Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) عامر عند الطبرانيّ في ((الدعاء)): ((أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل)) (يَتَمَشَّوْنَ) وفي رواية: ((يمشون))، وفي أخرى: ((يتماشون))؛ أي: يسيرون في طريق، وفي حديث عقبة، وكذا في حديث أبي هريرة، عند ابن حبان، والبزار: ((أنهم خرجوا يرتادون لأهليهم)). (أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ)؛ أي: نزل عليهم بكثرة، مما ألجأهم إلى البحث عما يُكنّهم، (فَأَوَوْا) يجوز قصر ألف ((أووا))، ومدّها؛ أي: انضمّوا إلى الغار، وجعلوه لهم مأوى. (إِلَى غَارٍ) الغار: الثَّقْب في الجبل، وفي حديث أنس عند أحمد، وأبي يعلى، والبزار، والطبرانيّ: ((فدخلوا غاراً، فسقط عليهم حجر، متجاف، حتى ما يرون منه خصاصة))، وفي رواية سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: ((حتى أووا المبيت إلى غار)) كذا للبخاريّ، ولمسلم من هذا الوجه: ((حتى آواهم المبيت)) وهو أشهر في الاستعمال، والمبيت في هذه الرواية منصوب على المفعولية، وتوجيهه أن دخول الغار مِن فِعلهم، فحَسُن أن يُنسب الإيواء إليهم. (فِي جَبَلٍ)؛ أي: في غار كائن في جبل، (فَانْحَطَّتْ)؛ أي: نزلت، ووقعت (عَلَى فَمَّ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ)؛ أي: حجر كبير، (مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ)؛ أي: أغلقتَ عليهم باب الغار، وغطّتهم، وفي رواية للبخاريّ: ((فانطبقت عليهم))، وفيه حذف المفعول، والتقدير: نفسها، أو المَنْفَذ، ويؤيده أن في رواية سالم: ((فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغار))، زاد الطبرانيّ في حديث النعمان بن بشير من وجه آخر: (إذ وقع حجر من الجبل، مما يهبط من خشية الله، حتى سَدَّ فم الغار)). (فَقَالَ بَعْضُهُمْ)؛ أي: بعض النفر، (لِبَعْضِ: انْظُرُوا)؛ أي: تفكّروا، وتذكّروا (أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً) وفي رواية: ((خالصة))، (للهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا)؛ أي: بتلك الأعمال الصالحة، وبجعلها شفيعة، ووسيلة إلى إجابة الدعوة، وفي رواية للبخاريّ: ((فلْيَدْع كل رجل منكم بما يَعلم أنه قد صدق فيه))، وفي رواية له: ((ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه))، وفي رواية: ((إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم))، وفي حديث أبي هريرة وأنس جميعاً: ((فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ووقع الحجر، ولا يَعلم بمكانكم إلا الله، ادعوا الله بأوثق أعمالكم)). وفي حديث عليّ عند البزار: ((تفكروا في أحسن أعمالكم، فادعوا الله بها، لعل الله يفرّج عنكم)). ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق وفي حديث النعمان بن بشير: ((إنكم لن تجدوا شيئاً خيراً من أن يدعو كل امرئ منكم بخير عمل عمله قط)). (لَعَلَّ اللهَ) وفي نسخة: (لعله))؛ أي: على رجاء أنه تعالى، أو لكي (يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ) بضمّ حرف المضارعة، وتشديد الراء المكسورة، من التفريج، ويَحْتَمل أن يكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، ففي ((القاموس))(١): فَرَجَ اللهُ الغمّ يَفْرِجه: كشفه، كفَرَّجه، وفي ((المصباح))(٢): فرّج الله الغمّ بالتشديد: كشفه، والاسم: الْفَرَج بفتحتين، وفَرَجه فَرْجاً، من باب ضرب لغةٌ، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من البسيط]: يَا فَارِجَ الْكَرْبِ مَسْدُولاً عَسَاكِرُهُ كَمَا يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الْفَلَقُ والمعنى: يزيل هذه الصخرة، أو يكشف هذه الكربة (فَقَالَ أَحَدُهُمُ)؛ أي: أحد الثلاثة، (اللَّهُمَّ) قال في ((العمدة)): اعلم أن لفظ ((اللَّهُمَّ)) يُستعمل في كلام العرب على ثلاثة أنحاء: أحدها: للنداء المحض، وهو ظاهر. والثاني: للإيذان بنُدرة المستثنى، كقولك بعد كلام: اللَّهُمَّ إلا إذا كان كذا . والثالث: ليدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به، كقولك لمن قال: أَزَيْدٌ قائم: اللَّهُمَّ نعم، أو: اللَّهُمَّ لا، كأنه يناديه تعالى مستشهداً على ما قال من الجواب، و((اللَّهُمَّ)) هذا هنا من هذا القبيل. انتهى(٣). (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في ((الكافية)): وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَإِنَّهُ زَيْدٌ قَرَا (كَانَ لِي وَالِدَانِ) وفي رواية: ((أبوان))، وهو من باب التغليب؛ لأن المقصود الأب والأمّ. (شَيْخَانِ كَبِيرَانٍ) وفي حديث عليّ: ((أبوان ضعيفان، فقيران، ليس لهما خادم، ولا راع، ولا وليّ غيري، فكنت أرعى لهما بالنهار، (١) ((القاموس)) ص ٩٨٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٤/١٢. (٢) (المصباح المنير)) ٤٦٦/٢. ٥٠٣ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) وآوي إليهما بالليل))، (وَامْرَأَتِي)؛ أي: زوجتي، (وَلِيَ صِبْيَةٌ) بكسر الصاد، وسكون الموحّدة: جمع صبيّ؛ أي: ولي أيضاً أطفال (صِغَارٌ، أَرْعَى عَلَيْهِمْ) قال ابن الملك: أي: أرعى ماشيتهم، قال الجوهريّ: يقال: فلان يرعى على أبيه؛ أي: يرعى غنمه. اهـ. قال القاري: والتحقيق ما ذكره الطيبيّ من أن الرعي ضُمِّن معنى الإنفاق، فعُدّي بـ((على))؛ أي: أُنفق عليهم، راعياً الغنيمات، وكذا قوله: ((فإذا رُحت عليهم)) ضُمّن معنى رَدَدْت؛ أي: إذا رددت الماشية من المرعى إلى موضع مبيتهم (١). (فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ) من الإراحة، وفي رواية: ((فإذا رُحت))، يُقال: أراح فلان الإبلَ: ردَّها إلى الْمُراح بالضمّ، وهو المأوى(٢)، وقال النوويّ تَخْذُ : معناه: إذا رددت الماشية من المرعى إليهم، وإلى موضع مبيتها، وهو مُراحها بضم الميم، يقال: أرحت الماشيةَ، ورَوّحتها بمعنى. انتهى(٣). وقوله: (حَلَبْتُ) جواب ((إذا))؛ أي: حلبت الإبل التي تلي لها حلب، وفي رواية: ((فحلبت، بدأت بوالديّ))، وعليه ((فحلبت)) عطف على ((رحت))، وجواب ((إذا)) قوله: ((بدأت)). (فَبَدَأْتُ بِوَالِدَّ، فَسَقَيْتُهُمَا) من السقي، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويقال: أسقيتهما، بالألف، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّةٍ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (قَبْلَ بَنِيَّ) بفتح الموحّدة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة، أصله: بنين لي، جمع ابن، على غير قياس؛ لأنه لم يستوف شروط جمع المذكّر السالم، كما هو معروف في محلّه، ثم حُذفت اللام تخفيفاً، ثم النون للإضافة، ثم أضيف، فأدغمت الياء في الياء، فصار: بَنِيّ، وفي رواية: ((قبل ولدي)) بفتحتين، ويضم الواو، وسكون اللام؛ أي: أولادي. (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، والضمير للشأن أيضاً، (نَأَى بِي)؛ أي: بَعُدَ عليّ، وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((نأى بي)) وفي بعض النسخ: ((ناء بي))، فالأول يَجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القراء السبعة، والثاني عكسه، وهما لغتان، وقراءتان، ومعناه: بَعُدَ. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٦٩/١٠، و((المرقاة)) ٢١٦/١٤. (٣) (شرح النوويّ)) ١٧/ ٥٦. (٢) ((القاموس)) ص ٥٤٠. ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق (ذَاتَ يَوْم)؛ أي: يوماً من الأيام، (الشَّجَرُ)؛ أي: طلب الشجر الذي ترعاه الإبل، وَالمراد أنه استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بَعُد عن مكانه زيادةً على العادة، فلذلك أبطأ . وقال في ((العمدة)): قوله: ((نأى بي الشجر)) بالشين المعجمة، والجيم، عند أكثر الرواة، ومعناه: تباعد عن مكان الشجر التي ترعاها مواشينا. انتھی(١). وفي حديث عليّ: ((فإن الكلأ تناءى عليّ)»؛ أي: تباعد، والكلأ: المرعى، (فَلَمْ آتِ) لِبُعد المرعى عنهم، (حَتَّى أَمْسَيْتُ)؛ أي: دخلت في وقت المساء، وتأخّرت (فَوَجَدْتُهُمَا)؛ أي: الوالدين، (قَدْ نَامَا)؛ أي: من الضعف، أو من غلبة الانتظار، وكثرة الإبطاء، (فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ) بضم اللام، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، على ما في ((القاموس)). (فَجِئْتُ) إليهما (بِالْحِلَابِ) بكسر أوله، وهو الإناء الذي يُحلب فيه، قيل: وقد يراد بالحلاب هنا: اللبن المحلوب، ذكره الطيبيّ، فيكون مجازاً من ذِكر المحلّ وإرادة الحالّ، قال القاري: والأظهر أنه أتى بالحلاب الذي فيه المحلوب استعجالاً(٢). وقال النوويّ: الحلاب بكسر الحاء: هو الإناء الذي يُحلب فيه، يسع حَلْبة ناقة، ويقال له: المحلب بكسر الميم، قال القاضي: وقد يريد بالحلاب هنا: اللبن المحلوب. انتهى(٣). (فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا) وقوله: (أَكْرَهُ) بفتح الراء، من باب تَعِبَ، والجملة مستأنفة، أو حاليّة. (أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا)؛ أي: لمشقّة ذلك عليهما، (وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيّ) تقدّم أنه بفتح حرف المضارعة، وضمه، مضارع سقى، وأسقى، ثلاثيّاً، ورباعيّاً. (الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا)؛ أي: قبل الوالدين، وقوله: (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و((يتضاغون)) بفتح الغين (١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢١٨/١٤. (٣) (شرح النوويّ)) ٥٦/١٧. ٥٠٥ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) المعجمة؛ أي: يَضِجّون، ويصيحون(١)، زاد في رواية البخاريّ: ((من الجوع))؛ أي: بسبب الجوع، قال في ((الفتح)): وفيه ردّ على من قال: لعل الصياح كان بسبب غير الجوع. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): قوله: ((يتضاغون)) بالضاد وبالغين المعجمتين؛ أي: يصيحون، من ضَغًا: إذا صاح، وكل صوت ذليل مقهور يسمى ضَغْواً، تقول: ضغا يضغو ضغواً، وضغاءً، وقال الداوديّ: ((يتضاغون))؛ أي: يبكون، ويتوجعون، قيل: نفقة الأولاد مقدّمة على نفقة الأصول، وأجيب: بأن دِينهم لعله كان بخلاف ذلك، أو كانوا يطلبون الزائد على سدّ الرمَق، أو كان صياحهم لغير ذلك. انتهى(٣). (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بفتح الميم، وتشديد الياء، ويُروى بالكسر، والتخفيف، (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ)؛ أي: ما ذُكر من الوقوف وغيره، (دَأَبِي وَدَأْبَهُمْ) بالنصب، قال القاري: وفي نسخة بالرفع؛ أي: عادتي، وعادتهم، والضمير للوالدين، والصبية(٤). وقال القرطبيّ تَكَّلهُ: الدأب: الحال اللازمة، والعادة المتكررة. (٥) انتھی(٥) . (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) انشق الصبح، وظهر نوره. وفي رواية للبخاريّ: ((وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما، فيستَكِنا لِشَرْبتهما)): أما كراهته لإيقاظهما فظاهر؛ لأن الإنسان يَكره أن يُوقَظ من نومه، ووقع في حديث عليّ: ((ثم جلست عند رؤوسهما بإنائي كراهية أن أزرقهما، أو أوذيهما))، وفي حديث أنس: ((كراهية أن أردّ وَسَنَهما))، وفي حديث ابن أبي أوفى: ((وكرهت أن (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢١٨/١٤. (٢) ((الفتح)) ١١٦/٨، ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٦٥). (٣) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢٢. (٤) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢١٨/١٤. (٥) ((المفهم)) ٧/ ٦٤. ٥٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق أوقظهما من نومهما، فيشقّ ذلك عليهما))، وأما كراهته أن يدَعَهما فقد فسره بقوله: ((فيستكنا لشربتهما))؛ أي: يضعفا؛ لأنه عشاؤهما، وتَرْك العشاء يُهْرِم. وقوله: (يستكنا)) من الاستكانة، وقوله: ((لِشُربتهما))؛ أي: لعدم شربتهما، فيصيران ضعيفين، مسكينين، والمسكين الذي لا شيء له. انتهى(١). (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) قال في ((الفتح)): فيه إشكال؛ لأن المؤمن يَعلم قطعاً أن الله يعلم ذلك. وأجيب بأنه تردد في عمله ذلك، هل له اعتبار عند الله أم لا؟ وكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولاً، فأجب دعائي، وبهذا التقرير يظهر أن قوله: ((اللَّهُمَّ)) على بابها في النداء، وقد تَرِد بمعنى تحقق الجواب، كمن يسأل آخر عن شيء، كأن يقول: رأيت زيداً، فيقول: اللَّهُمَّ نعم، وقد تَرِد أيضاً لندرة المستثنى، كأن يقول شيئاً، ثم يستثني منه، فيقول: اللَّهُمَّ إلا إن كان كذا. انتھی(٢). (أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ)؛ أي: طلباً لمرضاتك، وانتصاب (ابتغاءَ)) على أنه مفعول له؛ أي: لأجل ابتغاء وجهك. وفي رواية للبخاريّ: ((أني فعلت ذلك من خشيتك))، ووقع في حديث عليّ عند الطبرانيّ: ((من مخافتك، وابتغاء مرضاتك))، وفي حديث النعمان: ((رجاء رحمتك، ومخافة عذابك))، (فَافْرُجْ) بوصل الهمزة، وضم الراء، من فرج يفرُج الثلاثيّ، وضبطه بعضهم بهمزة قطع، وكسر الراء، من أفرج الرباعي. (لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً) بضمّ الفاء، وفَتْحها، وقال في ((العمدة)): قوله: ((فرجة)) بضم الفاء، من فرجة الحائط، وهو المراد هنا، وأما الفَرْجة بالفتح، فهي عن الكرب والهم. انتهى(٣). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: الفرجة بضم الفاء؛ لأنَّه من السعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه: فَرْجة، وفَرَجٌ، وفِعل كل واحد منهما فَرَج بالفتح، والتخفيف، يَفْرُج بالضم لا غير. انتهى (٤). وقال في ((العمدة)): قوله: ((فافرج لنا)) أمْر من فَرَج یفرج، من باب نصر (١) ((الفتح)) ١١٦/٨. (٣) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢٢. (٢) ((الفتح)) ١١٣/٨. (٤) ((المفهم)) ٦٤/٧. ٥٠٧ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) ينصر، وقال ابن التين: هو بضم الراء في أكثر الأمهات، وقال الجوهريّ: إنه بكسرها، وهو دعاء في صورة الأمر، قال: وقوله: ((فرجة)) بضم الفاء، وفتحها، والفرجة في الحائط كالشقّ، والفرجة: انفراج الكروب، وقال النحاس: الفرجة بالفتح في الأمر، والفرجة بالضم فيما يُرى من الحائط ونحوه، قال العينيّ: الفرجة هنا بالضم قطعاً على ما لا يخفى. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: من باب نصر ينصر هذا مخالف لِمَا في (الصحاح))، و((القاموس))، و(شرحه))، و((المصباح))، فقد ضُبط في كلها من باب ضرب، لا من باب نصر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ) جملة في محلّ نصب صفة لـ((فرجةً))، وفيه تقييد لإطلاق قوله في رواية أخرى: ((ففَرِّج عنا ما نحن فيه)). (فَفَرَجَ) بتخفيف الراء، وتشديدها، (اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ) ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((فانساخت عنهم الصخرة))؛ أي: انشقت، وأنكره الخطابيّ؛ لأن معنى انساخ بالمعجمة: غاب في الأرض، ويقال: انصاخ بالصاد المهملة، بدل السين؛ أي: انشق من قِبَل نفسه، قال: والصواب: انساحت، بالحاء المهملة؛ أي: اتسعت، ومنه ساحة الدار، قال: وانصاح بالصاد المهملة بدل السين؛ أي: تصدع، يقال ذلك للبرق. وتعقّبه الحافظ، فقال: الرواية بالخاء المعجمة صحيحة، وهي بمعنى انشقّت، وإن كان أصله بالصاد، فالصاد قد تُقلب سيناً، ولا سيما مع الخاء المعجمة، كالصخر والسخر، ووقع في حديث سالم: «فانفرجت شيئاً، لا يستطيعون الخروج))، وفي حديث النعمان بن بشير: ((فانصدع الجبل، حتى رأوا الضوء)) وفي حديث عليّ: ((فانصدع الجبل، حتى طمعوا في الخروج، ولم يستطيعوا))، وفي حديث أبي هريرة وأنس: ((فزال ثلث الحجر)) (٢). (وَقَالَ الآخَرُ) وفي رواية: ((وقال الثاني))، (اللَّهُمَّ إِنَّهُ)؛ أي: الشأن، قال الطيبيّ تَخْلُ: ذكّر ضمير الشأن، والمذكور في التفسير مؤنث، وهذا يدلّ على جواز ذلك. انتهى. (١) ((عمدة القاري)) ٢٥/١٢. (٢) ((الفتح)) ١١٥/٨ - ١١٦. ٥٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق وقال الحافظ: وقع في كلام الأول: ((اللَّهُمَّ إنه))، والثاني: ((اللَّهُمَّ إنها))، والثالث: ((اللَّهُمَّ إني))، وهو من التفنن، و((إنه)) في الأول ضمير الشأن، وفي الثاني للقصة، ناسب ذلك أن القصة في امرأة. انتهى. قال القاريّ: فهذا الكلام يدلّ على أن رواية البخاريّ وقعت ((إنها)) في كلام الثاني، خلاف ((المشكاة)) ذكره ميرك، والظاهر أن عبارة ((المشكاة)) مأخوذة من مسلم لفظاً، ويكون قوله: متفق عليه معنّى. انتهى(١). (كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمِّ، أَحْبَبْتُهَا) وفي رواية البخاريّ: ((من أحبّ الناس إليّ). قال في ((الفتح)): هو مقيد لإطلاق رواية سالم حيث قال فيها: ((كانت أحب الناس إليّ)). انتهى. (كَأَشَدِّ) الكاف زائدة، أو أراد تشبيه محبته بأشدّ المحبات، (مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) قال القاري: أي: حبّاً شديداً، نحو قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُ حُبَّا لِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال الطيبيّ نَّثُهُ: يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، و((ما)) مصدرية؛ أي: أُحبّها حبّاً مثل أشدّ حب الرجال النساء، أو حالاً؛ أي: أحبها مشابهاً حبي أشدّ حب الرجال النساء، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ [النساء: ٧٧]، فإن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ حال على تقدير: مشبّهين أشد خشية من أهل خشية الله. انتهى(٢). (وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا) فيه تضمين معنى الإرسال؛ أي: أرسلت إليها طالباً نفسها، قاله القاري. (فَأَبَتْ) وفي رواية موسى بن عقبة: ((فقالت: لا ينال ذلك منها حتى)). (حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ،) بنصب ((آتي))؛ لكونه مستقبلاً، قال القاري: وفي نسخة بالسكون على حكاية الحال الماضية؛ أي: أجيئها . قال الجامع عفا الله عنه: أشار القاري تَقْتُ إلى قاعدة أن ما بعد (حتى)) إذا كان مستقبلاً يُنصب، وإن كان حالاً، أو مؤوّلاً به يُرفع، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالاً اوْ مُؤَوَّلَا بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢١٩/١٤. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٠/١٠. ٥٠٩ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتََّسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) هذا كلّه إن صحّت الرواية بالنصب، والرفع، وإلا فما صحت به هو المتعيّن، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفي رواية للبخاريّ: ((إلا أن آتيها بمائة دينار))، وفي رواية سالم الآتية: ((فأعطيتها عشرين ومائة دينار))، ويُحْمَل على أنها طلبت منه المائة، فزادها هو من قِبَل نفسه عشرين، أو ألغى غير سالم الكسر، ووقع في حديث النعمان، وعقبة بن عامر: ((مائة دينار))، وأبهم ذلك في حديث عليّ، وأنس، وأبي هريرة، وقال في حديث ابن أبي أوفى: ((مالاً ضَخْماً)). (فَتَعِبْتُ) وفي رواية: ((فسعيت))، (حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا) وفي رواية: ((فلقيتها بها))، (فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا)؛ أي: جلست مجلس الرجل الذي يريد الجماع، وفي رواية سالم الآتية: ((حتى إذا قدرت عليها))، زاد في حديث ابن أبي أوفى: ((وجلست منها مجلس الرجل من المرأة))، وفي حديث النعمان بن بشير: «فلما كشفتها))، وبيَّن في رواية سالم سبب إجابتها بعد امتناعها، فقال: ((فامتنعت مني حتى ألمّت بها سَنَة - أي: سنة قحط - فجاءتني، فأعطيتها))، ويُجمع بينه وبين رواية نافع بأنها امتنعت أوّلاً عِفّةً، ودافعت بطلب المال، فلما احتاجت أجابت(١). (قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ) يحتمل الاسمية، والوصفية، (اتَّقِ اللهَ)؛ أي: عذابه، أو مخالفته، (وَلَا تَفْتَح الْخَاتَمَ) بفتح التاء، وهو كناية عن البكارة، (إِلَّ بِحَقِّهِ)؛ أي: بالنكاح الحلال، لا بالزنا، وفي رواية البخاريّ: ((ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه)). قال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((لا تفضّ الخاتم إلا بحقه))، الفضّ: الكسر، والفتح، والخاتم: كناية عن الفرج، وعُذرة البكارة، وحقّه: التزويج المشروع. انتھی(٢) . قال في ((الفتح)): قوله: ((ولا تفضّ)) بالفاء، والمعجمة؛ أي: لا تكسر، والخاتم كناية عن عُذرتها، وكأنها كانت بكراً، وكنَّت عن الإفضاء بالكسر، وعن الفرج بالخاتم؛ إلا أن في حديث النعمان ما يدلّ على أنها لم تكن بكراً. ووقع في رواية أبي ضمرة: ((ولا تفتح الخاتم)) والألف واللام بدل من (١) ((الفتح)) ١١٥/٨ - ١١٧. (٢) ((المفهم)) ٦٥/٧. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق الضمير؛ أي: خاتمي، ووقع كذلك في حديث أبي العالية، عن أبي هريرة، عند الطبرانيّ في ((الدعاء)) بلفظ: ((إنه لا يحلّ لك أن تفضّ خاتمي إلا بحقه)). وقولها: ((بحقه)) أرادت به الحلال؛ أي: لا أُحل لك أن تقربني إلا بتزويج صحيح. ووقع في حديث عليّ: ((فقالت: أُذَكِّرك الله أن تركب مني ما حَرَّم الله عليك، قال: فقلت: أنا أحقّ أن أخاف ربي)). وفي حديث النعمان بن بشير: ((فلما أمكنتني من نفسها بكت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: فعلتُ هذا من الحاجة، فقلت: انطلقي)). وفي رواية أخرى عن النعمان: ((أنها ترددت إليه ثلاث مرات، تطلب منه شيئاً من معروفه، ويأبى عليها إلا أن تُمكِّنه من نفسها، فأجابت في الثالثة، بعد أن استأذنت زوجها، فأَذِن لها، وقال لها: أغني عيالك، قال: فرجعت فناشدتني بالله، فأبيت عليها، فأسلمت إليّ نفسها، فلما كشفتها ارتعدت من تحتي، فقلت: ما لك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين، فقلت: خِفْتيه في الشدّة، ولم أَخَفْه في الرخاء، فتركتها)). وفي حديث ابن أبي أوفى: ((فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة أُذكرت النار، فقمت عنها)). والجمع بين هذه الروايات ممكن والحديث يُفَسِّر بعضه بعضاً. انتهى(١). (فَقُمْتُ عَنْهَا)؛ أي: مُعرِضاً عن التعرض لها، (فَإِنْ كُنْتَ) ووقع في رواية للبخاريّ في ((الأدب)) زيادة: ((اللَّهُمَّ))، ولفظه: ((اللَّهُمَّ، فإن كنت تعلم))، وفيه زيادة التضرع، قال الطيبيّ كَخَّثُهُ: الفاء في ((فإن كنت)) عاطفة على مقدّر؛ أي: اللَّهُمَّ فعلت ذلك، فإن كنت تعلم أني فعلت، ويجوز أن يكون ((اللَّهُمَّ)) مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لتأكيد الابتهال والتضرع إلى الله تعالى، فلا يقدَّر معطوف عليه، وهو الوجه، يدلّ عليه القرينة السابقة واللاحقة، وإنما كرر ((اللَّهُمَّ)) في هذه القرينة دون أختيها؛ لأن هذا المقام أصعب المقامات، وأشقّها، فإنه ردع لهوى النفس خوفاً من الله تعالى، ومقامه، قال الله تعالى: (١) ((الفتح)) ١١٥/٨ - ١١٨. ٥١١ (٢) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَ ٤١ [النازعات: ٤٠، ٤١]، قال الشيخ أبو حامد: شهوة الفرج أغلب الشهوات على الإنسان، وأصعبها عند الهيجان على العقل، فمن ترك الزنا خوفاً من الله تعالى مع القدرة، وارتفاع الموانع، وتيسُّر الأسباب، لا سيما عند صدق الشهوة، نال درجة الصدّيقين. انتهى(١). (تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ)؛ أي: ما ذكر مما جرى بينه وبين هذه المرأة، (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَاقْرُجْ لَنَا مِنْهَا)؛ أي: من هذه الكربة، أو الصخرة، ويمكن أن تكون ((مِنْ)) للتبعيض؛ أي: بعض الفرجة، وقوله: (فُرْجَةً)؛ أي: زيادة فرجة، (فَفَرَجَ لَهُمْ) بتخفيف الراء، ويجوز تشديدها . (وَقَالَ الآخَرُ) قال القاري: بفتح الخاء، وفي نسخة بكسرِها، ومآلهما واحد، والثاني أدلّ على المقصود؛ أي: قال الرجل الثالث: (اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيراً بِفَرَقٍ أَرُزَّ) قال الطيبيّ تَخْتُ: الفرق بفتح الراء: مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثنا عشر مُدّاً، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز(٢). وفي ((القاموس)): الفَرْق - بفتح، فسكون -: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، ويُحَرَّك، أو هو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلاً، أو أربعة أرباع. انتهى(٣). انتھی وفي ((النهاية)): الفَرَق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وبالسكون مائة وعشرون رطلاً، وفي رواية: ((بفرق ذُرَة))، فيُجمع بأن الفرق كان من (٤) صنفین وقال في ((العمدة)): الفرق بفتح الراء، وسكونها: مكيال يسع ثلاثة آصع، وقال ابن قرقول: رويناه بالإسكان، والفتح، عن أكثر شيوخنا، والفتح أكثر، قال الباجيّ: وهو الصواب، وكذا قيدناه عن أهل اللغة، ولا يقال: فرق (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠/ ٣١٧٠. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٠/١٠. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٩٩١. (٤) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٢١/١٤. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى النحاس، وذكر ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان. انتهى(١). و ((الأرز)) فيه ست لغات: فَتْح الألف، وضمّها، مع ضمّ الراء، وبضم الألف، مع سكون الراء، وتشديد الزاي، وتخفيفها، قاله في ((الفتح)). وفي ((القاموس)): الأَرُزّ كأَشُدّ، وعُثُلّ، وقُفْلٍ، وُنُبٍ، ورُزّ، ورُنْز، وآرز ککابل، وأَرُز، کعضُد. انتهى. قال في ((الفتح)) ما حاصله: ووقع في رواية: أنه فرق ذُرَة، ويَحْتَمِل أنه استأجر أكثر من واحد، وكان بعضهم بفرق ذرة، وبعضهم بفرق أرز، ويؤيد ذلك أنه وقع في رواية سالم: ((استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب))، وفي حديث النعمان بن بشير نحوه، ووقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند الطبرانيّ في ((الدعاء)): ((استأجرت قوماً كل واحد منهم بنصف درهم، فلما فرغوا أعطيتهم أجورهم، فقال أحدهم: والله لقد عملت عمل اثنين، والله لا آخذ إلا درهماً، فذهب، وتركه، فبذرت من ذلك النصف درهم ... الخ))، ويُجمع بينهما بأن الفرق المذكور كانت قيمته نصف درهم إذ ذاك. انتهى (٢). (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ)؛ أي: عَمِل عَمَله، وانتهى أجله، (قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ، فَرَغِبَ عَنْهُ)؛ أي: أعرض عن أخذه، وكرهه؛ لمانع، أو باعث، وفي رواية للبخاريّ: ((فذهب، وتركه))، قال في ((الفتح)): في رواية موسى بن عقبة: ((فأعطيته، فأبى ذاك أن يأخذ))، وفي حديث أبي هريرة: ((فعمِل لي نصف النهار، فأعطيته أجراً فسخطه، ولم يأخذه))، ووقع في حديث النعمان بن بشير بيان السبب في تَرْك الرجل أجرته، ولفظه: ((كان لي أجراء يعملون فجاءني عُمّال، فاستأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاء رجل ذات يوم نصف النهار، فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في نصف نهاره، كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت عليّ في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لِمَا جهد في عمله، فقال رجل منهم: تعطي هذا مثل ما (١) ((عمدة القاري)) ٢٥/١٢. (٢) ((الفتح)) ١١٣/٨ - ١١٤. ٥١٣ (٢) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الْغَارِ الثّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) أعطيتني؟ فقلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت، قال: فغضب، وذهب، وترك أجره)). وأما ما وقع في حديث أنس: ((فأتاني يطلب أجره، وأنا غضبان، فزبرته، فانطلق، وترك أجره))، فلا ينافي ذلك، وطريق الجمع أن الأجير لمّا حَسَد الذي عمل نصف النهار، وعاتب المستأجر غضب منه، وقال له: لم أبخسك شيئاً ... إلخ، وزبره، فغضب الأجير، وذهب. ووقع في حديث عليّ: ((وترك واحد منهم أجره، وزعم أن أجره أكثر(١) من أجور أصحابه)). انتهى. (فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ)؛ أي: أزرع ذلك الأرز، (حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الأرز، أو من زَرْعه، (بَقَرأَ وَرِعَاءَهَا)؛ أي: جمعت قيمتهما، فاشتريتهما . و ((الرعاء)) بكسر الراء، والمدّ: جَمْع راع، قال الفيّوميّ كَُّ: رَعَتِ الماشيةُ تَرْعَى رَعْياً، فهي رَاعِيَةٌ: إذا سَرَحت بنفسها، ورَعَيْتُهَا أَرْعَاهَا، يُستعمل لازماً ومتعدياً، والفاعل رَاعٍ، والجمع رُعَاةٌ بالضم، مثل قَاضٍ وقُضَاة، وقيل أيضاً: رِعَاءٌ بالكسر والمدّ، وَرُغْيَانٌ، مثل رُغْفَان. انتهى(٢) . وفي رواية للبخاريّ: ((وإني عمدت إلى ذلك الفرق، فزرعته، فصار من أمره أن اشتريت منه بقراً، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمِد إلى تلك البقر، فسُقْها))، قال في ((الفتح)): وفي رواية سالم: ((فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال - وفيه - فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك))، قال الحافظ: ودلت هذه الرواية على أن قوله في رواية نافع: ((اشتريت بقراً)) أنه لم يُرِد أنه لم يَشْتر غيرها، وإنما كان الأكثر الأغلب البقر، فلذلك اقتصر عليها . وفي حديث أنس، وأبي هريرة جميعاً: ((فجمعته، وثَمّرته، حتى كان منه كل المال - وقال فيه -: فأعطيته ذلك كله، ولو شئت لم أعطه إلا الأجر الأول)). ووقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى: ((أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم))، وهو محمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة. (١) هكذا النسخة، ولعله أقل، فليُحرّر. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١. ٥١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق وفي حديث النعمان بن بشير: ((فبذرته على حِدَة، فأضعفَ، ثم بذرته فأضعف، حتى كثر الطعام - وفيه - فقال: أتظلمني، وتسخر بي))، وفي رواية له: ((ثم مرَّت بي بقر، فاشتريت منها فصيلة، فبلغت ما شاء الله))، والجمع بينهما ممكن بأن يكون زرع أوّلاً، ثم اشترى من بعضه بقرة، ثم نُتِجَت. انتهى من الفتح باختصار(١). والحديث يدلّ على جواز تصرف الفضولي في مال الغير على وجه النصيحة، وطريق الأمانة، وإرادة الشفقة، حيث استحسن وَل و ذلك منه، فهو في حكم التقرير، لا يقال: لعل هذا شَرْع من قبلنا، فإنه قد ورد نظيره في زمانه وه حيث دفع قيمة كبش لبعض أصحابه، فاشتراه بها، فباعه بضعف ثمنه، واشترى كبشاً آخر، وأتى به مع قيمته، فدعا له بالبركة، قاله القاري تَذَهُ(٢). (فَجَاءَنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي) ظاهر كلامه عنف، لكن باطنه حقّ ولطف. (قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا) وفي رواية البخاريّ: ((فقلت: اذهب إلى ذلك البقر، وراعيها))، قال الطيبيّ: ((ذلك)) إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئيّ، كما يقال: عند ذلك الإنسان، أو الشخص فعل كذا، قال الذبيانيّ [من البسيط]: نُبِّئْتُّ نُعْماً عَلَى الْهِجْرَانِ عَاتِبَةً سَقْياً وَرَعْيَا لِذَاكَ الْعَاتِبِ الرَّازِي وأنَّث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار جمعيّة الجنس. انتهى(٣). (فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي) من استهزأ بفلان: إذا سخر منه، ولعله توهم أنه حصل له من كلامه ((لا تظلمني)) جَزَع مع إيهام قوله: ((اذهب إلى ذلك))، (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ)؛ أي: مجموع ما ذكر، وفي رواية: ((فأخذها))؛ أي: كلها، (فَذَهَبَ بِهِ) قال ميرك عند قوله: ((حتى جمعت بقراً وراعيها)): وقع في رواية (الصحيح)): (١) ((الفتح)) ١١٣/٨ - ١١٥. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٢١/١٤. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٧٠/١٠. ٥١٥ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) ((فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال - وفيها - فقلت له: كل ما ترى من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق من أجرك - وفيها - فاستاقه، فلم يترك شيئاً)) فدلت هذه الرواية على أن قوله في الرواية المذكورة: ((جمعت بقراً)) أنه لم يُرَدْ جَمْع البقر فقط، وإنما كان الأكثرَ الأغلبَ، فذلك اقتصر عليه، ووقع في بعض الروايات أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم، وهو محمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة، قال القاري: ولا بِدْعَ أن الدراهم من زوائد الفوائد، منضمة إليها، فإن البركة توافي. انتهى(١) . (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَاقْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ)؛ أي: من إطباق الباب، (فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ))) قال القاري: فإن قلت: رؤية الأعمال نقصان عند أهل الكمال، فما بال هذه الأحوال؟. قلت: فكأنهم توسلوا بما وقع له تعالى معهم من توفيق العمل الصالح المقرون بالإخلاص على أنه ينجيهم من مضيق الهلاك إلى فضاء الخلاص، فكأنهم قالوا: كما أنعمت علينا بمعروفك أوّلاً، فأتمّ علينا فضلك ثانياً، فإنا لا نستغني عن كرمك أبداً. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((رؤية الأعمال نقصان)) إن أراد رؤيتها من حيث إنه يمتنّ بها على الله تعالى، فهذا مسلّم؛ لأن المنّة له رَ، لا للعبد، كما قال الله تعالى: ﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ الآية [الحجرات: ١٧]، وإن أراد أن الاعتداد بها، مع العلم بأنها من فضل الله ومشيئته، ثم تقديمها وسيلة إلى الله رحمك نقصان، فهذا غير صحيح؛ فإن الله تعالى أضاف الأعمال إلى العباد، وأخبر بأنهم يجازيهم عليها، فقال: (جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٢٤) [الواقعة: ٢٤]، وأخبر أنها من خَلْقه، فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [®﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿وَمَا تَشَلَمُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، والله تعالى أعلم (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/ ٢٢١. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٢١/١٤. البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق ٥١٦ مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله عمر ◌ّها هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): لم يُخرج الشيخان هذا الحديث إلا من رواية ابن عمر، وجاء بإسناد صحيح عن أنس، أخرجه الطبرانيّ في ((الدعاء))، من وجه آخر حسن، وبإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو في ((صحيح ابن حبان))، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي هريرة، وعن النعمان بن بشير، من ثلاثة أوجه حسان، أحدها عند أحمد، والبزار، وكلها عند الطبرانيّ، وعن عليّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي أوفى، بأسانيد ضعيفة، وقد استوعب طرقه أبو عوانة في ((صحيحه))، والطبرانيّ في ((الدعاء)). واتفقت الروايات كلها على أن القصص الثلاثة في الأجير، والمرأة، والأبوين، إلا حديث عقبة بن عامر، ففيه بدل الأجير أن الثالث: ((قال: كنت في غنم أرعاها، فحضرت الصلاة، فقمت أصلي، فجاء الذئب، فدخل الغنم، فكرهت أن أقطع صلاتي، فصبرت حتى فرغت))، فلو كان إسناده قويّاً لَحُمل على تعدد القصة. ووقع في رواية الباب من طريق عبيد الله العمريّ، عن نافع تقديم الأجير، ثم الأبوين، ثم المرأة، وخالفه موسى بن عقبة من الوجهين، فقدَّم الأبوين، ثم المرأة، ثم الأجير، ووافقته رواية سالم، وفي حديث أبي هريرة المرأة، ثم الأبوين، ثم الأجير، وفي حديث أنس الأبوين، ثم الأجير، ثم المرأة، وفي حديث النعمان الأجير، ثم المرأة، ثم الأبوين، وفي حديث عليّ، وابن أبي أوفى معاً المرأة، ثم الأجير، ثم الأبوين، وفي اختلافهم دلالة على أن الرواية بالمعنى عندهم سائغةٌ شائعةٌ، وأن لا أثر للتقديم والتأخير في مثل ذلك، قال الحافظ: وأرجحها في نظري رواية موسى بن عقبة؛ لموافقة سالم لها، فهي أصحّ طرق هذا الحديث، وهذا من حيث الإسناد، وأما من حيث المعنى فيُنظر أيّ الثلاثة كان أنفع لأصحابه، والذي يظهر أنه الثالث؛ لأنه هو الذي أمكنهم أن يخرجوا بدعائه، وإلا فالأول أفاد إخراجهم من الظلمة، والثاني أفاد الزيادة في ذلك، وإمكان التوسل إلى الخروج بأن يمر مثلاً هناك من يعالج لهم، والثالث هو الذي تهيأ لهم الخروج بسببه، فهو ٥١٧ (٢) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) الأنفع لهم، فينبغي أن يكون عمل الثالث أكثر فضلاً من عمل الأخيرين، ويظهر ذلك من الأعمال الثلاثة، فصاحب الأبوين فضيلته مقصورة على نفسه؛ لأنه أفاد أنه كان بارّاً بأبويه، وصاحب الأجير نفعه متعدّ، وأفاد بأنه كان عظيم الأمانة، وصاحب المرأة أفضلهم؛ لأنه أفاد أنه كان في قلبه خشية ربه، وقد شهد الله لمن كان كذلك بأن له الجنة، حيث قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَ مَقَامَ رَيِّدِ، وَنَهَى [النازعات: ٤٠، ٤١]، وقد أضاف ٤١ النَّفْسَ عَنِ الَْىِ (﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى هذا الرجل إلى ذلك ترك الذهب الذي أعطاه للمرأة، فأضاف إلى النفع القاصر النفع المتعدي، ولا سيما، وقد قال: إنها كانت بنت عمه، فتكون فيه صلة رحم أيضاً، وقد تقدم أن ذلك كان في سنة قحط، فتكون الحاجة إلى ذلك أحرى، فيترجح على هذا رواية عبيد الله، عن نافع، وقد جاءت قصة المرأة أيضاً أخيرة في حديث أنس، والله تعالى أعلم. انتهى ما في ((الفتح))، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩٢٤/٢ و٦٩٢٥ و٦٩٢٦] (٢٧٤٣)، و(البخاريّ) في ((الحرث و((الإجارة)) (٢٢٧٢) و((المزارعة)) (٢٣٣٣) و(«أحاديث الأنبياء)) (٣٤٦٥) و((الأدب)) (٥٩٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٦/٢)، و(البزّار) في («مسنده)) (٣١٧٨ و٣١٧٩ ٣١٨٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٩٧)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (١٩٧ و١٩٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢١/٣)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤١٢/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الإخلاص في العمل، وفضل برّ الوالدين، وفضل خدمتهما، وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة، وغيرهم، وتحمّل المشقة لأجلهما . وقد استُشكل تَرْكه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما، مع قدرته على تسكين جوعهم، فقيل: كان في شرعهم تقديم نفقة الأصل على غيرهم، وقيل: يَحْتَمِل أن بكاءهم ليس عن الجوع، وقد تقدم ما يردّه، وقيل: ٥١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سدّ الرمق، وهذا أولى، قاله في ((الفتح))(١). ٢ - (ومنها): بيان إجابة دعاء من برّ والديه، وقد عقد البخاريّ تَخْلَّتُهُ في (كتاب الأدب)) من ((صحيحه))، فقال: ((باب إجابة دعاء من برّ والديه))، ثم أورد الحديث. ٣ - (ومنها): استحباب التوسّل بالأعمال الصالحة، قال النوويّ كَّتُهُ : استدلّ أصحابنا بهذا على أنه يستحب للانسان أن يدعو في حال كربه، وفي دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله، ويتوسل إلى الله تعالى به؛ لأن هؤلاء فعلوه، فاستجيب لهم، وذكره النبيّ ◌َّ في معرض الثناء عليهم، وجميل فضائلهم. انتهى(٢) . وقال في ((الفتح)): في هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب، والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله، واستنبط منه بعض الفقهاء استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء. واستشكله المحبّ الطبريّ؛ لِمَا فيه من رؤية العمل، والاحتقار عند السؤال في الاستسقاء أولى؛ لأنه مقام التضرع. وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خالصة، وقُبلت أن يجعل جزاءها الفرج عنهم. قال الحافظ: فتضمن جوابه تسليم السؤال، لكن بهذا القيد، وهو حسن، وقد تعرّض النوويّ لهذا، فقال في ((كتاب الأذكار)): ((باب دعاء الإنسان، وتوسله بصالح عمله إلى الله))، وذَكَر هذا الحديث، ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء، ثم قال: وقد يقال: إن فيه نوعاً من ترك الافتقار المطلق، ولكن النبيّ ◌َّ أثنى عليهم بفعلهم، فدلّ على تصويب فِعلهم. وقال السبكي الكبير: ظهر لي أن الضرورة قد تُلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا، وأن هذا منه، ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية (١) ((الفتح)) ١١٨/٨ - ١١٩ رقم (٣٤٦٥). (٢) (شرح النوويّ)) ٥٦/١٧. ٥١٩ (٢) - بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابٍ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٦٩٢٤) عمل بالكلية؛ لقول كل منهم: إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فلم يعتقد أحد منهم في عمله الإخلاص، بل أحال أمره إلى الله، فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه، مع كونه أحسن أعمالهم، فغيره أولى، فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه، ويسيء الظن بها، ويبحث عن كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه، فيفوّض أمره إلى الله، ويعلّق الدعاء على علم الله به، فحينئذ يكون إذا دعا راجياً للإجابة، خائفاً من الردّ، فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه، ولو في عمل واحد، فليقف عند حدّه، ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص، قال: وإنما قالوا: ادعوا الله بصالح أعمالكم في أول الأمر، ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك، ولا قال واحد منهم: أدعوك بعملي، وإنما قال: إن كنت تعلم، ثم ذكر عمله. انتهى ملخصاً. قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كلام المحبّ الطبريّ الذي ذكرته فهو السابق إلى التنبيه على ما ذكر، والله أعلم. انتهى (١). ٤ - (ومنها): بيان فضل العفاف، والانكفاف عن المحرمات، لا سيما بعد القدرة عليها، والهمّ بفعلها، وتركها لله تعالى خالصاً، وأن ترك المعصية يمحو مقدمات طلبها، وأن التوبة تَجُبّ ما قبلها . ٥ - (ومنها): بيان جواز الإجارة، وفضل حسن العهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة. ٦ - (ومنها): بيان جواز الإجارة بالطعام المعلوم بين المتآجرين. ٧ - (ومنها): بيان فضل أداء الأمانة، وإثبات الكرامة للصالحين بإجابة دعائهم، وغيره، قال القاري تَخَّلهُ: لا خلاف في جواز استجابة الدعاء للوليّ وغيره ما عدا الكافر، فإن فيه خلافاً، لكنه ضعيف؛ لاستجابة دعاء إبليس، والاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ [الرعد: ١٤] غير صحيح؛ لأنه ورد في دعاء الكفار في النار، بخلاف الدنيا، فإنه ورد أنه وَليه قال: ((اتق دعوة المظلوم، وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب))(٢)، على ما (١) ((الفتح)) ١١٨/٨ - ١١٩ رقم (٣٤٦٥). (٢) حديث حسن، راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ تْهُ ٣٩٥/٢. ٥٢٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق رواه أحمد وغيره عن أنس، فمثل هذا لا يُعَدّ من كرامات الأولياء؛ لأن الكرامة من أنواع خوارق العادة. انتهى كلام القاري كَّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): استدل به على جواز بيع الفضوليّ، وهو مذهب الحنفيّة، وبعض أهل العلم، قال الطيبيّ كَُّهُ: وتمسّك به أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ممن يجيز بيع الإنسان مال غيره، والتصرف فيه بغير إذنه، إذا أجازه المالك بعد ذلك. وأجاب أصحابنا بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا، وفي كونه شرعاً لنا خلاف، فإن قلنا: إنا متعبدون به، فهو محمول على أنه استأجره في الذمّة، ولم يسلم إليه، بل عَرَضه عليه، فلم يقبضه، فلم يتعين، ولم يَصِرْ ملكه، فالمستأجر قد تصرف في ملك نفسه، ثم تبرع بما اجتمع منه من البقر والغنم وغيرهما . وتعقّبه القاري، فقال: وفيه أن قوله: استأجره في الذمة غير صحيح؛ لِمَا في الحديث التصريح بخلافه، حيث قال: استأجرت أجيراً بفرق أرز، ولا بد من تعيينه، وإلا فالإجارة المجهولة غير صحيحة عندهم، وكذا يَرُدّ عليه قوله: ((فعرضت عليه حقه))؛ لأنه لو فُرض أنه في الذمة من غير تعيين لا يسمى حقّه، فالحق أحقّ أن يتبع. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد القاري تَّتُ في تعقّبه هذا، فما دلّ عليه ظاهر الحديث من جواز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه، إذا كان فيه نصيحة له هو الحقّ، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قاله في ((العمدة)): وفيه الاستدلال لأبي ثور في قوله: إن من غصب قَمْحاً، فزرعه، أن كل ما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب الحنطة. وقال الخطابيّ: استَدَلّ به أحمد على أن المستودَع إذا اتّجر في مال (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٢٤/١٤. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٢٤/١٤.