Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٢)
وقال الغزاليّ كَّثُهُ: العلم لا يُذم لذاته؛ لأنه من صفات الله تعالى، بل
لأحد أسباب ثلاثة:
الأول: أن يكون وسيلة إلى إيصال الضرر إليه، أو إلى غيره؛ كعلم
السحر، والطلسمات، فإنهما لا يصلحان إلا للإضرار بالخلق، والوسيلة للشرّ
شرّ.
والثاني: أن يكون مضرّاً بصاحبه في ظاهر الأمر؛ كعلم النجوم، فإنه كلّه
مضرّة، وأقل مضارّه أنه خوض فيما لا يعني، وتضييع العمر الذي هو أنفس
بضاعة الإنسان بغير فائدة غاية الخسران.
والثالث: أن يكون دقيقاً لا يستقلّ به الخائض فيه، فإنه مذموم في حقّه؛
كتعلّم دقيق العلوم قبل جليّها، وكالبحث عن الأسرار الإلهية؛ إذ تطلّع الفلاسفة
والمتكلمون إليها، ولم يستقلوا بها، ولا يستقل بها ولا الوقوف على طرف
بعضها إلا من شاء الله؛ كالأنبياء، فيجب كفّ الناس عن البحث عنها، وردّهم
إلى ما نطق به الشرع. انتهى (١).
وقال أبو طالب المكيّ: قد استعاذ ◌َلّ من نوع من العلوم، كما استعاذ
من الشرك، والنفاق، وسوء الأخلاق، والعلم الذي لم يقترن به التقوى فهو
باب من أبواب الدنيا، ونوع من أنواع الهوى، وعدم استجابة الدعاء، دليل
على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله، ولم يخشع قلبه، ولم تشبع نفسه، ذكره
علي القاري (٢).
(وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ)؛ أي: لا يسكن، ولا يطمئنّ بذكر الله تعالى،
(وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ) بما آتاها الله تعالى، ولا تقنع بما رزقها الله، ولا تفتر عن
جمع المال؛ لِمَا فيها من شدة الحرص، أو من نفس تأكل كثيراً، قال ابن
الملك: أي: حريصة على جمع المال، وتحصيل المناصب، وقيل: على
حقيقته؛ إما لشدة حرصه على الدنيا، فلا يقدر أن يأكل قَدْر ما يُشبع جوعته،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩١٥/٦، و((مرقاة المفاتيح)) ٣٧٠/٥.
(٢) راجع: ((عون المعبود)» ٢٨٥/٤.

٣٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وإما لاستيلاء الجوع البقريّ عليه، وهو جوع الأعضاء، مع شبّع المعدة،
عكس الشهوة الكلبية(١).
(وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا))) قال في ((النهاية)): أي: لا يستجاب، ولا
يُعْتَدّ بها، فكأنها غير مسموعة، يقال: اسمع دعائي؛ أي: أجبه؛ لأن غرض
السائل الإجابة والقبول. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ: الضمير في ((لها)) عائد إلى الدعوة، واللام زائدة، وفي
رواية: ((ومن دعاء لا يسمع))، وفي أخرى: ((ومن هؤلاء الأربع))، ودلّ الحديث
على أن السجع إذا كان على وِفق الطبع من غير تكلّف فلا مَنْع. انتهى (٣).
وقال المناويّ كَّتُهُ: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من قلب لا يخشع))
لذكر الله ربك، ولا لاستماع كلامه، وهو القلب القاسي الذي هو أبعد القلوب
من حضرة علام الغيوب، ((ومن دعاء لا يسمع))؛ أي: لا يستجاب، ولا يُعتدّ
به، فكأنه غير مسموع، ((ومن نفس لا تشبع)) مِن جَمْع المال أشَراً، وبطَراً، أو
من كثرة الأكل الجالبة لكثرة الأبخرة الموجبة للنوم، وكثرة الوساوس،
والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضارّ الدنيا والآخرة، ((ومن علم لا ينفع))؛
أي: لا يُعمَل به، أو لا يهذُّب الأخلاق الباطنة، فيسري إلى الأفعال الظاهرة،
((أعوذ بك من هؤلاء الأربع))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ظه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٨٢/١٨] (٢٧٢٢)، و(الترمذيّ) في
((الدعوات)) (٣٥٧٢)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٤٦٠ و٥٥٤٠) و((الكبرى))
(٧٨٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧١/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/
١٧)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٥٨٥/٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده))
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٧٠/٥.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٧٠/٥.
(٢) راجع: ((عون المعبود)) ٢٨٥/٤.

٣٦٣
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٣)
(١١٤/١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٤/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التعوذ مما ذُكر في هذا الحديث.
٢ - (ومنها): ما قاله العلائيّ كَّتُهُ: تضمَّن هذا الحديث الاستعاذة من
دنيء أفعال القلوب، وفي قَرْنه بين الاستعاذة من علم لا ينفع، ومن قلب لا
يخشع إشارة إلى أن العلم النافع ما أورث الخشوع. انتهى(١).
٣ - (ومنها): بيان أن السجع في الدعاء لا يُذمّ، إذا حصل بلا تكلف،
بل لكمال فصاحة الداعي، والنهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا كان
بتكلف.
٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ كظّثُهُ: اعلم: أن في كل من القرائن(٢)
إشعار بأن وجوده مبنيّ على غايته، والغرض الغاية، فإنّ تعلّم العلم إنما هو
للنفع به، فإذا لم ينفعه لم يخلص كفافاً، بل يكون وبالاً، ولذلك استعاذ منه،
وإن القلب إنما خُلق ليخشع لبارئه، وينشرح لذلك الصدر، ويُقذف النور فيه،
فإذا لم يكن كذلك كان قاسياً، فيجب أن يستعاذ منه قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلُ
لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اَللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]، وإن النفس إنما يُعتدّ بها إذا
تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، والنفس إذا كانت منهومةً لا
تشبع، حريصةً على الدنيا، كانت أعدى عدوّ المرء، فأول شيء يستعاذ منه
هي، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه، ولم يخشع
قلبه، ولم تشبع نفسه. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٣] (٢٧٢٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِیَادٍ،
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَمْسَى قَالَ: ((أَمْسَيْنَا،
(١) ((فيض القدير)) ١٠٨/٢ و١٥٤.
(٢) أي: الأشياء المقترنة في هذا الحديث.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٩١٥/٦ - ١١٩١٦.

٣٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وَأَمْسَى الْمُلْكُ اللهِ، وَالْحَمْدُ لهِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ))، قَالَ الْحَسَنُ:
فَحَدَّثَنِي الزُّبَيْدُ أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا: ((لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ،
وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ (١) مِنَ الْكَسَلِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي الَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ، أبو بشر البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عروة النخعيّ، أبو عروة الكوفيّ، ثقةٌ
فاضلٌ [٦] (ت١٣٩) وقيل: بعدها بثلاث (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٣/٣٨.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ النَّخَعِيُّ) الأعور الكوفيّ، ثقةٌ، لم يثبت أن
النسائي ضعّفه [٦] (م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٨٦/١٩.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من
كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من الحسن،
وقتيبة بغلانيّ، وشيخه بصري، وفيه عبد الله بن مسعود تقدّم الكلام فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَمْسَى)؛
أي: دخل في وقت المساء، (قَالَ) وَِّ: ((أَمْسَيْنَا، وَأَمْسَى الْمُلْكُ اللهِ)؛ أي:
دخلنا في المساء، ودخل المُلك فيه كائناً لله، ومختصاً به، أو الجملة حالية
بتقدير ((قد))، أو بدونه؛ أي: أمسينا وقد صار بمعنى كان، ودام الملك لله
تعالى، وقوله: (وَالْحَمْدُ للهِ) قال المظهر: عطفٌ على ((أمسينا، وأمسى
(١) وفي نسخة: ((اللَّهُمَّ أعوذ بك)).

٣٦٥
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٣)
الملك))، وأمسى إذا دخل في المساء، وأمسى إذا صار؛ يعني: دخلنا في
المساء، وصرنا نحن، وجميع الملك، والحمد لله تعالى. انتهى.
قال الطيبيّ: أقول: الظاهر أنه عطف على قوله: ((الملك الله))، ويدلّ عليه
قوله بعدُ: ((له الملك، وله الحمد))، وقوله: ((وأمسى الملك لله)) حال من
((أمسينا)) إذا قلنا: إنه فعل تامّ، ومعطوف على ((أمسينا)) إذا قلنا: إنه ناقصٌ،
والخبر محذوف؛ لدلالة الثاني عليه، والواو فيه كما في قول الحماسيّ:
فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ
قال أبو البقاء: ((أمسى)) هنا ناقصة، والجملة بعدها خبرها.
[فإن قلت]: خبر كان مثل خبر المبتدأ لا يجوز دخول الواو عليه.
[قيل]: الواو إنما دخلت في خبر كان؛ لأن اسمها يشبه الفاعل، وخبرها
يشبه الحال.
وقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) عطف على ((الحمد لله)) على تأويل: وأمسى
الفردانيّة، والوحدانيّة مختصّتين بالله تعالى.
[فإن قلت]: ما معنى ((أمسى الملك لله))، والمُلك له أبداً، وكذا
الحمد؟ .
[قلت]: هو بيان حال القائل؛ أي: عرفنا أن الملك، والحمد لله، لا
لغيره، فالتجأنا إليه، واستعذنا به، وخصّصناه بالعبادة، والثناء عليه، والشكر
له، ثم استمرّ ذلك بدخوله في الليل، واستعاذ مما يمنعه مما كان فيه في اليوم
قائلاً: ((أسألك من خير هذه الليلة)) إلى آخره(١).
(وَحْدَهُ) حال مؤكدة؛ أي: منفرداً بالألوهية، (لَا شَرِيكَ لَهُ))؛ أي: في
ربوبيّته، وألوهيّته، وأسمائه وصفاته، وقال القاري: أي: في صفات الربوبية،
ولذا أكّده بقوله: ((له الملك))؛ أي: جنسه مختص له، ((وله الحمد))؛ أي:
بجميع أفراده، ((وهو على كل شيء))؛ أي شيء، أو على كل شيء شاءه،
((قدير)): كامل القدرة، تامّ الإرادة. انتهى(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٧١/٦ - ١٨٧٢.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٩٠/٥.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(قَالَ الْحَسَنُ) بن عبيد الله النخعيّ: (فَحَدَّثَنِي الزُّبَيْدُ) هكذا النسخ بـ((أل))،
وهو زُبيد - مصغّراً - ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ،
أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت١٢٢) أو بعدها، تقدّم في
(الإيمان) ٢٢٨/٣٠. (أَنَّهُ)؛ أي: زبيداً، (حَفِظَ) بكسر الفاء، من باب عَلِم،
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سُويد النخعيّ المذكور في السند. (فِي) جملة (هَذَا) الحديث
قوله: ((لَهُ الْمُلْلُكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) المراد أن الحسين بن
عبيد الله لم يسمع من إبراهيم بن سُويد، وإنما سمعه من زبيد عنه.
(اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله (أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ) وفي الرواية التالية: ((خير
ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها))، وفي الرواية الثالثة: ((من خير هذه الليلة،
وخير ما فيها))، قال الطيبيّ: أي: من خير ما ينشأ فيها، وخير ما يسكن فيها،
قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] (١).
وقال ابن حجر: أي: مما أردتَ وقوعه في هذه الليلة لخواص خلقك،
من الكمالات الظاهرة والباطنة، وخير ما يقع فيها من العبادات التي أُمرنا بها
فيها، أو المراد: خير الموجودات التي قارن وجودها هذه الليلة، وخير كل
موجود الآن. انتھی.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا) وفي الرواية الآتية:
((وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما فيها))، قال ابن الملك: مسألته خير هذه الأزمنة
مَجاز عن قبول طاعات قدّمها فيها، واستعاذته من شرها مجاز عن طلب العفو
عن ذنب قارفه فيها. انتهى.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ(٢) مِنَ الْكَسَلِ) بفتحتين؛ أي: التثاقل في الطاعة،
مع الاستطاعة، وقال الطيبيّ: الكسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه،
ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة.
زاد في الرواية الآتية: ((والهَرَم)) بفتحتين؛ أي: كِبَر السن المؤدي إلى
تساقط بعض القوى، وضَعفها، وهو الردّ إلى أرذل العمر؛ لأنه يفوت فيه
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن) ٦/ ١٨٧٢.
(٢) وفي نسخة: ((اللَّهُمَّ أعوذ بك».

٣٦٧
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٣)
المقصود بالحياة، من العلم، والعمل، ولذا قال تعالى: ﴿لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِ
شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠]، وقيل: سبب الاستعاذة منه كونه داءً لا دواء له، كما في
الحدیث.
(وَسُوءِ الْكِبَرِ) بكسر الكاف، وفتح الباء، وهو الأصحّ روايةً ودرايةً؛
أي: مما يورثه الكبر من ذهاب العقل، واختلال الرأي، وغير ذلك، مما يسوء
به الحال، ورُوي بسكون الموحّدة، والمراد به: البَطَر، قال الطيبيّ: والدراية
تساعد الرواية الأولى؛ لأن الجمع بين البطر والهرم بالعطف؛ كالجمع بين
الضبّ والنون.
ونازعه ابن حجر، وقال: الأول أصحّ؛ أي: أشهر روايةً، وأما درايةً
فالثاني يفيد ما لا يفيده ما قبله، وهو الهرم، فهو تأسيس محض، بخلاف
الأول، فإنه إنما يفيد ضرباً من التأكيد، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيد. انتهى.
وتعقّبه القاريّ، فقال: وهو عجيب منه، فإن المغايرة بينهما ظاهرة غاية
الظهور على الطيبيّ وغيره، كما بين الضبّ والنون، وإنما الكلام في
المناسبة، والملاءمة بين المتعاطفين، كما اعتبره علماء المعاني، مع أن
الطيبيّ لم يقل بالتأكيد، بل فَسَّر سوء الكبر بما ينشأ من الهرم، فالتغاير
ظاهر، ويدل عليه لفظ ((سوء)) المناسب للكِبَر بفتح الباء، فإن الكِبْر بسكون
الباء يُذَمّ مطلقاً. انتهى(١).
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ))؛ أي: من
نفس عذابهما، أو مما يوجبه، وقال الطيبيّ تَظُّهُ: والتنكير في ((عذاب))
للتهويل، والتفخيم، وقال القاري: التنوين للتقليل(٢)، وفي هذا الدعاء إظهار
العبودية، والافتقار إلى تصرفات الربوبية، وأن الأمر كله خيره وشره بيد الله،
وأن العبد ليس له من الأمر شيء، وفيه تعليم للأمة؛ ليتعلموا آداب الدعوة،
والله تعالى أعلم.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٩١/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٧٢/٦، و((مرقاة المفاتيح)) ٢٩١/٥.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود به هذا من أفراد
المصنّف نَظَلَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٨٣/١٨ و٦٨٨٤ و٦٨٨٥] (٢٧٢٣)، و(أبو
داود) في ((الأدب)) (٥٠٧١)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٣٩٠ و٣٥٧٢)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٧/٦) و((عمل اليوم والليلة)) (٣٨٣/١)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥/٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٤٠/١)، و(الطبرانيّ) في
((الدعاء)) (١٢٨/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٩/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): اختلف في الصباح والمساء، قال الفيّوميّ تَخْفُهُ:
الصبح: الفجر، والصباح مثله، وهو أول النهار، والصباح أيضاً خلاف
المساء، قال ابن الْجَوَالقيّ: الصباح عند العرب من نصف الليل الآخر إلى
الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول، هكذا رُوي عن ثعلب،
وأصبحنا: دخلنا في الصباح. انتهى (١).
وقال الراغب الأصبهانيّ تَُّهُ: الصبح والصباح أول النهار، وهو وقت
ما احمرّ الأفق بحاجب الشمس، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]،
وقال: ﴿فَسَآءَ صَبَاعُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصفّات: ١٧٧](٢).
وقال في ((القاموس)): الصبح الفجر، أو أول النهار، وهو الصبيحة،
والصباح، والإصباح، والْمُصْبَح، كمكرم، والمساء، والإمساء: ضدّ الصباح،
والإصباح.
قلت(٣): الظاهر المتبادَر من بعض الأحاديث الواردة في الباب أن المساء
أول الليل، ويمكن حمل كلام صاحب (القاموس)) عليه، كما لا يخفى، وقال
في هامش ((تحفة الذاكرين)): الصباح من طلوع الفجر؛ أي: إلى طلوع
الشمس، والمساء من غروب الشمس كما يدل له ما أخرجه عبد الرزاق،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٣١/١.
(٣) القائل هو: صاحب ((المرعاة)).
(٢) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٤٧٣.

=
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٣)
٣٦٩
والفريابيّ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبرانيّ، والحاكم،
وصححه عن أبي رزين، قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس
ثّا، فقال :
هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، فقرأ: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ
تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]، قال: صلاة المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾
[الروم: ١٧]، قال: صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾، صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
[الروم: ١٨] صلاة الظهر.
فهذا تفسير الصحابي اللغوي الصباح والمساء، ومثله عن مجاهد،
فالمساء لا يكون إلا من بعد غروب الشمس، فأذكاره من ذلك الوقت نحو:
أمسينا وأمسى الملك لله ... إلخ. انتهى.
قلت(١): فمن قال: إن المساء يدخل وقته بالزوال، والصباح يدخل وقته
بانتصاف الليل، وإنه تدخل أوراد الصباح من نصف الليل الأخير، والمساء من
الزوال، فقد أبعدَ جداً (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأَولى، أن تقال أذكار الصباح بعد طلوع
الفجر، وأذكار المساء بعد غروب الشمس، لكن إن قُدّمت، أو أُخّرت لا بأس
فيها؛ لأن أهل اللغة وسَّعوا وقتهما، كما تقدّم في عبارة الفيّوميّ، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الرابعة): قد تكلّم الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ تَخّْثُ في
الاختلاف الواقع في هذا الحديث، الذي أشار إليه مسلم هنا، فأخرج بسنده
إلى قتيبة، نا عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن
عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: كان النبيّ ◌َ﴿ إذا أمسى قال:
((أمسينا، وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وحده، لا شريك
له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهُمَّ إني أسألك خير
هذه الليلة، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة، وشر ما قبلها، وأعوذ
بك من الكسل، وسوء الكبر، وأعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في
القبر)).
(١) القائل هو: صاحب ((المرعاة)).
(٢) (مرعاة المفاتيح)) ٢٣٨/٨.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
قال: إبراهيم المذكور في هذا الحديث هو ابن سويد النخعي بيَّن نَسَبه
جرير بن عبد الحميد عن الحسن بن عبيد الله في روايته هذا الحديث، ثم
أخرج بسنده إلى جرير، عن الحسن - يعني: ابن عبيد الله النخعيّ - عن
إبراهيم بن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: كان نبيّ الله وَلِيه
إذا أمسى قال: ((أمسينا، وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، نسألك
خير هذه الليلة، وخير ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل، وأعوذ بك من
عذاب في النار))، وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: ((أصبحنا، وأصبح
الملك لله ... )).
قال: في هذا الحديث ألفاظ لم يسمعها الحسن بن عبيد الله بن إبراهيم بن
سويد، وهي قوله: ((له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، كان
الحسن يرويها عن زُبيد الياميّ، عن إبراهيم بن سُويد، وأدرجت في هاتين
الروايتين.
وقد رَوَى محمد بن إسحاق السرّاج النيسابوريّ، وعليّ بن طيفور
النسويّ، كلاهما عن قتيبة الحديث، ففصّلا هذه الكلمات، وميَّزاها، وبيَّنا أنها
عن الحسن، عن زبيد، عن إبراهيم، وكذلك روى خالد بن عبد الله المزنيّ،
وزائدة بن قُدامة الثقفيّ، كلاهما عن الحسن بن عبيد الله، ورواه عبد الله بن
إدريس الأوديّ، عن الحسن بن عبيد الله، فلم يذكر الكلمات في حديثه.
فأما حديث محمد بن إسحاق السرّاج وعليّ بن طيفور عن قتيبة، فأخبرناه
أبو بكر أحمد بن علي بن محمد اليزديّ الحافظ، أنا إبراهيم بن عبد الله
الأصبهانيّ المعدّل، أنا محمد بن إسحاق السرّاج، وأخبرنيه أبو الفرج
الحسين بن عليّ بن عبد الله الطناجيريّ، أنا عليّ بن عبد الرحمن البكائيّ
بالكوفة، نا عليّ بن طيفور بن غالب النسويّ، قالا: نا قتيبة، نا عبد الواحد،
عن الحسن بن عبيد الله، نا إبراهيم بن سُويد، نا عبد الرحمن بن يزيد، عن
عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله و 8* إذا أمسى قال: ((أمسينا، وأمسى
الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له)). قال الحسن:
فحدثني زُبيد أنه حَفِظ عن إبراهيم في هذا: («له الملك، وله الحمد، وهو على

٣٧١
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٣)
كل شيء قدير، اللَّهُمَّ إني أسألك خير هذه الليلة، وأعوذ بك من شرّ هذه
الليلة، وشرّ ما بعدها، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الكسل، وسوء الكبر، اللَّهُمَّ إني
أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر»، لفظهم سواء، إلا في الحرف
ونحوه.
وأما حديث خالد بن عبد الله عن الحسن مثل حديث عبد الواحد هذا في
بيان سماعه الكلمات من زُبيد، عن إبراهيم، فأخبرناه القاضي أبو عمر
الهاشميّ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤيّ، حدثنا أبو داود، نا وهب بن بقية، عن
خالد.
قال أبو داود: ونا محمد بن قُدامة بن أعين، نا جرير، عن الحسن بن
عبيد الله، عن إبراهيم بن سُويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال:
إن النبيّ ◌َ﴿ كان يقول إذا أمسى: ((أمسينا، وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا
إله إلا الله، وحده، لا شريك له)).
وأما زبيد كان يقول: كان إبراهيم بن سُويد يقول: ((لا إله إلا الله،
وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، زاد
في حديث جرير: ((رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، رب
أعوذ بك من الكسل، ومن سوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار،
وعذاب في القبر))، وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: ((أصبحنا، وأصبح
الملك لله ... )).
قال أبو داود: رواه شعبة عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم بن سويد،
قال: ((من سوء الكبر))، ولم يذكر: مِن سوء الكفر.
قلت(١): وكذلك رواه عثمان بن أبي شيبة عن جرير، قال: ((من سوء
الكبر)) بالباء، وهو المحفوظ.
وأما حديث زائدة عن الحسن الموافق لرواية خالد هذه: فأخبرناه أبو بكر
البرقانيّ، قال: قرأت على أبي الحسين محمد بن محمد الحجاجيّ، أخبركم
محمد بن إسحاق بن خزيمة، نا موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، نا
(١) القائل هو الخطيب، فتنبّه.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الحسين بن عليّ، عن زائدة، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سُويد،
عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: كان رسول الله (* يقول إذا
أمسى: ((أمسينا، وأمسى الملك لله، والحمد له، ولا إله إلا الله، وحده، لا
شريك له، إني أسألك من خير هذه الليلة، وخير ما قبلها، وخير ما بعدها،
اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شر هذه الليلة، وشر ما قبلها، وشر ما بعدها، من
الكسل، والجبن، والبخل، وفتنة الدنيا، وعذاب في النار، وعذاب في القبر))،
قال الحسن: وزاد فيه زُبيد عن إبراهيم بن سُويد، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن عبد الله؛ أنه قال في حديثه: ((وحده، لا شريك له، له الملك، وله
الحمد، وهو على كل شيء قدير))، وإذا أصبح قال مثلها .
وأما حديث عبد الله بن إدريس عن الحسن بن عبيد الله الذي لم يذكر فيه
الكلمات التي عن زبید، واقتصر على ما سمعه من إبراهيم بن سويد:
فأخبرناه عبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، أنا محمد بن أحمد بن محمد بن
يعقوب، نا الحسن بن عليّ بن شبيب المعمريّ، نا مصرف بن عمرو بن السريّ
الأياميّ، نا عبد الله بن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن
سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: كان رسول الله وَل و إذا
أصبح، أو أمسى، قال: ((أصبحنا، وأصبح الملك لله، لا إله إلا الله، وحده،
لا شريك له، رب أسألك من خير ما في هذا اليوم، وخير ما بعده، وأعوذ بك
من شرّ هذا اليوم، وشرّ ما بعده، رب أعوذ بك من الكسل، وسوء الكبر، رب
أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر)). انتهى ما كتبه الخطيب تقذفهُ(١)،
وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ
عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
كَانَ نَبِيُّ اللهِ وَّ إِذَا أَمْسَى قَالَ: ((أَمْسَيْنَا، وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، لَا إِلَ
(١) ((الفصل للوصل المدرَج)) ١/ ٥٥١ - ٥٥٦.

٣٧٣
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٥)
إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ))، قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: ((لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَسُوءٍ
الْكِبَرِ، رَبُّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ))، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ
ذَلِكَ أَيْضاً: ((أَصْبَحْنَا، وَأَصْبَحَ الْمُلْلُكُ للِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد الضبيّ.
وقوله: (قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير الحسن بن
عبيد الله.
وقوله: (وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضاً: ((أَصْبَحْنَا، وَأَصْبَحَ الْمُلُْكُ اللهِ))؛
يعني: أنه ﴿ إذا دخل في وقت الصباح قال هذا الذِّكر، لكنه يُبدل ((أمسينا،
وأمسى)) بأصبحنا، وأصبح، ويُبدل أيضاً لفظ الليلة باليوم، فيقول: أسألك خير
هذا اليوم، ويُذَگِّر به الضمائر.
والحديث من أفراد المصنّف تَّلهُ وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله،
ولله تعالى الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ،
عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا أَمْسَى قَالَ: ((أَمْسَيْنَا، وَأَمْسَى
الْمُلْلُكُ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ
خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرٍ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ))، قَالَ
الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: وَزَادَنِي فِيهِ زُبَيْدٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، رَفَعَهُ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لَا
شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))).

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الجعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٣
أو ٢٠٤) وله أربع، أو خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٤/١١.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب
سُنَّة [٧] (ت١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف تَخْلُهُ وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٦] (٢٧٢٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ
وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و((ليث)) هو: ابن سعد
الإمام المصريّ المشهور، و((والد سعيد)) هو: كيسان المقبريّ، مولى بني ليث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَّقُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير قتيبة،
فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة ربه، وقد مضى القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َله؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ كَانَ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ
وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله بالنكرة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظاً فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَـ«وَحْدَكَ اجْتَهِدْ))
والتقدير: حال كونه منفرداً، وقال في ((العمدة)): منصوب على تقدير:
أُوَحِّد وحده. قوله: ((أعز))؛ أي: أعز الله جنده ونَصَر عبده النبي ◌َّر؛ أي:
(أَعَزَّ)؛ أي: أعزّ الله (جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ) النبيّ محمداً وََّ، (وَغَلَبَ الأَحْزَابَ)

٣٧٥
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٧)
الذين جاؤوا من أهل مكة وغيرهم يوم الخندق، حال كونه (وَحْدَهُ) وقال
النوويّ: أي: غلب قبائل الكفار المتحزبين عليهم وحده؛ أي: من غير قتال
الآدميين، بل أرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها. انتهى(١).
(فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ))؛ أي: جميع الأشياء بالنسبة إلى وجوده كالعدم، أو
بمعنى كلّ شيء يفنى، وهو الباقي بعد كل شيء، فلا شيء بعده، قال الله
تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((فلا شيء بعده))؛ أي: لا شيء ينصر، ولا
يدفع غيره. انتهى(٢).
[فإن قلت]: هذا سجع، والنبيّ ◌َّ ذَمّ السجع، حيث قال مُنْكِراً:
((أسجعٌ كسجع الكهان؟)).
[أجيب]: بأن المنكر والمذموم السجع الذي يأتي بالتكلف، وبالتزام ما لا
يلزم، وسجعه ◌َّر من السجع المحمود؛ لأنه جاء بانسجام، واتفاق، على مقتضى
السجيّة، وكذلك وقع منه في أدعية كثيرة، من غير قَصْد لذلك، ولا اعتماد إلى
وقوعه موزوناً، مُقَفَّى بقصده إلى القافية، قاله في ((العمدة))(٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٨٦/١٨] (٢٧٢٤)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤١١٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٠/٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٠٧/٢ و٣٤٠ و٤٩٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٧] (٢٧٢٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ
إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٤٣.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٨٨/١٧ - ١٨٩.
(٢) ((المفهم)) ٧/ ٥٠.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قُل: اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ،
وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ)»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ) بن شهاب بن المجنون الْجَرميّ الكوفيّ، صدوقٌ،
رُمي بالإرجاء [٥] مات سنة بضع (١٣٠) (خت م ٤) تقدم في ((اللباس والزينة))
٥٤٧٩/١٦.
٢ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة
الراشد، مات رْبه في رمضان سنة أربعين، وله ثلاث وستون سنةً على
الأرجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن إدريس)) هو: عبد الله بن إدريس
الأوديّ الكوفيّ، و((أبو بردة)) هو: ابن أبي موسى الأشعريّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، فقد سكن
عليّ رَُّبه الكوفة، ومات بها، وهو ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله وَّل،
وزوج ابنته فاطمة ﴿يّا، ومن السابقين الأولين، ورجّح جماعة أنه أول مَن
أسلم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وأحد الخلفاء الأربعة، ومات يوم
مات، وهو أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السُّنّة والجماعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث،
وقيل: اسمه كنيته. (عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب رُِّه؛ أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهِ:
((قُل) وفي رواية النسائيّ: ((يا عليّ قل)): (اللَّهُمَّ اهْدِنِي)؛ أي: ارزقني الهدى إلى
الطريق الحقّ، (وَسَدِّدْنِي)؛ أي: ارِزقني السَّدَاد، وهو الاستقامة، (وَاذْكُرْ)؛ أي:
اقصد بقلبك (بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ) المستقيم، (وَالسَّدَادِ) بالجرّ عطفاً على
((الهدى))، وقوله: (سَدَادَ السَّهْم))) بالنصب عطفاً على ((الطريق))، ففيه عَظْف
المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور بين النحاة.
قال النوويّ كَّلُهُ: أما السَّداد هنا بفتح السين، وسَداد السهم: تقويمه،

٣٧٧
(١٨) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ - حديث رقم (٦٨٨٧)
ومعنى ((سددني)): وفّقني، واجعلني منتصباً في جميع أموري، مستقيماً، وأصل
السَّداد: الاستقامة، والقصد في الأمور، وأما الهدى هنا فهو الرشاد، ويذكّر،
ويؤنث، ومعنى ((اذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم))؛ أي:
تذكّر ذلك في حال دعائك بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه،
ومسَدِّد السهم يَحرص على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقوِّمه، وكذا الداعي
ينبغي أن يحرص على تسديد علمه، وتقويمه، ولزومه السُّنَّة، وقيل: ليتذكر بهذا
لفظ السداد والهدى لئلا ينساه. انتهى(١).
وقال المناويّ: قال القاضي: أمَره بأن يسأل الله الهداية، والسداد، وأن
يكون في ذلك مُخْطِراً بباله أن المطلوب هداية كهداية من ركَبٍ متن الطريق،
وأخذ في المنهج المستقيم، وسداداً كسداد السهم نحو الغرض، والمعنى: أن
يكون في سؤاله طالباً غاية الهدى، ونهاية السداد. انتهى.
وقال الراغب: التسديد أن يقوِّم إرادته، وحركته نحو الغرض المطلوب؛
ليهجمٍ إليه في أسرع مدة يمكن الوصول فيها إليه، وهو المسؤول بقوله: ﴿أَهْدِناً
الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
[الفاتحة: ٦].
وقال بعضهم: معناه: إذا سألت الهدى فأخطر بقلبك هداية الطريق؛ لأن
سالك الفلاة يلزم الجادّة، ولا يفارقها خوفاً من الضلال، وكذا الرامي إذا رمى
شيئاً سدّدَ السهم نحوه؛ ليصيبه، فَأَخْطِرْ ذلك بقلبك؛ ليكون ما تنويه من الدعاء
على شاكلة ما تستعمله في الرمي.
وقال القونويّ: اشتَرَط في هذا الحديث صحة الاستحضار للأمر
المطلوب من الحق حال الطلب، وذلك لأن الإجابة تابعة للتصور، فالأصح
تصوّراً للحقّ تكون أدعيته مجابة، وصحة التصور تابعة للعلم المحقّق، والشهود
الصحيح، ولهذا قال في الحديث الآتي: ((لو عرفتم الله حقّ معرفته لزالت
بدعائكم الجبال))(٢)، ألا ترى أن النبيّ وَّ ه لمّا كان تام الشهود كانت أكثر
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) هذا حديث منكر، لا يصلح للاحتجاج به، كما بيّنه الشيخ الألبانيّ كَّفُ في
((السلسلة الضعيفة)).

٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
أدعيته مستجابة، وهكذا من داناه في المعرفة من الأنبياء، والأولياء، وهؤلاء
هم الموعودون بالإجابة متى دعوا بالدعاء المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فمن لم يَعرف، ولم يَستحضر حال الدعاء بضرب ما
من ضروب الاستحضارات الصحيحة لم يدع الحقّ، فلم يستجب له. انتهى (١).
وقال الخطّابيّ تَخَّهُ: قوله: ((واذكر بالهدى هداية الطريق))؛ معناه: أن
سالك الطريق والفلاة إنما يؤمّ سَمْتَ الطريق، ولا يكاد يفارق الجادّة، ولا يَعدِل
عنها يَمْنَةً ويَسْرَةً، خوفاً من الضلال، وبذلك يُصيب الهداية، وينال السلامة . .
يقول: إذا سألت الله الهدى، فأَخْطِرْ بقلبك هداية الطريق، وَسَلِ الله
الهدى، والاستقامة، كما تتحرّاه في هداية الطريق إذا سلكتها .
وقوله: ((واذكر بالسداد تسديد السهم))؛ معناه: أن الرامي إذا رمى غَرَضاً
سدّد بالسهم نحو الغرض، ولم يَعدل عنه يميناً ولا شمالاً؛ ليُصيب الرميّةَ، فلا
یطیش سهمه، ولا يُخفق سعيه.
يقول: فأَخْطر المعنى بقلبك، حين تسأل الله السداد؛ ليكون ما تنويه من
ذلك على شاكلة ما تستعمله في الرمي. انتهى كلام الخطابيّ تَخَذّتُهُ(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّتُ: هذا الأمر منه ◌َ ﴿ يدلّ على أن الذي ينبغي له أن
يُهتمّ بدعائه، فيستحضر معاني دعواته في قلبه، ويُبالغ في ذكرها بلفظه بضرب
من الأمثال، وتأكيد الأقوال، فإذا قال: اهدني الصراط المستقيم، وسدّدني
سَداد السهم الصائب، كان أبلغ، وأهمّ من قوله: اهدني، وسدّدني فقط، وهذا
واضحٌّ. انتهى(٣) والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
رَُّهُ هذا من أفراد المصنّف تَخْذَّتُهُ.
(المسألة الأولى): حديث عليّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٨٧/١٨ و٦٨٨٨] (٢٧٢٥)، و(أبو داود) في
(١) ((فيض القدير)) ٥٢٤/٤.
(٣) ((المفهم)) ٧/ ٥٣ - ٥٤.
(٢) ((معالم السنن)) ١١٦/٦.

٣٧٩
(١٩) - بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ - حديث رقم (٦٨٨٩)
((الخاتم)) (٤٢٢٥)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٨٦)، و(النسائيّ) في
((المجتبى)) (١٧٧/٨) وفي ((الكبرى)) (٤٥٥/٥)، و(ابن ماجه) في ((اللباس))
(٣٦٤٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣٤/١
و١٥٤ و١٣٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٩٨)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٢٩٨/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٣٢/١ و٤٥٢)، و(البزّار)
في ((مسنده)) (١١٩/٢ و١٨٤)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٢٠١/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٤٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ -
أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «قُل: اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالسَّدَادَ)، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير
الْهَمْدانيّ الكوفيّ.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير ابن نُمير؛ أي: ذكر ابن نمير
عن عبد الله بن إدريس بسنده مثل حديث أبي كريب.
[تنبيه]: رواية ابن نمير، عن عبد الله بن إدريس هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٩) - (بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ الثَّوْمِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٨٩] (٢٧٢٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبِي عُمَرَ - قَالُوا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
مَوْلَى آلٍ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ خَرَجَ

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً، حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى،
وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: ((مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ
الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ
كَلِمَاتِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً .
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ) هو: محمد بن
عبد الرحمن بن عُبيد القرشيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الطلاق))
٣٦٥٩/١.
٣ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، المدنيّ، أبو رِشْدين،
مولى ابن عباس، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢.
٤ - (جُوَيْرِيَةُ) بنت الحارث بن أبي ضِرَار الْخُزاعيّة من بني المصطَلِقِ، أم
المؤمنين، كان اسمها بَرّة، فغيّرُه النبيّ وَّ، وسَبَاها في غزوة المريسيع، ثم
تزوجها، وماتت سنة خمسين على الصحيح (ع) تقدمت في ((الزكاة)) ٢٤٨٣/٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبل بابين، و(سفيان)) هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَخْذَلُهُ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ جُوَيْرِيَةَ) تصغير جارية، وهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضِرار
الْخُزَاعية، من بني المصطلِقِ، أم المؤمنين ظّا، كان اسمها برّة، فغيَّره
النبيّ ◌َ﴿ إلى جُويرية، فصارت عَلَماً لها، فلهذا لا ينصرف، سَبَاها
رسول الله وَ﴿ يوم الْمُرَيسِيع، وهي غزوة بني المصطلِقِ، في سنة خمس، أو
ست، وكانت تحت مُسافع بن صفوان المصطلقيّ، وقد قُتل في هذه الغزوة،