Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتََّسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) الوديعة، ورَبِح أن الربح إنما يكون لرب المال، قال: وهذا لا يدل على ما قال، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله، وتقرب به إلى الله رك، وقد قال: إنه اشترى بقراً، وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به، فلا يستحقّ عليه ربحاً، والأشبه بمعناه: أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتّجر فيه، وأنماه، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودَع إذا اتجر بمال الوديعة، والمضارب إذا خالف رب المال، فربحا أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء، وعند أبي حنيفة: المضارب ضامن لرأس المال، والربح له، ويتصدق به، والوضيعة عليه. وقال الشافعيّ: إن كان اشترى السلعة بعين المال، فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري، وهو ضامن للمال. وقال ابن بطال: وأما من اتجر في مال غيره، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا ردّ رأس المال إلى صاحبه، سواء كان غاصباً للمال، أو كان وديعة عنده متعدياً فيه، هذا قول عطاء، ومالك، والليث، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبي يوسف، واستَحَبّ مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ تنزهه عنه، ويتصدق به. وقالت طائفة: يردّ المال، ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء، هذا قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر. وقالت طائفة: الربح لرب المال، وهو ضامن لِمَا تعدى فيه، هذا قول ابن عمر، وأبي قلابة، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال ابن بطال: وأصح هذه الأقوال قول من قال: إن الربح للغاصب، والمتعدي، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن عمر ومن معه هو الحقّ؛ لأن الربح ثمرة أصل المال، وهو مُلك لصاحبه، فيكون تابعاً له، ولا ينتقل عنه إلى المودَع إلا بنصّ، أو إجماع، ولا يوجدان، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): أن فيه الإخبار عن الأمم الماضية، وذِكر أعمالهم؛ ليعتبر السامعون بأعمالهم، فيعملوا بحَسَنها، ويتركوا قبيحها، ولم يكن النبيّ وَلقر يتكلم بشيء إلا لفائدة، وإذا كان مزاحه كذلك، فما ظنك بأخباره، والله تعالى أعلم. ٥٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلَّيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ الْبَجَلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَرَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَّانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ، وَزَادُوا فِي حَدِيثِهِمْ: ((وَخَرَجُوا يَمْشُونَ))، وَفِي حَدِيثٍ صَالِحٍ: ((يَتَمَاشَوْنَ))، إِلَّا عُبَيْدَ اللهِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: ((وَخَرَجُوا))، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهَا شَيْئاً). رجال هذا الإسناد: أحد وعشرون: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٣ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مَخْلد بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌّ لَهَ] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضَّلٌ، وكان يدلّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم قريباً. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ الْبَجَلِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ من صغار [١٠] (٢٤٢) وقيل: قبل ذلك (م د ت ق) تقدم في ((الإيمان) ٤٨٩/٩٠. ٨ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فضيل الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٩ - (أَبُوهُ) فُضيّل بن غزوان الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. ٥٢٣ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٥) ١٠ - (رَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ) هو: رقبة - بقاف، وموحّدة مفتوحتين - ابن مصقلة - بالسين والصاد - العبديّ الكوفيّ، أبو عبد الله، ثقةٌ مأمونٌ، وكان يمزح [٦] (ت١٢٩) (خ م ت س فق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢. ١١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة - ابن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو علي الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ١٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ١٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، حجةٌ، تُكُلُّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ١٤ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الْغِفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِع) ضمير الجماعة للخمسة المذكورين، وهم: موسى بن عقبة، وعبيد الله العمريّ، وفضيل بن غزوان، ورقبة، وصالح بن کیسان، فقد روی کلهم هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر څا. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ)؛ يعني: أن هؤلاء الخمسة رووا هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر بمعنى الحديث الذي رواه أنس بن عياض في السند الماضي عن نافع عن ابن عمر ◌ًا، وإنما ذكر أبا ضمرة؛ لأن المتابعة له، فتكون متابعة ابن جريج تامّة، ومتابعة البقيّة ناقصة؛ لأنها في شيخ شيخه، ولم يجعل المتابعة لموسى؛ لأنه لا يتابع نفسه، فجعل المتابعة للراوي عنه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ تَخْذَلُ في ((صحيحه))، فقال: (٢١٠٢) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن ٥٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ًا، عن النبيّ وَّ قال: ((خرج ثلاثة يمشون، فأصابهم المطر، فدخلوا في غار، في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم: اللَّهُمَّ إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج، فأرعى، ثم أجيء، فأحلُب، فأجيء بالحلاب، فآتي به أبويّ، فيشربان، ثم أسقي الصبية، وأهلي، وامرأتي، فاحتبست ليلةً، فجئت، فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجليّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فُرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم، وقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم، أني كنت أحب امرأة من بنات عمي، كأشدّ ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها، حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها، حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت، وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين، وقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق من ذُرَة، فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ، فَعَمَدت إلى ذلك الفرق، فزرعته، حتى اشتريت منه بقراً وراعيها، ثم جاء، فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك، ولكنها لك، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا، فكُشف عنهم)). (١) انتھی(١). وأما رواية عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ تَعْدَثُ أيضاً، فقال : (٣٢٧٨) - حدّثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا عليّ بن مُسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر طه؛ أن رسول الله وسلم قال: ((بينما ثلاثة نفر، ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار، فانطبق (١) ((صحيح البخاريّ)) ٧٧١/٢. ٥٢٥ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٥) عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء، لا ينجيكم إلا الصدق، فلْيَدْع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فقال واحد منهم: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنه كان لي أجير، عمل لي على فرق من أرز، فذهب، وتركه، وإني عَمَدت إلى ذلك الفرق، فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعْمِد إلى تلك البقر فَسُقْها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمِد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق، فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنا، فانساحت عنهم الصخرة، فقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم، كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلةً، فجئت، وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم، حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما، فيستكنا لِشَرْبتهما، فلم أزل أنتظر، حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنا، فانساحت عنهم الصخرة، حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، من أحب الناس إليّ، وأني راودتها عن نفسها، فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله، ولا تفضّ الخاتم إلا بحقه، فقمت، وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنا، ففرّج الله عنهم، فخرجوا)). انتهى(١). وأما رواية فضيل بن غَزْوان، ورَقَبة بن مَسْقلة، كلاهما عن نافع، فقد ساقها أبو يعلى تَخْذَلُهُ في ((معجمه))، فقال: (١٤٧) - أخبرنا أبو يعلى، ثنا الحسين بن الأسود، ثنا محمد بن فضيل، ثنا أبي ورقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ويله: ((انطلق ثلاثة يمشون، فدخلوا في غار، فأرسل الله عليهم صخرة، فأطبقت الغار عليهم، فقال بعضهم لبعض: تعالوا، فلينظر كل رجل منا أفضل عمل عمله فيما بينه وبين الله ◌َ، فيذكره، ثم ليدعوا الله أن يفرج عنا مما نحن فيه، ويُلقي هذه (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٢٧٨/٣. ٥٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق الصخرة، فقال رجل: اللَّهُمَّ أنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم، فطلبت منها نفسها، فقالت: والله لا أفعل، أو تعطيني مائة دينار، فطلبتها، فجمعتها، حتى أتيتها بها، فلما قعدت منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت، وبكت، وقالت: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح هذا الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها، وتركتها لها، فإن كنت تعلم أني تركتها؛ يعني: في مخافتك، فافرج عنا فرجة، نرى منها السماء، ففرج عنهم منها فرجة، فنظروا إلى السماء، وقال الثاني: اللَّهُمَّ إنك تعلم أنه كان لي أبوان، وكان لي ولد صغار، فكنت أرعى على أبويّ، فكنت أجيء بالحلاب، فوجدت أبويّ نائمين، ووجدت الصبية يتضاغون من الجوع، فلم أزل بهم حتى ناموا، ثم قمت بالحلاب عليهما، حتى قاما، وشربا، ثم انطلقت إلى الصبية بفضله، فسقيتهم، فإن كنت تعلم أن ما فعلت ذلك تلك(١) من مخافتك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج الله عنهم فرجة، وقال الثالث: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنه كان لي أجير، فأعطيته أجره، فغضب، وذهب، وتركه، فعَمَلت له بأجره حتى صار له بقراً وغنماً، فأتاني يطلب أجره، فقلت: انطلق إلى تلك البقر ورعائها، فخذها، قال: يا عبد الله اتق الله، ولا تهزأ بي، قال: فقلت: انطلق، فخذها، قال: فانطلق، فأخذها، فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك من مخافتك، فألقها عنا، قال: فألقيها(٢) عنهم، فخرجوا یمشون)). انتھی(٣). وأما رواية صالح بن كيسان عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده))، فقال: (٥٥٥٣) - حدّثنا أبو داود الحرّانيّ، وعباس الدُّوريّ قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قئنا (٤) أبي، عن صالح، قال: أنبا نافع أن ابن عمر قال: قال رسول الله وقال: ((بينما ثلاثة رهط يمشون، أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فبينما هم حطّت صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم (١) هكذا النسخة، ((ذلك تلك)) مكرّراً، ولُيُحرّر. (٢) هكذا النسخة، والظاهر أنه ((فألقاها))، وليحرّر. (٣) ((معجم أبي يعلى)) ١٣٦/١ - ١٣٧. (٤) مختصرة من ((قال: حدّثنا)). ٥٢٧ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٦) لبعض: انظروا إلى أفضل أعمال عملتموها لله، فسلوه بها، لعله يفرج بها عنكم، فقال أحدهم: اللَّهُمَّ إنه كان لي والدان كبيران، وكانت لي امرأة، وولد صغار، فكنت أرعى عليهم، فإذا رُحت عليهم غنمي بدأت بأبويّ، فسقيتهما، فنأى يوماً الشجر، فلم آت حتى نام أبواي، فطيبت الإناء، ثم حلبت، ثم قمت بحلابي عند رأس أبويّ، والصبية يتضاغون عند رجليّ، أكره أن أبدأ بهم قبل أبويّ، وأكره أن أوقظهما من نومهما، فلم أزل كذلك قائماً حتى أضاء الفجر، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، ففرج لهم فرجة، فرأوا منها السماء، وقال الآخر: اللَّهُمَّ إنها كانت لي ابنة عم، فأحببتها حتى كانت أحب الناس إليّ، فسألتها نفسها، فقالت: لا حتى تأتيني بمائة دينار، فسعيت، حتى جمعت مائة دينار، فأتيتها بها، فلما كنت عند رجليها، فقالت: اتّق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم منها فرجة، وقال الثالث: اللَّهُمَّ إني كنت استأجرت أجيراً بفرق ذُرَة، فلما قضى عمله عرضته عليه، فأبى أن يأخذه، ورغب عنه، فلم أزل أعتمل به حتى جمعت منه بقراً ورعاءها، فجاءني، فقال: اتق الله، وأعطني حقي، ولا تظلمني، فقلت له: اذهب إلى تلك البقر ورعاتها، فخذها، فذهب، فاستاقها، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما بقي منها، ففرج الله عنهم، فخرجوا يتماشون)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٦] (.) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ الثَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ سَهْلِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ، مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ))، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٢٢/٣٢ - ٤٢٣. ٥٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: ((اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانٍ شَيْخَانِ كَبِيرَانٍ، فَكُنْتُ لَا أَغْبُقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلَا مَالاً))، وَقَالَ: ((فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ))، وَقَالَ: ((فَمَّرْتُ أَجْرَهُ، حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَارْتَعَجَتْ))، وَقَالَ: ((فَخَرَجُوا مِنَ الْغَارِ يَمْشُونَ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ الثَّمِيمِيُّ) هو: محمد بن سهل بن عسكر التميميّ مولاهم، أبو بكر البخاريِّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدم في ((الصيام)» ٢٥٣٥/٨. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام السمرقنديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ بفتح المهملة، ثم المعجمة، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤. ٤ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ - بفتح الموحّدة - الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٥ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، وكان يُشَبَّه بأبيه في الهدي، والسمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة ست ومائة، على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب. ٥٢٩ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٦) وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ نَافِعٍ) فاعل ((اقتصّ)) ضمير سالم بن عبد الله. وقوله: (فَكُنْتُ لَا أَغْبُقُ ... إلخ) قال النوويّ دَّثُ: بفتح الهمزة، وضم الباء؛ أي: ما كنت أُقَدِّم عليهما أحداً في شُرب نصيبهما عِشاء من اللبن، والْغَبُوق شُرب العِشاء، والصَّبُوح شرب أول النهار، يقال منه: غَبَقت الرجلَ بفتح الباء، أَغبُقُه بضمها، مع فتح الهمزة غَبْقاً، فاغتَبَق؛ أي: سقيته عِشاء، فشَرِب، قال: وهذا الذي ذكرته من ضبطه متفق عليه في كتب اللغة، وكُتُب غريب الحديث، والشروح، وقد يُصحّفه بعض من لا أُنْسَ له، فيقول: أُغْبِق، بضم الهمزة، وكسر الباء، وهذا غلط. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): قوله: ((لا أغبق)) من الغبوق بالغين المعجمة، والباء الموحّدة، وفي آخره قاف، وهو شرب العشيّ، وضبطوا لا أَغْبُق بفتح الهمزة، من الثلاثيّ، إلا الأصيليّ، فإنه يضمها من الرباعيّ، وخَطَّؤوه فيه، وقال صاحب ((الأفعال)): يقال: غَبَقْتُ الرجلَ، ولا يقال: أغبقته، والْغَبُوق شرب آخر النهار، مقابل الصبوح، واسم الشراب: الغبق. انتهى. وقوله: (أَهْلاً وَلَا مَالاً) قال في ((العمدة)): الأهل: الزوجات، والمال: الرقيق، وقال الداوديّ: والدواب أيضاً، وقال ابن التين: وليس للدواب هنا معنی یُذکر به. انتھی(٢). وقال في ((الفتح)): المراد بالأهل: ما له من زوج، وولد، وبالمال: ما له من رقيق، وخدم، وزعم الداوديّ أن المراد بالمال: الدوابّ، وتعقّبوه، وله وجه. انتهى(٣). وقوله: (حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ)؛ أي: وقعت في سنة قحط. وقوله: (فَمَّرْتُ أَجْرَهُ)؛ أي: ثَمَنه. وقوله: (فَارْتَعَجَتْ) بالعين المهملة، ثم الجيم؛ أي: كثرت حتى ظهرت حركتها، واضطرابها، وموج بعضها في بعض؛ لكثرتها، والارتعاج: (١) ((شرح النوويّ)) ٥٨/١٧. (٣) ((الفتح)) ٤١/٦ رقم (٢٢٧٢). (٢) ((عمدة القاري)) ١٢/ ٩١. ٥٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق الاضطراب والحركة، واحتجّ بهذا الحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ممن يجيز بيع الإنسان مال غيره، والتصرف فيه بغير إذن، قاله النوويّ(١). [تنبيه]: رواية سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر خيتا هذه ساقها البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه))، فقال: (٢١٥٢) - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، حدّثني سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر ثها قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((انطلق ثلاثة رهط، ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة، إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللَّهُمَّ كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أَغبُق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيء يوماً، فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غَبوقهما، فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أَغْبُق قبلهما أهلاً، أو مالاً، فلبثت، والقَدَحِ على يديّ، أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنّا ما نحن فيه، من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج، قال النبيّ وَّةٍ: وقال الآخر: اللَّهُمَّ كانت لي بنت عم، كانت أحب الناس إليّ، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمَّت بها سَنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أُحِلّ لك أن تفضّ الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللَّهُمَّ إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، فافرج عنّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبيّ وَّ: وقال الثالث: اللَّهُمَّ إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد، ترك الذي له، وذهب، فثمّرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أَدِّ إليّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله لا (١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٥٨. ٥٣١ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٦) تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً، اللَّهُمَّ فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، (١) فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون)). انتهى" ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((صحيح البخاريّ)) ٧٩٣/٢. ٥٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة (٥٢) - (كِتَابُ التَّوْبَةِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في معنى التوبة لغةً وشرعاً: (اعلم): أن التوبة في اللغة مصدر تاب، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: تَابَ من ذنبه يَتُوبُ تَوْباً، وَتَوْبَةً، وَمَتَاباً: أقلع، وقيل: التَّوْبَةُ هي التَّوْبُ، ولكن الهاء التأنيث المصدر، وقيل: التَّوْبَةُ واحدة، كالضربة، فهو تَائِبٌ، وتَابَ اللهُ عليه: غَفَر له، وأنقذهُ من المعاصي، فهو تَوَّابٌ، مبالغةٌ، واسْتَتَابَهُ: سأله أن يتوب. انتهى(١). وقال الجوهريّ كَخَّتُهُ: التوبة: الرجوع من الذنب. وفي الحديث: ((النَدمُ توبَةٌ))، وكذلك التَوْبُ مثله. وقال الأخفش: التَوْبُ جمع توبَةٍ. وتاب إلى الله توبةً ومتاباً. وقد تاب الله عليه: وَقَّقَهُ لها. واستتابَهُ: سأله أن يتوب. انتهى(٢). وقال الراغب الأصبهانيّ ◌َّتُهُ: التوب: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة في الشرع: تَرْك الذنب؛ لِقُبحه، والندم على ما فَرَط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة. وتاب إلى الله، فذكر ((إلى الله)) يقتضي الإنابة. نحو: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيِّكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١]، ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧٤]، وتاب الله عليه؛ أي: قبل توبته، ومنه: ﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ﴾ [التوبة: ١١٧]، (١) ((المصباح المنير)) ٧٨/١. (٢) (الصحاح في اللغة)) ٦٦/١. ٥٣٣ (٥٢) - كتاب التوبة ﴿ِثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والتائب يقال لباذل التوبة، ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده. ٠ والتواب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركاً لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حال. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَُّ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا V [الفرقان: ٧١]؛ أي: التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح، وتحري الجميل. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ [الرعد: ٣٠]، ﴿إِنَّهُ, هُوَ النَّوَّبُ الرَّحِ (١) [البقرة: ٥٤]. انتهى" (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في معنى التوبة: قال النوويّ تَخْلَثُ: أصل التوبة في اللغة: الرجوع، يقال: تاب، وثاب - بالمثلثة - وآب، بمعنى رجع، والمراد بالتوبة هنا: الرجوع عن الذنب، وقد سبق في ((كتاب الإيمان)) أن لها ثلاثة أركان: الإقلاع، والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على أن لا يعود إليها أبداً، فإن كانت المعصية لحقّ آدميّ، فلها ركن رابع، وهو التحلّل من صاحب ذلك الحقّ، وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة، أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام، وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السُّنَّة بالشرع، وعند المعتزلة بالعقل، ولا يجب على الله قبولها إذا وُجدت بشروطها عقلاً عند أهل السُّنَّة، لكنه يقبلها كرماً وفضلاً، وعرفنا قبولها بالشرع، والإجماع، خلافاً لهم، وإذا تاب من ذنب، ثم ذكره، هل يجب تجديد الندم؟ فيه خلاف لأصحابنا، وغيرهم، من أهل السُّنَّة، قال ابن الأنباريّ: يجب، وقال إمام الحرمين: لا يجب، وتصح التوبة من ذنب، وإن كان مصرّاً على ذنب آخر، وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها، ثم عاود ذلك الذنب كُتب عليه ذلك الذنب الثاني، ولم تبطل توبته، هذا مذهب أهل السُّنَّة في المسألتين، وخالفت (١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) للراغب الأصبهانيّ ١٤٩/١. ٥٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة المعتزلة فيهما، قال أصحابنا: ولو تكررت التوبة، ومعاودة الذنب صحت، ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها، وما سواها من أنواع التوبة، هل قبولها مقطوع به، أم مظنون فيه؟ خلاف لأهل السُّنَّة، واختار إمام الحرمين أنه مظنون، وهو الأصح، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١). وقال القرطبيّ كَُّهُ في ((المفهم))(٢): اختلفت عبارات المشايخ فيها، فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على أن لا يعود، وآخر يقول: الإقلاع عن الذنب، ومنهم من يَجمع بين الأمور الثلاثة، وهو أكملها، غير أنه مع ما فيه غير مانع، ولا جامع. أما أوّلاً: فلأنه قد يجمع الثلاثة، ولا يكون تائباً شرعاً، إذ قد يفعل ذلك شُحّاً على ماله، أو لئلا يُعَيِّره الناس به، ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالإخلاص، ومن تَرَك الذنب لغير الله لا يكون تائباً اتفاقاً . وأما ثانياً: فلأنه يخرج منه مَن زنى مثلاً، ثم جُبّ ذكره، فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى، وأما العزم على عدم العود، فلا يتصور منه، قال: وبهذا اغترّ من قال: إن الندم يكفي في حدّ التوبة، وليس كما قال؛ لأنه لو نَدِم، ولم يُقلع، وعزم على العود لم يكن تائباً اتفاقاً، قال: وقال بعض المحققين: هي اختيار تَرْك ذنب سبق حقيقةً، أو تقديراً؛ لأجل الله تعالى. قال: وهذا أسدّ العبارات، وأجمعها؛ لأن التائب لا يكون تاركاً للذنب الذي فرغ؛ لأنه غير متمكن من عينه، لا تركاً، ولا فعلاً، وإنما هو متمكن من مثله حقيقةً، وكذا من لم يقع منه ذنب إنما يصح منه اتقاء ما يمكن أن يقع، لا تَرْك مثل ما وقع، فيكون متقياً، لا تائباً . قال: والباعث على هذا تنبيه إلهيّ لمن أراد سعادته لِقُبح الذنب وضرره؛ لأنه سمّ مهلك، يُفَوِّت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، ويحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه في الآخرة. قال: ومن تفقّد نفسه وجدها مشحونة بهذا السمّ، فإذا وُفِّق انبعث منه خوف هجوم الهلاك عليه، فيبادر بطلب ما يدفع به عن نفسه ضرر ذلك، (١) ((شرح النوويّ)) ٥٩/١٧ - ٦٠. (٢) («المفهم)) ٦٩/٧ - ٧١. ٥٣٥ (٥٢) - كتاب التوبة فحينئذ ينبعث منه الندم على ما سبق، والعزم على ترك العود عليه. قال: ثم اعلم أن التوبة إما من الكفر، وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعاً، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق، ومعنى القبول: الخلاص من ضرر الذنوب، حتى يرجع كمن لم يعمل، ثم توبة العاصي إما من حقّ الله تعالى، وإما من حق غيره، فحقّ الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط، بل أضاف إليه القضاء، أو الكفارة، وحقّ غير الله تعالى يحتاج إلى إيصالها لمستحقها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك، فعفو الله تعالى مأمول، فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات، والله أعلم. وحكى غير القرطبيّ عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة، فقال: الندم، والعزم على عدم العود، وردّ المظلمة، وأداء ما ضيَّع من الفرائض، وأن يَعْمِد إلى البدن الذي رباه بالسحت، فيذيبه بالهمّ والحزن، حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة، كما أذاقها لذة المعصية. قال الحافظ: وبعض هذه الأشياء مكملات، وقد تمسك من فَسَّر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد، وابن ماجه، وغيرهما، من حديث ابن مسعود «پته، رفعه: ((الندم توبة))(١) . ولا حجة فيه؛ لأن المعنى الحضّ عليه، وأنه الركن الأعظم في التوبة، لا أنه التوبة نفسها . ومما يؤيد اشتراط كونها لله تعالى وجود الندم على الفعل، ولا يستلزم الإقلاع عن أصل تلك المعصية، كمن قتل ولده مثلاً، وندم لكونه ولده، وکمن بذل مالاً في معصية، ثم ندم على نقص ذلك المال مما عنده. واحتجّ مَن شَرَط في صحة التوبة من حقوق العباد أن يردّ تلك المظلمة بأن من غصب أَمَة، فزنى بها، لا تصح توبته إلا بردّها لمالكها، وأن من قتل نفساً عمداً لا تصح توبته إلا بتمكين نفسه من وليّ الدم؛ ليقتصّ، أو يعفو. (١) حديث صحيح، صححه ابن حبّان، والحاكم، وقال: على شرط الشيخين. ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة قال الحافظ: وهذا من جهة التوبة من الغصب، ومن حق المقتول واضح، ولكن يمكن أن تصح التوبة من العود إلى الزنا، وإن استمرت الأَمَة في يده، ومن العود إلى القتل، وإن لم يمكّن من نفسه. قال: وزاد بعض من أدركناه في شروط التوبة أموراً أخرى، منها: أن يفارق موضع المعصية، وأن لا يصل في آخر عمره إلى الغرغرة، وأن لا تطلع الشمس من مغربها، وأن لا يعود إلى ذلك الذنب، فإن عاد إليه بان أن توبته باطلة. قال: والأول مستحب، والثاني، والثالث داخلان في حدّ التكليف، والرابع الأخير عُزي للقاضي أبي بكر الباقلاني، ويردّه حديث أبي سعيد ◌ُه، عن النبيّ وَلّ قال: ((قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم، ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله : وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم، ما استغفروني))، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره، وحديث أبي بكر دُّه مرفوعاً: ((ما أصرّ من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة))، رواه أبو داود، وفيه ضعف. وقد قال الحليميّ في تفسير التواب في الأسماء الحسنى: إنه العائد على عبده بفضل رحمته، كلما رجع لطاعته، وندم على معصيته، فلا يَحبِط عنه ما قدمه من خير، ولا يحرمه ما وعد به الطائع من الإحسان. وقال الخطابيّ: التواب: الذي يعود إلى القبول كلما عاد العبد إلى الذنب وتاب. انتهى من ((الفتح)) بتصرّف (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الأشياء التي يُتاب منها، وكيف التوبة منها : قال أبو عبد الله القرطبيّ كَّتُهُ: قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقّاً لله تعالى، أو للآدميين، فإن كان حقّاً لله تعالى، كترك صلاة، فإن التوبة لا تصحّ منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن كان ترك صوم، أو تفريطاً في الزكاة. (١) ((الفتح)) ٢٨٨/١٤ - ٢٩٠. ٥٣٧ (٥٢) - كتاب التوبة وإن كان ذلك قَتْل نفس بغير حقّ فأن يُمَكِّن من القصاص إن كان عليه، وكان مطلوباً به، وإن كان قذفاً يوجب الحدّ، فيبذل ظهره للجَلْد، إن كان مطلوباً به، فإن عُفي عنه كفاه الندم، والعزم على ترك العود بالإخلاص، وكذلك إن عُفي عنه في القتل بمال، فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وإن كان ذلك حدّاً من حدود الله كائناً ما كان، فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه، وقد نصّ الله تعالى على سقوط الحدّ عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم، وكذلك الشُّرّاب، والسُّرّاق، والزُّنَاة، إذا أصلحوا، وتابوا، وعُرف ذلك منهم، ثم رُفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدّهم، وإن رُفعوا إليه، فقالوا: تبنا، لم يُتركوا، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غُلبوا، هذا مذهب الشافعيّ. فإن كان الذنب من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا بردّه إلى صاحبه، والخروج عنه - عيناً كان، أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، أو لا يدري من أين أُتي؟، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفا عنه، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه ـ عرفه بعينه، أو لم يعرفه - فذلك صحيح، وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزّعه بغير حقّ، أو غمّه، أو لطمه، أو صَفَعه بغير حقّ، أو ضربه بسوط، فآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه، عازماً على ألا يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه، فعفا عنه، سقط عنه ذلك الذنب، وهكذا إن كان شانَهُ بشتم لا حدّ فيه. انتهى كلام القرطبيّ تَذَتُهُ(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى التوبة النصوح: (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٩٩/١٨ - ٢٠٠. البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة ٥٣٨ قال الراغب تَخَّلهُ: النصح: تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، [الأعراف: ٧٩]، وقال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِّ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴿وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وهو من قولهم: نصحت له الودّ؛ أي: أخلصته، وناصحُ العسلِ: خالصه، أو من قولهم: نصحت الجلد: خِطته، والناصح: الخياط، والنِّصَاح: الخيط، وقوله: ﴿تُوبُواْ إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] فمن أحد هذين؛ إما الإخلاص؛ وإما الإحكام، ويقال: نَصوح، ونَصاح نحو ذَهُوب وذهاب، قال: أَحْبَبْتُ حُبّاً خَالَطَتْهُ نَصَاحَةٌ انتهى كلام الراغب تَذَتْهُ(١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تَخّْتُهُ: اختَلَفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولاً : فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وروي عن عمر، وابن مسعود، وأَبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل ﴿ه، ورَفَعه معاذ إلى النبيّ رَّة، وقال قتادة: النصوح: الصادقة الناصحة. وقيل: الخالصة، يقال: نصح؛ أي: أخلص له القول. وقال الحسن: النصوح: أن يُبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجل منها. وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة. وقال الكلبيّ: التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تُقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف أن لا تُقبَل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات. وقال سعيد بن المسيِّب: توبة تنصحون بها أنفسكم. وقال القرظيّ: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، وإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيّئ الخلان. وقال سفيان الثوريّ: علامة التوبة النصوح أربعة: القلّة، والعلّة، والذلّة، والغربة. وقال الفضيل بن عياض: هو أن يكون الذنب (١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ٤٣٢/٢. ٥٣٩ (٥٢) - كتاب التوبة بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظر إليه. ونحوه عن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك، وتستعدّ لمنتظرك. وقال أبو بكر الوراق: هو أن تَضِيْق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا. وقال أبو بكر الواسطيّ: هي توبة لا لِفَقد عِوَض؛ لأن من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه، ثم تاب طلباً لرفاهيتها في الآخرة، فتوبته على حفظ نفسه، لا لله. وقال أبو بكر الدقاق المصريّ: التوبة النصوح هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات. وقال رُويم: هو أن تكون لله وجهاً بلا قفاً، كما كنت له عند المعصية قَفاً بلا وجه. وقال ذو النون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قلّة الكلام، وقلّة الطعام، وقلّة المنام. وقال شقيق: هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة، لينجو من آفاتها بالسلامة. وقال سريّ السقطيّ: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأن من صحب(١) توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقال الجنيد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب، فلا يذكره أبداً؛ لأن من صحت توبته صار محبّاً لله، ومن أحب الله نسي ما دون الله. وقال ذو الأذنين(٢): هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح، وقلب عن المعاصي جموح. وقال فتح الموصليّ: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ. وقال سهل بن عبد الله التستريّ: هي التوبة لأهل السُّنَّة والجماعة؛ لأن المبتدع لا توبة له، بدليل قوله وقلقه: ((حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب)). وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشرّ أن يتوب من الذنب، ثم يعود فيه. وأصل التوبة النصوح من الخلوص، يقال: هذا عسل ناصح: إذا خلص من الشمع. وقيل: هي مأخوذة من النصاحة، وهي الخياطة، وفي أخذها منها وجهان: أحدهما: لأنها توبة قد أحكمت طاعته، وأوثقتها، كما يُحكم الخياط الثوب بخياطته، ويوثقه. (١) كذا النسخة، ولعله صحّت، فليُحرّر. (٢) هذا لقب لأنس بن مالك ه، لقَّبه به النبيّ وَ له، قيل: هو من جملة مزاحه وَّهه ولكن نسبة هذا التفسير له بعيد، فليحرّر. ٥٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التوبة والثاني: لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله، وألصقته بهم، كما يجمع الخياط الثوب، ويُلصق بعضه ببعض. وقراءة العامة ((نصوحاً)) بفتح النون، على نعت التوبة، مثل امرأة صبور؛ أي: توبة بالغة في النصح. وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم، وتأويله على هذه القراءة: توبة نُصْح لأنفسكم. وقيل: يجوز أن يكون ((نصوحاً))، جمع نصح، وأن يكون مصدراً، يقال: نصح نصاحة ونصوحاً، وقد يتفق فَعالة وفُعول في المصادر، نحو الذهاب والذهوب. وقال المبرد: أراد توبة ذات نصح، يقال: نصحت نصحاً ونصاحةً ونصوحاً. انتهى كلام القرطبيّ تَذّفُهُ(١) . قال الحافظ تَّتُهُ بعد ذكر بعض كلام القرطبيّ المذكور ما نصّه: وجميع ذلك من المكملات، لا من شرائط الصحة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): ثم بعد أن كتبت ما سبق رأيت الإمام العلامة ابن قيّم الجوزيّة تَّثُ كتب في كتابه ((مدارج السالكين)) بحثاً نفيساً في التوبة شاملاً لِمَا تقدّم، وزائداً عليه، فأحببت إيراده هنا؛ تتميماً للفائدة، وتكميلاً للعائدة، فأقول : قال ◌َّلهُ: وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالندم عليه في الماضي. وإن كان في حق آدمي فلا بد من أمر رابع وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها. وإلا فالتوبة في كلام الله تعالى ورسوله وَالقر كما تتضمن ذلك تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائباً حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به، هذا حقيقة التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين لكنها إذا قُرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه، فإذا أفردت تضمنت الأمرين، وهي كلفظة التقوى التي عند (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٩٧/١٨ - ١٩٩. (٢) ((الفتح)) ١٤/ ٢٩١.