Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٥)
بجلاله من غير تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل. (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ) متعلّق بـ((فرحاً))،
(حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ) ((حين)) ظرف لـ «توبة))، (مِنْ أَحَدِكُمْ) متعلّق بـ((أشدّ))، (كَانَ
عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ) بالإضافة، وبالتنوين أيضاً، و((الفلاة)): هي المفازة التي
ليس فيها ما يؤكل، ولا يُشرب، وجمعها: فلاً، كحصاة وحصَى، وجمع
الجمع: أفلاء، مثل سبب وأسباب(١). (فَانْفَلَتَتْ)؛ أي: نفرت، وفرّت الراحلة
(مِنْهُ) وقوله: (وَعَلَيْهَا)؛ أي: على ظهر راحلته (طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) جملة في محلّ
نصب على الحال من فاعل ((انفلتت))، والمراد: أنه يكون حُزنه على غاية الشدّة
بذهاب راحلته، وخوف هلاك نفسه من عدم الزاد والماء. (فَأَيِسَ) بفتح
الهمزة، وكسر التحتانيّة، قال الفيّوميّ تَخْذَفُ: أَيسَ أَيَساً، من باب تَعِبَ، وكسر
المضارع لغةٌ، واسم الفاعل أَبِسٌ، على فَعِلٍ، وفاعل، وبعضهم يقول: هو
مقلوبٌ من يَئِسَ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ضبط الفيّومي أيس من باب تَعِب، وأما
المجد فجعله من باب سمع، وعبارته: أَيِس منه، كسمع إياساً: قَنِطَ.
انتھی(٣).
(مِنْهَا)؛ أي: من حصول تلك الراحلة بعد طلبها، (فَأَتَى شَجَرَةً،
فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام، يقال: اضطجع، واضّجع، والأصل افتعل، لكن من
العرب من يقلب التاء طاء، ويُظهرها عند الضاد، ومنهم من يقلب التاء ضاداً،
ويُدغمها في الضاد؛ تغليباً للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: الطَّجَعَ
بطاء مشدّدة؛ لأنّ الضاد لا تُدغم في الطاء، فإن الضاد أقوى منها، والحرف
لا يدغم في أضعف منه، وما ورد شاذٌ، لا يقاس عليه، قاله الفيّوميّ كَظْذِفُهُ(٤).
(فِي ظِلُّهَا)؛ أي: في ظلّ تلك الشجرة، وقوله: (قَدْ أَبِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ)؛
أي: من حصولها، ووصولها إليه، والجملة حاليّة من الفاعل. (فَبَيْنَا هُوَ
كَذَلِكَ)؛ أي: في هذا الحال، منكسر البال، وقد تقدّم البحث في ((بينا)) قبل
حديث، فلا تغفل، وقوله: (إِذَا) هي الفجائيّة، وهي مضافة إلى جملة: (هُوَ
(١) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٧١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٣/١.
(٤) ((المصباح المنير» ٣٥٨/٢.

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
بِهَا)، وقوله: (قَائِمَةً عِنْدَهُ) حال من الضمير المجرور؛ أي: إذا الرجل حاضر
بتلك الراحلة حال كونها قائمةً عنده من غير تردد في طلبها، وعليها زادُه:
طعامه وشرابه، (فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا) بكسر الخاء المعجمة؛ أي: زمامها فرحاً بها
فرحاً لا نهاية له، (ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ
مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح))) كرره لبيان عذره، وسبب صدوره، فإن شدّة الفرح والحزن
ربما يقتل صاحبه، ويُدهش عقله، حتى يمنع صاحبه من إدراك البديهيّات(١).
والمعنى: أنه أراد أن يحمد الله تعالى بما أنعم عليه من ردّ راحلته إليه،
وقصد أن يقول: اللَّهُمَّ أنت ربي، وأنا عبدك، فسبق لسانه عن نهج الصواب،
وأخطأ، وقال: اللَّهُمَّ أنت عبدي، وأنا ربك، من غاية الفرح، فكان أن فرح
هذا الرجل على غاية الشدّة، فكذلك رضاء الله تعالى توبة عبده.
قال القاضي عياض ◌َخْذَتُهُ: فيه أن ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال
دهشته، وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علميّ، وفائدة
شرعيّة، لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدلّ على ذلك حكاية النبيّ وَلـ
ذلك، ولو كان منكراً ما حكاه. انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين تَخْتُ: في الكلام على فوائد حديث النيّة: فيه حجة
على بعض المالكية من أنهم لا يُدينون من سَبَق لسانه إلى كلمة الكفر إذا ادّعى
ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدلّ لذلك ما رواه مسلم في ((صحیحه)) من حديث
أنس بن مالك في قصة الرجل الذي ضلت راحلته، ثم وجدها، فقال من شدّة
الفرح: اللَّهُمَّ أنت عبدي، وأنا ربك، قال النبيّ وَّ: ((أخطأ من شدة الفرح)).
قال: والذي جرت به عادة الحكام الْحُذّاق منهم اعتبار حال الواقع منه
ذلك، فإن تكرر منه ذلك، وعُرف منه وقوعه في المخالفات، وقلّة المبالاة بأمر
الدِّين، لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فلتة، وعُرف بالصيانة والتحفظ
قَبِلوا قوله في ذلك، وهو توسط حسنٌّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التوسّط الذي حسّنه وليّ الدين تَظُّ هو
الذي أراه؛ والله تعالى أعلم.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٦٤/٥.

٥٨٣
(١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٦)
مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٣٥/١ و٦٩٣٦ و٦٩٣٧] (٢٧٤٧)،
و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٣٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٣/٣)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٣٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: (لله(١) أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ
إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ - بفتح العين المهملة، وسكون
الواو، وكسر الذال المعجمة - أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِم
[٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السّدوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
و(«أنس بن مالك څ)) ذکر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُ، وهو (٤٢٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ) قال النوويّ كَخَّتُهُ: هكذا هو في جميع
النسخ ((إذا استيقظ على بعيره))، وكذا قال القاضي عياض: إنه اتفقت عليه رواة
((صحيح مسلم))، قال: وقال بعضهم: هو وَهَمٌّ وصوابه: ((اذا سقط على
بعيره))؛ أي: وقع عليه، وصادفه من غير قصد، قال القاضي: وقد جاء في
الحديث الآخر عن ابن مسعود قال: ((فأرجع إلى المكان الذي كنت فيه، فأنام
(١) وفي نسخة: ((الله)).

٥٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، وعنده راحلته))، وفي
كتاب البخاريّ: ((فنام نومة، فرفع رأسه، فإذا راحلته عنده))، قال القاضي:
وهذا يصحح رواية: ((استيقظ)). قال: ولكن وجه الكلام، وسياقه يدلّ على
(سقط))، كما رواه البخاريّ. انتهى(١).
ولفظ البخاريّ: ((الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد
أضلّه في أرض فلاة)).
وقوله: ((سقط على بعيره))؛ أي: صادفه، وعَثَر عليه من غير قصد، فظفِر
به، ومنه قولهم: ((على الخبير سقطت))، وحكى الكرمانيّ أن في رواية: ((سقط
إلى بعيره))؛ أي: انتهى إليه، والأول أَولى. انتهى.
وقوله: ((وقد أضلّه))؛ أي: ذهب منه بغير قصده، قال ابن السّكّيت: أضللتُ
بعيري؛ أي: ذهب مني، وضللت بعيري؛ أي: لم أعرف موضعه. انتهى (٢).
وقوله: (قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ)؛ أي: فَقَده في مفازة.
[تنبيه]: رواية قتادة عن أنس بن مالك ظوابه هذه ساقها البخاريّ تَُّ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٩٥٠) - حدّثنا إسحاق(٣)، أخبرنا حَبَّان، حدّثنا هَمّام، حدّثنا قتادة،
حدّثنا أنس بن مالك، عن النبيّ وَل﴿ (ح) وحدّثنا هُذْبة، حدّثنا همّام، حدّثنا
قتادة، عن أنس ظُّه قال: قال رسول الله وَّلقول: ((الله أفرح بتوبة عبده من
أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة)). انتهى(٤).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٣٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّنُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ،
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ) هو: أحمد بن سعيد بن صَخْر، أبو جعفر
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٦٤.
(٣) هو ابن منصور الكوسج.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ٢٩٧.
(٤) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٢٥/٥.

٥٨٥
(٢) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الاسْتِغْفَارِ، وَالرَّجَاءِ فِي سَعَةٍ مَغْفِرَةِ اللهِ رَّ - حديث رقم (٦٩٣٨)
السَّرَخْسِيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٣) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة))
٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حبّان بن هلال روى هذا الحديث عن همّام بن
یحیی بمثل ما حدّث به هَدّاب بن خالد عنه.
[تنبيه]: قد نزل مسلم في هذا السند بدرجة، فإن بينه وبين همّام
واسطتان، بخلافه في السند الماضي، فبينه وبينه واسطة واحدة، وكذلك فَعَل
البخاريّ، فساقه أولاً عن إسحاق بن منصور، عن حبّان، عن همّام إلخ، ثم
ساقها عن هُدبة بن خالد، عن همّام إلخ.
والسبب في ذلك أنه وقع في السند النازل تصريح قتادة بتحديث أنس له،
ووقع في السند العالي بالعنعنة، قاله في ((الفتح))(١).
[تنبيه]: رواية حَبّان عن همّام هذه لم أجد من ساقها إلا ما سبق من
رواية البخاريّ لها بالتحويل، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا ◌ِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾.
(٢) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الاسْتِغْفَارِ، وَالرَّجَاءِ فِي سَعَةٍ
مَغْفِرَةِ اللهِ رَق)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٣٨] (٢٧٤٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
قَيْسٍ - قَاصِّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ
حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئاً، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللهُ خَلْقاً يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ))).
(١) ((الفتح)) ٢٩٦/١٤ - ٢٩٧.

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الشهير، تقدّم
قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ قَاصُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) المدنيّ القاصّ، ثقة [٦]
وحديثه عن الصحابة مرسل (م ت س ق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٨٧٤/٣٢.
٤ - (أَبُو صِرْمَةَ) - بكسر أوله، وسكون الراء - المازنيّ الأنصاريّ
الصحابيّ، اسمه مالك بن قيس، وقيل: قيس بن صِرْمة، وكان شاعراً (بخ م
٤) تقدم في ((النكاح)) ٣٥٤٤/٢٣.
٥ - (أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ الصحابيّ الشهير،
مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ،
وأن أبا أيوب من أكابر الصحابة، ذو مناقب جمّة، فقد شَهِد بدراً، ونَزَل
النبيّ نَّهِ حين قَدِم المدينة عليه، ومات
ۋە غازياً بالروم څه.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسٍ، قَاصِّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الأمويّ) الخليفة الزاهد
المعروف المتوفّى سنة في رجب سنة (١٠١) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة))
٤٦/٦.
[تنبيه]: قوله: ((قاصّ عمر بن عبد العزيز)): قال النوويّ تَخّْثهُ: هكذا هو
في جميع نُسخ بلادنا: ((قاصّ)) بالصاد المهملة المشدّدة، من القَصص، قال
القاضي عياض: ورواه بعضهم: ((قاضي)) بالضاد المعجمة، والياء، والوجهان
مذكوران فيه، وممن ذكرهما البخاريّ في ((التاريخ))، ورُوي عنه قال: كنت
قاصّاً لعمر بن عبد العزيز، وهو أمير بالمدينة. انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧ /٦٤.

٥٨٧
(٢) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِ الاسْتِغْفَارِ، وَالرَّجَاءِ فِي سَعَةِ مَغْفِرَةِ اللهِ رََّ - حديث رقم (٦٩٣٨)
(عَنْ أَبِي صِرْمَةَ) بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء تقدّم الخلاف في
اسمه. (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ ◌َبهِ، (أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ
الْوَفَاةُ)؛ أي: الموت، (كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئاً) قال النوويّ كَُّ: إنما كتمه
أوّلاً مخافة اتكالهم على سعة رحمة الله تعالى، وانهماكهم في المعاصي، وإنما
حدّث به عند وفاته؛ لئلا يكون كاتماً للعلم، وربما لم يكن أحد يحفظه غيره،
فتعيَّن عليه أداؤه، وهو نحو قوله في الحديث الآخر: ((فأخبر بها معاذ عند موته
تأثماً))؛ أي: خشية الإثم بكتمان العلم، وقد سبق شرحه في ((كتاب الايمان))،
والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) جملة في محلّ نصب صفة لـ((شيئاً))،
وقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّة) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، وهو ما وقع جواباً
عن سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ما هو الشيء الذي سمعته من رسول الله وَله،
فأجابهم بقوله: ((سمعت رسول الله ﴿)، حال كونه (يَقُولُ: ((لَوْلًا) حرف
امتناع لوجود، فيها معنى الشرط، وقوله: (أَنَّكُمْ)؛ أي: أيها المكلفون، أو
أيها المؤمنون، (تُذْنِبُونَ) بفتح همزة ((أَنّ))؛ لوقوعها مصدريّة، والمصدر المؤوّل
مبتدأ، وخبره محذوف وجوباً؛ لسدّ جواب ((لولا)) مسدّه، تقديره: موجود، قال
في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ (لَولَا)) غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ حَثْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرّ
وجواب ((لولا)) قوله: (لَخَلَقَ اللهُ خَلْقاً يُذْنِبُونَ)؛ أي: فيستغفرونه، لِمَا
يأتي في حديث أبي هريرة ظُه. (وَلَجَاءَ بِقَوْم) الباء للتعدية؛ أي: لأذهبكم
وأفناكم، وأظهر قوماً آخرين من جنسكم، أو مَّن غيركم (يُذْنِبُونَ)؛ أي: يمكن
وقوع الذنب منهم، ويقع بالفعل عن بعضهم، (فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ)؛ أي: فيتوبون،
أو يطلبون المغفرة مطلقاً.
والمعنى: لولا إذنابكم، فوجود استغفاركم، لخلق الله تعالى خلقاً
يُذنبون، فيستغفرون لذنوبهم، فيغفر لهم.
فـ(يَغْفِرُ لَهُمْ))) ذنوبهم؛ لاقتضاء صيغة الغفّار، والغفور ذلك، ولذا
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٤/١٧.

٥٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
قال الله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، ولاستلزام هذه الصفة
الإلهية وجود المعصية في الأفراد البشرية، والمعنى: لو كنتم معصومين
كالملائكة لذهب بكم، وجاء بمن يأتي منهم الذنوب؛ لئلا تتعطل صفات
الغفران والعفو، فلا تجرئة فيه على الانهماك في الذنوب.
وقال بعضهم: فيه جَعْلُ العُجْب أكبر من الذنوب؛ إذ لو لم يُذنب العبد
لاستكثر فِعله، واستحسن عَمَله، فلحظ أفعاله المدخولة، وطاعاته التي هي
بالمعاصي أشبه، وإلى النقص أقرب، فيرجع من كنف الله وحفظه إلى استحسان
فعله، فيعجب بنفسه، فيهلك(١).
[تنبيه]: ذُكر سبب لهذا الحديث، فقد أخرج ابن عساكر عن أنس پئه؛
أن أصحاب النبيّ وَ ◌ّ شَكَوا إليه أنّا نُصيب من الذنوب، فقال لهم: ((لولا أنكم
تُذنبون لجاء الله بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم)).
وأخرج البيهقيّ في ((شعب الإيمان)) عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت
[الزلزلة: ١]، وأبو بكر قاعد، فبكى أبو بكر،
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
فقال له رسول الله وسلم: ((ما يبكيك يا أبا بكر؟)) قال: أبكاني هذه السورة،
فقال له رسول الله يقول: ((لو أنكم لا تخطئون، ولا تذنبون، فيغفر لكم،
لَخَلَق الله أمة من بعدكم يخطئون، ويذنبون، فيغفر لهم))(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف نَاثُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٣٨/٢ و٦٩٣٩] (٢٧٤٨)، و(الترمذيّ) في
(«الدعوات)) (٣٥٣٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤١٤/٥)، و(عبد بن حميد) في
((مسنده)) (٢٣٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٥٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((شعب
(١) ((فيض القدير)) ٣٤٢/٥ بتصرّف وزيادة.
(٢) ((اللمع في أسباب ورود الحديث)) ص٧٨.

٥٨٩
(٢) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِ الاسْتِغْفَارِ، وَالرَّجَاءِ فِي سَعَةِ مَغْفِرَةِ اللهِ رَّ - حديث رقم (٦٩٣٨)
الإيمان)) (٤٠٩/٥)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٠٩/٥٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سعة رحمة الله ومغفرته.
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّثُ: هذا الحديث خبرٌ من الله تعالى عن
ممكن مقدور الوقوع، مع عِلم الله تعالى بأنه لا يقع، فحصل منه أن الله تعالى
يعلم حال المقدّر الوقوع، كما يعلم حال المحقّق الوقوع، ونحو من هذا
قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقد عبَّر بعض
العلماء عن هذا بأن قال: إن الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون، وما لو كان
كيف كان يكون، وحاصل هذا الحديث أن الله تعالى سبق في علمه أنه يخلق
من يعصيه، فيتوب، فيغفر له، فلو قُدِّر أن لا عاصي يظهر في الوجود لذهب الله
تعالى بالطائعين إلى جنّته، ولخلق من يعصيه، فيغفر له، حتى يوجد ما سبق في
علمه، ويظهر من مغفرته ما تضمّنه اسمه الغفّار، ففيه من الفوائد رجاء مغفرته،
والطماعية في سعة رحمته. انتهى(١).
٣ - (ومنها): ما قاله التوربشتيّ تَظْلَلهُ: لم يَرِد هذا الحديث مورد تسلية
المنهمكين في الذنوب، وتوهين أمرها على النفوس، وقلة الاحتفال منهم
بمواقعتها على ما يتوهمه أهل الغِرّة بالله، فإن الأنبياء - صلوات الله عليهم -
إنما بُعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب، واسترسال نفوسهم فيها، بل ورد
مورد البيان لعفو الله تعالى عن المذنبين، وحُسن التجاوز عنهم؛ ليعظموا الرغبة
في التوبة والاستغفار.
فالمعنى المراد من الحديث: هو أن الله تعالى كما أحب أن يُحسن إلى
المحسن أحب أن يتجاوز عن المسيء، وقد دلّ على ذلك غير واحد من
أسمائه؛ كالغفار، والحليم، والتواب، والعفوّ، فلم يكن ليجعل العِبَاد شأناً
واحداً؛ كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون
بطبعه ميالاً إلى الهوى، مفتتناً ومتلبساً بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه،
(١) ((المفهم)) ٨١/٧.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ويحذره عن مداناته، ويعرّفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفّى فأجره على الله، وإن
أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبيّ وَّ: إنكم لو كنتم مجبولين على ما
جُبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب، فيتجلى عليهم بتلك
الصفات على مقتضى الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفوراً، كما أن الرزاق
يستدعي مرزوقاً. انتهى(١).
٤ - (ومنها): ما قال الطيبيّ تَُّ: تصدير الكلام بالقَسَم - يعني: قوله
في حديث أبي هريرة الآتي: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا ... إلخ)) - ردّ
لمن يُنكر صدور الذنب عن العباد، ويعدّه نقصاً فيهم مطلقاً، وأن الله تعالى لم
يُرِد من العباد صدوره؛ كالمعتزلة، ومن سلك مسلكهم، فنظروا إلى ظاهره،
وأنه مفسدة صِرْفة، ولم يقفوا على سرّه أنه مستجلب للتوبة والاستغفار الذي هو
موقع محبّة الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]،
و((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ... ))، و((الله أشد فرحاً بتوبة
عبده ... )) الحديث.
ولعلّ السرّ في هذا إظهار صفة الكرم، والحلم، والغفران، ولو لم يوجد
لانثلم طرف من صفات الإلهيّة، والإنسان إنما خليفة الله في أرضه، يتجلّ له
بصفات الجلال والإكرام، والقهر واللطف، والملائكة لمّا نظروا إلى الجلال
والقهر قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، والله
تعالى حين نظر إلى صفة الإكرام واللطف قال: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:
٣٠]، وإلى هذا المعنى يلمح قوله ويقول : (لذهب الله بكم))، ولم يكتف بقوله:
(لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يُذنبون))(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٣٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
حَدَّثَنِي عِيَاضٌ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الْفِهْرِيُّ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةً،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٥٣/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٤٠ - ١٨٤١.

٥٩١
(٢) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الاسْتِغْفَارِ، وَالرَّجَاءِ فِي سَعَةٍ مَغْفِرَةِ اللهِ رََّ - حديث رقم (٦٩٣٩)
رَسُولِ اللهِ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللهُ لَكُمْ، لَجَاءَ اللهُ
بِقَوْمِ لَهُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا لَهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ
مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله ثلاث وثمانون
سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم الحافظ المصريّ، تقدّم
قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْفِهْرِيُّ) هو: عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن
المدنيّ، نزيل مصر، فيه لين [٧] (م د س ق) تقدم في ((الحيض)) ٢١/ ٧٩٢.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لعياض هذا مع أن فيه لِيْناً؟.
[قلت]: ما أخرج له في الأصول، وإنما أخرج له في المتابعة، والمتابعة
يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ) بن رافع بن مالك بن العجلان الزُّرَقيّ
الأنصاريّ المدنيّ، صدوق [٤].
رَوَى عن أنس، وجابر، وعائشة، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وغيرهم.
وروى عنه عياض بن عبد الله الفِهْريّ، وابن أبي ذئب، وابن جريج،
وجماعة.
قال أحمد: ليس بمشهور بالعلم، وقال أبو حاتم: هو كما قال، وقال
أبو زرعة: مدنيّ أنصاريّ، ثقة، وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المدينة،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال الحافظ أبو أحمد الدمياطيّ: لا نعرف له سماعاً من ابن عمر.
تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبِ الْقُرَظِيُّ) هو: محمد بن كعب بن سُليم بن أسد،
أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله القُرَظيّ، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي
قريظة، سكن الكوفة، ثم المدينة، ثقةٌ فقيهٌ [٣].

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
روى عن العباس بن عبد المطلب، وعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود،
وعمرو بن العاص، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، يقال: إن الجميع مرسَل، وعن
فَضَالة بن عُبيد، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وكعب بن عُجرة، وأبي هريرة،
وغيره .
وروى عنه أخوه عثمان، والحكم بن عتيبة، ويزيد بن أبي زياد، وابن
عجلان، وموسى بن عبيدة، وإبراهيم بن عبيد، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً عالماً كثير الحديث ورِعاً، وقال العجليّ:
مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، رجل صالح، عالم بالقرآن، وقال ابن المدينيّ، وأبو زرعة:
ثقةٌ، وقال البخاريّ: إن أباه كان ممن لم يُنبت يوم قريظة، فتُرك، ثم ساق
بإسناده عن محمد بن كعب قال: سمعت ابن مسعود، فذكر حديثاً، وقال:
لا أدري أحفظه أم لا؟ وقال أبو داود: سمع من عليّ، ومعاوية، وابن
مسعود، قال: وسمعت قتيبة يقول: بلغني أنه رأى النبيّ وَّ، وقال الترمذيّ:
سمعت قتيبة يقول: بلغني أن محمد بن كعب وُلد في حياة النبيّ بَِّ، وقال
يعقوب بن شيبة: وُلد في آخر خلافة عليّ سنة أربعين، ولم يسمع من
العباس، وجاء عن النبيّ ◌َّه من طرق أنه قال: ((يخرج من أحد الكاهنين،
رجل يدرس القرآن دراسة، لا يدرسها أحد يكون بعده))، قال ربيعة: فكنا
نقول: هو محمد بن كعب، والكاهنان: قريظة والنضير، وقال عون بن
عبد الله: ما رأيت أحداً أعلم بتأويل القرآن منه، وقال ابن حبان: كان من
أفاضل أهل المدينة علماً وفقهاً، وكان يقصّ في المسجد، فسقط عليه وعلى
أصحابه سقف، فمات هو وجماعة معه تحت الهدم، سنة ثماني عشرة،
وأرّخه أبو بكر بن أبي شيبة، وغير واحد سنة ثمان ومائة، وقال يعقوب بن
شيبة وغيره: مات سنة سبع عشرة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقال ابن
نمير: مات سنة تسع عشرة، وقال ابن سعد وغيره: مات سنة عشرين، وقيل
غير ذلك.
قال الحافظ: وما تقدم نَقْله عن قتيبة من أنه وُلد في عهد النبيّ وَّ لا
حقيقة له، وإنما الذي وُلد في عهده وَل﴿ هو أبوه، فقد ذكروا أنه كان من سبي

٥٩٣
(٢) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الاسْتِغْفَارِ، وَالرَّجَاءِ فِي سَعَةِ مَغْفِرَةِ اللهِ رَك - حديث رقم (٦٩٤٠)
قريظة ممن لم يحتلم، ولم يُنبت، فخَلَّوا سبيله، حكى ذلك البخاريّ في ترجمة
(١)
محمد. انتھی(١) .
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذكرا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَذَتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤٠] (٢٧٤٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ جَعْفَرِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ
يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَعْفَرُ الْجَزَرِيُّ) هو: جعفر بن بُرقان - بضم الموحّدة، وسكون
الراء، بعدها قاف - الكلابيّ، أبو عبد الله الرّقّيّ، صدوق يَهِمُ في حديث
الزهريّ [٧] (ت١٥٠) وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ - بفتح
الموحّدة، والتشديد - أبو عوف الكوفي، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم
المؤمنين ﴿ا، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] (ت١٠٣) (بخ م ٤)
تقدم في «الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُ، وفيه أبو هريرة له رأس المكثرين
السبعة .
(١) (تهذيب التهذيب)) ٦٨٤/٣ - ٦٨٥.

٥٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ) فيه مشروعيّة الحلف من غير استحلاف؛ إذا اقتضى المقام ذلك، وفيه
إثبات اليد لله وال على ما يليق بجلاله، من غير تمثيل، ولا تأويل، ولا
تعطيل. (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ) الباء للتعدية، كما في قوله: (وَلَجَاءَ
بِقَوْم)؛ أي: آخرين من جنسكم، أو من غير جنسكم، (يُذْنِبُونَ) بضمّ أوله، من
الإذََّّاب (فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ)؛ أي: فيتوبون إلى الله تعالى، ويطلبون منه مغفرته،
(فَيَغْفِرُ لَهُمْ») على مقتضى وعده السابق: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا
[الفرقان:
صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (شـ
٧٠]، وقوله: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ
[الزمر: ٥٣]، والله تعالى أعلم.
٥٣
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا من أفراد المصنِّف ◌َخَذُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٤٠/٢] (٢٧٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٣٠٩)، و(معمر) في ((الجامع)) (١٨١/١١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١١/
١٨١)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤١٠/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء))
(٥٠٨/١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَةِ،
وَجَوَازٍ تَرْكِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، وَالِاِشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩٤١] (٢٧٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَقَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ
- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ إِيَاسِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ
أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ،

٥٩٥
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ:
سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ،
حَتَى كَأَنَّا (١) رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ﴿ِ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ،
وَالأَوْلَادَ، وَالضَّيْعَاتِ، فَتَسِينَا كَثِيراً، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا،
فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا
رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَمَا ذَاكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ،
تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْتَ عَيْنِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ،
وَالأَوْلَادَ، وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا (٢) كَثِيراً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى
فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَهُ سَاعَةً وَسَاعَةً))، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) - بنون، ومهملة، مصغراً - أبو عباد البصريّ الْغُبَريّ
- بضم الغين المعجمة، وفتح الموحّدة الخفيفة - الذارع، صدوقٌ، يُخطئ [١٠]
(م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ - بضم المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو
سليمان البصريّ، صدوقٌ، زاهدٌ، لكنه كان يتشيع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤)
تقدم في ((الإيمان)» ٣٢٢/٥٥.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ إِيَاسِ الْجُرَيْرِيُّ) - بضم الجيم - أبو مسعود البصريّ، ثقة
[٥] اختلط قبل موته بثلاث سنين (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٦/٤٠.
٥ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمر الكوفيّ المخضرم،
تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (حَتْظَلَةُ الأُسَيِّدِيُّ) حنظلة بن الربيع بن صَيْفيّ - بفتح الصاد المهملة،
(١) وفي نسخة: ((كأنا)) بإسقاط ((حتى)) في الموضعين.
(٢) وفي نسخة: ((فنسينا)).
(٣) وفي نسخة: ((ثلاث مرار)).

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
بعدها تحتانية ساكنة - ابن رَبَاح بن الحارث التميميّ الأُسَيِّديّ، أبو ربعي
المعروف بحنظلة الكاتب، وهو ابن أخي أكتم بن صيفيّ حكيم العرب، نزل
الكوفة، ثم انتقل إلى قُرقیسیاء.
روى عن النبيّ وَّ، وروى عنه أبو عثمان النَّهْديّ، وابن ابن أخيه
المرقع بن صيفي بن رباح بن الربيع، وقيس بن زهير، والحسن البصريّ،
وقتادة، ولم يدركه، وغيرهم.
شَهِد مع خالد بن الوليد حروبه بالعراق، وقال ابن الْبَرْقيّ: إنما سُمِّي
الكاتب؛ لأنه كتب للنبيّ وَ ﴿ الوحي، وتُؤُفّي بعد عليّ معتزلاً للفتنة، وقال
يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: بَعَث رسول الله وَّر حنظلة بن الربيع
ابن أخي أكتم بن صيفي إلى أهل الطائف، وقال ابن حبان: مات في أيام
معاوية
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
[تنبيه]: قوله: ((الأُسَيِّدِيُّ)) بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، بعدها دال
مهملة: نسبة إلى أُسيّد، بطن من تميم، يقال له: أسيد بن عمرو بن تميم، قال
ابن الأثير: المحدّثون يُشدّدون الياء في هذه النسبة، وأما النحاة فإنهم
يسگّنونها. انتهى(١).
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنِّف تَخْذَثُ، وأن معظمه مسلسل بالبصريين، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له
إلا حديثان، هذا عند مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وحديث: ((كنا مع
النبيّ ◌َ﴿ في غزوة، فمررنا بامرأة مقتولة ... )) الحديث عند النسائيّ في
((الكبرى))، وابن ماجه(٢).
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٦١.
(٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٨٥/٣ - ٨٦.

٥٩٧
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
شرح الحديث:
(عَنْ حَنْظَلَةَ) بن الربيع - بفتح الراء، وكسر الموحّدة، وسكون التحتية -
(الأُسَيِّدِيِّ) قال النوويّ ◌َخْفُهُ: ضبطوه بوجهين: أصحهما، وأشهرهما ضم
الهمزة، وفتح السين، وكسر الياء المشدّدة، والثاني كذلك، إلا أنه بإسكان
الياء، ولم يذكر القاضي عياض إلا هذا الثاني، وهو منسوب إلى بني أُسَيِّد
بطن من بني تميم. انتهى(١).
وقال الفَتَّني في ((المغني)): الأُسَيِّدي بمضمومة، ومفتوحة، وشدّة تحتية
مكسورة، وسكونها، والشدة عند المحدثين؛ للأصل، وتسكينها عند أهل
اللغة؛ لِلْخفة، منسوب إلى أسيد بن عمرو بن تميم بن مُرّ، ومنه حنظلة بن
الربيع. انتھی.
وقال ابن عبد البرّ: بنو أُسَيِّد بن عمرو بن تميم من أشراف بني تميم،
وهو أُسَيِّد بكسر الياء، وتشديدها. انتهى.
وحنظلة هذا هو حنظلة بن الرَّبِيع بن صيفيّ التميمي المعروف بحنظلة
الكاتب؛ لأنه كتب للنبيّ ◌َ ﴿ الوحي، ففي مسلم، والترمذيّ من طريق أبي
عثمان النَّهْدي: ((عن حنظلة، وكان من كُتَّب النبيّ ◌َِّ))، وهو ابن أخي أكثم بن
صيفيّ حكيم العرب، وليس هو حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، أرسله
النبيّ وَّه إلى أهل الطائف، وشَهِد القادسيّة، ونزل الكوفة، وتخلَّف عن عليّ
في قتال أهل البصرة يوم الجمل، ونزل قرقيسياء حتى مات في خلافة
معاوية ﴿يا، ولا عَقِب له(٢).
(قَالَ) أبو عثمان: (وَكَانَ) حنظلة هذا (مِنْ كُتَّابٍ) بضمّ الكاف: جَمْع
كاتب؛ أي: كان ممن كتب الوحي لـ(رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) قال النوويّ كَُّ: هكذا
هو في جميع نُسخ بلادنا، وذكره القاضي عن بعض شيوخهم كذلك، وعن
أكثرهم: ((وكان من أصحاب النبيّ وَّر)، وكلاهما صحيح، لكن الأول أشهر
في الرواية، وأظهر في المعنى، وقد قال في الرواية التي بعد هذه: ((عن حنظلة
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٥/١٧.
(٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٨٠٢/٧.

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
الكاتب)). انتهى
(١)
.
(قَالَ) حنظلة: (لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ رَلُبه، قال القاري: ولعله لما
كان مغلوباً لم يقل: لقيت أبا بكر، كما هو مقتضى الأدب(٢)، وفي الترمذيّ:
((أنه مَرّ بأبي بكر، وهو يبكي)). (فَقَالَ) له أبو بكر تَظُه: (كَيْفَ أَنْتَ يَا
حَنْظَلَةُ؟) قال القاري: سؤال عن الحال؛ أي: كيف استقامتك على ما نسمع
من النبيّ وَّ﴿، أهي مجوَّدة، أم لا؟(٣)، وقال الطيبيّ: ((كيف)) سؤال عن
الحال؛ أي: أمستقيم على الطريق أم لا؟(٤). (قَالَ) حنظلة رَُّله: (قُلْتُ) مجيباً
عن سؤال أبي بكر ◌ُه: (نَافَقَ حَنْظَلَةُ)؛ أي: صار منافقاً، وأراد: نفاق
العمل، لا نفاق الاعتقاد، قال الطيبيّ تَخُّْهُ: فيه تجريد؛ لأن أصل الكلام:
نافقت، فجرّد من نفسه شخصاً آخر مثله، فهو يخبر عنه؛ لِمَا رأى من نفسه ما
لا يَرضَى؛ لمخالفة السر العلن، والحضور الغَيبة.
وقال الجزريّ: النفاق ضدّ الإخلاص، وأراد به في هذا الحديث: أنني
في الظاهر إذا كنت عند النبيّ ◌َلّ أخلصت، وإذا انفردت عنه، رغبت في
الدنيا، وتركت ما كنت عليه، فكأنه نوعٌ من مخالفة الظاهر للباطن، وما كان
يرضى أن يسامح به نفسه، وكذلك كان الصحابة هم أجمعين يؤاخذون أنفسهم
بأقل الأشياء.
وقال النوويّ كَّقُ: معناه: أنه خاف أنه منافق، حيث كان يحصل له
الخوف في مجلس النبيّ ◌َّ، ويظهر عليه ذلك مع المراقبة، والفكر، والإقبال
على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة، والأولاد، ومعاش الدنيا، وأصلُ
النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشرّ، فخاف أن يكون ذلك نفاقاً، فأعلمهم
النبيّ وَّ أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلّفون الدوام على ذلك. انتهى(٥).
وقال القرطبيّ ◌َّلُهُ: قوله: ((نافق حنظلة)) إنكار منه على نفسه لَمّا وجد
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٥/١٧ - ٦٦.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٤٩/٥.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ١٤٩/٥.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣١/٥.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٧ - ٦٧.

٥٩٩
(٣) - بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ ... إلخ - حديث رقم (٦٩٤١)
منها في خلوتها خلاف ما يظهر منها بحضرة النبيّ وَّه، فخاف أن يكون ذلك
من أنواع النفاق، وأراد من نفسه أن يستديم تلك الحالة التي كان يجدها عند
موعظة النبيّ وَّر، ولا يشتغل عنها بشيء. انتهى(١).
(قَالَ) أبو بكر ظُهُ معتجّباً من قوله: (سُبْحَانَ اللهِ) قال القاري: تعجبُ،
أو تبرئةٌ، وتنزيهٌ، (مَا تَقُولُ؟) قال الطيبيّ تَخْذُ: ((سبحان الله)) كلمة تعجّب،
و((ما)) استفهامية، وقوله: ((تقول)) هو المتعجّب منه(٢)؛ يعني: عجبت من قولك
هذا الذي حكمت فيه بالنفاق على نفسك. (قَالَ) حنظلة: (قُلْتُ: نَكُونُ)؛ أي:
جميعاً على وصف الجمعية، (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿)؛ المعنى: لا عَجَب في
ذلك؛ لأنّا نكون عنده، وأتى بضمير الجمع؛ لأن من المعلوم أنه لا بُدّ في
الحاضرين من يشابه حنظلة في ذلك، ولم يقل: نافقنا؛ لئلا يُتوهم العموم
الشامل للخصوص(٣). (يُذَكِّرُنَا) بالتشديد؛ أي: يَعِظنا (بِالنَّارِ)؛ أي: بعذابها
تارةً، (وَالْجَنَّةِ)؛ أي: بنعيمها أخرى؛ ترهيباً، وترغيباً، أو يذكّرنا الله
بذكرهما، أو بقربهما، (حَتَّى كَأَنَّا) وفي بعض النسخ: ((كأنّا)) بحذف ((حتى)) في
الموضعين؛ أي: حتى صرنا كأنّا (رَأْيَ عَيْنٍ) بالنصب؛ أي: كأنا نرى الله،
والجنة، والنار رأيَ عين، فهو مفعول مطلق بإضمار ((نرى))، ورُوي بالرفع؛
أي: كأنا راؤون الجنة والنار بِالْعين، على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل،
ويصحّ كونه الخبرَ؛ للمبالغة، كرجل عدل، قال القاضي: ضبطناه ((رأيُ عين))
بالرفع؛ أي: كأنّا بحالٍ من يراهما بعينه، قال: ويصحّ النصب على المصدر؛
أي: نراهما رأيَ عين. انتهى (٤).
(فَإِذَا خَرَجْنَا)؛ أي: فارقناه على وصف التفرقة، (مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ وَيه
عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ، وَالأَوْلَادَ) بالفاء، والسين المهملة؛ أي: خالطناهم،
(١) ((المفهم)) ٦٦/٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣١/٥.
(٣) (مرقاة المفاتيح)) ١٤٩/٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٧.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة
ولاعبناهم، وعالجنا أمورهم، واشتغلنا بمصالحهم، قال الهرويّ وغيره:
معناه: حاولنا ذلك، ومارسناه، واشتغلنا به؛ أي: عالجنا معايشنا، وحظوظنا.
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات)) هو
بالفاء والسين المهملة، قال الهرويّ وغيره: معناه: حاولنا ذلك، ومارسناه،
واشتغلنا به؛ أي: عالجنا معايشنا، وحظوظنا، والضيعات: جمع ضيعة بالضاد
المعجمة، وهي معاش الرجل، من مال، أو حرفة، أو صناعة، وروى الخطابيّ
هذا الحرف: ((عانسنا)) بالنون، قال: ومعناه: لاعَبْنا، ورواه ابن قتيبة بالشين
المعجمة، قال: ومعناه: عانَقْنا، والأول هو المعروف، وهو أعمّ. انتهى (١).
(وَالضَّيْعَاتِ)؛ أي: الأراضي، والبساتين، جمع ضَيعة بالضاد المعجمة
المفتوحة، وهي معاش الرجل، من مال، أو حرفة، أو صناعة. قال الهرويّ
في ((الغريبين)): ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه، من صناعة، أو نخل، أو
غَلّة، أو غيرها كذلك أسمعنيه الأزهريّ، قال: شَمِر: ويدخل فيها الحرفة،
والتجارة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّلهُ: قوله: ((عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات))
الرواية الصحيحة المعروفة: ((عافسنا)) بالعين المهملة، وبالفاء، والسين المهملة،
ومعناه: عالجنا، وحاولنا، وفي ((الصحاح)): المعافسة: المعالجة؛ يعني: أنهم
إذا خرجوا من عند رسول الله وَ ر اشتغلوا بهذه الامور، وتركوا تلك الحالة
الشريفة التي كانوا يجدونها عند سماع موعظة رسول الله وَلاتؤ، ومشاهدته، وروى
الخطابيّ هذا الحرف: ((عانسنا)) بالنون، وفسّره بلاعَبْنا، ورواه القتيبيّ: ((عانشنا))
بالنون والشين المعجمة، وفسّره بعانَقْنا، والتقييد الأول أَولى روايةً ومعنّى، وقد
جاء مفسَّراً في الرواية الأخرى، فقال: ((ضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة)).
والضيعات: جمع ضيعة، وهي: ما يكون معاش الرجل منه، من مال،
أو حرفة، أو صناعة، وقد تقدَّم ذِكرها. انتهى(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٧.
(٢) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٧/ ٨٠٢.
(٣) ((المفهم) ٦٦/٧ - ٦٧.