Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٣] (٢٧١١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْبَرَاءِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهـ
كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا، وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ))، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ
قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة
أبواب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) بفتح الفاء، واسمه سعيد بن يُحْمِد، ويقال:
أحمد الكوفيّ، تقدّم قريباً .
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ الكوفيّ، واسمه عمرو، أو عامر،
ثقةٌ [٣] (ت١٠٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بردة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين،
والثاني بالكوفيين.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ظُهَا؛ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ)؛ أي:
محلّ نومه؛ يعني: أنه إذا أراد أن ينام، وتهيّأ للنوم، (قَالَ: ((اللَّهُمَّ) أصله يا
الله، فحُذفت منه ((يا))، وعُوّض عنه الميم المشدّدة، قال في ((الخلاصة)):
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ ((يَا)) وَ((أَلْ)) إِلَّا مَعَ «اللّه)) وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَشَذَّ (يَا اللَّهُمَّ)) فِي قَرِيضٍ
وَالأَكْثَرُ ((اللَّهُمَّ) بِالشَّغْوِیضِ
(بِاسْمِكَ) متعلّق بـ(أَحْيَا)، ومثله قوله: (وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ))) قال
النوويّ ◌َخْثُ: قيل: معناه: بذكر اسمك أحيا ما حَيِيت، وعليه أموت، وقيل:

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
معناه: بك أحيا؛ أي: أنت تحييني، وأنت تميتني، والاسم هنا هو المسمى.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((باسمك أموت وأحيا))؛ أي: بذكر اسمك أحيا
ما حييت، وعليه أموت، وقال القرطبيّ: قوله: ((باسمك أموت)) يدلّ على أن
[الأعلى: ١]؛
الاسم هو المسمى، وهو كقوله تعالى: ﴿سَيِجٍ أَسْمَ رَّكَ اُلْأَعْلَى
أي: سبِّح ربك، هكذا قال جُلّ الشارحين، قال: واستفدت من بعض المشايخ
معنى آخر، وهو أن الله تعالى سَمّى نفسه بالأسماء الحسنى، ومعانيها ثابتة له،
فكل ما صدر في الوجود فهو صادر عن تلك المقتضيات، فكأنه قال: باسمك
المحيي أحيا، وباسمك المميت أموت. انتهى ملخصاً.
قال الحافظ: والمعنى الذي صَدّرت به ألْيق، وعليه فلا يدلّ ذلك على
أن الاسم غير المسمى، ولا عينه، ويَحْتَمِل أن يكون لفظ الاسم هنا زائداً،
كما في قول الشاعر:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
(٢)
انتھی
(وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا) قال النوويّ كَُّهُ:
المراد بأماتنا: النوم، وأما النشور: الإحياء للبعث يوم القيامة، فنبّه وَل بإعادة
اليقظة بعد النوم الذي هو كالموت على إثبات البعث بعد الموت، قال العلماء:
وحكمة الدعاء عند إرادة النوم: أن تكون خاتمة أعماله كما سبق، وحكمته إذا
أصبح: أن يكون أول عمله بذكر التوحيد، والكلم الطيب. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا)): قال
أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز،
والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس، وسُمّي
النوم موتاً؛ لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهاً، قاله في ((النهاية)).
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٦/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣١٢).
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٧.

٣٠٣
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٣)
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالموت هنا: السكون، كما قالوا: ماتت
الريح؛ أي: سكنت، فَيَحْتَمِل أن يكون أطلق الموت على النائم، بمعنى إرادة
سكون حركته؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ [يونس:
٦٧]، قاله الطيبيّ، قال: وقد يستعار الموت للأحوال الشاقّة؛ كالفقر، والذّلّ،
والسؤال، والهرم، والمعصية، والجهل.
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح
بالبدن، وذلك قد يكون ظاهراً، وهو النوم، ولذا قيل: النوم أخو الموت،
وباطناً، وهو الموت، فإطلاق الموت على النوم يكون مجازاً؛ لاشتراكهما في
انقطاع تعلق الروح بالبدن.
وقال الطيبيّ: الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان
بالحياة إنما هو لتحري رضا الله عنه، وقَصْد طاعته، واجتناب سخطه، وعقابه،
فمن نام زال عنه هذا الانتفاع، فكان كالميت، فحَمِد الله تعالى على هذه
النعمة، وزوال ذلك المانع، قال: وهذا التأويل موافق للحديث الآخر الذي
فيه: ((وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))، وينتظم معه قوله:
((وإليه النشور))؛ أي: واليه المرجع في نيل الثواب بما يُكتسب في الحياة.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: والحديث الذي أشار إليه سيأتي مع شرحه قريباً
في هذا الباب.
وقال المناويّ كَّلُ: قوله: ((أحيانا بعدما أماتنا))؛ أي: أيقظنا بعدما
أنامنا، أَطلق الموت على النوم؛ لأنه يزول معه العقل والحركة، ومن ثم قالوا:
النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل، وقالوا: النوم أخو الموت.
وقيل: معنى قوله: ((أحيانا بعدما أماتنا))؛ أي: رَدّ أنفسنا بعد قَبْضها
عن التصرف بالنوم؛ يعني: الحمد لله شكراً لنيل نعمة التصرف في الطاعات
بالانتباه من النوم الذي هو أخو الموت، وزوال المانع عن التقرب
بالعبادات.
(١) ((الفتح)) ٣٠٦/١٤.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)))؛ أي: البعث يوم القيامة، والإحياء بعد الإماتة، يقال:
نشر الله الموتى، فنشَرُوا؛ أي: أحياهم، فَحَيُّوا، قاله في ((الفتح)) (١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((وإليه النشور))؛ أي: المرجع بعد الإحياء،
يقالُ: نشر الله الموتى، فنُشروا؛ أي: أحياهم، فَحَيُّوا، وخرجوا من قبورهم
منتشرين؛ أي: جماعات في تفرقة، كما قال تعالى: ﴿كَُّمْ جَدٌ مُنْتَثْرٌ﴾
[القمر: ٧](٢) .
وقال المناويّ كَّلُهُ: ((وإليه النشور))؛ أي: الإحياء للبعث، أو المرجع في
نيل الثواب مما نكسب في حياتنا هذه، وفيه إشارة بإعادة اليقظة بعد النوم إلى
البعث بعد الموت، وحكمة الدعاء عند النوم: أن يكون خاتمة عمله العبادة،
فالدعاء هو العبادة، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وحكمة
الدعاء عند الانتباه: أن يكون أول ما يستيقظ يعبد الله بدعائه، وذكره، وتوحيده.
[تنبيه]: تقدّم أنه وَ و كان إذا قام من نومه بالليل نظر إلى السماء، فقرأ:
﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ العشر آيات [آل عمران: ١٩٠] ثم قام، فتوضأ،
فقال بعضهم: قد دلّ بهذا على أن المتهجد إذا استيقظ ينبغي أن يَشْغَل كل
عضو منه بما هو المطلوب منه، والموظف له من الطاعات، فيطالع بعينه
عجائب الملك والملكوت، ثم يتفكر بقلبه فيما انتهى إليه حاسة بصره، يعرج
بمراقي فكره إلى عالم الجبروت، حتى ينتهي إلى سرادقات الكبرياء، فيفتح
لسانه بالذكر، ثم يُتْبع بدنه نفسه بالتأهب للصلاة، وللوقوف في مقامات
التناجي، والدعاء. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب رضيًّا هذا من أفراد
المصنّف رَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٣٠٧.
(٢) ((المفهم)) ٤١/٧.
(٣) راجع: ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ تَّهُ ٩١/٥، نقلته بالتصرّف.

٣٠٥
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٤)
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٦٣/١٧] (٢٧١١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(١٨٨/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٧٥١ و٧٧٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٢٩٤ و٣٠٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٢/٥) وفوائده تقدّمت، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٤] (٢٧١٢) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع،
قَالَا: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِّ
يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلاً إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ خَلَقْتَ
نَفْسِي، وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا، وَإِنْ أَمَنَّهَا فَاغْفِرْ
لَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلُ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ؟، فَقَالَ:
مِنْ خَيْرِ مِنْ عُمَرَ، مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. قَالَ ابْنُ نَافِعِ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الْحَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: سَمِعْتُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ) - بفتح المهملة، وتشديد الميم - أبو
عبد الملك البصريّ، ثقةً [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م د ت ق) تقدم في
((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧.
٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذّاء البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نَسِيب ابن
سيرين، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٣٨/٢٦.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﴿ّ العدويّ، أبو عبد الرحمن،
المدنيّ، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٢/١.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو بكر بن نافع)) هو: محمد بن
أحمد بن نافع العبديّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لِمَا أسلفناه

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
غير مرّة، وأنه مسلسل بالبصريين غير الصحابيّ فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، وفيه ابن عمر ظًّا، من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، فهو
صحابيّ ابن صحابيّ ﴿ًّا، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر يوم أُحد، وهو
ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، والعبادلة الأربعة،
ضُوعيه .
وكان من أشدّ الناس اتباعاً للأثر
شرح الحديث :
؛ (أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلاً) لم يُسَمَّ(١). (إِذَا
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب
أَخَذَ مَضْجَعَهُ)؛ أي: موضع نومه، (قَالَ: ((اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي، وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا)
بحذف إحدى التاءين للتخفيف، كما في ﴿نَارً تَلَفَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿ فَزَُّ
اُلْمَلَتِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـتَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
(لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا)؛ أي: موتها، وحياتها؛ أي: أنت المالك
لإحيائها، ولإماتتها وحدك لا شريك لك؛ أي: وقد ثبت أنه لا مالك لهما
غيرك، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْـ
تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَِّى قَضَى عَلَيْهَا أُلْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢]. (إِنْ أَحْيَيْتَهَا) وفي
رواية: ((فإن أحييتها)) بالفاء، (فَاحْفَظْهَا)؛ أي: صُنْها عن التورط فيما لا
يرضيك، (وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا) ذنوبها، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، (اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ)؛ أي: أطلب منك (الْعَافِيَةَ)))؛ أي: السلامة في الدين من
الافتتان، وكيد الشيطان، والدنيا من الآلام، والأسقام.
(فَقَالَ لَّهُ)؛ أي: لابن عمر ظَّهَا، (رَجُلٌ) لم يُسمّ (٢)، والظاهر أنه رجل
آخر غير الأول؛ لأن القاعدة أنه إذا أعيدت النكرة بنكرة فهي غير الأول، كما
قال في ((عقود الْجُمَان)):
إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَةْ
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ
تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانٍ
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص ٤٤٤.
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٤٤٤.

٣٠٧
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٤)
وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى مع الجواب عن الاستشكال الوارد على
البيتين غير مرّة، وبالله تعالى التوفيق.
(أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ؟)؛ يعني: أباه ◌َ﴿ُهَا، (فَقَالَ) ابن عمر: سمعته (مِنْ
خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ) ﴿به، وقوله: (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّ) بدل من الجار والمجرور
قبله.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ بلفظ: ((سمعتَ من ابن عمر؟ فقال: من
خير من ابن عمر)). قال القرطبيّ: هكذا رواه السمرقنديّ بزيادة (ابن)) في
الموضعين، وهو وَهَمٌ؛ لأن القائل: ((سمعت من خير من عمر)) هو ابن عمر،
وكذلك رواه الجماعة، وهو الصحيح. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ ابْنُ نَافِع)؛ يعني: شيخه الثانيّ، وهو أبو بكر محمد بن
أحمد بن نافع، (فِي رِوَايَتِهِ) متعلّق بـ((قال))، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ)؛ أي:
بالعنعنة، (وَلَمْ يَذْكُرْ: سَمِعْتُ) غرضه من هذا الكلام بيان اختلاف شيخيه على
خالد الحذّاء، فرواه عقبة بن مكرم بقوله: ((عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ
الْحَارِثِ))، ورواه أبو بكر بن نافع بقوله: ((عن خالد، عن عبد الله بن
الحارث))، وفائدته أن خالداً من المدلسين، فتبيّن برواية عقبة انتفاء تدليسه،
حيث صرّح بالسماع، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا من أفراد المصنّف نَظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٦٤/١٧] (٢٧١٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(١٩٩/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٦٩٦ و٧٩٧)، و(ابن السنّيّ) في ((عمل
اليوم والليلة)) (٧٢٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٤١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٧٩/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥/١٠)، وفوائده تقدّمت، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٧/ ٤٢.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٥] (٢٧١٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل،
قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُّنَا إِذَا أَرَادَ أَحَدٌنَا أَنْ يَنَّامَ، أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقُّهِ
الأَيْمَنِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اَللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ، وَرَبَّ الأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ،
رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ الثَّوْرَاةِ وَالِإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ،
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ، فَلَيْسَ قَبْلَكَ
شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ، فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ
الْبَاطِنُ، فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضٍ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ))، وَكَانَ يَرْوِي ذَلَِكَ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح ذكوان السمّان، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
شرح الحديث:
(عَنْ سُهَيْلٍ) بن أبي صالح؛ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِح)؛ يعني: أباه
ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، (يَأْمُؤُنَا)؛ أي: أولاده ومن مِّعهم، (إِذَا أَرَادَ
أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ، أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ) بكسر الشين المعجمة، وتشديد القاف؛
أي: جنبه (الأَيْمَنِ، ثُمَّ يَقُولَ) بالنصب عطفاً على ((يَضطجعَ))، ((اللَّهُمَّ رَبَّ
السَّمَوَاتِ) بحذف حرف النداء؛ أي: يا رب السموات (وَرَبَّ الأَرْضِ)؛ أي:
خالقهما، ومربّي أهلهما، وقال القرطبيّ: وأصل ربّ: اسم فاعل من رَبَّ
الشيءَ يُرُبّه: إذا أصلحه، وقام عليه، ثم إنه يقال على السيّد والمالك. انتهى.
(وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) بجرّ ((العظيم)) صفةً للعرش، والنصب نعتاً للرب،
(رَبَّنَا)؛ أي: يا ربّنا (وَرَبَّ كُلُّ شَيء) تعميم بعد تخصيص، (فَالِقَ الْحَبّ
وَالنَّوَى) الفلق: بمعنى الشقّ، والنوى جمع النواة، وهي عَجْم النخل، وفي
معناه عَجْم غيرها، والتخصيص؛ لفضلها، أو لكثرة وجودها في ديار العرب؛ أي:
يا من يشق حب الطعام، ونوى التمر، ونحوهما بإخراج الزرع، والنخيل منهما .

٣٠٩
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٥)
وقال القرطبيّ: ((فالق الحبّ والنوى)) أي: شاقّ الحبة، فيُخرج منها
سنبلة، والنواة: فيخرج منها نخلة. ومنه القَسَم المشهور عن عليّ
((والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة))؛ أي: شقّها.
(وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) من الإنزال، وقيل: من التنزيل. (والإنجيل،
وَالْقُرْقَانِ)؛ أي: الفارق بين الحقّ والباطل، ولعل تَرْك الزبور لأنه مندرج في
التوراة، أو لكونه مواعظ، ليس فيه أحكام.
قال الطيبيّ كَخَُّ: [فإن قلت]: ما وجه النظم بين هذه القرائن؟.
[قلت]: وجهه أنه ** لمّا ذكر أنه تعالى ((رب السماوات والأرض))؛
أي: مالكهما، ومدبِّر أهلهما، عقّبه بقوله: ((فالق الحب والنوى))؛ لينتظم معنى
الخالقية، والمالكية؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ
الْحَيَّ﴾ [الأنعام: ٩٥] تفسير لفالق الحب والنوى، ومعناه: يخرج الحيوان النامي
من النطفة، والحب من النوى، ويخرج الميت من الحي؛ أي: يخرج هذه
الأشياء من الحيوان النامي، ثم عقّب ذلك بقوله: ((منزل التوراة))؛ لِيُؤْذِن بأنه
لم يكن إخراج الأشياء من كتم العدم إلى فضاء الوجود، إلا ليُعلَم، ويُعبَد،
ولا یحصل ذلك إلا بکتاب ینزله، ورسول یبعثه، کأنه قيل: يا مالك، یا مدبر،
يا هادي. (أَعُوذُ)؛ أي: أعتصم، وألوذ (بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آَخِذٌ
بِنَاصِيَتِهِ)؛ أي: من شر كل شيء من المخلوقات؛ لأنها كلها في سلطانه، وهو
آخذ بنواصيها، وفي رواية: ((أعوذ من شر كل ذي شر))، وفي رواية: ((من شر
کل دابة أنت آخذ بنواصيها))
(اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ)؛ أي: القديم بلا ابتداء، (فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْء) قيل:
هذا تقرير للمعنى السابق، وذلك أن قوله: ((أنت الأول)) مفيد للحصر، بقرينة
((أل)) في الخبر، فكأنه قيل: أنت مختص بالأولية، فليس قبلك شيء، (وَأَنْتَ
الآخِرُ)؛ أي: أنت الباقي بعد فناء خلقك لا انتهاء لك، ولا انقضاء لوجودك،
(فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ)؛ أي: لا يوجد مخلوق بعدك، (وَأَنْتَ الظَّاهِرُ، فَلَيْسَ فَوْقَكَ
شَيْءٌ)؛ أي: ليس فوق ظهورك شيء؛ يعني: أنه ليس شيء أظهر منك؛ لدلالة
الآيات الباهرة عليك، (وَأَنْتَ الْبَاطِنُ)؛ أي: الذي حجب أبصار الخلائق عن
إدراكك، (فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)؛ أي: لا يحجبك شيء عن إدراك مخلوقاتك.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: أما معنى الظاهر من أسماء الله، فقيل: هو من
الظهور، بمعنى القهر والغلبة، وكمال القدرة، ومنه: ظهر فلان على فلان،
وقيل: الظاهر بالدلائل القطعية، والباطن يحتجب عن خلقه، وقيل: العالم
بالخفیات.
وأما تسميته ليل بالآخر، فقال الإمام أبو بكر بن الباقلّانيّ: معناه:
الباقى بصفاته من العلم، والقدرة، وغيرهما التي كان عليها في الأزل، ويكون
كذلك بعد موت الخلائق، وذهاب علومهم، وقدرهم، وحواسهم، وتفرق
أجسامهم، قال: وتعلقت المنزلة بهذا الاسم فاحتجوا به لمذهبهم في فناء
الأجسام، وذهابها بالكلية، قالوا: ومعناه: الباقي بعد فناء خلقه، ومذهب أهل
الحقّ خلاف ذلك، وأن المراد الآخر بصفاته بعد ذهاب صفاتهم، ولهذا يقال:
آخر من بقي من بني فلان فلان، يراد حياته، ولا يراد فناء أجسام موتاهم،
وعدمها، هذا كلام ابن الباقلانيّ. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((أنت الأوّل فليس قبلك شيء ... )) الحديث
إلى آخره، تضمّن هذا الدعاء من أسماء الله تعالى ما تضمّنه قوله تعالى: ﴿هُوَ
اَلْأَوَّلُ وَلَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاِنٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقد اختَلَفت عبارات العلماء في
ذلك، وأرشق عباراتهم في ذلك قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا
انتهاء، والظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقيل: الأول بالإبداء،
والآخر بالإفناء، والظاهر بالآيات، والباطن عن الإدراكات، وقيل: الأول:
القديم، والآخر: الباقي، والظاهر: الغالب، والباطن: الخفي اللطيف، الرفيق
بالخلق، وهذا القول يناسب الحديث، وهو بمعناه.
وقوله: ((فليس فوقك شيء))؛ أي: لا يقهرك شيء. وقوله: ((فليس دونك
شيء))؛ أي: لا شيء ألطف منك، ولا أرفق. انتهى(٢).
(اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ) قال النوويّ كَذُ: يَحْتَمِل أن المراد بالدِّين هنا:
حقوق الله تعالى، وحقوق العباد كلها، من جميع الأنواع.
(وَأَغْنِنَا) بقطع الهمزة، من الإغناء، (مِنَ الْفَقْرِ))) الظاهر أن ((من)) هنا
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٧ - ٣٧.
(٢) ((المفهم)» ٧/ ٤٢.

٣١١
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٦)
بمعنى البدل، كما قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةَ﴾ الآية
[التوبة: ٣٨]؛ أي: أَبْدِل فقرنا بالغنى.
قال سُهيلٌ: (وَكَانَ) أبوه أبو صالح (يَرْوِي ذَلِكَ)؛ أي: الذِّكر المذكور،
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َتْهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ)؛ أي: فهو متّصلٌ مرفوع، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َالله هذا من أفراد المصنّف ◌َُّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧ /٦٨٦٥ و٦٨٦٦ و٦٨٦٧] (٢٧١٣)،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١٢١٢)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠٥١)،
و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٣٩٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٧/٦) وفي
((عمل اليوم والليلة)) (٩٧٠)، و(ابن السنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٢٠)،
و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٩١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨١/٢ و٤٠٤
و٥٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه)) (٢٥١/١٠)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٥٣٧)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ
- يَعْنِي: الطَّخَّانَ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَأْمُرُنَا إِذَا أَخَذْنَا مَضْجَّعَنَا(١) أَنْ نَقُولَ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَقَالَ:
((مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطِيُّ) هو: عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَیَانٍ بن زکریا
الواسطيّ، أبو الحسن السكّريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م د ق) تقدم في
((الإيمان)) ٧٨ /٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ الطَّخَّانُ) هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد
(١) وفي نسخة: ((مضاجعنا)).

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الطحان الواسطيّ الْمُزَنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) وكان مولده سنة عشر
ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِذَا أَخَذْنَا مَضْجَعَنَا) وفي بعض النسخ: ((مضاجعنا)).
[تنبيه]: رواية خالد الطحّان عن سُهيل بن أبي صالح هذه ساقها
الترمذيّ ◌َثُ في ((جامعه))، فقال:
(٣٤٠٠) - حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عمرو بن عون، أخبرنا
خالد بن عبد الله، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ظ له قال: ((كان
رسول الله ◌َ﴿ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه، أن يقول: اللَّهُمَّ رب السماوات،
ورب الأرضين، وربنا ورب كل شيء، وفالق الحبّ والنوى، ومنزل التوراة،
والإنجيل، والقرآن، أعوذ بك من شرّ كل ذي شرّ أنت آخذ بناصيته، أنت
الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، والظاهر فليس فوقك
شيء، والباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر))، قال
أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى(١) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ،
حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَتْ
فَاطِمَةُ النَّبِيَّ وَّهِ تَسْأَلُهُ خَادِماً، فَقَالَ لَهَا: ((قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ))،
بِمِثْلِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةً) هو: محمد بن أبي عبيدة عبد الملك بن مَعْن بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٠٥) (م
د س ق) تقدم في ((فضائل الصحابة)) ٦٣١١/٢٢.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٧٢/٥.

٣١٣
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٧)
٢ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن مَعْن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
الْهُذليّ، أبو عبيدة المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (م د س ق) تقدم في ((فضائل
الصحابة)) ٦٣١١/٢٢.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: أن أبا أسامة، وأبا عبيدة رويا هذا
الحديث عن الأعمش بسنده.
[تنبيه]: أما رواية أبي أسامة عن الأعمش، فقد ساقها الترمذيّ كَُّ في
(جامعه))، فقال:
(٣٤٨١) - حدّثنا أبو كريب، حدّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: جاءت فاطمة إلى النبيّ وَّه تسأله خادماً، فقال
لها: ((قولي: اللّهُمَّ رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، رَبّنا، وَرَبّ
كل شيء، منزل التوراة، والإنجيل، والقرآن، فالق الحبّ، والنوى، أعوذ بك
من شرّ كل شيء، أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت
الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس
دونك شيء، اقض عني الدَّين، وأغنني من الفقر»، قال الترمذيّ: هذا حديث
حسنٌ غريبٌ. انتهى(١).
وأما رواية أبي عبيدة عن الأعمش، فقد ساقها ابن ماجه تَخُّْ في
((سننه))، فقال:
(٣٨٣١) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن أبي عُبيدة، ثنا
أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: أتت فاطمة النبيّ وَليه
تسأله خادماً، فقال لها: ((ما عندي ما أُعطيك))، فرجعت، فأتاها بعد ذلك،
فقال: ((الذي سألتِ أحبّ إليك، أو ما هو خير منه؟))، فقال لها عليّ: قولي:
لا، بل ما هو خير منه، فقالت، فقال: قولي: ((اللَّهُمَّ رب السماوات السبع،
ورب العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كل شيء، منزل التوراة، والإنجيل، والقرآن
العظيم، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء،
وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٥١٨/٥.

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الدَّين، وأغننا من الفقر)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٨] (٢٧١٤) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ
إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ،
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي،
بَِكَ (٢) وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا
فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن
موسى بن عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ قاضي نيسابور، ثقةٌ
متقنٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرة، وقيل: عبد الرحمن الليثيّ أبو ضمرة
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ ثقةٌ ثبتٌ، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في
نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥]
مات سنة بضع (١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في
حدود (١٢٠) وقيل: قبلها، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٥ - (أَبُوهُ) كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أم شريك، ويقال:
هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت١٠٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٩٢/٧٤.
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٥٩/٢.
(٢) وفي نسخة: ((ربي لك وضعت)).

٣١٥
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٨)
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿ُبه، ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفيه ثلاثة من
التابعين المدنيين روى بعضهم عن بعض: عبيد الله عن سعيد، عن أبيه، وفيه
رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َُّه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((إِذَا أَوَى) بقصر الهمزة،
معناه: إذا أتى.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((إذا أوى))؛ أي: انضمّ، قال الأزهريّ:
آوى، وأوى بمعنى واحدٍ، لازم ومتعدّ، وفي ((الصحاح)) (١) عن أبي زيد: آويته
أنا إيواءً، وأويته: إذا أنزلته بك، فعلت وأفعلت بمعنى، فأما أويت له، بمعنى
رَثَيت له، فبالقصر لا غير، قال ذو الرَّة [من الطويل]:
وَلَوْ أَنَّنِي اسْتَأُوَيْتُهُ مَا أَوَى لِيَا(٢)
وقال الفيّوميّ كَّلُ: أَوَى إلى منزله يأوي، من باب ضرب أُوْياً(٣): أقام،
وربما عُدّي بنفسه، فقيل: أوى منزله، والمَأْوَى بفتح الواو لكلّ حيوان:
سكنه، وسُمع: مَأْوِي الإبل بالكسر شاذّاً، ولا نظير له في المعتلّ، وبالفتح
على القياس، ومأوى الغنم: مُراحها الذي تأوي إليه ليلاً، وآوَيْتُ زيداً بالمدّ
في التعدي، ومنهم من يجعله مما يُستعمل لازماً، ومتعدياً، فيقول: أَوَيْتُهُ،
وزانُ ضربته، ومنهم من يَستعمل الرباعيّ لازماً أيضاً، وردّه جماعة. انتهى (٤).
(أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ)؛ أي: لينام عليه، وفي رواية البخاري في
((التوحيد)): ((إذا جاء أحدكم إلى فراشه))، ولابن ماجه: ((إذا أراد أحدكم أن
يضطجع على فراشه))، وللترمذيّ: ((إذا قام أحدكم عن فراشه، ثم رجع إليه))،
ولأحمد: ((إذا قام أحدكم من الليل، ثم رجع إلى فراشه)).
(١) راجع: ((الصحاح)) للجوهريّ ص٦٥.
(٢) ((المفهم)) ٤٣/٧.
(٤) ((المصباح المنير)) ٣٢/١.
(٣) بضمّ الهمزة، على وزن فُعُول.

٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فلينفض فراشه بداخلة
إزاره))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية أبي زيد المروزيّ: ((بداخل))
بلا هاء، ووقع في رواية مالك عند البخاريّ في ((التوحيد)): ((بصَنِفة ثوبه))،
وكذا للطبرانيّ من وجه آخر، وهي بفتح الصاد المهملة، وكسر النون، بعدها
فاء: هي الحاشية التي تلي الجلد، والمراد بالداخلة: طرف الإزار الذي يلي
الجسد، قال مالك: داخلة الإزار: ما يلي داخل الجسد منه.
ووقع في رواية عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر: ((فليحلّ داخلة
إزاره، فلينفض بها فراشه))، وفي رواية يحيى القطان: ((فلینزِع)).
وقال عياض: داخلة الإزار في هذا الحديث: طرفه، وداخلة الإزار في
حديث الذي أصيب بالعين: ما يليها من الجسد، وقيل: كنى بها عن الذّكر،
وقيل: عن الوَرِك، وحَكَى بعضهم أنه على ظاهره، وأنه أمر بغسل طرف ثوبه،
والأول هو الصواب.
وقال القرطبيّ: حكمة هذا النفض قد ذُكرت في الحديث، وأما
اختصاص النفض بداخلة الإزار، فلم يظهر لنا، ويقع لي أن في ذلك خاصيّة
طبيّة، تمنع من قُرب بعض الحيوانات، كما أمر بذلك العائن، ويؤيده ما وقع
في بعض طرقه: ((فلينفض بها ثلاثاً))، فحذا بها حذو الرُّقَى في التكرير. انتهى.
وقد أبدى غيره حكمة ذلك، وأشار الداوديّ فيما نقله ابن التين إلى أن
الحكمة في ذلك أن الإزار يُستر بالثياب، فيتوارى بما يناله من الوسخ، فلو
نال ذلك بكمّه صار غير لدن الثوب(١)، والله يحب إذا عمل العبد عملاً أن
یُخسنه.
وقال صاحب ((النهاية)): إنما أمر بداخلته دون خارجته؛ لأن المؤتزر
يأخذ طرفي إزاره بيمينه وشماله، ويُلصق ما بشماله، وهو الطرف الداخلي على
جسده، ويضع ما بيمينه فوق الأخرى، فمتى عاجله أمر، أو خشي سقوط إزاره
أمسكه بشماله، ودفع عن نفسه بيمينه، فإذا صار إلى فراشه، فحَلّ إزاره، فإنه
يَحُلّ بيمينه خارج الإزار، وتبقى الداخلة معلّقة، وبها يقع النفض.
(١) هذه العبارة غير واضحة، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٣١٧
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٨)
وقال البيضاويّ: إنما أمر بالنفض بها؛ لأن الذي يريد النوم يحل بيمينه
خارج الإزار، وتبقى الداخلة معلقة، فينفض بها .
وأشار الكرمانيّ إلى أن الحكمة فيه أن تكون يده حين النفض مستورة؛
لئلا يكون هناك شيء، فيحصل في يده ما يكره. انتهى، قال الحافظ: وهي
حكمة النفض بطرف الثوب دون اليد، لا خصوص الداخلة. انتهى(١).
وقال القاري: قيل: النفض بإزاره؛ لأن الغالب في العرب أنه لم يكن لهم
ثوب غير ما هو عليهم، من إزار، ورداء، وقيّد بداخل الإزار؛ ليبقى الخارج نظيفاً،
ولأن هذا أيسر، ولكشف العورة أقلّ وأستر، وإنما قال هذا؛ لأن رسم العرب ترك
الفراش في موضعه ليلاً ونهاراً، ولذا علّله، وقال: ((فإنه لا يدري ما خَلَفه)).
وقال النوويّ: معناه: أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل فيه؛
لئلا يكون قد دخل فيه حية، أو عقرب، أو غيرهما من المؤذيات، وهو لا
يشعر، ولينفض، ويده مستورة بطرف إزاره؛ لئلا يحصل في يده مكروه، إن
کان شيء هناك. انتھی(٢).
(فَلْيَنْفُضْ) بضمّ الفاء، من باب نصر، من النفض بالنون، والفاء، والضاد
المعجمة، وهو تحريك الشيء ليسقط، ويزول ما عليه من غبار، ونحوه (٣).
(بِهَا فِرَاشَهُ) قبل أن يدخل إليه، وفي رواية ابن ماجه: ((فلينزع داخلة
إزاره، ثم لينفض بها فراشه))، وللبخاريّ في ((الأدب المفرد)): ((فليحل)).
(وَلْيُسَمِّ اللهَ)؛ أي: ليذكر اسم الله تعالى عند نفض الفراش، (فَإِنَّهُ) الفاء
للتعليل؛ أي: وإنما أُمر بهذا لأنه (لَا يَعْلَمُ) وفي رواية البخاريّ: ((فإنه لا
يدري ما خَلَفه عليه))، (مَا خَلَفَهُ) بتخفيف اللام؛ أي: حدث (بَعْدَهُ)؛ أي: بعد
مفارقته له، (عَلَى فِرَاشِهِ)؛ أي: ما صار بعده خَلَفاً، وبدلاً عنه إذا غاب، وقال
الطيبيّ كَُّهُ: قوله: ((ما خلفه)) نقلاً عن ((الفائق)) للزمخشريّ: ((ما)) مبتدأ،
و(يدري)) معلّق عنه؛ لتضمّنه معنى الاستفهام، وقال المظهر: ((خلفه))؛ أي: قام
مقامه بعده على الفراش؛ يعني: لا يدري ما وقع في فراشه بعدما خرج هو
(١) ((الفتح)) ٣٢٥/١٤ - ٣٢٦، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٢٠).
(٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٤٤/٩.
(٣) ((مرعاة المفاتيح)) ٢٤٥/٨.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
منه، من تراب، أو قَذاة، أو هَوَامٌ. انتهى(١).
وقال في (المرعاة)): قوله: ((فإنه))؛ أي: الشأن(٢)، أو المريد للنوم، ((لا
يدري ما خلفه)) بالفتحات، والتخفيف، ((عليه))؛ أي: جاء عقبه على الفراش،
قال البغويّ: يريد: لعل هامّة دَبّت، فصارت فيه بعده، وقوله: ((ما خلفه بعده
على فراشه))؛ أي: ما صار بعده خَلَفاً وبدلاً عنه إذا غاب، خَلَف فلان فلاناً
إذا قام مقامه، والمراد: ما يكون قد دَبّ على فراشه بعدُ. انتهى (٣).
وقال في ((العمدة)): معناه: أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل
فيه؛ لئلا يكون قد دخل فيه حية، أو عقرب، أو غيرهما، من المؤذيات، وهو
لا يشعر، ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره؛ لئلا يحصل في يده مكروه، إن
كان شيء هناك. انتهى (٤).
(فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) تقدّم بيان الحكمة في
النوم على الشقّ الأيمن قريباً. (وَلْيَقُلْ) وفي رواية للبخاريّ: ((ثم يقول)):
(سُبْحَانَك) تقدّم منصوب على المصدريّة، وهو عَلَم على التسبيح، ومعناه: تنزيه الله
عن كلّ سوء، والتسبيح: معناه: التقديس والتنزيه، يقال: سبّحت الله؛ أي: نزّهته
عما لا يليق بجلاله. ((اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله (رَبِّي) بدل مما قبله، (بِكَ) متعلّق
بـ(وضعت))؛ أي: قائلاً، أو مستعيناً باسمك يا رب، (وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ)؛ أي:
باسمك، أو بحولك، وقوتك (أَرْفَعُهُ) حين أرفعه، فلا أستغني عنك بحال.
ووقع في بعض النسخ: ((لك وضعت جنبي، وبك أرفعه))، وعليها شَرَح
القرطبيّ، فقال: قوله: ((لك وضعت جنبي، وبك أرفعه)) كذا صحّ: ((لك
وضعت)) باللام، لا بالباء، ((وبك أرفعه)) رُوي بالباء، وباللام، فالباء
للاستعانة؛ أي: بك أستعين على وضع جنبي، ورَفْعه، فاللام يَحْتَمِل أن يكون
معناه: لك تقرّبت بذلك، فإنَّ نومه إنما كان ليستجمّ به لِمَا عليه من الوظائف،
ولأنه كان يوحى إليه في نومه، ولأنه كان يُقتدى به، فصار نومه عبادة، وأما
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٧٣.
(٢) تفسيره بالشأن هنا غير واضح، فتنبه.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٨٩/٢٢.
(٣) ((مرعاة المفاتيح)) ٢٤٥/٨.

٣١٩
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٨)
يقظته فلا تخفى أنها كانت كلها عبادة، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: لك وضعت
جنبي؛ لتحفظه، ولك رفعته؛ لترحمه. انتهى(١).
(إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي) الإمساك كناية عن الموت، فلذلك قال: (فَاغْفِرْ لَهَا)
وفي رواية البخاريّ: ((فارحمها)).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إن أمسكت))، وفي رواية يحيى القطان: ((اللَّهُمَّ
إن أمسكت))، وفي رواية ابن عجلان: ((اللَّهُمَّ فإن أمسكت))، وفي رواية عبدة:
((فإن احتبست))، وقوله: ((فارحمها))، في رواية مالك: ((فاغفر لها))، وكذا في
رواية ابن عجلان عند الترمذيّ، قال الكرمانيّ: الإمساك كناية عن الموت،
فالرحمة، أو المغفرة تناسبه، والإرسال كناية عن استمرار البقاء، والحفظُ
يناسبه، قال الطيبيّ: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىّ
إِلَى أَجَلِ تُسَمَّى﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، قال: جَمَع النفسين في حُكم التوفّي، ثم
فرّق بين جهتي التوقّي بالحكم بالإمساك، وهو قبض الروح، والإرسال، وهو
ردّ الحياة؛ أي: الله يتوفّى الأنفس، النفس التي تقبض، والنفس التي لا
تقبض، فيُمسك الأولى، ويُرسل الأخرى. انتهى(٢).
وقد وقع التصريح بالموت والحياة في رواية عبد الله بن الحارث، عن ابن
عمر بأن النبيّ وَ ﴿ أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه أن يقول: ((اللَّهُمَّ أنت خلقت
نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها، فاحفظها، وإن أمتّها
فاغفر لها)»، أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان.
(وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا) من الإرسال، وهو كناية عن البقاء في الدنيا، ولذلك قال:
(فَاحْفَظْهَا)، وقوله: (بِمَا تَحْفَظُ بِهِ) قال الطيبيّ تَظُّهُ: الباء فيه مثل الباء في
قولك: كتبت بالقلم، وكلمة ((ما)) مبهمة، وبيانها ما دلّت عليه صلتها. (عِبَادََ
الصَّالِحِينَ))) حيث يحفظهم من المعاصي، ومن أن لا يهنوا في طاعته وعبادته،
بتوفيقه ولطفه.
(١) «المفهم)) ٤٤/٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٧٣.

٣٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وزاد ابن عجلان عند الترمذيّ في آخره قوله: ((وإذا استيقظ، فليقل:
الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورَدّ اليّ روحي))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عُبه هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: ذكر الدار قطنيّ كَخْلَثُ الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ودونك
نصّ ((العلل)):
وسئل عن حديث المقبريّ عن أبي هريرة قال رسول الله وَاليه: ((إذا أوى
أحدكم إلى فراشه، فلينفضه ... )) الحديث.
فقال: يرويه عبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية، ومحمد بن عجلان،
والضحاك بن عثمان، عن سعيد، فأما عبد الله بن عمر فاختلف عنه، فرواه حماد بن
زيد، ومعمر، وابن المبارك، وبشر بن المفضل، وهشام بن حسان، وعباد بن
عباد، وعبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وخالفهم زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد، ويحيى بن سعيد
الأمويّ، وجعفر الأحمر، وهُريم بن سفيان، وعبد الله بن رجاء المكيّ، فرووه
عن عبيد الله عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وأما إسماعيل بن أمية، فاختُلف عنه أيضاً، فرواه إسماعيل بن عياش،
وعبد الله بن رجاء المكيّ، عن إسماعيل، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وخالفهم يحيى بن سُليم الطائفيّ، رواه عن إسماعيل، عن سعيد، عن
أبي هريرة.
وكذلك رواه ابن عجلان، والضحاك بن عثمان، عن سعيد، عن أبي
هريرة، لم يذكر فيه أبا سعيد.
وكذلك رواه مالك بن أنس، وعبد الله بن عمر العُمريّ، عن سعيد، عن
أبي هريرة. انتهى كلام الدار قطنيّ نَظُّهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه الاختلافات أشار البخاريّ أيضاً في
((صحيحه)) بعد إخراج الحديث من طريق زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن
سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة رَظ ◌ُه قال: قال النبيّ وَّ ... الحديث.