Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَقُولُ: دَعَوْتُ ... إلخ - حديث رقم (٦٩١٠)
حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟))،
رواه مسلم. انتهى منقولاً من ((الفتح)»(١) بتصرّف، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ لَيْثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ
مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ
دَعَوْتُ رَبِّي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ لَيْثٍ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د
س) تقدم في ((الإيمان)» ٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد الإمام المشهور المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) - بضمّ العين - ابن عَقِيل - بفتح العين -
الأيليّ - بفتح الهمزة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام - أبو خالد الأُمويّ
مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (١٤٤) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم أنه مولى عبد الرحمن بن
أزهر، ولا تخالُف بينهما؛ لأنهما ابنا عمّ، فيجوز أن يُنسب على كلّ منهما.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٤/ ٢٧٥ - ٢٧٨.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةٌ
- وَهُوَ ابْنُ صَالِح - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِئْمِ،
أَوْ قَطِيعَةِ رَحِم، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الإِسْتِعْجَالُ؟ قَالَّ:
(يَقُولُ: قَدْ دَعَوَّتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ
الدُّعَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح
المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بَّنُ صَالِح) بن حدير - بالمهملة، مصغراً - الحضرميّ، أبو
عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أفراد [v]
(ت١٥٨) وقيل: بعد السبعين ومائة (ر م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٥٩.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤]
(ت١ أو١٢٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ وَّ
يوم حُنين، وسَمِع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن
عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (مَا لَمْ يَدْعُ بِثْم) وفي رواية ((بمأثم))، والمأثم: الأمر الذي يأثم
به الإنسان، أو هو الإثم نفسهً.
وقوله: (أَوْ قَطِيعَةِ رَحِم) تخصيص بعد تعميم، والقطيعة؛ أي: الهجران
والصدّ؛ أي: تَرْك البرّ إلى الأهل، والأقارب.

٤٦٣
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ ... إلخ - حديث رقم (٦٩١١)
وقوله: (مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) وفي الرواية الماضية: ((ما لم يعجل)) بفتح
التحتية، والجيم، بينهما عين ساكنة.
وقوله: (فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ). قوله: ((يستحسر)) بمهملات:
استفعال من حَسَر: إذا أعيا، وتَعِب، وتكرارُ ((دعوت)) للاستمرار؛ أي: دعوت
مراراً كثيرة.
وقال النوويّ: قال أهل اللغة: يقال: حَسَر، واستحسر: إذا أعيا،
وانقطع عن الشيء، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ أي: لا ينقطعون عنها، ففيه أنه ينبغي
إدامة الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة. انتهى(١).
وقال المظهريّ: من له ملالة من الدعاء، لا يُقبل دعاؤه؛ لأن الدعاء
عبادةٌ، حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يَمَلّ من العبادة،
وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها، وإما لأنه لم يقدّر في الأزل قبول دعائه
في الدنيا؛ ليعطى عوضه في الآخرة، وإما أن يؤخّر القبول؛ ليُلِحّ ويبالغ في
ذلك، فإن الله يحبّ الملحّين في الدعاء، مع ما في ذلك من الانقياد،
والاستسلام، وإظهار الافتقار، ومن يُكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له، ومن
يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له(٢) .
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((لا يزال يُستجاب للعبد ... إلخ)): يعني
بالعبد: الصالح لقبول دعائه، فإنَّ إجابة الدعاء لا بدّ لها من شروط في
الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعوّ به، فمن شَرْط الداعي أن يكون
عالِماً بأنه لا قادر على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة
بتسخيره، وأن يدعو بنيّة صادقة، وحضور قلب، وأن يكون مجتنباً أكل الحرام،
كما قدّمناه، وألا يَمَلّ من الدعاء، فيتركه، ويقول: قد دعوت، فلم يستجب
لي، كما قال في الحديث.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٥٢.
(٢) (شرح الزرقانيّ) ٤٨/٢.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ومن شروط المدعوّ فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب، والفعلٍ
شرعاً، كما قال ◌َ: ((ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم))، فيدخل في الإثم كل
ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في قطيعة الرحم جميع حقوق المسلمين،
ومظالمهم.
وقد بيّا أن الرَّحِم ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة.
قال: و(يستحسر))؛ يعني: ويَمَلّ، يقال: حَسَر البعيرُ يَحْسِرُ، ويَحْسَر(١)
حُسوراً: أعيا. واستحسر، وتحسّر مثله، وفائدة هذا: استدامة الدعاء، وترك
اليأس من الإجابة، ودوام رجائهما، واستدامة الإلحاح في الدعاء، فإنَّ الله
يحبّ الملحّين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخّ العبادة، وخلاصة
العبودية، والقائل: قد دعوت، فلم أر يستجاب لي، ويَترك قانطٌ من رحمة الله،
وفي صورة الممتنّ بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنَّه يظنها إسعافه
في عين ما طلب، فقد يعلم الله تعالى أن في عين ما طلب مفسدة، فيصرفه
عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح
للداعي، وقد يؤخره لأنه سبحانه يحبّ استماع دعائه، ودوام تضرّعه، فتكثر
أجوره حتى يكون ذلك أعظم، وأفضل من عين المدعوّ به لو قُضي له، وقد
قال ويسير: ((ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له،
وإما أن يدّخر له، وإما أن يكفّر عنه)).
ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء، وإن وردت في مواضع من الشرع
مطلقة فهي مقيّدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾
[الأنعام: ٤١]. انتهى كلام القرطبيّ رَّتُهُ(٢)، وهو تحقيق مفيدٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) من بابي ضرب، وفَرِح. اهـ. ((ق)).
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٦٢ - ٦٣.

٤٦٥
٥١ - كِتَابُ الرِّقَاقِ
(٥١) - (كِتَابُ الرّقَاقِ)
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الترجمة توجد في النسخة التركيّة، وفي
نسخة شرح النوويّ، ولا توجد في بعض النسخ، كالهنديّة، ولذا جعلوا
الأحاديث الآتية تابعة للكتاب الماضي: ((كتاب الذكر، والدعاء))، وأعطوها
الأرقام المسلسلة فيه، والصواب عندي النسخة الأولى؛ لأن الأحاديث الآتية
لا تشبه أحاديث الكتاب الماضي، بل هي مستقلّة بنفسها، فينبغي لها كتاب
مستقلّ، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
و((الرِّقَاقُ))، و((الرَّقائق)): جمع رقيقة، وسمّيت الأحاديث بذلك؛ لأن في
كل منها ما يُحدث في القلب رِقَةً، قال أهل اللغة: الرقة: الرحمة، وضدّ
الغِلَظ، ويقال للكثير الحياء: رَقَّ وجهه استحياءً، وقال الراغب: متى كانت
الرقة في جسم، فضدّها الصفاقة، كثوب رقيق، وثوب صَفِيق، ومتى كانت في
نفس، فضدّها القسوة، كرقيق القلب، وقاسي القلب، وقال الجوهريّ: وترقيق
الكلام تحسينه، ذكره في ((الفتح))(١).
(١) - (بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ،
وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٢] (٢٧٣٦) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاهُ بْنُ سَلَمَةَ (ح)
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ
(١) ((الفتح)) ٤٩١/١٤، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤١٢).

٤٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعٍ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيَ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَإِذَا
أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى
بَابِ النَّارِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود، ويقال له: هُدبة - بضم أوله، وسكون
الدال، بعدها موحّدة - القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرد النسائي
بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ١١/ ١٥١.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٦ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٨ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٩ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طرخان البصريّ، تقدّم قريباً.
١٠ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) الجحدريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
١١ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية العيشيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
١٢ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو النهديّ، تقدّم أيضاً قريباً.
١٣ - (أُسَامَةُ بْنَ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد،
وأبو زيد الصحابيّ المشهور، مات ظُبه سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمس
وسبعين سنةً بالمدينة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.

٤٦٧
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩١٢)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف دَّثُ، وله فيه خمسة أسانيد فرّق بينها
بالتحويل، وكلهم بصريون إلا زهيراً، فبغداديّ، وجريراً، وأبا عثمان فكوفيّان،
وأسامة فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه ذو مناقب
جمّة، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، حِبّ رسول الله ێ، وابن حِبّه
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: حماد بن سلمة،
ومعاذ بن معاذ، والمعتمر بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد رووا هذا
الحديث عن سليمان التيميّ، وإنما لم يضمّ إليهم يزيد بن زريع؛ لمخالفة روايته
روايتهم حيث قال: حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، فصرّح بالتحديث بخلافهم، فإنهم عنعنوا،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ - بتشديد اللام - ابن عمرو (عَنْ
أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﴿هَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ)
ظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء، أو مناماً، وهو غير رؤيته النار وهو في صلاة
الكسوف، ووهم من وحّدهما، وقال الداوديّ: رأى ذلك ليلة الإسراء، أو
حين خسفت الشمس، كذا قال (فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا) هكذا هو في ((صحيح
مسلم)) بلفظ الماضي، وقال السنديّ تَخْتُ: يَحْتَمِل أن المضي في المواضع
كلها بمعنى الاستقبال، والتعبير عن المستقبل بالماضي؛ لإفادة أنه كالذي
تحقق، ومضى، ويَحْتَمِل أن المضي في ((قمت)) على ظاهره، وكان القيام ليلة
المعراج مثلاً (١)، وقوله: (الْمَسَاكِينُ) مرفوع على الفاعليّة.
وقال السنديّ نَّتُهُ: وقوله: ((فإذا عامة من دخلها)) بمعنى أنه ظهر له
ببعض علامات، أو عُلُّم به أراد الله تعالى لإعلامه به، ومعنى من دخلها: من
سيدخلها، والله تعالى أعلم (٢).
(١) ((حاشية السندي على صحيح البخاريّ)) ٩٨/٣.
(٢) ((حاشية السندي على صحيح البخاريّ)) ٩٨/٣.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
وأما حديث: ((ورأيت أكثر أهلها))، فلعل المراد به أنه ظهر لي بعلامات
ونحو ذلك، فلا ينافي أن الدخول يكون في يوم القيامة لا في البرزخ، والله
تعالى أعلم.
(وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ) بفتح الجيم؛ أي: الأغنياء، (مَحْبُوسُونَ) في
العَرَصات، فلم يؤذن لهم في دخول الجنة؛ لطول حسابهم.
وقال في ((الفتح): قوله: ((محبوسون))؛ أي: ممنوعون من دخول الجنة
مع الفقراء، من أجل المحاسبة على المال، وكأن ذلك عند القنطرة التي
يتقاصّون فيها بعد الجواز على الصراط. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((أصحاب الجدّ)) بفتح الجيم، وتشديد الدال،
وهو الغنى، والحظّ، ويجيء بمعنى القطع، وأبِ الأب، وبالكسر: الاجتهاد.
وقوله: ((محبوسون))؛ أي: على باب الجنة، أو على الأعراف، كذا وقع
لفظ ((محبوسون)) بالحاء المهملة، في الأصول من الحبس، وكذا عند أبي ذرّ،
وقال ابن التين: وكذا عند الشيخ أبي الحسن، ولعله بفتح التاء، والواو:
محتوشون، اسم مفعول من قولهم: احتوش فلانٌ بالمكان: إذا قام به؛ يعني:
موقوفون لا يستطيعون الفرار.
وقال الداوديّ: أرجو أن يكون المحبوسون أهل التفاخر؛ لأن أفاضل
هذه الأمة كان لهم أموال، ووصفهم الله تعالى بأنهم سابقون.
وقال ابن بطال: إنما صار أصحاب الجدّ محبوسين؛ لِمَنْعهم حقوق الله
تعالى الواجبة للفقراء في أموالهم، فحُبسوا للحساب، كما مَنعوه، فأما من أدَّى
حقوق الله تعالى في ماله، فإنه لا يُحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل، وإذا كثر
المال تضيع حقوق الله فيه؛ لأنه محنة، وفتنة. انتهى (٢).
وقوله: (إِلَّا) وفي رواية بدلها: (غير))، قال الطيبيّ: هي بمعنى ((لكن))،
والمغايرة بحسب التفريق، فإن القسم الأول بعضهم محبوس، وبعضهم غير
(١) ((الفتح)) ٨٨/١٤.
(٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٤٥٧/٢٩.

٤٦٩
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩١٢)
محبوس، والثاني غير محبوس. انتهى(١). (أَصْحَابَ النَّارِ)؛ أي: الكفار الذين
استحقوا دخول النار، (فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ)؛ أي: فلا يوقفون في
العرَصات، بل يساقون إليها، ويوقف المسيئون في العرصات للحساب،
والمساكين هم السابقون إلى الجنة؛ لفقرهم، وخفة ظهورهم. (وَقُمْتُ عَلَى بَابٍ
النَّارِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)))؛ أي: لأنهن يَكْفُرن العشير، ويُنكرن
الإحسان، كما جاء في الحديث. قيل: هذا يدلّ على أن الفقر أفضل من
الغنى، وهو مذهب الجمهور، والخلاف فيه مشهور.
قال القرطبيّ: إنما كان النساء أقلّ ساكني الجنة؛ لِمَا يغلب عليهنّ من
الهوى، والميل إلى عاجل زينة الدنيا، والإعراض عن الآخرة؛ لِنَقْص عقلهنّ،
وسرعة انخداعهنّ.
[تنبيه]: قال في ((العمدة)): ((إذا)) هنا كلمة للمفاجأة، أضيفت إلى
الجملة؛ لأن قوله: ((عامة من دخلها)) مبتدأ، وقوله: ((النساء)) خبره. انتهى(٢).
وقال العكبريّ: ((إذا)) هنا للمفاجأة، وهي ظرف مكان، والجيد هنا أن
يُرفع ((المساكين)) على أنه خبر ((عامّة من دخلها))، وكذا رفع ((محبوسون)) على
أنه الخبر، و((إذا)) ظرف للخبر، ويجوز أن يُنصب ((محبوسين)) على الحال،
وتُجعل ((إذا)) خبره، والتقدير: فبالحضرة أصحاب الجدّ، فيكون ((محبوسين))
حالاً، والرفع أجود، والعامل في الحال ((إذا))، وما يتعلق به من الاستقرار،
وأصحاب صاحب الحال. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ﴿يا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩١٢/١] (٢٧٣٦)، و(البخاريّ) في ((النكاح))
(٥١٩٦) وفي ((الرقاق)) (٦٥٤٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٦١١)،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣١٠/١٠.
(٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٤٥٧/٢٩.
(٣) ((فيض القدير)) ٤/ ٥٢٧.

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٥/٥ و٢٠٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٢١)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٥)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (١٤٩/٥)،
و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٣٣٧/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٤٠٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان عَلَم من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَّ بما
أطلعه الله على بعض مغيباته، فأخبر به أمته تحذيراً لها .
٢ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان ◌َظَّثُ في (صحيحه)) بعد إخراجه
الحديث: اطلاعه وَ لهو إلى الجنة والنار معاً كان بجسمه، ونظره العيان، تفضلاً
من الله جلّ وعلا عليه، وفَرْقاً فرّق به بينه وبين سائر الأنبياء لَيْلا، فأما
الأوصاف التي وَصَف أنه رأى أهل الجنة بها، وأهل النار بها، فهي أوصاف
صُوِّرت له وَّر؛ ليعلم بها مقاصد نهاية أسباب أمته في الدارين جميعاً؛ ليرغّب
أمته بأخبار تلك الأوصاف لأهل الجنة؛ ليرغبوا، ويرهّبهم بأوصاف أهل النار؛
ليرتدعوا عن سلوك الخصال التي تؤديهم إليها. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان أن الفقراء هم أسبق أهل الجنّة دخولاً الجنَّة، وذلك
لعدم ما يعوقهم من دخولها؛ حيث لا مال لهم يُحاسبون عليه، وعليه يدلّ
حديث أبي هريرة ظبه، مرفوعاً: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة، قبل الأغنياء
بنصف يوم، خمس مائة عام))، ورواه الترمذيّ، والنسائيّ، وقال الترمذيّ:
حسنٌ صحیح.
٤ - (ومنها): بيان أن الغنى محلّ خطر لأصحابه؛ حيث يحبسهم من
دخول الجنّة بسبب المحاسبة به، وعليه يدل ما أخرجه الترمذيّ من حديث أبي
برزة الأسلميّ به قال: قال رسول الله وَله: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة
حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟، وعن علمه فيم فعل؟، وعن ماله من أين
اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن
صحيح .
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٦ /٤٩٥.

٤٧١
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩١٣)
٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الجنة والنار مخلوقتان.
٦ - (ومنها): بيان كثرة دخول النساء النار، وقد بيّن النبيّ وَّل سببه فيما
أخرجه الشيخان عن ابن عباس ﴿ه قال: قال النبيّ وَلّ: ((أريت النار، فإذا
أكثر أهلها النساء، يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكْفُرن العشير، ويكفرن
الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهرَ، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت
منك خيراً قط)).
وأخرجا أيضاً من حديث أبي سعيد الخدريّ نَظُه قال: خرج رسول الله وَّ
في أضحى، أو فِطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: ((يا معشر النساء
تصدّقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تُكثرن
اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبّ الرجل
الحازم من إحداكنّ، قلن: وما نقصان ديننا، وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس
شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها،
أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها)).
٧ - (ومنها): ما قاله المهلب تَخْذَثُ: فيه من الفقه أن أقرب ما يُدخل به
الجنة التواضع لله تعالى، وأن أبعد الأشياء من الجنة التكبر بالمال وغيره،
وإنما صار أصحاب الجد محبوسين؛ لِمَنعهم حقوق الله الواجبة للفقراء في
أموالهم، فحُبسوا للحساب عما منعوه، فأما من أدّى حقوق الله في أمواله، فإنه
لا يُحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل؛ إذ أكثر شأن المال تضيع حقوق الله فيه؛
لأنه محنة وفتنة، ألا ترى قوله: ((فكان عامة من دخلها المساكين))، وهذا يدلّ
على أن الذين يؤدون حقوق المال، ويَسْلمون من فتنته هم الأقلّ، وقد احتُج
بهذا الحديث في فضل الفقر على الغنى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٣] (٢٧٣٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ
(١) ((شرح ابن بطال على صحيح البخاريّ)) ٣١٤/١٣.

٤٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
مُحَمَّدٌ وَِّ: ((اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَالطَّلَعْتُ فِي النَّارِ،
فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُليّة، تقدّم قريباً.
٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، تقدّم
أيضاً قريباً .
٣ - (أَبُو رَجَاءٍ الْمُطَارِدِيُّ) عمران بن مِلْحان - بكسر الميم، وسكون
اللام، بعدها مهملة - ويقال: ابن تيم، ويقال: ابن عبد الله، البصريّ، مشهور
بكنيته، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مخضرمٌ ثقةٌ مُعَمَّرٌ [٢] مات سنة خمس
ومائة، وله مائة وعشرون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٥/٦٢.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿هَا، تقدّم قريباً.
و((زهير بن حرب)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخه،
فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن عبّاس
حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ) عمران بن ملحان، أو ابن تيم؛ أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ◌َا (يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ◌َِِّ: ((الطَّلَعْتُ) بتشديد الطاء؛ أي:
أشرفت، ونظرتَ (فِي الْجَنَّةِ) قال الطيبيّ كَخْتُ: ضمّن ((اطلعت)) معنى تأملت؛
أي: فعدّاه بـ((في))، وقوله: (فَرَأَيْتُ) بمعنى: علمت، ولذا عدّاه إلى مفعولين،
ولو كان ((رأيت)) بمعناه الحقيقيّ لكفاه مفعول واحد. انتهى.
قال الحافظ: ظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء، أو مناماً، وهو غير رؤيته
النار، وهو في صلاة الكسوف، ووَهِم مَن وَحّدهما. انتهى(١).
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٧٦/٧.

٤٧٣
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْقُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ- حديث رقم (٦٩١٣)
وقال المناويّ كَّلُهُ: ((اطلعت)) بهمزة وصل، فطاء مفتوحة مشدّدة، فلام
مفتوحة؛ أي: تأملت ليلة الإسراء، أو في النوم، أو في الوحي، أو بالكشف
لعين الرأس، أو لعين القلب، لا في صلاة الكسوف، كما قيل. انتهى (١).
(أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ) قال المهلّب كَخْتُهُ: ليس هذا يوجب فضل الفقير على
الغنيّ، وإنما معناه: أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء، فأخبر عن ذلك،
كما تقول: أكثر أهل الدنيا الفقراء إخباراً عن الحال، وليس الفقر أدخلهم
الجنة، وإنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، فإن الفقير إذا لم يكن صالِحاً لا
يفضل .
وتعقّبه الحافظ، فقال: ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع من
الدنيا، كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين؛ لئلا يدخلن
النار، كما تقدم تقرير ذلك في كتاب الإيمان في حديث: ((تصدقن، فإني
رأيتكن أكثر أهل النار، قيل: بم؟ قال: بكفرهنّ، قيل: يكفرن بالله؟ قال:
يكفرن الإحسان)». انتهى(٢).
قال المناويّ تَخْلُ: وهذا من أقوى حجج مَن فَضّل الفقر على الغنى،
والذاهبون لمقابله أجابوا بأن الفقر ليس هو الذي أدخلهم الجنة، بل الصلاح.
(٣)
.
انتھی
(وَالطَّلَعْتُ فِي النَّارِ)؛ أي: عليها، والمراد: نار جهنم، (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ
أَهْلِهَا النِّسَاءَ))) لأن كفران العطاء، وترك الصبر عند البلاء، وغلبة الهوى،
والميل إلى زخرف الدنيا، والإعراض عن مفاخر الآخرة فيهنّ أغلب؛ لِضَعف
عقلهنّ، وسرعة انخداعهنّ.
وعورض هذا بأن هذا في وقت كون النساء في النار، أما بعد خروجهنّ
بالشفاعة، والرحمة حتى لا يبقى فيها أحد، ممن قال: لا إله إلا الله، فالنساء
في الجنة أكثر، وحينئذ يكون لكل واحد زوجتان من نساء الدنيا، وسبعون من
الحور العين، ذكره القرطبيّ وغيره.
(١) ((فيض القدير)) ٥٤٥/١.
(٣) ((فيض القدير)) ٥٤٥/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٩/١١.

٤٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
وفيه الحثّ على التقلل من الدنيا، وتحريض النساء على التقوى،
والمحافظة من الدين على السبب الأقوى، وأن الجنة والنار مخلوقتان الآن،
خلافاً لبعض المعتزلة(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ه هذا من أفراد المصنّف وَظّفُهُ .
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه البخاريّ من طريق أبي رجاء، عن عمران بن
حصين ظّ، ثم أشار إلى أنه وقع الاختلاف في كونه عن عمران، أو عن ابن
عبّاس ظُّ، ودونك نصّه بعد إخراجه عن عمران: تابعه أيوب، وعوفٌ،
وصخر، وحماد بن نجيح: عن أبي رجاء، عن ابن عبّاس. انتهى.
وقد بيّن الحافظ تَّهُ هذا الاختلاف في ((الفتح))، فقال: قوله: ((تابعه
أيوب، وعوف، وقال حماد بن نَجيح، وصخر، عن أبي رجاء، عن ابن
عباس)).
أما متابعة أيوب، فوصلها النسائيّ.
وأما متابعة عوف، فوصلها البخاريّ في ((كتاب النكاح)).
وأما متابعة حماد بن نَجيح، وهو الإسكاف البصريّ، فوصلها النسائيّ
من طريق عثمان بن عمر بن فارس عنه، وليس له في الكتابين سوى هذا
الحدیث الواحد، وقد وثقه وکیع، وابن معين، وغيرهما .
وأما متابعة صخر، وهو ابن جويرية، فوصلها النسائيّ أيضاً، من
طريق المعافى بن عمران عنه، وابن منده في ((كتاب التوحيد)) من طريق
مسلم بن إبراهيم: حدّثنا صخر بن جويرية، وحماد بن نَجيح، قالا: حدثنا
أبو رجاء.
قال: وقد وقعت لنا بعلوّ في ((الجعديات)) من رواية عليّ بن الجعد، عن
صخر، قال: سمعت أبا رجاء، حدّثنا ابن عباس به.
قال الترمذيّ بعد أن أخرجه من طريق عوف: وقال أيوب، عن أبي
(١) ((فيض القدير)) ١ /٥٤٥ - ٥٤٦.

٤٧٥
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩١٤)
رجاء، عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ليس فيه مقال، ويَحْتَمِل أن يكون عن
أبي رجاء عند كل منهما .
وقال الخطيب في ((المدرج)): رَوى هذا الحديث أبو داود الطيالسيّ، عن
أبي الأشهب، وجرير بن حازم، وسَلْم بن زَرِير، وحماد بن نَجيح، وصخر بن
جويرية، عن أبي رجاء، عن عمران، وابن عباس به، ولا نعلم أحداً جمع بين
هؤلاء، فإن الجماعة رووه عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وسَلْم إنما رواه عن
أبي رجاء، عن عمران، ولعل جريراً كذلك، وقد جاءت الرواية عن أيوب،
عن أبي رجاء بالوجهين، ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن فِظْر، عن أبي رجاء،
عن عمران، فالحديث عن أبي رجاء عنهما، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث ثابت عن كلّ من
ابن عبّاس، وعمران بن حصین څ، فأما حديث ابن عبّاس فأخرجه مسلم،
وأشار إليه البخاريّ بما علّقه، وأما حديث عمران ظه فأخرجه البخاريّ بلفظ
حديث ابن عبّاس، وسيأتي لمسلم بعد هذا مختصراً من رواية مطرّف بن عبد الله
عن عمران، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩١٣/١ و٦٩١٤ و٦٩١٥ و٦٩١٦]
(٢٧٣٧)، و(الترمذيّ) في ((صفة جهنّم)) (٢٦٠٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٣٩٩/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٤/١ و٣٥٩ و٤٢٩/٤)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (١٦٢/١٢ و١٦٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٤٧/١)،
و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١١٨٥/٦)، وفوائده تقدّمت قبله،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٤] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، أَخْبَرَنَا
أَيُّوبُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
(١) ((الفتح)) ١٤ / ٥٧٠ - ٥٧١.

٤٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (الثَّقَفِيُّ) عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ تغير قبل موته بثلاث سنين(١) [٨] (ت١٩٤) عن نحو من ثمانين
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية الثقفيّ، عن أيوب هذه ساقها النسائيّ كَُّ في ((الكبرى))
بسند المصنّف، فقال:
(٩٢٦١) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الوهاب، عن
أيوب، عن أبي رجاء العطارديّ، عن ابن عباس، عن رسول الله وَّه قال:
((اطّلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر
أهلها النساء)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٥] (.) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو
رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَِّيَّ وََّ اطْلَعَ فِي النَّارِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَيُّوبَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوحَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي
بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦)
وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السعديّ العُطارديّ البصريّ، مشهور
بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت١٦٥) وله خمس وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٠/٦٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَخْذَلُهُ، وهو (٤٢٦) من رباعيّات الكتاب.
(١) لكنه حُجب عن الناس بعد اختلاطه، فلم يُحدّث، فما ضرّه الاختلاط.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٩٩/٥.

٤٧٧
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩١٦)
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَيُّوبَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير أبي الأشهب.
[تنبيه]: رواية أبي الأشهب عن أبي رجاء هذه ساقها الطبرانيّ ◌َُّ في
((الكبير))، فقال:
(١٢٧٦٦) - حدّثنا الحسين بن إسحاق التستريّ، وإبراهيم بن نائلة
الأصبهانيّ قالا: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو رجاء، عن ابن
عباس، قال: قال رسول الله وَليقول: ((اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها
الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٦] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي
عَرُوبَةَ، سَمِعَ أَبَا رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ
الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن سلمة، تقدّم قبل باب.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهران اليشكريّ البصريّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سعيد بن أبي عروبة.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء هذه ساقها هنّاد بن
السّريّ في ((الزهد))، فقال:
(٢٤٦) - حدّثنا عبدة، عن ابن أبي عَرُوبة، عن أبي رجاء العطارديّ، عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: ((اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها
المساكين، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء)). انتهى (٢).
(١) ((المعجم الكبير)) ١٢/ ١٦٢.
(٢) ((الزهد لابن السريّ)) ١٧١/١.

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٩١٧] (٢٧٣٨) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ أَبِي التََّّاحِ، قَالَ: كَانَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ امْرَأَتَانٍ، فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ إِحْدَاهُمَا،
فَقَالَتِ الأُخْرَىَ: جِئْتَ مِنْ عِنْدِ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ،
فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَبُو التَّيَّاح) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٥ - (مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ّها، أسلم عام خيبر، وصَحِب، وكان فاضلاً، وقَضَى بالكوفة،
ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَثُ، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى
آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ؛ أنه (قَالَ: كَانَ
لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ امَّرَأَتَانٍ)؛ أي: زوجتان، (فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتِ
الأُخْرَى: جِئْتَ مِنْ عِنْدِ فُلَانَةَ؟) تريد الزوجة الثانية، وإنما قالت ذلك غيرةً
عليه .
وفي رواية أحمد الآتية: ((كانت له امرأتان، قال: فجاء إلى إحداهما،

٤٧٩
(١) - بَابٌ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ، وَبَيَانُ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ - حديث رقم (٦٩١٧)
قال: فجعلت تنزع به عمامته، وقالت: جئت من عند امرأتك؟)).
(فَقَالَ) مطرّف: (جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ) ﴿هَا، والظاهر أنه جاء
من عند عمران، فمرّ بامرأته الأخرى، أو بالعكس، ثم جاء إلى الثانية،
فواجهته بهذا السؤال.
وقال صاحب ((التكملة)) ما حاصله: وكأن مطرّفاً لقي عمران قبل أن يأتي
إلى امرأته الأولى، أو بعد أن يخرج من عندها، وإنما ذكر ذلك تنبيهاً لامرأته
الثانية أن لا تُسيء الظنّ به، وبامرأته الأولى، ولا تقع فيهما؛ لأن ذلك قد
يُسبّب عذاب النار. انتهى(١).
(فَحَدَّثَنَا) عمران ◌َظُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ
النِّسَاءُ)))؛ أي: في أول الأمر قبل خروج عُصاتهن من النار، فلا دلالة فيه على
أن نساء الدنيا أقل من الرجال في الجنة.
وقال بعضهم: القلة يجوز كونها باعتبار ذواتهن إذا أُريدَ ساكني الجنة
المتقدمين في دخولها، وكونها باعتبار سُكناهن بأن يُحبسن في النار كثيراً،
فيكون سُكناهن في الجنة قليلاً بالنسبة لمن دخل قبلهن، وإنما قلنا ذلك لأن
السكنى في الجنة غير متناهية، فلا توصف بقلة، ولا كثرة، قاله
المناويّ تَذْتُ(٢).
وقال في ((العمدة)): قال المهلّب: إنما تستحق النساء النار؛ لكفرهن
العشير، وقال القرطبيّ: إنما كان النساء أقل ساكني الجنة؛ لِمَا يغلب عليهنّ
الهوى، والميل إلى عاجل زينة الحياة الدنيا، ولِنقصان عقولهنّ، فيضعفن عن
عمل الآخرة، والتأهب لها لميلهنّ إلى الدنيا، والتزين بها، وأكثرهنّ معرضات
عن الآخرة، سريعات الانخداع لراغبيهنّ من المعرضين عن الدين، عسيرات
الاستجابة لمن يدعوهنّ إلى الآخرة، وأعمالها، وأما الفقراء فلما كانوا فاقدي
المال الذي يُتوسل به إلى المعاصي، فازوا بالسبق.
[فإن قلت]: ليس في الجنة أعزب، ولكل رجل زوجتان، فكيف يكون
وصفهن بالقلة في الجنة، وبالكثرة في النار؟.
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٦١١/٥.
(٢) ((فيض القدير)) ٤٢٨/٢.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرقاق
[قلت]: ذكر الحكيم الترمذيّ وغيره أن الوصف يكون النساء أكثر أهل
النار كان قبل الشفاعة فيهنّ، فإذا دخلن الجنَّة بالشفاعة أو غيره يكون لكل
رجل زوجتان، فيكنّ أكثر أهل الجنة. انتهى بتصرّف(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين ◌ًّا بهذا السياق من أفراد
المصنّف نَحْذَلهُ .
[تنبيه]: أخرج البخاريّ كَُّ حديث عمران بن حصين ◌َ﴿ّ هذا في
((صحيحه)) من عدّة طُرُق عن أبي رجاء الْعُطارديّ، عن عمران تَظُبه، ولفظه:
عن عمران بن حصين ﴿يًّا، عن النبيّ ◌َّ قال: ((اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر
أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء)). انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٩١٧/١ و٦٩١٨] (٢٧٣٨)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤٢٧/٤ و٤٤٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٤٥٧)، و(الحاكم)
في ((المستدرك)) (٦٤٤/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٣٩/١٨ و٢٦٣
و٢٦٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٤٤٨)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب))
(١١١/٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٨٥/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): ذكر الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَظُّ في ((شرح
التقريب)) بحثاً يتعلّق بحديث الباب، فقال: استَدَلّ به أبو هريرة ظُبه على أن
النساء في الجنة أكثر من الرجال، ففي ((صحيح مسلم)) عن محمد بن سيرين
قال: أما تفاخروا، أما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو
هريرة: لو لم يقل أبو القاسم وَله: ((إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر
ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دُرّيّ في السماء، لكل امرئ منهم
زوجتان اثنتان، يُرَى مُخّ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب))، وفي
رواية له: ((اختصم الرجال والنساء أيهم في الجنة أكثر؟ فسألوا أبا هريرة،
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٥٢/١٥.