Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٠) أخف الطير، وأحقره، وهو مما يُعايَن، ويُدفَع بأقل الأشياء، قال: وفي ذِكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأن الذباب قلّما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالباً العين، قال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضاً؛ لأنه بهذا القَدْر اليسير يُدفع ضرره، قال: وفي الحديث ضَرْب المثل بما يمكن، والإرشاد إلى الحضّ على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان، وفيه أن الفجور أمر قلبيّ كالإيمان، وفيه دليل لأهل السُّنَّة ؛ لأنهم لا يُكَفِّرون بالذنوب، وردّ على الخوارج وغيرهم، ممن يكفِّر بالذنوب. وقال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنب صغيراً كان، أو كبيراً؛ لأن الله تعالى قد يعذّب على القليل، فإنه لا يُسأل عما يفعل ◌َلاَ. انتهى من ((الفتح))(١). وقوله: (وَحَدِيثاً)؛ أي: حدّثنا عبد الله حديثاً (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ) عبد الله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لَلَّه) بلام التأكيد المفتوحة، وهي لام الابتداء، (أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ) وفي رواية البخاريّ: (لله أفرح بتوبة العبد))، قال الطيبيّ نقلاً عن المظهر: معناه: أرضى بالتوبة، وأقبل لها، والفرح المتعارف في نعوت بني آدم غير جائز على الله تعالى، إنما معناه الرضى، قال: والمتقدّمون من أهل الحديث فَهِموا منها ما وقع الترغيب فيه من الأعمال، والإخبار عن فضل الله وَك، وأثبتوا هذه الصفات لله تعالى، ولم يشتغلوا بتفسيرها(٢)، مع اعتقادهم أن الله ◌َّ منزَّه عن صفات المخلوقين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ثم قال الطيبيّ: أقول: هذا هو المذهب المحتاط، وقلّما يزيغ عنه قَدَم الراسخ، ثم ذكر مذهب المشتغلين بالتأويل، فلم يُحْسن، حيث لم يتعقّبه (١) ((الفتح)) ١٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣. (٢) إن أراد تفسير الكيفيَّة، فنعم، وإن أراد تفسير المعنى، فباطل، فإن أهل الحديث يشتغلون بتفسير معاني الصفات، وإثباتها بحقيقة معانيها الله ، وإن يجهلون، ويفوّضون علم كيفيّتها، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فتنبّه، ولا يهولنّك إرجاف المرجفين، والله تعالى وليّ التوفيق. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة تأويلاتهم مخالفين لأهل الحديث، وعموم السلف، وقد تقدّم في حديث أبي هريرة رضيبه الماضي الردّ عليهم بما فيه كفاية، فراجعه تستفد. وقال صاحب ((المرعاة)) بعد نقل كلام المؤوّلين ما نصّه: قلت: كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسول الله وَلقر، فهي صفة حقيقةً لا مجازاً، فهو تعالى يسمع، ويبصر، ويتكلم بما شاء، متى شاء، ويرضى، ويسخط، ويَعْجَب، ويفرح بتوبة عبده، ومعنى كل ذلك معلوم، والكيف مجهول، فنُثبت له ذلك كله، ولا نكيّفه، ولا نشبّهه بصفات المخلوقين، ولا نؤوّله، ولا نعطّله. قال شيخنا: لا حاجه إلى التأويل، ومذهب السلف في أمثال هذا الحديث إمرارها على ظواهرها، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تأويل هذا. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا هو واجب كلّ مسلم تجاه آيات الصفات، وأحاديثها، كالاستواء، والنزول، والمجيء، والمحبّة، والفرح، والغضب، والرضا، وغير ذلك، أن يُثبتها لله ◌ُعَلَ كما أثبتتها نصوص الكتاب والسُّنَّة، وأجراها السلف الصالح على ظواهرها، وحقيقتها على ما يليق بجلاله تعالى، ولا يُشبّه، ولا يمثّل، ولا يؤوّل، ولا يعطّل، فهذا هو المذهب الأعلم الأحكم الأسلم، فاقبله تَسْلَم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (مِنْ رَجُلٍ) متعلّق بـ((أفرح))، (فِي أَرْضِ دَوِّيَّةٍ) - بفتح الدال، وتشديد الواو المكسورة، وتشديد الياء المفتوحة، بعدها هاء التأنيث -: نسبة إلى الدّوّ - بفتح الدال، وتشديد الواو - وهي الأرض الفَقْر، والفلاة الخالية؛ أي: البريّة، والصحراء التي لا نبات بها، قال ابن الأثير: الدّوّ: الصحراء، والدويّة منسوبة إليها . ووقع في الرواية التالية: ((داويّة))، وهي أيضاً بتشديد الياء، وقيل: ذلك لإبدال الواو الأولى ألفاً، وقد يُبدل في النسبة على غير قياس، نحو طائيّ في النسبة إلى طيء. (مَهْلَكَةٍ) - بفتح الميم، واللام، بينهما هاء ساكنة -؛ أي: موضع (١) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ١٤٥/٨. ٥٦٣ (١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٠) الهلاك، أو الهلاك نفسه. وقال النوويّ: وهي موضع خوف الهلاك، ويقال لها: مفازة. انتهى. وتُفتح لامها، وتكسر، وهما بمعنى، والمراد: يهلك سالكها، أو من حصل فيها، ويروى: مُهلِكة بضم الميم، وكسر اللام: اسم فاعل من الثلاثيّ المزيد فيه؛ أي: تُهْلِك هي من يحصل بها. انتهى(١). وقال النوويّ كَُّهُ: أما ((دوية)) فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال، وتشديد الواو والياء جميعاً، وذَكَر مسلم في الرواية التي بعد هذه، رواية أبي بكر بن أبي شيبة: ((أرض داويّة)) بزيادة ألف، وهي بتشديد الياء أيضاً، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: الدوية: الأرض القفر، والفلاة الخالية، قال الخليل: هي المفازة، قالوا: ويقال: دَوّيّة، ودَاويّة، فأما الدوية فمنسوب إلى الدوّ، بتشديد الواو، وهي البريّة التي لا نبات بها، وأما الداويّة فهي على إبدال إحدى الواوين ألفاً، كما قيل: في النسب إلى طيء طائيّ. وأما المهلكة فهي بفتح الميم، وبفتح اللام، وكسرها، وهي موضع خوف الهلاك، ويقال لها: مفازة، قيل: إنه من قولهم: فَوَّز الرجلُ: إذا هلك، وقيل: على سبيل التفاؤل بفوزه، ونجاته منها، كما يقال للّديغ: سَلِيمٌ. انتهى(٢). (مَعَهُ رَاحِلَتُهُ) الراحلة: المركب من الإبل، ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، وجمعها رواحل، قاله الفيّوميّ(٣). (عَلَيْهَا)؛ أي: على الراحلة، (طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) زاد في رواية الترمذيّ: ((وما يُصلحه))، (فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ) وفي رواية البخاريّ: ((فوضع رأسه، فنام نومةً، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته))؛ أي: فخرج في طلبها، واستمرّ على ذلك، وفي رواية أحمد، والترمذيّ: ((فأضلّها، فخرج في طلبها)). (فَطَلَبَهَا)؛ أي: واستمرّ على ذلك (حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ) وفي رواية البخاريّ: ((حتى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعطش، أو ما شاء الله))، قال الحافظ: الشكّ من أبي شهاب، واقتصر جرير على ذِكر العطش، ووقع في رواية أبي معاوية: ((حتى إذا أدركه الموت))، وقال الطيبيّ: إما شكّ من الراوي، (١) ((مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح)) ١٤٥/٨. (٢) (شرح مسلم)) ١٧ / ٦١. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة والتقدير: قال رسول الله وَلّ ذلك، أو قال: ما شاء الله، أو تنويع؛ أي: اشتدّ الحر والعطش، أو ما شاء الله من العذاب، والبلاء غير الحرّ، والعطش، قال القاري: والأظهر أن ((أو)) بمعنى الواو، وهو تعميم بعد تخصيص؛ أي: وما شاء الله بعد ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأولى ما تقدّم عن الحافظ أنه شكّ من أبي شهاب الراوي عن الأعمش، فتنبّه. (ثُمَّ قَالَ) الرجل في نفسه: (أَرْجِعُ) بقطع الهمزة، وهي ضمير المتكلّم، (إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ) لاحتمال أن تعود الراحلة إليه؛ لإلفها له أوّلاً، (فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ)؛ أي: أو حتى ترجع إليّ راحلتي، وإنما اقتصر على ما ذكر من الموت؛ استبعاداً لجانب الحياة، ويأساً عن رجوع الراحلة، (فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ)؛ أي: فانتبه من نومه (وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ)؛ أي: حاضرة، أو واقفة، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وكذا قوله: (وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) زاد في رواية أبي معاوية: ((وما يُصلحه). (فَاللهُ) قال الطيبيّ تَخْتُهُ: الفاء هي التي تُعقّبِ الْمُجْمَل بالمفصّل؛ تأكيداً، وتقريراً له؛ لئلا يُزاد فيه، ولا يُنقص. انتهى. (١) (أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا)؛ أي: من فرح هذا الرجل (بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ)) قال القاري: فهذا فَذْلَكة القصّة، أعيدت لتأكيد القضيّة. انتهى(٢). [تنبيه]: سيأتي في حديث البراء ظُه الآتي ذكر سبب لهذا الحديث المرفوع، وأوله: ((كيف تقولون بفرح رجل، انفلتت منه راحلته، تَجُرّ زمامها بأرض قفر، ليس بها طعام، ولا شراب، وعليها له طعام، وشراب، فطلبها حتى شقّ عليه، ثم مرت بجذل شجرة، فتعلق زمامها، فوجدها متعلقة به؟)) قلنا: شديداً يا رسول الله، فقال رسول الله وَله: ((أما واللهِ لَلَّهُ أشدّ فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته))، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة مختصراً: ((ذكروا الفرح عند رسول الله وَّر، والرجل يجد ضالته، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٥٨/٦. (٢) ((المرقاة)) ١٩٢/٥. ٥٦٥ (١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى النَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٠) فقال: لَلَّه أشدّ فرحاً ... )) الحديث(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ته هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: أشار البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)) إلى أنه وقع اختلاف في إسناد هذا الحديث، حيث قال بعد إخراج الحديث من طريق أبي شهاب عن الأعمش ما نصّه: تابعه أبو عوانة، وجرير عن الأعمش، وقال أبو أسامة: حدّثنا الأعمش، حدّثنا عمارة، سمعت الحارث، وقال شعبة، وأبو مسلم عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، وقال أبو معاوية: حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن الأسود، عن عبد الله، وعن إبراهيم التيميّ عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله. انتهى كلام البخاريّ تَظُّهُ(٢). قال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه أبو عوانة)) هو الوضاح، وجرير هو ابن عبد الحميد، عن الأعمش، فأما متابعة أبي عوانة فوصلها الإسماعيليّ من طريق يحيى بن حماد، عنه، وأما متابعة جرير فوصلها مسلم، وقد ذكرت اختلاف لفظها . قوله: ((وقال أبو أسامة)) - هو حماد بن أسامة - حدّثنا الأعمش، حدّثنا عمارة، حدّثنا الحارث - يعني: عن ابن مسعود - بالحديثين، ومراده أن هؤلاء الثلاثة وافقوا أبا شهاب في إسناد هذا الحديث، إلا أن الأَوَّلين عنعناه، وصرّح فيه أبو أسامة، ورواية أبي أسامة وصلها مسلم أيضاً، وقال مثل حديث جرير. قوله: ((وقال شعبة، وأبو مسلم)) زاد المستملي في روايته عن الفِرَبْريّ: اسمه عبيد الله؛ أي: بالتصغير، كوفيّ، قائد الأعمش، قلت(٣): واسم أبيه سعيد بن مسلم، كوفيّ ضعفه جماعة، لكن لمّا وافقه شعبة ترخص البخاري في ذكره، وقد ذكره في ((تاريخه))، وقال: في حديثه نظر، وقال العقيليّ: يُكتب حديثه، ويُنظر فيه، ومراده أن شعبة وأبا مسلم خالفا أبا شهاب، ومن تبعه في (١) ((الفتح)) ٢٩٦/١٤. (٣) القائل هو الحافظ، فتنبّه. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٢٤/٥. ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة تسمية شيخ الأعمش، فقال الأولون: عمارة، وقال هذان: إبراهيم التيميّ، وقد ذكر الإسماعيليّ أن محمد بن فضيل، وشجاع بن الوليد، وقطبه بن عبد العزيز، وافقوا أبا شهاب على قوله: ((عمارة، عن الحارث))، ثم ساق رواياتهم، وطريق قطبة عند مسلم أيضاً . قوله: ((وقال أبو معاوية: حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن الأسود، عن عبد الله، وعن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله)) يعني: أن أبا معاوية خالف الجميع، فجعل الحديث عند الأعمش، عن عمارة بن عمير، وإبراهيم التيميّ جميعاً، لكنه عند عمارة عن الأسود، وهو ابن يزيد النخعيّ، وعند إبراهيم التيميّ عن الحارث بن سُويد، وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن الحارث بن سويد، قال الحافظ: ورواية أبي معاوية لم أقف عليها في شيء من السنن والمسانيد (١) على هذين الوجهين، فقد أخرجه الترمذيّ عن هناد بن السريّ، والنسائيّ عن محمد بن عبيد، والإسماعيليّ من طريق أبي همام، ومن طريق أبي كريب، ومن طريق محمد بن طَرِيف، كلهم عن أبي معاوية، كما قال أبو شهاب، ومن تبعه، وأخرجه النسائيّ عن أحمد بن حرب الموصليّ، عن أبي معاوية، فجمع بين الأسود والحارث بن سُويد، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي كريب، ولم أره من رواية أبي معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، وإنما وجدته عند النسائيّ من رواية عليّ بن مُسهر، عن الأعمش كذلك. وفي الجملة فقد اختلف فيه على عمارة في شيخه، هل هو الحارث بن سويد، أو الأسود؟، وتبيَّن مما ذكرته أنه عنده عنهما جميعاً، واختُلف على الأعمش في شيخه، هل هو عمارة، أو إبراهيم التيميّ؟ وتبيَّن أيضاً أنه عنده عنهما جميعاً، والراجح من الاختلاف كلّه ما قال أبو شهاب، ومن تبعه، ولذلك اقتصر عليه مسلم، وصدّر به البخاريّ كلامه، فأخرجه موصولاً، وذَكَر الاختلاف معلّقاً، كعادته في الإشارة إلى أن مثل هذا الخلاف ليس بقادح، (١) أشار في ((التغليق)) ١٣٧/٥ - ١٣٨ إلى أنه أخرجه أحمد في ((المسند))، وهو في ٣٨٣/١. انتهى من هامش ((الفتح)) ٢٩٦/١٤. ٥٦٧ (١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٠) والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَقْذَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا البحث الذي أوضحه الحافظ بحث نفيسٌ جدّاً . وحاصله: أن الحديث صحيح بطرقه المختلفة، وأن غرض البخاريّ بذكر الاختلاف معلّقاً الإشارة إلى أن هذا الاختلاف لا يقدح في صحّة الحديث، وهو غرض مهمّ جدّاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٣٠/١ و٦٩٣١ و٦٩٣٢] (٢٧٤٤)، و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٣٠٨)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٨)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٠٨/٩)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٢٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٨/١٠) و((شعب الإيمان)) (٤١١/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٠١ و١٣٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): ١ - (منها): بيان خوف المؤمن من الله تعالى، حيث إنه إذا أذنب ذنباً، رآه كأنه تحت جبل يخاف سقوطه عليه، وهذه ثمرة قوّة الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان تهاون الفاجر، وعدم خوفه من الله تعالى، وأنه إذا أذنب لم يستشعر بقلبه عظمة الذنب، وخطر عاقبته، وأن الله تعالى يُمهله، ولا يُهمله، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ عنه قال: قال رسول الله وخلطه: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ [هود: ١٠٢])). إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ ٣ - (ومنها): إثبات صفة الفرح الله تعالى على ما يليق بجلاله، بلا تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل. (١) ((الفتح)) ٢٩٥/١٤ - ٢٩٦. (٢) المراد فوائد الحديث برواياته المتنوّعة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص السياق الذي أورده مسلم، فتنبّه. ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٤ - (ومنها): بيان جواز سفر المرء وحده؛ لأنه وَلجه لا يضرب المثل الا بما يجوز، ويُحْمَل حديث النهي على الكراهة؛ جمعاً، ويظهر من هذا الحديث حكمة النهي، قاله ابن أبي جمرة تَخُّْهُ. وتعقّبه الحافظ، فقال: والحصر الأول مردود، وهذه القصة تؤكد النهي. ٥ - (ومنها): أن فيه تسميةَ المفازة التي ليس فيها ما يؤكل، ولا يشرب مهلکةً. ٦ - (ومنها): أن من رَكَن إلى ما سوى الله يُقطع به أحوج ما يكون إليه؛ لأن الرجل ما نام في الفلاة وحده إلا ركوناً إلى ما معه من الزاد، فلما اعتمد على ذلك خانه، لولا أن الله لَطَف به، وأعاد عليه ضالته، قال بعضهم: من سرّه أن لا يرى ما يسوؤه، فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقداً. ٧ - (ومنها): أن فرح البشر وغمّهم إنما هو على ما جرى به أثر الحكمة من العوائد، يؤخذ من ذلك أن حُزن المذكور إنما كان على ذهاب راحلته؛ الخوف الموت من أجل فَقْد زادِهِ، وفرحه بها إنما كان من أجل وجدانه ما فَقَد، مما تُنسب الحياة إليه في العادة. ٨ - (ومنها): بركة الاستسلام لأمر الله تعالى؛ لأن المذكور لمّا أيس من وجدان راحلته، استسلم للموت، فمنّ الله عليه بردّ ضالته. ٩ - (ومنها): ضَرْب المثل بما يصل إلى الأفهام، من الأمور المحسوسة، والإرشاد إلى الحضّ على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان، ذَكَر هذه الفوائد ابن جمرة دَخْذُهُ(١)، ونَقَلها الحافظ في ((الفتح))(٢). ١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض كَّثُ: في قوله: ((قال من شدة الفرح ... إلخ)) فيه أن ما قاله الإنسان من قبيل هذا من دَهْش، وذهول، غير مؤاخذ به، وكذلك حكايته عنه على طريق علميّ، وفائدة شرعية، لا على الهزء والمحاكاة والعيب؛ لحكاية النبيّ وَّ إياه، ولو كان منكَراً ما حكاه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((بجهة النفوس)) ٢٠٤/٤. (٣) ((الفتح)) ١٤/ ٢٩٧. (٢) ((الفتح)) ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨. ٥٦٩ (١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((مِنْ رَجُلٍ بِدَاوِيَّةٍ مِنَ الأَرْضِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) الكوفيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن سَيَاه - بكسر السين المهملة، بعدها تحتانية خفيفة - الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ(١) [٨] (م ٤) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٢٢/ ٦٣١٠. و ((الأعمش)) سليمان بن مهران ذُكر قبله. وقوله: (من رجل بِدَاوِيَّةٍ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في النُّسخ: ((من رجل)) بالنون، وهو الصواب، قال القاضي: ووقع في بعضها: ((مَرّ رجل)) بالراء، وهو تصحيف؛ لأن مقصود مسلم أن يبيّن الخلاف في ((دويّة))، و(داوية))، وأما لفظة ((مِنْ)) فمتفق عليها في الروايتين، ولا معنى للراء هنا. انتھی(٢). وعبارة القاضي عياض كَّهُ في ((المشارق)): قوله في التوبة في ((كتاب مسلم)) في رواية أبي بكر بن أبي شيبة: ((وقال: من رجل بداويّة)) كذا للجميع، وهو الصواب، وكما في سائر الأحاديث، وكان عند بعضهم: ((مَرّ رجل))، وكذا كان في كتاب القاضي التميميّ، والصواب الأول؛ لأنه إنما بَيَّن الخلاف بين قوله: ((بداويّة من الأرض))، وقول أخيه عثمان في الحديث قبله: ((في أرض دويّة)) لا غير، وهما بمعنّى؛ أي: بمفازة قَفْر من الأرض، وابتداء الحديث يدلّ عليه: (لَلَّه أفرح بتوبة عبده من رجل)) حالته كما ذُكِر. انتهى(٣). (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): صدوقٌ، راجع ترجمته في: ((تت)). (٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٧٨/١. (٢) (شرح النوويّ)) ٦٢/١٧. ٥٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وقال في ((الفتح)): الدويّة: القَفْر، والمفازة، وهي الداويّة بإشباع الدال، ووقع كذلك في رواية لمسلم، وجَمْعها داويّ، قال الشاعر: أَرْوَعُ خَرَّاجْ مِنَ الدَّاوِيِّ وقال في ((اللسان)): ومنه خطبة الحجاج [من الرجز]: أَرْوَعَ خَرَّاجِ مِنَ الدَّاوِيِّ قَدْ لَقَّهَا(١) اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيِّ (٢). يعني: الفلوات، جمع داويّة، أراد أنه صاحب أسفار، ورِحَلٍ، فهو لا يزال يخرج من الفلوات، ويَحْتَمِل أن يكون أراد به أنه بصير بالفلوات، فلا يشتبه عليه شيء منها. انتهى(٣). [تنبيه]: رواية قطبة بن عبد العزيز عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣٢] ( ... ) - وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشرُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ، حَدِيثَيْنٍ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ))، بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و((إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ)) الكوسج التميميّ المروزيّ، و((أَبُو أُسَامَةَ)) هو: حمّاد بن أسامة. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن الأعمش هذه ساقها البيهقيّ كَظُّهُ في ((الكبرى))، فقال: (٢٠٥٥٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن (١) الضمير للإبل؛ أي: جَمَعها الليل بسائق شديد، فضَرَبه مَثَلاً لنفسه ورعيّته. (لسان العرب)). (٢) العَصْلَبِيّ: الشديد الباقي على المشي والعمل. (٣) ((لسان العرب)) ١٤/ ٢٧٧. ٥٧١ (١) - بَابٌ فِي الْحَضُّ عَلَى النَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٣) يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، قال: سمعت الحارث بن سُويد يقول: أتينا عبد الله - يعني: ابن مسعود - فحدّثنا بحديثين، أحدهما عن رسول اللهِ وَلّهِ، والآخر عن نفسه، فقال: قال رسول الله وَله: (لَلَّه أشدّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل - قال - بأرض فلاة دَوّيّة، ومُهلكة، ومعه راحلته، عليها طعامه، وشرابه، فنزل عنها، فنام، وراحلته عند رأسه، فاستيقظ، وقد ذهبت، فذهب في طلبها، فلم يقدر عليها، حتى أدركه العطش، فقال: والله لأرجعن، فلأموتنّ حيث كان رحلي، فرجع، فنام، واستيقظ، وإذا راحلته عند رأسه، عليها طعامه، وشرابه))، قال: ثم قال عبد الله: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه جالس في أصل جبل، يخاف أن ينقلب عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، وقال له هكذا، فذهب، وأمرّ بيده على أنفه))، قال: رواه مسلم في ((الصحيح)) عن إسحاق بن منصور، عن أبي أسامة. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣٣] (٢٧٤٥) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ، قَالَ: خَطَبَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَقَالَ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى كَانَ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ، فَتَزَّلَ، فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، وَانْسَلَّ بَعِيرُهُ، فَاسْتَيْقَظَ، فَسَعَى شَرَفاً، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، ثُمَّ سَعَى شَرَفً ثَانِياً، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، ثُمَّ سَعَى شَرَفاً ثَالِثاً، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، فَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَكَانَهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعِدٌ، إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي حَتَّى وَضَعَ خِطَامَهُ فِي يَدِهِ، فَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِنْ هَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِهِ))، قَالَ سِمَاٌ: فَزَعَمَ الشَّعْبِيُّ أَنَّ الُّعْمَانَ رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَِّيِّ ◌َِّ، وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل باب. (١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٨٨/١٠. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٢ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (أَبُو يُونُسَ) حاتم بن أبي صَغِيرة - بكسر الغين المعجمة - البصريّ، وأبو صغيرة اسمه مسلم، وهو جدّه لأمه، وقيل: زوج أمه، ثقة [٦] (ع) تقدم في ((الحج)) ٣٢٤٩/٦٧. ٤ - (سِمَاك) - بكسر أوله، وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ الكوفيّ، أبو المغيرة، صدوقٌ، وقد تغير بأخرة، فكان ربما تَلَقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٥ - (التُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سَعْد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ صَحِب، ثم سكن الشام، ثم وَلِي إِمْرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٢٢/٩٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َقَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى سماك، والصحابيّ، فكوفّان، وأن صحابيّه ابن صحابيّ ◌ًَّا. شرح الحديث: (عَنْ سِمَاك) بن حرب؛ أنه (قَالَ: خَطَبَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) ﴿مَا، ظاهر هذه الرواية أنه موقوف على النعمان، لكن في آخر الحديث عن الشعبيّ أنه مرفوع، ووقع في رواية أحمد من طريق شريك، عن سماك، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَله: ((والله لَلَّه أشد فرحاً بتوبة عبده ... )) الحدیث. (فَقَالَ) النعمان في خطبته (للهُ) بفتح لام الابتداء، و((الله)) مبتدأ خبره قوله: (أَشَدُّ فَرَحاً) فيه إثبات صفة الفرح الله ◌َلاَ على ما يليق بجلاله، وقد تقدّم الرد على المؤولين قريباً، فلا تغفل. (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ) متعلّق بـ((فرح))، وقوله: (مِنْ رَجُلٍ) متعلِّق بـ((أشدّ))، وقوله: (حَمَلَ زَادَهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((رجل))، والزَّاد هو: الطعام الذي يتّخذه المسافر لسفره، والجمع: أزواد، وقوله: (وَمَزَادَهُ) بفتح الميم، قال القاضي: كأنه اسم جنس للمزادة، وهي القربة ٥٧٣ (١) - بَابٌ فِي الْحَضُّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٣) العظيمة، سُمّيت بذلك لأنه يزاد فيها من جلد آخر. انتهى (١). وقال الفيّوميّ كَّشُهُ: شطر الراوية، بفتح الميم، والقياس كسرها؛ لأنها آلة يُستقى فيها الماء، وجمعها مزايد، وربّما قيل: مَزاد بغير هاء، والمزادة مَفْعَلَةٌ من الزاد؛ لأنه يُتزوّد فيها الماء. انتهى(٢). (عَلَى بَعِيرٍ) كأَمِيرٍ، وقد تُكْسَرُ الباءُ، وهي لغةُ بني تِمِيم، والفتحُ أفصحُ اللُّغَتَيْنِ: الجَمِّلُ البازِّلُ، أو الجَذَعُ، وقد يكونُ للأُنْثَى، حُكِيَ عن بعض العَرَب: شَرِبْتُ مِن لَّبَنِ بَعِيرِي، وصَرَعَتْنِي بَعِيرِي؛ أي: نَاقَتِي. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ تَّتُ: البَعِيرُ مثل الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبتُ بَعِيرِي، والجَمَلُ بمنزلة الرجل، يختص بالذكر، والنَّاقَةُ بمنزلة المرأة، تختص بالأنثى، والبَكْرُ، والبَكْرَةُ، مثل الفتى والفتاة، والقَلُوصُ كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم ابن السِّكِّيت، والأزهريّ، وابن جني، ثم قال الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ كَّثُ في الوصية: لو قال: أعطوه بعيراً، لم يكن لهم أن يعطوه ناقةً، فحَمَل البعير على الجَمَل، ووجهه أن الوصية مبنية على عُرف الناس، لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ، وحكى في ((كفاية المتحفظ)) معنى ما تقدم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أربعا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبَكْرَةٌ، وقُلُوص، وجمع البَعِيرِ أَبْعِرَةٌ، وأَبَاعِرُ، وبُعْرَانُ بالضمّ. انتهى (٤). (ثُمَّ سَارَ) الرجل (حَتَّى كَانَ بِفَلَاةٍ) بفتح الفاء: الأرض لا ماء فيها،، والجمع: فَلاَ، مثل حصاة وحَصاً، وجمع الجمع: أفلاء، مثل سبب وأسباب(٥)، وقوله: (مِنَ الأَرْضِ) بيان مؤكّد؛ معنى الفلاة: هي الأرض لا ماء فيها، كما أسلفته آنفاً. (فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ) هي وقت القيلولة، والمراد هنا نفس القيلولة، يقال: قال يقيل قَيْلاً، وقيلولةً: نام نصف النهار، قاله الفيّوميّ. (١) ((شرح النوويّ)) ٦٢/١٧. (٣) ((تاج العروس)) ص٢٥٢٨. (٥) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٠/١. (٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٣. ٥٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وقال المرتضى كَخَّلهُ: القائلة: نصف النهار، كما في ((المحكم))، وفي ((الصحاح)): الظهيرة، ومثله في ((العين))، يقال: أتانا عند قائلة النهار، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضاً، وهي النوم في نصف النهار، وقال الليث: القيلولة: نوم نصف النهار، وهي القائلة، قال يقيل قَيْلاً، وقائلةً، وقيلولةً، ومقالاً، ومقيلاً، وتَقَيَّل: نام فيه؛ أي: نصف النهار، وقال الأزهريّ: القيلولة، والمقيل: الاستراحة نصف النهار عند العرب، وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ الفرقان: ٢٤]. انتهى(١) . ٢٢٤ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (فَنَزَّلَ، فَقَالَ)؛ أي: استراح (تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ)؛ أي: فنام، (وَانْسَلَّ بَعِيرُهُ)؛ أي: ذهب في خُفية، (فَاسْتَيْقَظَ، فَسَعَى)؛ أي: هرول في مشيه (شَرَفاً) قال القاضي عياض: يَحْتَمِل أنه أراد بالشرف هنا الطَّلَقَ(٢)، والْغَلْوَةِ(٣)، كما في الحديث الآخر: ((فاستنّت شَرَفاً، أو شَرَفين))، قال: ويَحْتَمِل أن المراد هنا: الشّرَف من الأرض؛ لينظر منه هل يراها؟ قال: وهذا أظهر. انتهى(٤). (فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، ثُمَّ سَعَى شَرَفاً ثَانِياً، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، ثُمَّ سَعَى شَرَفاً ثَالِئاً، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، فَأَقْبَلَ) من الإقبال؛ أي: جاء (حَتَّى أَتَى مَكَانَهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ)؛ أي: استراح في ذلك المكان، (فَبَيْنَمًا) أَصلُها ((بَيْنَ))، فأُشبِعتْ الفتحة، فصارت أَلفاً، ويقال: بَيْنا، وبَيْنما، وهما ظرفا زمانٍ، بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعلٍ وفاعلٍ، ومبتدٍ وخبر، كما هنا، ويحتاجان إلى جواب، يَتِمُّ به المعنى، والأَفصَح في جوابهما أَن لا يكون فيه ((إذْ)) و((إذا))، وقد جاءا في (١) ((تاج العروس)) ص ٧٤٦٧. (٢) ((الطلق)) بفتحتين: جريُ الفرس لا تحتبس إلى الغاية، فيقال: عدا الفرس طلَقاً، أو طَلَقين، كما يقال: شوطاً أو شَوْطين. انتهى. ((المصباح)) ٣٧٦/٢ - ٣٧٧. (٣) ((الْغَلْوة)): الغاية، وهي رمية بسهم أبعد ما يَقْدر عليه، ويقال: هي ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة، والجمع: غلوات، من شَهْوة وشهوات. ((المصباح)). (٤) ((شرح النوويّ)) ٦٢/١٧. ٥٧٥ (١) - بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٣) الجواب كثيراً، تقول: بَينا زيدٌ جالسٌ دخَل عليه عمرٌو، وإذ دخَل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الحُرَقة بنت النُّعمان: بَيْنا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمرُ أَمْرُنا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ (١) (هُوَ قَاعِدٌ، إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ) حال كونه (يَمْشِي حَتَّى وَضَعَ خِطَامَهُ) بكسر الخاء المعجمة، ككِتَاب: كلّ ما وُضع في أنف البعير؛ ليُقتاد به، جَمْعه: خُطُمٌ، قاله المجد كَُّهُ (٢)، وقال الفيّوميّ ◌َُّ: سُمّي خطماً؛ لأنه يقع على الخَظْم، وهو بفتح، فسكون: مقدّم الأنف والفم. انتهى(٣). (فِي بَدِهِ) متعلّق بـ((وَضَعَ))، (فَلَلَّهُ) بلام مفتوحة، وهي لام الابتداء تفيد التوكيد. (أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ) متعلّق بـ((فرحاً))، (مِنْ هَذَا)؛ أي: من هذا الرجل، وهو متعلّق بـ((أشدّ)، وقوله: (حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ) ((حين)) ظرف متعلّق بـ((فرحاً))، وقوله: (عَلَى حَالِهِ))) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه على الحال التي هو عليها من شدّة الحزن والانزعاج، والاستعداد للموت بسبب فَقْد بعيره الذي عليه طعامه، وشرابه، وما يُصلحه. وقوله: (قَالَ سِمَاك)؛ أي: ابن حرب الراوي عن النعمان بن بشير . ، (فَزَعَمَ الشَّعْبِيُّ) الظاهر أن ((زعم)) هنا مستعملة للقول الحقّ، (أَنَّ النُّعْمَانَ) (رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ)؛ أي: أسنده (إِلَى النَّبِيِّ نَِّ﴾ قال سماك: (وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ)؛ أي: لم أسمع النعمان يرفعه، ورَفْعه هو الحقّ؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، وأيضاً يشهد له حديث ابن مسعود، وأنس بن مالك، وغيرهما، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير ها هذا من أفراد المصنّف رَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) راجع: ((لسان العرب)) ٦٤/١٣. (٣) ((المصباح المنير)) ١٧٤/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٨١. ٥٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٣٣/١] (٢٧٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٢٧٣ و٢٧٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٣/٢ - ٣٠٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣٤] (٢٧٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَجَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ إِيَادٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلِ انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ، تَجُزُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ، لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ، وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَّيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَّيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِحِذْلِ شَجَرَةٍ، فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟))، قُلْنَا: شَدِيداً يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَمَا وَاللّهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ»، قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام تقدّم قبل باب. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ) القُرَشيّ، وقيل: الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠ ]. روى عن عبيد الله بن إياد بن لقيط، والوليد بن أبي ثور، ويونس بن أبي يعفور، وحُديج بن معاوية، وحفص بن سليمان القارئ، وعِدّة. وروى عنه مسلم حديثاً واحداً في التوبة - يعني: هذا الحديث - وبقيّ بن مخلد، وأبو يعلى، وموسى بن إسحاق، وجماعة. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن منجويه: مات بعد الثلاثين ومائتين، وبلغ تسعين سنةً، وقال مُطَيَّن: مات يوم الجمعة لإحدى عشر بقيت من جمادى الآخرة سنة (٢٤٠)، ثقةٌ، لا يَخْضِب، وذكره أبو عليّ الجيانيّ في مشائخ أبي داود، وقال: يُعْرَف بِزَنْبَقَة، حَدَّث أبو داود عنه في ((ابتداء الوحي))، قال: ثنا الوليد بن أبي ثور. انتهى، قال الحافظ: و((ابتداء الوحي)) كتاب مفرد لأبي داود، ما هو من أبواب السنن، والله أعلم (١). (١) ((تهذيب التهذيب)) ٧٥/٢. ٥٧٧ (١) - بَابٌ فِي الْحَضُّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٤) تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ كَّثُهُ: هكذا خرّج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى، وجعفر بن حُميد في رواية ابن ماهان، والكسائيّ، وجعفر هذا هو شيخ لمسلم لم يرو عنه إلا هذا الحديث، وهو كوفيّ يُعرَف بـ((زَنْبَقَة)) حدّث عنه بَقِيّ بن مَخْلَد من أهل بلدنا، وخرّجه أبو مسعود عن جعفر بن حُميد، وهو الصواب، ورُوي عن أبي أحمد الْجُلُوديّ: حدّثنا يحيى بن يحيى، وعبد بن حُميد، مكان جعفر بن حُميد، وهو وَهَمٌ. انتھی(١). ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ) السَّدُوسيّ، أبو السَّلِيل - بفتح المهملة، وكسر اللام، وآخره لام أيضاً - الكوفيّ، كان عَرِيف قومه، صدوقٌ، ليّنه البزار وحده [٧] (ت١٦٩) (بخ م ت س ق) تقدم في ((الصلاة)) ١١٠٩/٤٦. ٤ - (إِيَادُ) - بكسر أوله، ثم تحتانية - ابن لَقِيط السَّدُوسيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م د ت س) تقدم في ((الصلاة)) ١١٠٩/٤٦. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، واستُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ، وهو (٤٢٧) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالکوفیین، غیر یحیی، فنيسابوريّ، وصحابيّه ابن صحابيّ شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﴿ه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: (( كَيْفَ تَقُولُونَ)؛ أي: تظنّون، وهذا مما استُعمل فيه القول بمعنى الظنّ، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَكَـ(تَظُنُّ) اجْعَلْ (تَقُولُ)) إِنْ وَلِي مُسْتَفْهَماً بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ (١) ((تقييد المهمل)) ٩٢٤/٣. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ بَغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٌّ مُظْلَقَا عِنْدَ سُلَيْمِ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقًا (بِفَرَحِ رَجُلِ انْفَلَتَتْ)؛ أي: خرجت بسرعة (مِنْهُ رَاحِلَتُهُ)، وقوله: (تَجُرُّ زِمَامَهَا) جملة حاليّة من الفاعل، (بِأَرْضٍ) متعلّق بـ «تجرّ))، (قَفْرٍ) بفتح القاف، وسكون الفاء: المفازة لا ماء بها، وَلا نبات، وأرض قفر، ومفازة قَفْرَةٌ، ويجمعونها على قِفَار، فيقولون: أرض قِفَارٌ على توهّم جمع المواضع؛ لِسَعتها، ودار قَفْرٌ، وقِفَارٌ كذلك؛ والمعنى: خالية من أهلها، فإن جعلتها اسماً ألحقت الهاء، فقلت: قَفْرَةٌ، وقال الجوهريّ: مفازة قَفْرٌ، وقَفْرَةٌ. انتهى (١). فقوله: (لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ، وَلَا شَرَابٌ) تأكيد؛ لأن هذا هو معنى القفر، وقوله: (وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ) جملة حاليّة، (فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ)؛ أي: أعجزه الطلب، (ثُمَّ مَرَّتْ) تلك الراحلة (بِجِذْلِ شَجَرَةٍ) بكسر الجيم، وفتحها، وبالذال المعجمة، وهو أصل الشجرة القائم، (فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا) بكسر الزاي؛ أي: خطام تلك الراحلة، (فَوَجَدَهَا)؛ أي: وجد الرجل الراحلة، (مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟)؛ أي: بذلك الجذل، قال الصحابة المسؤولون: (قُلْنَا: شَدِيداً يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: نظنّ فرح ذلك الرجل قويّاً، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَليهِ: ((أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا))، (وَاللّهِ) فيه مشروعيّة الحلف من غير تحليف إشارة إلى تعظيم أمر المخبَر به، (لَلَّهُ) بلام الابتداء المفتوحة، (أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ))) الرجل المذكور أوّلاً؛ لأن القاعدة: إذا أعيدت النكرة معرفة، فهي عين الأولى، كما قال في ((عقود الجمان)): إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانٍ ((لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ)) أَبَدَا شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا وقد أجبت في ((الفوائد السَّميّة)) استشكال من استشكل هذه القاعدة بأنها أغلبيّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ) أشار به إلى بيان (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥١١. ٥٧٩ (١) - بَابٌ فِي الْحَضُّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا - حديث رقم (٦٩٣٥) اختلاف شيخيه، فيحيى بن يحيى قال في روايته: ((أخبرنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن إياد))، وخالفه جعفر بن حميد، فقال: ((حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ) فاختلفا في شيئين، أحدهما: في لفظ ((أخبرنا))، و((حدّثنا))، والثاني: في لفظ: ((عن إياد))، و((عن أبيه))، وهذا مجرّد بيان ألفاظ الأداء لكلّ من الشيخين، وإلا فلا اختلاف في المعنى؛ لأن ((أخبرنا)) و((حدّثنا)) معناهما واحد لغةً، وإن اختلافا من حيث الاصطلاح؛ إذ الأول لسماع القراءة على الشيخ، والثاني لسماع اللفظ منه. وكذا لا اختلاف بين ((عن إياد))، وبين ((عن أبيه))؛ لأن إياداً هو الأب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ظ هذا من أفراد المصنّف نَخْدَهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٣٤/١] (٢٧٤٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٢٨٣)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٥٧/٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٢٧١)، و(الحافظ المزيّ) في ((تهذيب الكمال)) (٢١/٥)، و(الحافظ الذهبيّ) في (معجم المحدّثين)) (٢٥٥/١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣٥] (٢٧٤٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ - وَهُوَ عَمُّهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح))). ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح) البزاز الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ، يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٥. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير ظ ◌ُله تقدّم قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كفيّة التحمّل والأداء منه ومنهما، كما أسلفناه غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنس ظُبه الصحابيّ الجليل، من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة، وهو الخادم الشهير، خدم النبيّ مقر عشر سنين، فنال بركة ذلك، فكَثُر ماله، وأولاده، وطال عمره ◌ُئه. شرح الحديث: عن (إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ؛ أنه (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َّهِ وقوله: (وَهُوَ عَمُّهُ) جملة معترضة بيّن فيها أن أنساً عَظُه عمّ إسحاق الراوي عنه؛ لأن أباه عبد الله بن أبي طلحة أخ أنس من أمه أم سُليم ﴿ه. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((لَلَّهُ) بلام الابتداء المفتوحة، وهي مؤكّدة، (أَشَدُّ فَرَحاً) تقدّم أن الفرح صفة ثابتة لله ◌ُعَلَ على ظاهرها كما يليق