله ◌َ ليّ أراد بالإخلاص التوحيد، فإن الرجل
موحّد، والموحّد يُغفر له؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
[النساء: ٤٨]، ولعله ◌َ﴿ أوحي إليه أن الرجل ممن شاء الله مغفرته، فأخبر
بذلك، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٥٦ و٦٩٥٧] (٢٦١٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ لِيَ الزُّهْرِّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنٍ؟ قَالَ
الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
((أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُثُّ،
فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ
رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَاباً مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَداً، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلأَرْضِ: أَدِّي
مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ بَا
رَبِّ، أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ))).
(قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((دَخَلَتِ
امْرَأَةُ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ
الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً))، قَالَ الزُّهْرِبُّ: ذَلِكَ لِئَلََّ يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣](١) (١٠٥)
على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
(١) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): من الثانية؛ لما لا يخفى على طالع ترجمته،
فتنبه .

٦٥٩
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٦ و٦٩٥٧)
شرح الحديث :
(قَالَ) معمر بن راشد: (قَالَ لِيَ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم: (أَلَا) أداة
تحضيض (أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ) مبيّناً الحديث الأول:
(أَخْبَرَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
(عَنِ النَّبِيِّ وَّه) في الرواية الآتية: ((سمعت رسول الله وَّ))، وقد ذكر الحافظ
أبو عمر: أن أكثر رواة ((الموطإِ)) رفعوا هذا الحديث، ووَقَفه القعنبيّ، ومصعب
الزبيريّ، على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد: وَقْف لفظه، وأما حكمه
فهو الرفع؛ لأنه لا يقال مثله، من قِبَل الرأي، فهو مرفوع على كلّ حال.
انتھی .
(قَالَ: ((أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة ◌َُّه: ((كان رجل
ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله))، وفي حديث أبي مسعود: أن هذا الرجل
كان نبّاشاً. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال
أحدهما: سمعت رسول الله وَلقه، يقول: ((إن رجلاً من بني إسرائيل، كان ينبش
القبور)). وفي الرواية الماضية: ((لم يعمل حسنة قط)). ولأحمد، من حديث ابن
مسعود: ((أنه لم يعمل شيئاً قط إلا التوحيد)).
وظاهر قوله: ((أنه لم يعمل حسنة قط))، أنه لم يكن موحداً؛ لأن التوحيد
أعظم الخير، لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية الله تعالى يدلّ على توحيده،
وكيف يخشى الله من لا يعرفه؟ بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، وقد رفعت رواية أحمد المذكورة هذا
الإشكال، حیث استثنت من الخير التوحيد.
(فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ) بكسر الميم،
وضمّها، من مات يَمَاثُ، كخاف يخاف، ومات يموت، كقال يقول، وفي
حديث أبي سعيد عظ اته عند البخاريّ: ((أن رجلاً كان قبلكم رَغَسَه الله مالاً،
فقال لبنيه لمّا حُضِر: أي أَبِ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل
خيراً قط، فإذا أنا متّ ... )). وله من حديث حذيفة نظره: ((أن رجلاً حضره
الموت، لمّا أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ، فاجمعوا لي حطباً
كثيراً، ثم أَوْرُوا ناراً، حتى إذا أكلَتْ لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها،

٦٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
فاطحنوها، فذرّوني في اليمّ، في يوم حارّ ... )). (فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي)
بفتح الحاء المهملة، أمْر من سحق يسحق، كمنع يمنع، قيل: روي:
((اسحكوني))، واسهكوني))، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن.
(ثُمَّ اذْرُونِي) بالذال المعجمة، ويجوز في همزة الوصل والقطع، يقال:
ذرتْهُ الريحُ، وأذرتْهُ، تذرُوه، وتذرِيه: إذا أَطارته، ومنه تذرية الطعام. كذا
ذكر في ((المشارق))، و((النهاية)): ذريت، وأذريت، بمعنَّى. وقال في
((الصحاح)): ذريته: طيّرته، وأذهبته، وذَرَت الريحُ الترابَ، وغيره تذروه
ذَرْواً، وذَرْياً؛ أي: سَفَتْهُ، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ الحنطةَ، ثم قال:
وأذريت الشيءَ: إذا ألقيته كإلقائك الحَبّ للزرع، وطعَنَهُ، فأذراه عن ظهر
دابّته؛ أي: ألقاه. انتهى. وذكر في ((المحكم)) نحوه، وهذا يقتضي الفرق بين
الثلاثيّ، والرباعيّ، وأن ما يُلقَى في غير محلّ معيّن، يُستعمل فيه الثلاثيّ،
كما في هذا الحديث، وما يُلقَى في محلّ معيّن يُستعمل فيه الرباعيّ. قاله
الحافظ وليّ الدين كَذَتُهُ(١).
(فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ) الجارّ الأول متعلّق بالفعل قبله، والثاني متعلق
بحال مقدّر من ((الريح))؛ أي: حال كون ذلك الريح كائناً في البحر، وإنما لم
يتعلّق بما تعلّق به ما قبله؛ لئلا يتعلق حرفا جرّ بلفظ ومعنى واحد بفعل واحد،
وهو ممنوع، كما هو معروف في محله.
وفي حديث أبي سعيد: ((في يوم عاصف))؛ أي: عاصف ريحه. وفي
رواية: ((في ريح عاصف))، وإنما أمرهم بهذا لتتفرّق أجزاؤه، بحيث لا يكون
هناك سبيل إلى جَمْعها في ظنّه، كما بَيَّنَ ذلك بقوله: (فَوَ اللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّي)
(قدر)) من باب نصر، وضرب، وفرِحَ، يقال: قدرتُ على الشيء: إذا قَوِيتَ
عليه، وتمكنتَ منه، والاسم: القدرة.
قال السنديّ تَخْذَلُ ما معناه: يَحْتَمِل أنه رأى أن جَمْعه يكون مستحيلاً،
والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال: ((فوالله لئن قَدَر الله))، فلا يلزم أنه
نَفَى القدرة، فصار بذلك كافراً، فكيف يُغفر له؟، وذلك أنه ما نفى القدرة على
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٦٧/٣.