Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٧) شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلمة الزهريّ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ؛ (ُقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةً أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) هـ جُزْءٍ) قال النوويّ تَخْفُهُ: هكذا وقع في نُسخ بلادنا جميعاً: ((جعل الله الرحمة مائة جزء))، وذكر القاضي: ((جعل الله الرُّحْم))، بحذف الهاء، وبضم الراء، قال: ورويناه بضم الراء، ويجوز فتحها، ومعناه: الرحمة. انتهى (١). وفي رواية للبخاريّ: ((إن الله خلق الرحمة مائة رحمة))، قال في ((العمدة)): أي: الرحمة التي جعلها في عباده وهي مخلوقة، وأما الرحمة التي هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته ربك، وقوله: ((مائة رحمة))؛ أي: مائة نوع من الرحمة، أو مائة جزء، كما في الحديث الآخر. انتهى(٢). ووقع في رواية للبخاريّ: ((جعل الله الرحمة في مائة جزء))، قال الكرمانيّ(٣): كان المعنى يتم بدون الظرف، فلعل ((في)) زائدة، أو متعلقة بمحذوف، وفيه نوع مبالغة؛ إذ جعلها مظروفاً لها معنى، بحيث لا يفوت منها شيء. وقال ابن أبي جمرة (٤): يَحْتَمِل أن يكون: لَمّا مَنّ على خلقه بالرحمة جعلها في مائة وعاء، فأهبط منها واحداً للأرض. قال الحافظ: خَلَت أكثر الطرق عن الظرف، كرواية سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة الآتية في ((الرقاق)): ((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة))، ولمسلم من رواية عطاء، عن أبي هريرة: ((إن الله مائة رحمة))، وله من حديث سلمان: ((إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض)). وقال القرطبيّ: يجوز أن يكون معنى ((خَلَق)): اخترع، وأوجد، ويجوز (١) (شرح النوويّ)) ٦٩/١٧ - ٧٠. (٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٢٤٥/٣٣. (٣) ((شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٦٥/٢١. (٤) ((بهجة النفوس)) ٤/ ١٥٣ - ١٥٤. ٦٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة أن يكون بمعنى قَدَّر، وقد ورد ((خَلَق)) بمعنى قدّر في لغة العرب، فيكون المعنى: أن الله أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السماوات والأرض. وقوله: (كلُّ رحمة تَسَعُ طباق الأرض)) المراد بها التعظيم، والتكثير، وقد ورد التعظيم بهذا اللفظ في اللغة والشرع كثيراً(١). (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ) زاد في رواية للبخاريّ: ((جزءاً))، وفي رواية: ((وأَخَّر عنده تسعة وتسعين رحمة))، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة الآتية هنا: ((وخبأ عنده مائة إلا واحدة)). (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً) وفي رواية المقبريّ: ((وأرسل في خلقه كلّهم رحمة))، وفي رواية عطاء: ((أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ، والإنس، والبهائم))، وفي حديث سلمان: ((فجعل منها في الأرض واحدة))، قال القرطبيّ: هذا نصّ في أن الرحمة يراد بها متعلّق الإرادة، لا نفس الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنعم (٢). (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ))). وفي رواية عطاء: ((فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها))، وفي حديث سلمان: ((فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش، والطير بعضها على بعض))، قال ابن أبي جمرة: خَصّ الفرس بالذِّكر؛ لأنها أشد الحيوان المألوف الذي يعاين المخاطبون حركته مع ولده، ولِمَا في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل، ومع ذلك تتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها . وزاد في حديث سلمان في آخره: «فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة))، وفيه إشارة إلى أن الرحمة التي في الدنيا بين الخلق تكون فيهم يوم القيامة يتراحمون بها أيضاً، وصرح بذلك المهلَّب، فقال: الرحمة التي خلقها الله لعباده، وجعلها في نفوسهم في الدنيا هي التي يتغافرون بها يوم القيامة التبعات بينهم، قال: ويجوز أن يستعمل الله تلك الرحمة فيهم، فيرحمهم بها سوى رحمته التي وسعت كل شيء، وهي التي من صفة ذاته، ولم يزل موصوفاً بها، فهي التي يرحمهم بها زائداً على الرحمة التي خلقها لهم، (١) ((الفتح)) ١٣/ ٥٤٣ رقم (٦٠٠٠). (٢) ((الفتح)) ٥٤٣/١٣ رقم (٦٠٠٠). ٦٢٣ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٧) قال: ويجوز أن تكون الرحمة التي أمسكها عند نفسه هي التي عند ملائكته المستغفرين لمن في الأرض؛ لأن استغفارهم لهم دالٌ على أن في نفوسهم الرحمة لأهل الأرض. قال الحافظ: وحاصل كلامه: أن الرحمة رحمتان: رحمة من صفة الذات، وهي لا تتعدد، ورحمة من صفة الفعل، وهي المشار إليها هنا، ولكن ليس في شيء من طرق الحديث أن التي عند الله رحمة واحدة، بل اتفقت جميع الطرق على أن عنده تسعة وتسعين رحمة، وزاد في حديث سلمان: ((أنه يكملها يوم القيامة مائة)) بالرحمة التي في الدنيا، فتعدد الرحمة بالنسبة للخلق. وقال القرطبيّ: مقتضى هذا الحديث: أن الله عَلِمَ أن أنواع النعم التي يُنعم بها على خلقه مائة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد، انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي، فبلغت مائة، وكلها للمؤمنين، واليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فإن رحيماً من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها، ويُفهم من هذا أن الكفار لا يبقى لهم حظ من الرحمة، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها، إذا كمل كل ما كان في علم الله من الرحمات للمؤمنين، واليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. وقال الكرمانيّ: الرحمة هنا عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير والقدرة في نفسها غير متناهية، والتعلق غير متناه، لكن حصره في مائة على سبيل التمثيل؛ تسهيلاً للفهم، وتقليلاً لِمَا عند الخلق، وتكثيراً لِمَا عند الله تَرٌ. وأما مناسبة هذا العدد الخاصّ، فحكى القرطبي عن بعض الشراح: أن هذا العدد الخاصّ أُطلق لإرادة التكثير والمبالغة فيه. وتعقبه بأنه لم تَجْر عادة العرب بذلك في المائة، وإنما جرى في السبعين، كذا قال. وقال ابن أبي جمرة: ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسع وستين جزءاً، فإذا قوبل كل جزء برحمة، زادت الرحمات ثلاثين جزءاً، فيؤخذ منه أن الرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها، ويؤيده قوله: ((غلبت رحمتي غضبي)). ٦٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة قال الحافظ: لكن تبقى مناسبة خصوص هذا العدد، فَيَحْتَمِل أن تكون مناسبة هذا العدد الخاصّ؛ لكونه مثل عدد درج الجنة، والجنة هي محل الرحمة، فكان كل رحمة بإزاء درجة، وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى، فمن نالته منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة، وأعلاهم منزلة من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذه المناسبات التي ذكروها هنا، فالأَولى والأوضح تفويض هذا العلم إلى عالم الغيب والشهادة، وعدم الخوض في مثله؛ إذ لم نُكلّف بعلمه، ولم يرد نصّ نتمسّك به، ونعتمد عليه، فسلّم تسلم، وفوّض تغنم، والله ◌َّلَ أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّبته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤ /٦٩٤٧ و٦٩٤٨ و٦٩٤٩] (٢٧٥٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠٠٠) و((الرقاق)) (٦٤٦٩) وفي ((الأدب المفرد)) (١٠٠)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٥٤١)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٩٣)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٣٦٧/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢/ ٣٢١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٤٧ و٦١٤٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٩٧/١) وفي ((مسند الشاميين)) (١٦٦/٤)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١١٩٧/٦)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤٥٧/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٧٩ و٤١٨٠) و((التفسير)) (٨٧/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سعة رحمة الله تعال . ٢ - (ومنها): بيان عدد أقسام الرحمة، وأنه مائة جزء، والحقّ أنه لا يَعلم حكمة التجزئة إلى هذا العدد إلا من أخبر بذلك، فالسلامة الإيمان به والتسليم. (١) ((الفتح)) ٥٤٣/١٣ رقم (٦٠٠٠). ٦٢٥ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٧) ٣ - (ومنها): أن الرحمة المنقسمة إلى هذا العدد هي الرحمة الفعليّة التابعة لمشيئته ل، فإنها مخلوقة قابلة للتقسيم، وأما الرحمة التي هي من صفات ذاته الج، فإنها صفة قائمة به، لا تتجزّأ. قال الشيخ البرّاك - حفظه الله تعالى -: دلّت النصوص من الكتاب والسُّنَّة على أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى رحمتان: إحداهما: هي صفته، وصفاته تعالى غير مخلوقة، وإضافتها إليه تعالى من إضافة الصفة إلى الموصوف، كما قال تعالى عن نبيّ الله سليمان ظلَّلام: ﴿وَأَدْخِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذان الاسمان متضمّنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدلّ على الرحمة الذاتيّة التي لم يزل، ولا يزال موصوفاً بها، واسمه الرحيم يدلّ على الرحمة الفعليّة التابعة لمشيئته ل، كما قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يَرَّحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَّحَمُ مَن يَشَاءٌ﴾ [العنكبوت: ٢١]. وأهل السُّنّة والجماعة يُثبتون الرحمة لله تعالى صفة قائمة به، والمعطّلة، ومن تبعهم ينفون حقيقة الرحمة عن الله تعالى، ومنهم الأشاعرة، ويؤّلونها بالإرادة، أو النعمة. والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى: هي رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه هي إضافة مخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قول الله تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَثَارِ رَحْمَتِ اَللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَنْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةٍ )﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وقوله - للجنّة ــ كما في الحديث اللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ القدسيّ: ((أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)). والرحمة المذكورة في حديث الباب هي الرحمة المخلوقة، وهي التي جعلها الله رَك في مائة جزء، والرحمة المخلوقة في الدنيا والآخرة هي أثر الرحمة التي هي صفته، ومقتضاها. انتهى كلام البرّاك(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) راجع: هامش ((الفتح)) ٥٤٤/١٣ _ ٥٤٥. ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْلَتُهُ: هذه الأحاديث من أحاديث الرجاء، والبشارة للمسلمين، قال العلماء: لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار الإسلام، والقرآن، والصلاة، والرحمة في قلبه، وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به، فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة، وهي دار القرار، ودار الجزاء، والله أعلم(١). ٥ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة كَّلهُ: في الحديث إدخال السرور على المؤمنين؛ لأن العادة أن النفس يكمل فرحها بما وُهب لها إذا كان معلوماً مما يكون موعوداً. انتهى (٢). ٦ - (ومنها): وفيه الحثّ على الإيمان، واتساع الرجاء في رحمات الله تعالى المدّخرة للمؤمن في الآخرة، وسيأتي في حديث أبي هريرة الآتي في الباب: ((ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنّته أحد))، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: ((خَلَقَ اللهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ، وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّ وَاحِدَةً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ - بفتح الميم، والقاف، ثم موحّدة مكسورة - البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) - بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم - هو: عليّ بن حُجر بن إياس السَّعْديّ، أبو الحسن المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) ((شرح النوويّ)) ٦٨/١٧ - ٦٩. (٢) (بهجة النفوس)) ١٥٦/٤. ٦٢٧ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٤٩) ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ - بضم الحاء المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - أبو شِبْل - بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة - المدنيّ، صدوقٌ، رُبَّما وَهِم [٥] مات سنة بضع (١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ، مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً)؛ أي: ستر، وحفظ، يقال: خبأت الشيءَ خَبْأَ، مهموزاً، من باب نَفَعَ: سترته، وخَبّأته: حفظته، والتشديد تكثير، ومبالغة، قاله الفيّومِيّ ◌َّهُ(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِم وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً . (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٦٣/١. ٦٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً. و((أبو هريرة ﴿به)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّثُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وعطاء، فمكيّ، وفيه أبو هريرة ظُله أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ)؛ أنه (قَالَ: ((إِنَّ اللّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ) قال (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) في ((المرعاة)): المراد بالرحمة هنا: هي التي جعلها في عباده، وهي مخلوقة، وأما الرحمة التي هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته تعالى غير مخلوقة. وقال الطيبيّ نَّتُ: رحمة الله تعالى لا نهاية لها، فلم يُرِد بما ذكره تحديداً، بل تصويراً للتفاوت بين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الدنيا. انتهى. وقال في ((اللمعات)): لعل المراد: أنواعها الكلية التي تحت كل نوع منها أفراد غير متناهية، أو المراد ضَرْب المثل لبيان المقصود من قلة ما عند الناس، وكثرة ما عند الله تقريباً إلى فهم الناس، أو هو من قبيل قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)) في أن الحصر باعتبار هذا الوصف فافهم(١) . (أَنْزَلَ مِنْهَا)؛ أي: من جملة المائة (رَحْمَةً وَاحِدَةً) وفي رواية: ((وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة))، قال القاري: الإنزال تمثيل مشيرٌ إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية، بل هي من الأمور السماوية، مقسومة بحسب قابلية المخلوقات. (بَيْنَ الْجِنِّ)؛ أي: بعضهم مع بعض، (وَالإِنْسِ) كذلك، (وَالْبَهَائِم)؛ أي: مع أولادها، (وَالْهَوَامِ) بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي كل ذات سم، وقد يقع على ما يَدِبّ من الحيوان، وإن لم يقتل، كالحشرات، كذا (١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧١/٨. ٦٢٩ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٠) في ((النهاية)). (فَبِهَا)؛ أي: بتلك الرحمة الواحدة، وبسبب خَلْقها فيهم (يَتَعَاطَفُونَ)؛ أي: يعطف بعضهم على بعض، يقال: عَطَف يعَطِف من باب ضرب: مال، وعليه: أشفق، كتعطّف(١). (وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ)؛ أي: يرحم بعضهم بعضاً، (وَبِهَا تَعْطِفُ) بكسر الطاء المهملة؛ أي: تُشفق، وتَحِنّ (الْوَحْشرُ) بفتح، فسكون: حيوان البرّ، كالوَحِیش، جمعه وُحُوشٌ، وُخْشان، والواحد: وحشيّ(٢). (عَلَى وَلَدِهَا)؛ أي: حين صِغرها. (وَأَخَّرَ اللهُ) قال الطيبيّ كَُّهُ: عطفٌ على ((أنزل منها رحمة))، وأظهر المستكنّ بياناً لشدة العناية برحمة الله الأخروية. انتهى. وفي رواية: ((فأمسك عنده))، وفي حديث سلمان: ((وخبأ عنده)). (تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ)؛ أي: المؤمنين (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)))؛ أي: قبل دخول الجنة وبعدها، وفيه إشارة إلى سعة فضل الله تعالى على عباده المؤمنين، وإيماء إلى أنه أرحم الراحمين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٠] (٢٧٥٣) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (سُلَيْمَانُ الَّيْمِيُّ) ابن طرخان البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص ٨٨٥. (٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص ١٣٨٥. ٦٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مْلّ بن عمرو، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) أبو عبد الله الصحابيّ الشهير، ويقال له: سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل: من رَامَهُرْمُز، أول مشاهده الخندق، مات رُه سنة أربع وثلاثين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٢/١٧، وشرح الحديث وما يتعلّق به يأتي بعده - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. ووالد المعتمر هو سليمان التيمي، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية المعتمر عن أبيه هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٢] (.) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي مِنْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِيَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ(١)، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ، وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريباً. (١) وفي نسخة: ((ما بين السماء إلى الأرض)). ٦٣١ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٢) ٢ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) وقيل: قبلها (خ ت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و((أبو عثمان)) هو النهديّ، عبد الرحمن بن ملّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه سلمان رظه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ومن المعمّرين، يقال: إنه عاش ثلاثمائمة سنة، وقيل غير ذلك. شرح الحديث: (عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ ◌َُّه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)؛ أي: أظهر تقديرها يوم أظهر تقدير السموات والأرض، وفيه بشرى للمؤمنين؛ لأنه إذا حصل من رحمة واحدة في دار الأكدار ما حصل من النعم الغزار، فما ظنك بباقيها في دار القرار؟ (مِائَةً رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)؛ أي: ملء ما بينهما، ومقصوده التعظيم والتكثير، وفي بعض النسخ: ((طباق ما بين السماء إلى الأرض)). (فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الأَرْضِ رَحْمَةً) قال القرطبيّ: هذا نصّ في أن الرحمة يراد بها متعلق الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنعم، (فَِهَا تَعْطِفُ)؛ أي: تَحِنّ، وتَرِقّ، وتُشفق، وفي ((الصحاح)): عَطَف عليه، من باب ضرب: أشفق، وفي ((المصباح)): عَطَفت الناقة على ولدها عَطْفاً: حَنّت. (الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا) من الآدميين، وكل ذي روح، (وَالْوَحْشُ، وَالطَّيْرُ)؛ أي: وغيرهما من كل نوع من أنواع ذوات الأرواح، ولعل تخصيص الوحش والطير؛ لشدة نفورها، والله أعلم بمراد رسوله وَلي، قال القرطبيّ: وحكمة ذلك: تسخير القويّ للضعيف، والكبير للصغير، حتى يحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير. (بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) ((كان)) هنا ٦٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة تامّة، اكتفت بمرفوعها، وهو ((يوم))، كما قال الحريريّ في ((ملحة الإعراب)): وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْم قَدْ كَان الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ وجواب ((إذا)) قوله: (أَكْمَلَهَا)؛ أي: المائة، (بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ))) الواحدة، فالرحمة التي في الدنيا يتراحمون بها أيضاً يوم القيامة، قال المهلّب: الرحمة رحمتان: رحمة من صفة الذات، وهي لا تتعدّد، ورحمة من صفة الفعل، وهي هذه وقال بعضهم: الرحمة الذاتية واحدة، ورحمته المتعدية متعددة، وهي كما في هذا الخبر مائة، ففي الأرض منها واحدة، يقع بها الارتباط بين الأنواع، وبها يكون حسن الطباع والميل بين الجن، والإنس، والبهائم، كل شكل إلى شكله، والتسعة والتسعون حظ الإنسان يوم القيامة، يتصل بهذه الرحمة، فتكمل مائة، فيصعد بها في درج الجنة، حتى يرى ذات الرحيم، ويشاهد رحمته الذاتية. انتهى(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمان الفارسيّ ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف نَّلهُ . [تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ على مسلم هذه الرواية بأن أبا معاوية خالف غيره في الرفع؛ يعني: أن غيره يرويه موقوفاً على سلمان عنه . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن رفع أبي معاوية هو الأرجح، كما هو رأي مسلم؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه سليمان التيميّ، كما في الرواية السابقة، وأيضاً له شواهد من حديث أبي هريرة وغيره، وأيضاً إن هذا مما لا يقال بالرأي(٢). والحاصل: أن الحديث مرفوعاً صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤ /٦٩٥٠ و٦٩٥١ و٦٩٥٢] (٢٧٥٣)، و(أحمد) (١) ((فيض القدير)) ٢٣٥/٢. (٢) راجع: ما كتبه الشيخ ربيع في كتابه ((بين الإمامين)) ص٤٠٧ - ٤٠٩، فقد أجاد وأفاد. ٦٣٣ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٣) في («مسنده)) (٤٣٩/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٤٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦١٤٤)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٣١٢/١ ٦١٤/٢)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١٣٠٩٧ و١٣٠٩٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٣] (٢٧٥٤) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ الثَّمِيمِيُّ - وَاللَّفْظُ لِحَسَنٍ(١) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِسَبْي، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا، وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَّنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتْرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟))، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الْحَكَم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢. ٤ - (أَبُو غَسَّانَ) محمد بن مُطَرِّف بن داود الليثيّ المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٥/٥٢. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٦ - (أَبُوهُ) أسلم العدويّ مولى عمر بن الخطّاب، ثقةٌ مخضرمٌ مات سنة ثمانين، وقيل: بعد سنة ستين، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة (ع) تقدم في ((الهبات)) ٤١٥٦/١. (١) وفي نسخة: ((للحسن)). ٦٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٧ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد العُزّى بن رِيَاح - بتحتانية - ابن عبد الله بن قُرط - بضم القاف - ابن رَزَاح - بِراء، ثم زاي خفيفة - ابن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، الخليفة المشهور، استُشْهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ووَلِي الخلافة عشر سنين ونصفاً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من أبي غسّان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه رَُّه جمّ المناقب، من السابقين الأولين، وثاني الخلفاء الأربعة الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو المحدَّث، تتحدّث الملائكة على لسانه، وكان الشيطان يخاف منه، فما يسلك طريقاً إلا سلك الشيطان غيره خوفاً منه نقلته . شرح الحديث : (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رَبه؛ (أَنَّهُ قَالَ: قُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وََّ) بضمّ القاف، مبنيّاً للمفعول، ونائب فاعله قوله: (بِسَبْي) وفي رواية: ((قَدِم على رسول الله (َ﴿ُ سَبْيٌ))، فـ((قَدِم)) بفتح القاف، وكسر الدَّال مبنيّاً للفاعل، و(سبيٌ) مرفوع على الفاعليّة، و((السبي)) بفتح السين المهملة، وسكون الموحّدة: الأسير، من الغلمان والجواري، وسَبَيْته سبياً، من باب رمى: إذا حملته من بلد إلى بلد، قال المجد تَخْتُ: سبى العدوّ سبياً وسِبَاءً: أسَرَه، كاستباه، فهو سَبِيّ، وهي سَبِيّ أيضاً، جَمْعه سبايا. انتهى(١). وقال الفيّوميّ: سَبَيْتُ العدوّ سَبْياً، من باب رَمَى، والاسم: السِّبَاءُ، وزانٌ كتاب، والقصر لغةٌ، وأَسْبَيْتُهُ مثله، فالغلام سَبِيٍّ، ومَسْبِيٍّ، والجارية سَبِيَّةٌ، ومَسْبِيَّةٌ، وجَمْعها سَبَايَا، مثل عَطِيّة وعطايا، وقوم سَبْيٌ وَصْفٌ بالمصدر، قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك. انتهى (٢). (١) ((القاموس المحيط)» ص٥٩٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٥/١. ٦٣٥ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةٍ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٣) وكان هذا السبي من سبي هوازن، قاله في ((الفتح))(١). (فَإِذَا امْرَأَةٌ) لا يُعرف اسمها، (مِنَ السَّبْي تَبْتَغِي) قال النوويّ تَخْلُهُ: هكذا هو في جميع نُسخ ((صحيح مسلم)): (تبتغي)) من الابتغاء، وهو الطلب، قال القاضي عياض: وهذا وَهَمٌ، والصواب ما في رواية البخاريّ: ((تسعى)) بالسين، من السعي، وتعقّبه النوويّ، قائلاً: كلاهما صواب، لا وَهَم فيه، فهي ساعية، وطالبة مبتغية لابنها، والله أعلم. انتهى(٢). وفي رواية البخاريّ: ((فإذا امرأة من السبي تَحْلُب ثَديَهَا، تسقي))، قال في ((الفتح)): كذا للمستملي، والسرخسيّ بسكون المهملة، من ((تَحْلُبُ))، وضم اللام، و((ثديها)) بالنصب، و((تسقي)) بفتح المثناة، وبقاف مكسورة، وللباقين: ((قد تَحَلَّب)) بفتح الحاء، وتشديد اللام؛ أي: تهيَّأ لأن يُحْلَب، و((ثديُها)) بالرفع، ففي رواية الكشميهنيّ بالإفراد، وللباقين: ((ثدياها)) بالتثنية، وللكشميهنيّ: (بِسَقْي)) بكسر الموحّدة، وفتح المهملة، وسكون القاف، وتنوين التحتانية، وللباقين: (تَسْعَى)) بفتح العين المهملة، من السعي، وهو المشي بسرعة. وفي رواية مسلم عن الحلوانيّ وابن سهل كلاهما عن ابن أبي مريم: ((تبتغي)) بموحدة ساكنة، ثم مثناة مفتوحة، ثم غين معجمة، من الابتغاء، وهو الطلب، قال عياض: وهو وَهَمٌ، والصواب ما في رواية البخاريّ، وتعقبه النوويّ بأن كلّاً من الروايتين صواب، فهي ساعية، وطالبة لولدها، وقال القرطبيّ: لا خفاء بحسن رواية ((تسعى))، ووضوحها، ولكن لرواية ((تبتغي)) وجهٌ، وهو: تطلب ولدها، وحُذف المفعول للعلم به، فلا يُغَلِّط الراوي مع هذا التوجيه. انتهى (٣). (إِذَا وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا) من فرحها بوجدانه، وغاية محبتها له، (وَأَرْضَعَتْهُ) قالَ في ((الفتح)): كذا للجميع، ولمسلم، وحُذف منه شيء بيَّنته رواية الإسماعيليّ، ولفظه: ((إذا وجدت صبيّاً أخذته، فأرضعته، (١) ((الفتح)) ٥٤١/١٣، ((كتاب الأدب)) رقم (٥٩٩٩). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٧٠. (٣) ((الفتح)) ٥٤١/١٣، ((كتاب الأدب)) رقم (٥٩٩٩). ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة فوجدت صبيّاً، فأخذته، فألزمته بطنها))، وعُرف من سياقه أنها كانت فقدت صبيّها، وتضررت باجتماع اللبن في ثديها، فكانت إذا وجدت صبيّاً أرضعته؛ ليخفّ عنها، فلما وجدت صبيّها بعينه أخذته، فالتزمته، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الصبيّ، ولا على اسم أمه. انتهى(١). (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَتَرَوْنَ) بضم الفوقية؛ أي: تظنون، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح التاء، وهو أيضاً بمعنى: تظنّون(٢). (هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً)؛ أي: ملقيةً (وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟))، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ)؛ أي: لا نظن أنها طارحة، وقال القسطلانيّ: أي: لا تطرحه (وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ)؛ أي: لا تطرحه طائعة أبداً، وقال الطيبيّ كَّتُهُ: الواو للحال، وصاحبها مقدّر؛ أي: لا تكون طارحةً حال قدرتها على أن لا تطرح، وفائدة الحال: أن المرأة إذا استطاعت أن تحفظ الولد، ولم تضطرّ إلى طرحه بذلت جهدها فيه، والله منزّه عن الاضطرار، فلا يطرح عبده في النار البتة. انتهى(٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (الله) بفتح اللام أوله، وهي لام التأكيد، وصرَّح بالقَسَم في رواية الإسماعيليّ، فقال: ((والله لله أرحم ... إلخ)). (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ)؛ أي: المؤمنين، أو مطلقاً، (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا))) قال في ((الفتح)): كأن المراد بالعباد هنا: من مات على الإسلام، ويؤيده ما أخرجه أحمد، والحاكم، والبزار ورجالهم رجال الصحيح، من حديث أنس ظُه، قال: مَرّ النبيّ وَّ في نفر من الصحابة، وصبيّ على الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى، وتقول: ابني ابني، وَسَعَتْ فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال: ((ولا اللهُ بطارح حبيبه في النار))، فالتعبير بحبيبه يُخرج الكافر، وكذا من شاء إدخاله ممن لم يَتُبْ من مرتكبي الكبائر. (١) ((الفتح)) ١٣/ ٥٤١. (٢) ذكر في ((حاشية الخضريّ)) ١٣٢/١: أن الغالب في استعمال ((رأى)) بمعنى ((ظنّ)) أن تكون بصيغة المبنيّ للمفعول، وقد تكون بصيغة المبنيّ للفاعل، وتتعدى لمفعولين في الحالتين. انتهى بتصرّف. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٦٤/٦. ٦٣٧ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٣) وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: لفظ العباد عامّ، ومعناه خاصّ بالمؤمنين، وهو كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فهي عامة من جهة الصلاحية، وخاصة بمن كُتبت له، ثم ذكر ابن أبي جمرة احتمال تعميمه حتى في الحيوانات، ورجحه العينيّ، حيث قال: والظاهر أنها على العموم لمن سبق له منها نصيب من أيّ العباد كان، حتى الحيوانات على ما ورد في حديث أبي هريرة: ((وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق)). انتهى من ((الفتح)) بزيادة من ((المرعاة))(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب هذا متّفقٌ عليه. ـنّه (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٥٣/٤] (٢٧٥٤)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٥٩٩٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٢٣/٣) و((الصغير)) (١٧٣/١)، و(البزّار) في («مسنده)) (٤١٢/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٢٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤٢٢/٥ و٤٦٧/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان شدّة رحمة الله تعالى، ورأفته بعباده. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلقه في جميع أموره بالله تعالى وحده، وأن كُلّ من فُرض أن فيه رحمة ما يُقصد لأجلها، فالله جل أرحم منه، فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له رحمة. ٣ - (ومنها): أن فيه ضربَ المثل بما يُدرَك بالحواسّ لِمَا لا يُدرك بها؛ لتحصيل معرفة الشيء على وجهه، وإن كان الذي ضُرب له المثل لا يحاط بحقيقته؛ لأن رحمة الله لا تُدرك بالعقل، ومع ذلك فقرّبها النبيّ ◌َّ للسامعين بحال المرأة المذكورة. (١) ((الفتح)) ٥٤١/١٣، و((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٨٩/٨. ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤ - (ومنها): جواز النظر إلى النساء المسبيَّات؛ لأنه وَّ لم يَنْه عن النظر إلى المرأة المذكورة، بل في سياق الحديث ما يقتضي إذنه في النظر إليها . ٥ - (ومنها): جواز ارتكاب أخف الضررين؛ لأنه وَجه لم ينه المرأة عن إرضاع الأطفال الذين أرضعتهم مع احتمال أن يكبر بعضهم، فيتزوج بعض من أرضعته المرأة معه، لكن لمّا كانت حالة الإرضاع ناجزةً، وما يُخشى من المحرمية مُتَوَهَّمُ اغتُفْر. ٦ - (ومنها): أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وقد يُستدلّ به على عكس ذلك، فأما الأول فمن جهة أن الأطفال لولا أنهم كان بهم ضرورة إلى الإرضاع في تلك الحالة ما تركها النبيّ وَلا تُرضع أحداً منهم، وأما الثاني وهو أقوى، فلأنه أقرّها على إرضاعهم من قبل أن تتبين الضرورة، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٤] (٢٧٥٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِ الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ)). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل أربعة أحاديث، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظ ◌ُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ) قيل: الحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي، الإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك، ولا يقع؛ لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعاً فيما مضى. (مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ) بيان لـ((ما))؛ أي: من غير التفات إلى الرحمة، (مَا طَمِعَ) بكسر (١) ((الفتح)) ٥٤١/١٣. ٦٣٩ (٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ - حديث رقم (٦٩٥٤) الميم، يقال: طَمِعَ فيه، وبه، كفَرِحِ طَمَعاً، وطَمَاعاً، وطَمَاعيةً: حَرَصَ عليه، قاله المجد (١)، وقال الفيّوميّ: طَمِعَ في الشيء طَمَعاً، وطَمَاعَةً، وَطَمَاعِيَةً، مخففاً، فهو طَمِعٌ، وطَامِعٌ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَظْمَعْتُهُ، وأكثر ما يُستعمل فيما يقرُب حصوله، وقد يُستعمل بمعنى الأمل، ومن كلامهم: طَمِعَ فِي غَيْرِ مَظْمَعٍ: إذا أمل ما يبعد حصوله؛ لأنه قد يقع كلّ واحد موقع الآخر؛ لتقارب المعنی. انتهى (٢). (بِجَنَّتِهِ) وللترمذيّ: ((في الجنة))، (أَحَدٌ)؛ أي: من المؤمنين فضلاً عن الكافرين، ولا بُعد أن يكون ((أحد)» على إطلاقه من إفادة العموم؛ إذ تصوُّر ذلك وحده يوجب اليأس من رحمته، وفيه بيان كثرة عقوبته؛ لئلا يغترّ مؤمن بطاعته، أو اعتماداً على رحمته، فيقع في الأمن، ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا اٌلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. (وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ) من القنوط، وهو اليأس، من باب نصر، وضرب، وسمع، (مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ))؛ أي: من الكافرين. قال الطيبيّ: الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة الله تعالى، فكما أن صفات الله تعالى غير متناهية لا يبلغ كُنه معرفتها أحد، كذلك عقوبته ورحمته، فلو فُرض أن المؤمن وقف على كُنه صفته القهارية لَظَهر منها ما يقنط من ذلك الخواطر، فلا يطمع بجنته أحد، وهذا معنى وضع ((أحد)) موضع ضمير ((المؤمن))، ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل الاستغراق، فالتقدير: أحد منهم، ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر، وهو أن المؤمن قد اختص بأن يطمع في الجنة، فإذا انتفى الطمع منه، فقد انتفى عن الكل، وكذلك الكافر مختص بالقنوط، فإذا انتفى القنوط عنه، فقد انتفى عن الكل. وورد الحديث في بيان كثرة رحمته وعقوبته؛ كيلا يغترّ مؤمن برحمته، فيأمَن من عذابه، ولا ييأس كافر من رحمته، ويترك بابه. وحاصل الحديث: أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف بمطالعة (١) ((القاموس المحيط)» ص٨١٢. (٢) ((المصباح المنير) ٣٧٨/٢. ٦٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة صفات الجمال تارةً، وبملاحظة نعوت الجلال أخرى، كذا في ((المرقاة))(١). وقال في ((اللمعات)): سياق الحديث لبيان صفتي اللطف والرحمة والغضب، وعدم بلوغ أحد إلى كنههما، فلو عَلِم المؤمنون الذين هم مظاهر رحمة الله ما عند الله من القهر ما طمع أحد منهم الجنة، وكذا في الكافرين، وهذا مقصود آخر لا ينافي سَبْق رحمته على غضبه بالمعنى الذي سبق. انتھی(٢). وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث مع حديث أبي هريرة ظُه الماضي: ((جعل الرحمة مائة جزء ... )) الحديث، ولفظه: من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة به قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمةً، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من (٣) النار)). انتهى . قال في ((الفتح)): قوله: ((فلو يعلم الكافر)) كذا ثبت في هذه الطريق بالفاء؛ إشارةً إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها، ومن ثَمّ قَدَّم ذِكر الكافر؛ لأن كثرتها وَسَعتها تقتضي أن يطمع فيها كل أحد، ثم ذكر المؤمن استطراداً . قال: والحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي الإشارة إلى أنه لم يقع له عِلم ذلك، ولا يقع؛ لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعاً فيما مضى. وقوله: ((بكل الذي)) استُشكل هذا التركيب؛ لكون ((كل)) إذا أضيفت إلى الموصول كانت إذ ذاك لعموم الأجزاء، لا لعموم الأفراد، والغرض من سياق الحديث تعميم الأفراد. وأجيب بأنه وقع في بعض طرقه أن الرحمة قُسمت مائة جزء، فالتعميم حينئذ لعموم الأجزاء في الأصل، أو نُزِّلت الأجزاء منزلة الأفراد مبالغة. (١) ((المرقاة)) ٢٠١/٥. (٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٧٤/٨. (٣) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٧٤/٥.