Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(١٦) - بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَتَرْكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - حديث رقم (٦٨٥٧)
في ((مسنده)) (٤٤/١٢)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٢٠٩/٢)،
و(الحاكم الترمذيّ) في ((نوادر الأصول)) (٥٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٩٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِ اللَّيْثُ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى
غَطَفَانَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ لَّدَغَتْنِي
عَقْرَبٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْسٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم التُّجِيبِيّ،
أبو موسى، لقبه زُغْبة - بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، بعدها موحّدة -
وهو لقب أبيه أيضاً، ثقةٌ [١٠] (٢٤٨) وقد جاوز التسعين، وهو آخر من حَدَّث
عن الليث من الثقات (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
٢ - (جَعفَرُ) بن ربيعة بن شُرَحبيل بن حَسَنة الْكِنْديّ، أبو شُرَحْبيل
المصريّ، ثقة [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
والباقون ذُكروا قبله، و((يعقوب)) هو: ابن عبد الله بن الأشجّ.
وقوله: (أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ... إلخ) ضمير ((أنه)) ليعقوب، وضمير
((له)) لجعفر.
وقوله: (مَوْلَى غَطَفَانَ) هكذا في هذه الرواية أن أبا صالح مولى غطفان،
قال الطحاويّ في ((مشكل الآثار)): نَسَب أبا صالح في هذا الحديث في ولائه
إلى غطفان، وقد خولف في ذلك، فذكر محمد بن سعد صاحب الواقديّ في
كتابه في الطبقات، قال: وأبو صالح السمّان مولى جويرية، امرأة من قيس.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قال في ((التهذيبين)): أبو صالح ذكوان السمّان
(١) ((شرح مشكل الآثار)) ٢٥/١.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الزيّات المدنيّ، مولى جُويرية بنت الأحمس الغطفانيّ. انتهى(١).
فهذا يدلّ على صحّة نِسبته إلى غطفان، ويَحْتَمل أن يكون قيسٌ من
غطفان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية جعفر بن ربيعة، عن يعقوب بن عبد الله هذه ساقها
النسائيّ نَّثُ في ((الكبرى)) بسند المصنّف، فقال:
(١٠٤٢١) - أخبرنا عيسى بن حمّاد، قال: أخبرنا الليث، عن يزيد، عن
جعفر، عن يعقوب، أنه ذكر له أن أبا صالح أخبره؛ أنه سمع أبا هريرة يقول:
أتى رجل رسول الله وَ﴾، فقال له: لدغتني عقرب، فقال رسول الله وَليقول: ((لو
أنك قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم
يضرك)). انتهى(٢) .
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٧) - (بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٨] (٢٧١٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا
أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأُ وُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ
قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي
إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي
أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرٍ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ
مُثَّ، وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ))، قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ، فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ
الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ: ((قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ))).
(١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٥١٣/٨، و((تهذيب التهذيب)) ٥٧٩/١.
(٢) ((السنن الكبرى)) ١٥١/٦.

٢٨٣
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
الْعَبْسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت٢٣٩) وله
ثلاث وثمانون سنة (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، تقدّم
قريباً .
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السُّلَميّ، أبو عَتّاب - بمثناة ثقيلة،
ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٦.
٥ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] مات في ولاية
عُمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عَدِيّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابي
ابن الصحابيّ، كان ممن نزل الكوفة، استُصغِر يوم بدر، وكان هو وابن عمر
لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لِمَا أسلفته
غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عند من يقول:
إن منصوراً من صغار التابعين، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة، وهو ابن
صحابيّ
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدٍ بْنِ عُبَيْدَةَ) بالتصغير، قال في ((الفتح)): كذا قال الأكثر،
وخالفهم إبراهيم بن طهمان، فقال: ((عن منصور، عن الحكم، عن سعد بن
عبيدة)) زاد في الإسناد: الحَكَم، أخرجه النسائيّ، وقد سأل ابن أبي حاتم عنه
أباه، فقال: هذا خطأ، ليس فيه الحَكَم؛ أي: فهو من المزيد في متصل

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الأسانيد(١). (حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ◌ِّ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ) وفي رواية
للبخاريّ: ((قال لي رسول الله وَ لِ﴾)). قال في ((الفتح)): كذا لأبي ذرّ، وأبي زيد
المروزيّ، وسقط لفظ ((لي)) من رواية الباقين، وفي رواية أبي إسحاق: ((أمر
رجلاً))، وفي أخرى له: ((أوصى رجلاً))، وفي رواية أبي الأحوص، عن أبي
إسحاق، عن البراء: ((قال: قال رسول الله وَله: يا فلان إذا أويت إلى فراشك ... ))
الحديث، وأخرجه الترمذيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن
البراء: ((أن النبيّ وَّ قال له: ألا أُعَلِّمك كلمات، تقول إذا أويت إلى فراشك))(٢).
(إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ) - بفتح الجيم - من ضَجَعِ يَضْجَعُ، من باب مَنَعَ
يَمْنَعُ، ويُروى: ((مُضْطَجعك))، وأصله: مُضتجعك، من باب الافتعال، لكن
قُلبت التاء طاء، والمعنى: إذا أردت أن تأتي موضع نومك، كما في قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]، قاله في ((العمدة))(٣).
وفي رواية للبخاريّ: ((إذا أتيت مضجعك))، قال في ((الفتح)): أي: إذا
أردت أن تضطجع، ووقع صريحاً كذلك في رواية أبي إسحاق المذكورة، ووقع
في رواية فِظْر بن خليفة، عن سعد بن عبيدة، عند أبي داود، والنسائيّ: ((إذا
أويت إلى فراشك، وأنت طاهر، فتوسَّد يمينك ... )) الحديث، نحو حديث
الباب، وسنده جيّد، وللنسائيّ من طريق الربيع بن البراء بن عازب، قال: قال
البراء، فذكر الحديث، بلفظ: ((من تكلم بهؤلاء الكلمات، حين يأخذ جنبه من
مضجعه، بعد صلاة العشاء .. .)) فذكر نحو حديث الباب(٤).
(فَتَوَضَّأُ وُضُوءَ لِلصَّلَاةِ) بنصب ((وضوءك)) بنزع الخافض؛ أي: كوضوئك
للصلاة، والأمْر فيه للندب، وقد روى الشيخان هذا الحديث من طرُق عن
البراء بن عازب ظها، وليس فيها ذِكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا قال
الترمذيّ(٥) .
(١) ((الفتح)) ١٩٩/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣١٠).
(٢) ((الفتح)) ١٩٩/١٤، (كتاب الدعوات)) رقم (٦٣١٠).
(٣) ((عمدة القاري)) ١٨٨/٣.
(٥) ((عمدة القاري)) ١٨٨/٣.
(٤) ((الفتح)) ١٩٩/١٤.

٢٨٥
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
(ثُمَّ اضْطَجِعْ) أمرٌ من الاضطجاع، وأصله: اضتَجِعْ؛ لأنه من باب
الافتعال، فقُلبت التاء طاء، كما قال في ((الخلاصة)):
طَاتًا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُظْبَقِ فِي اذَّانَ وَازْدَدْ وَاذَّكِرْ دَالاً بَقِي
(عَلَى شِقِّكَ) - بكسر المعجمة، وتشديد القاف -؛ أي: الجانب (الأَيْمَنِ)
وإنما خُصّ الأيمن لفوائد، منها: أنه أسرع إلى الانتباه، ومنها: أن القلب
متعلق إلى جهة اليمين، فلا يثقل بالنوم، ومنها: قال ابن الجوزيّ هذه الهيئة
نَصّ الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا: يبدأ بالاضطجاع على الجانب
الأيمن ساعةً، ثم ينقلب إلى الأيسر؛ لأن الأول سبب لانحدار الطعام، والنوم
على اليسار يَهضم؛ لاشتمال الكبد على المعدة.
[تنبيه]: هكذا وقع في رواية سعد بن عبيدة، وأبي إسحاق عن البراء،
ووقع في رواية العلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن البراء، من فعل النبيّ وَّر،
ولفظه: ((كان النبيّ وَ﴿ إذا أوى إلى فراشه، نام على شقه الأيمن، ثم قال ... ))
الحديث، فيستفاد مشروعية هذا الذكر من قوله بَّر، ومِن فِعله.
ووقع عند النسائيّ من رواية حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة،
عن البراء، وزاد في أوله: ((ثم قال: بسم الله، اللَّهُمَّ أسلمت نفسي إليك)).
ووقع عند الخرائطيّ في ((مكارم الأخلاق)) من وجه آخر عن البراء،
بلفظ: ((كان إذا أوى إلى فراشه قال: اللَّهُمَّ أنت ربي، ومليكي، وإلهي، لا إله
إلا أنت، إليك وجهت وجهي ... )) الحديث(١).
(ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ) قال في ((الفتح)): كذا لأبي ذرّ،
وأبي زيد، ولغيرهما: ((أسلمت نفسي))، قيل: الوجه والنفس هنا بمعنى الذات،
والشخص؛ أي: أسلمت ذاتي، وشخصي لك، وفيه نظرٌ؛ للجمع بينهما في
رواية عمرو بن مرّة، عن سعد بن عبيدة، عن البراء الآتية، وزاد خصلة رابعة،
ولفظه: ((اللَّهُمَّ أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري
إليك، وفوضت أمري إليك))، فعلى هذا فالمراد بالنفس هنا: الذات، وبالوجه:
القصد، وأبدى القرطبيّ هذا احتمالاً بعد جزمه بالأول، أفاده في ((الفتح).
(١) ((الفتح)) ١٩٩/١٤ - ٣٠٠.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
فقوله: ((أسلمت))؛ أي: استسلمت، وانقدت، والمعنى: جعلت نفسي
منقادةً لك، تابعةً لحكمك؛ إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما
ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها.
(وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ)؛ أي: توكلت عليك في أمري كله، (وَأَلْجَأْتُ
ظَهْرِي إِلَيْكَ)؛ أي: اعتمدت في أموري عليك؛ لتعينني على ما ينفعني؛ لأن
مَن استند إلى شيء تَقَوَّى به، واستعان به، وخصّه بالظّهر؛ لأن العادة جرت أن
الإنسان يَعتمد بظهره إلى ما يستند إليه.
(رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ)؛ أي: رغبةً في رِفْدك، وثوابك، ورهبةً؛ أي: خوفاً
من غضبك، ومن عقابك، قال ابن الجوزيّ كَّلُهُ: أسقط ((مِنْ)) مع ذكر الرهبة،
وأعمل ((إلى)) مع ذكر الرغبة، وهو على طريق الاكتفاء، كقول الشاعر :.
وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا
والعيون لا تُزَجَّج، لكن لمّا جمعهما في نَظْم، حَمَل أحدهما على الآخر
في اللفظ، وكذا قال الطيبيّ كَُّهُ ومَثَّلَ بقوله:
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
قال الحافظ: ولكن ورد في بعض طرقه بإثبات ((من))، ولفظه: ((رهبةً
منك، ورغبةً إليك))، أخرجه النسائيّ، وأحمد، من طريق حُصين بن
عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة. انتهى.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((رغبةً، ورهبةً)) منصوبان على المفعول له،
على طريقة اللفّ والنشر؛ أي: فوّضت أموري إليك رغبةً، وألجأت ظهري عن
المكاره والشدائد إليك رهبةً منك؛ لأنه لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك.
ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال، بمعنى: راغباً، وراهباً.
[فإن قلت]: كيف يُتصور أن يكون راغباً وراهباً في حالة واحدة؛ لأنهما
شيئان متنافيان؟ .
[قلت]: فيه حذفٌ تقديره: راغباً إليك، وراهباً منك.
[فإن قلت]: إذا كان التقدير: راهباً منك، كيف استَعْمَل بكلمة ((إلى))
والرهبة لا تُستعمل إلا بكلمة ((مِنْ))؟.

٢٨٧
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
[قلت]: ((إليك)) متعلق برغبةً، وأُعطي للرهبة حُكمها، والعرب تفعل ذلك
كثيراً، كقول بعضهم:
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا
وَرَأَيْتُ بَعْلَكِ فِي الْوَغَى
والرمح لا يُتقلد، وكقول الآخر:
حَتَى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءٌ بَارِداً
والماء لا يُعلف. انتهى(١).
(لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْك) أصل ((ملجأ)» بالهمز، و((منجا)» بغير
همز، ولكن لمّا جُمعا جاز أن يهمزا للازدواج، وأن يُترك الهمز فيهما، وأن
يُهمز المهموز، ويترك الآخر، فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز التنوين مع القصر،
فتصير خمسة.
قال الكرمانيّ: هذان اللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في ((منك))، وإن
كانا ظرفين فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا
إليك، ولا منجا منك إلا إليك. انتهى.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((لا ملجأ، ولا منجأ)) إعرابهما مثل إعراب
عَصَّى، وفي التركيب خمسة أوجه؛ لأنه مِثل: ((لا حول، ولا قوة، إلا بالله))
والفرق بين نَصْبه، وفَتْحه بالتنوين، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن
كانا مصدرين يتنازعان في ((منك))، وإن كانا مكانين فلا؛ إذ اسم المكان لا
يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجأ إلا إليك.
(٢)
انتھی
[تنبيه]: قال الطيبيّ تَخُّْ: في نَظْم هذا الذكر عجائب، لا يعرفها إلا
المتقن من أهل البيان، فأشار بقوله: ((أسلمت نفسي)) إلى أن جوارحه منقادة لله
تعالى في أوامره، ونواهيه، وبقوله: ((وجهت وجهي)) إلى أن ذاته مخلصة له،
بريئة من النفاق، وبقوله: ((فوضت أمري)) إلى أن أموره الخارجة والداخلة
مفوّضة إليه، لا مدبِّر لها غيره، وبقوله: ((ألجأت ظهري)) إلى أنه بعد التفويض
يلتجئ إليه مما يضره، ويؤذيه من الأسباب كلها، قال: وقوله: ((رغبةً، ورهبةً))
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨٣/٢٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨٩/٢٢.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
منصوبان على المفعول له، على طريق اللفّ والنشر؛ أي: فوضت أموري إليك
رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً. انتهى.
(آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ) يَحْتَمِل أن يريد به القرآن، ويَحْتَمِل أن يريد
اسم الجنس، فيشمل كل كتاب أُنزل، قاله في (الفتح)) (١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((آمنت بكتابك))؛ أي: صدّقت أنه كتابك،
وقوله: ((الذي أنزلت)) صفته، وضمير المفعول محذوف، والمراد بالكتاب:
القرآن، وإنما خَصّص الكتاب بالصفة؛ لتناوله جميع الكتب المنزلة.
[فإن قيل]: أين العموم ههنا، حتى يجيء التخصيص؟.
[قلت]: المفرد المضاف يفيد العموم؛ لأن المعرَّف بالإضافة كالمعرَّف
باللام، يَحْتَمِل الجنس، والاستغراق، والعهد، فلفظ الكتاب المضاف هنا
يَحْتَمِل أن يكون لجميع الكتب، ولجنس الكتب، ولبعضها؛ كالقرآن، وقالوا:
جميع المعارف كذلك، وقد قال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
سَوَاءُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] في أول البقرة: يجوز أن يكون للعهد، وأن يراد بهم
ناس بأعيانهم؛ كأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، وأضرابهم، وأن
يكون للجنس، متناولاً منهم كل من صَمَّم على كفره. انتهى.
قال العينيّ: التحقيق أن الجمع المعرَّف تعريفَ الجنس معناه جماعة
الآحاد، وهي أعمّ من أن يكون جميع الآحاد، أو بعضها، فهو إذا أطلق
احتَمَل العموم، والاستغراق، واحتَمَل الخصوص، والحملُ على واحد منهما
يتوقف على القرينة، كما في المشترك، هذا ما ذهب إليه الزمخشريّ، وصاحب
((المفتاح))، ومَن تبعهما، وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول. انتهى(٢).
(وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وقع في رواية أبي زيد المروزيّ: (أرسلته))،
و((أنزلته)) في الأول بزيادة الضمير فيهما، والرسول نبيّ له كتاب، فهو أخصّ
من النبيّ، وقال النوويّ: يلزم من الرسالة النبوة، لا العكس. انتهى(٣).
(وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ) وفي رواية للبخاريّ: ((واجعلهنّ آخر ما تكلّم
(١) ((الفتح)) ٣٠٢/١٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٨٣/٢٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨٩/٢٢.

٢٨٩
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
به))، (فَإِنْ متَّ) بضمّ الميم، وكسرها في الموضعين، قرئ بهما في السبعة،
قال الفيّوميّ تَقْتُ: مَاتَ الإنسان يَمُوتُ مَوْتاً، ومَاتَ يَمَاتُ، من باب خاف
لغةٌ، ومِتُ بالكسر أَمُوتُ لغة ثالثةٌ، وهي من باب تداخل اللغتين، ومثله من
المعتلّ دِمْتَ تدوم، وزاد ابن القطاع: كِدت تكود، وَجِدت تجود، وجاء
(١)
فیهما: تكاد، وتجاد. انتھی
.
(مِنْ لَيْلَتِكَ)؛ أي: في ليلتك، فـ((مِن)) بمعنى ((في))، (مُتَّ، وَأَنْتَ عَلَى
الْفِطْرَةِ))؛ أي: على الدِّين القويم، ملة إبراهيم عليّ، فإنه أسلم، واستسلم،
﴾ [الصافات: ٨٤]، وقال عنه:
٨٤
قال الله تعالى عنه: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اٌلْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣].
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فإن مت مت على الفطرة)): في رواية أبي
الأحوص، عن أبي إسحاق: ((من ليلتك))، وفي رواية المسيَّب بن رافع: ((من
قالهنّ، ثم مات تحت ليلته))، قال الطيبيّ: فيه إشارة إلى وقوع ذلك قبل أن
ينسلخ النهار من الليل، وهو تحته، أو المعنى بالتحت؛ أي: مت تحت نازل
ينزل عليك في ليلتك، وكذا معنى ((مِنْ)) في الرواية الأخرى: أي: من أجل ما
يحدُث في ليلتك. انتهى(٢).
وقال ابن بطال، وجماعة: المراد بالفطرة هنا: دين الإسلام، وهو بمعنى
الحديث الآخر: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، قال القرطبيّ
في ((المفهم)): كذا قال الشيوخ، وفيه نظر؛ لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات
المقتضية للمعاني التي ذُكرت من التوحيد، والتسليم، والرضا، إلى أن يموت،
كمن يقول: لا إله إلا الله، ممن لم يخطر له شيء من هذه الأمور، فأين فائدة
هذه الكلمات العظيمة، وتلك المقامات الشريفة؟
ويمكن أن يكون الجواب: أن كلّاً منهما، وإن مات على الفطرة، فبين
الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الأول فطرة المقربين، وفطرة الثاني فطرة
أصحاب اليمين.
ووقع في رواية حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، في آخره،
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٣/٢.
(٢) ((الفتح)) ١١٢/١١.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
عند أحمد، بدل قوله: ((مات على الفطرة)): ((بُني له بيت في الجنة))، قال
الحافظ: وهو يؤيد ما ذكره القرطبيّ.
ووقع في آخر الحديث من طريق أبي إسحاق، عن البراء: ((وإن أصبحت
أصبت خيراً))، وفي لفظ: ((فإن أصبحت أصبحت، وقد أصبت خيراً))؛ أي:
صلاحاً في المال، وزيادة في الأعمال.
(قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ)؛ أي: لأحفظهنّ، وفي رواية للبخاريّ:
((فجعلت أستذكرهنّ))، وفي رواية: ((فردّدتها))؛ أي: ردّدت تلك الكلمات
لأحفظهنّ، (فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ) ◌َّهِ: ((قُلْ: آمَنْتُ
بِشَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ))) قالوا: سبب الردّ إرادة الجمع بين المنصبين، وتعداد
النعمتين، وقيل: هو تخليص الكلام من اللَّبس؛ إذ الرسول يدخل فيه جبريل؛
ونحوه، وقيل: هذا ذكر، ودعاء، فيُقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه؛
لاحتمال أن لها خاصية ليست لغيرها، قاله في ((العمدة))(١).
وقال أيضاً: وذكروا في هذا أوجهاً :
منها: أنه أمره أن يجمع بين صفتيه، وهما الرسول والنبيّ صريحاً، وإن
كان وَصْف الرسالة يستلزم وصف النبوة.
ومنها: أن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب، فربما
كان في اللفظ زيادة تبيين ليس في الآخر، وإن كان يرادفه في الظاهر.
ومنها: أنه لعله أوحي إليه بهذا اللفظ، فرأى أن يقف عنده.
ومنها: أن ذِكره احترازٌ عمن أُرسل من غير نبوّة؛ كجبريل وغيره من
الملائكة ليلة؛ لأنهم رسل الأنبياء.
ومنها: أنه يَحْتَمِل أن يكون ردَّه دفعاً للتكرار؛ لأنه قال في الأول:
((ونبيك الذي أرسلت)).
ومنها: أن النبيّ فَعِيل، بمعنى فاعل، من النبأ، وهو الخبر؛ لأنه أنبأ
عن الله تعالى؛ أي: أَخبر، وقيل: إنه مشتق من النبوة، وهو الشيء المرتفع،
وردّ النبيّ وَّي على البراء حين قال: ((ونبيّك الذي أرسلت)) بما رَدّ عليه ليختلف
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨٣/٢٢.

٢٩١
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
اللفظان، ويجمع البناءين، معنى الارتفاع والإرسال، ويكون تعديداً للنعمة في
الحالتين، وتعظيماً للمنَّة على الوجهين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٥٨/١٧ و٦٨٥٩ و٦٨٦٠ و٦٨٦١ و٦٨٦٢]
(٢٧١٠)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٤٧) و((الدعوات)) (٦٣١١ و٦٣١٣
و٦٣١٥) و(«التوحيد)» (٧٤٨٨) وفي ((الأدب المفرد)» (١٢١١ و١٢١٣)، و(أبو
داود) في ((الأدب» (٥٠٤٦ و٥٠٤٧)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٣٩٤)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٧٧٣ و٧٧٤
و٧٧٦ و٧٧٧ و٧٧٨ و٧٧٩)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٧٦)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٢٨٥/٤ و٣٠٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٠٨)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٨٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧١/٩
و ٧٥ و٢٤٥/١٠ و٢٤٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٢٣)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٠٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٢٧ و٥٥٣٦ و٥٥٤٢)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٨/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٦٦٨)،
و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢٦٨/١ و٢٦٩)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤/
١٧٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣١٥ و١٣١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الوضوء عند النوم، ثم إنه لم يُذكر في
روايات هذا الحديث الصلاة إثر الوضوء، لكن لو صلّى بعده كان حسناً؛
لحديث قصّة بلال ، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه))، عن أبي
هريرة به أن النبيّ وَ﴿ قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال حدّثني بأرجى
عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفّ نعليك بين يديّ في الجنة))، قال: ما
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨٨/٢٢ - ٢٨٩.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
عَمِلت عملاً أرجى عندي، أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل، أو نهار، إلا
صليت بذلك الطهور ما كُتب لي، أن أصلي. قال أبو عبد الله: دَفّ نعليك:
يعني: تحريك(١).
وقد ترجم البخاريّ على هذا الحديث، فقال: ((باب فضل الطهور بالليل
والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار)).
٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخُّْ: فيه أن الوضوء عند النوم مندوب
إليه، مرغَّب فيه، وكذلك الدعاء؛ لأنه قد تُقبض روحه في نومه، فيكون قد
خُتم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل الأعمال، ثم إن هذا الوضوء
مستحب، وإن كان متوضئاً كفاه ذلك الوضوء؛ لأن المقصود النوم على طهارة؛
مخافة أن يموت في ليلته، ويكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلعّب الشيطان به
في منامه.
٣ - (ومنها): استحباب النوم على الشقّ الأيمن؛ لأن النبيّ وَلّ كان
يحب التيامن، ولأنه أسرع إلى الانتباه، وإلى انحدار الطعام كما هو مذكور في
الكتب الطبية، كذا قال الكرمانيّ.
وتعقّبه العينيّ، فقال: الذي ذكره الأطباء خلاف هذا، فإنهم قالوا: النوم
على الأيسر رَوْح للبدن، وأقرب إلى انهضام الطعام، ولكن اتباع السُّنَّة أحقّ
وأولی.
٤ - (ومنها): استحباب النوم على ذكر الله ◌ُعَل؛ ليكون خاتمة عمله
ذلك، اللَّهُمَّ اختم لنا بالخير.
٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ: فيه حجة لمن منع رواية الحديث
بالمعنى، وهو قول ابن سيرين، وغيره، وكان يذهب هذا المذهب أبو العباس
النحويّ، ويقول: ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة في كلامهم، إلا وبينها
وبين صاحبتها فرق، وإن دَقّ ولَّطْف، كقوله: بلى، ونعم.
قال العينيّ تَخُّْ: هذا الباب فيه خلاف بين المحدثين، وقد عُرف في
موضعه، ولكن لا حجة في هذا للمانعين؛ لأنه يَحْتَمِل الأوجه التي ذكرناها
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٣٨٦/١.

٢٩٣
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
بخلاف غيره. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ (٢) تبعاً لغيره: هذا حجة لمن لم يُجز نقل
الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك، فإن لفظ النبوة والرسالة
مختلفان في أصل الوضع، فإن النبوة من النبأ، وهو الخبر، فالنبيّ في العرف:
هو المنَبَّأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفاً، وإن أُمر بتبليغه إلى غيره، فهو
رسول، وإلا فهو نبيّ غير رسول، وعلى هذا فكل رسول نبيّ بلا عكس، فإن
النبيّ والرسول اشتركا في أمر عامّ، وهو النبأ، وافترقا في الرسالة، فإذا قلت:
فلان رسول تضمَّن أنه نبيّ رسول، وإذا قلت: فلان نبيّ لم يستلزم أنه رسول،
فأراد ◌َّ ر أن يجمع بينهما في اللفظ؛ لاجتماعهما فيه، حتى يُفهم من كل واحد
منهما من حيث النطق ما وُضع له، وليخرج عما يكون شِبْه التكرار في اللفظ،
من غير فائدة، فإنه إذا قال: ورسولك، فقد فُهم منه أنه أرسله، فإذا قال:
الذي أرسلت صار كالحشو الذي لا فائدة فيه، بخلاف قوله: ونبيّك الذي
أرسلت، فلا تكرار فيه، لا متحققاً، ولا متوهماً. انتهى كلامه.
قال الحافظ: وقوله: صار كالحشو، متعقّب؛ لثبوته في أفصح الكلام،
كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَآَ
إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة:
٣٣]، ومن غير هذا اللفظ: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، إلى غير ذلك، فالأولى
حذف هذا الكلام الأخير، والاقتصار على قوله: ((ونبيّك الذي أرسلت)) في
هذا المقام أفيد من قوله: ((ورسولك الذي أرسلت))؛ لِما ذُكِر، والذي ذكره في
الفرق بين الرسول والنبيّ مقيّد بالرسول البشريّ، وإلا فإطلاق الرسول كما في
اللفظ هنا يتناول الملَك، كجبريل؛ مثلاً، فيظهر لذلك فائدة أخرى، وهي تعيّن
البشريّ دون الملَك، فيخلص الكلام من اللَّبس.
وأما الاستدلال به على مَنْع الرواية بالمعنى ففيه نظر؛ لأن شرط الرواية
بالمعنى أن يتفق اللفظان في المعنى المذكور، وقد تقرر أن النبيّ والرسول
متغايران لفظاً ومعنى، فلا يتم الاحتجاج بذلك.
(١) ((عمدة القاري)) ١٨٩/٣.
(٢) ((المفهم)» ٣٩/٧.

٢٩٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
قيل: وفي الاستدلال بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى مطلقاً نظر،
وخصوصاً إبدال الرسول بالنبيّ وعكسه إذا وقع في الرواية؛ لأن الذات
المحدَّث عنها واحدة، فالمراد يُفهم بأيّ صفة وُصِف بها الموصوف، إذا ثبتت
الصفة له، وهذا بناءً على أن السبب في منع الرواية بالمعنى أن الذي يستجيز
ذلك قد يَظُنّ يوفي بمعنى اللفظ الآخر، ولا يكون كذلك في نفس الأمر، كما
عُهد في كثير من الأحاديث، فالاحتياط الإتيان باللفظ، فعلى هذا إذا تحقق
بالقطع أن المعنى فيهما متّحد لم يضرّ، بخلاف ما إذا اقتصر على الظنّ، ولو
كان غالباً .
وأَولى ما قيل في الحكمة في ردّه وَّ ر على من قال ((الرسول)) بدل
((النبيّ)): أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص، وأسرار، لا يدخلها
القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار
المازريّ(١)، قال: فيُقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء
بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات، فيتعيّن أداؤها بحروفها .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أحسن ما قيل في حكمة النهي عن
إبدال النبيّ بالرسول في هذا الحديث كون ألفاظ الأذكار توقيفيّة، كما قال
المازريّ، فتجب المحافظة على اللفظ الوارد فيها، ولو ظُنّ أن ما يرادفها من
الألفاظ يؤدي معناها؛ لأن التعبّد وقع على لفظها، كما وقع على معناها،
فالواجب الوقوف على التعليم النبويّ، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): ما قال النوويّ كَّلُهُ: في الحديث ثلاث سنن:
إحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضأ كفاه؛ لأن المقصود النوم
على طهارة.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن ظاهر إطلاق الحديث يعمّ من كان
متوضّئاً، وهو الأَولى، والله تعالى أعلم.
ثانيها: النوم على اليمين.
(١) ((المعلم)) ١٨٧/٣.

٢٩٥
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٥٨)
ثالثها: الختم بذكر الله تعالى(١).
وقال الكرمانيّ كَخَلُهُ: هذا الحديث يشتمل على الإيمان بكل ما يجب
الإيمان به إجمالاً، من الكتب، والرسل، من الإلهيات، والنبويات، وعلى
إسناد الكل إلى الله تعالى، من الذوات، والصفات، والأفعال؛ لِذِكر الوجه،
والنفس، والأمر، وإسناد الظّهر مع ما فيه من التوكل على الله تعالى، والرضا
بقضائه، وهذا كله بحسب المعاش، وعلى الاعتراف بالثواب، والعقاب،
خيراً، وشرّاً، وهذا بحسب المعاد. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فتوضأ وضوءك للصلاة)) الأمر فيه للندب، وله
فوائد :
منها: أن يبيت على طهارة؛ لئلا يبغته الموت، فيكون على هيئة كاملة،
ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب؛ لأنه أولى من طهارة
البدن، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق مجاهد، قال: قال لي ابن عباس څًا:
لا تبيتنّ إلا على وضوء، فإن الأرواح تُبعث على ما قُبضت عليه، ورجاله
ثقات، إلا أبا يحيى القَتّات هو صدوق فيه كلام.
ومن طريق أبي مراية العجليّ قال: من أوى إلى فراشه طاهراً، ونام
ذاكراً كان فراشه مسجداً، وكان في صلاة وذكر، حتى يستيقظ.
ومن طريق طاوس نحوه، ويتأكد ذلك في حقّ المحدث، ولا سيما
الجنب، وهو أنشط للعَوْد، وقد يكون منشطاً للغسل، فيبيت على طهارة كاملة.
ومنها: أن يكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلعّب الشيطان به، قال
الترمذيّ: ليس في الأحاديث ذِكر الوضوء عند النوم إلا في هذا الحديث.
(٣)
انتهى .
[تنبيه]: وقع عند النسائيّ في رواية عمرو بن مرّة، عن سعد بن عبيدة،
في أصل الحديث: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت))،
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٧ - ٣٢.
(٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٢٨/٢٢.
(٣) ((الفتح)) ١٠٩/١١.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وكأنه لم يسمع من سعد بن عبيدة الزيادة التي في آخره، فروى بالمعنى، وقد
وقع في رواية أبي إسحاق، عن البراء، نظير ما في رواية منصور، عن سعد بن
عبيدة، أخرجه الترمذيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، وفي
آخره: ((قال البراء: فقلت: وبرسولك الذي أرسلت، فطَعَن بيده في صدري،
ثم قال: ونبيّك الذي أرسلت))، وكذا أخرج النسائيّ من طريق فِطر بن خليفة،
عن أبي إسحاق، ولفظه: ((فوضع يده في صدري))، نَعَم أخرج الترمذيّ من
حديث رافع بن خَديج؛ أن النبيّ وَّ قال: ((إذا اضطجع أحدكم على يمينه، ثم
قال ... )) فذكر نحو الحديث، وفي آخره: ((أومن بكتابك الذي أنزلت،
وبرُسُلك الذي أرسلت))، هكذا فيه بصيغة الجمع، وقال: حسن غريب، فإن
كان محفوظاً فالسرّ فيه حصول التعميم الذي دلّت عليهِ صيغة الجمع صريحاً،
فدخل فيه جميع الرسل من الملائكة، والبشر، فأُمن اللَّبس، ومنه قوله تعالى:
﴿كُلُّ ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَلَبِكَئِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والله أعلم. انتهى ما في
((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٥٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ
- يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ - قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَاً، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ
عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ مَنْصُوراً أَتَمُّ حَدِيثاً، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ
حُصَيْنٍ: ((وَإِنْ أَصْبَحَ أَصَابَ خَيْراً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ - بسكون الواو
- أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السُّلَميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه
في الآخر [٥] (ت١٣٦) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٥/٤٣.
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥.

٢٩٧
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٠)
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة هذه ساقها
أحمد تَخَّلُ في ((مسنده))، إلا أنه لم يذكر قوله: ((وإن أصبح ... إلخ))، فقال:
(١٨٦٤٠) - حدثنا عليّ بن عاصم، أنا حصين بن عبد الرحمن، عن
سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((إذا اضطجع الرجل،
فتوسّد يمينه، ثم قال: اللَّهُمَّ إليك أسلمت نفسي، وفوَّضت أمري إليك،
وألجأت إليك ظهري، ووجهت إليك وجهي، رهبةً منك، ورغبةً إليك، لا
ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي
أرسلت، ومات على ذلك بُني له بيت في الجنة، أو بُوّئ له بيت في الجنة)).
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَلِ أَمَرَ رَجُلاً إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ أَنْ يَقُولَ: ((اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ
نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ،
رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي
أَنْزَلْتَ، وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مَاتَ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ
بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: ((مِنَ اللَّيْلِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و((ابن بشّار)) هو: محمد بندار، و((أبو
داود)) هو: سليمان بن داود الطيالسيّ، و((عبد الرحمن)) هو: ابن مهديّ.
وقوله: (أَمَرَ رَجُلاً) هو: البراء نفسه، كما تقدّم في الرواية السابقة.
وقوله: (وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) هكذا في رواية عمرو بن مرّة هذه،
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٩٦/٤.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وهي مخالفة لروايات الآخرين حيث رووا هذا من قول البراء نظافته عند
الاستذكار، فردّه النبيّ وَله، فقال: ((قل: وبنبيك الذي أرسلت))، وذكر في ((الفتح))
هذا وعزى الرواية إلى النسائيّ، ولم يتذكّر أنها عند مسلم هنا، ودونك نصّه:
[تنبيه]: وقع عند النسائيّ في رواية عمرو بن مرّة، عن سعد بن عُبيدة في
أصل الحديث: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت))، وكأنه
لم يسمع من سعد بن عبيدة الزيادة التي في آخره، فروى بالمعنى. انتهى.
حاصل ما أجاب: أن عمرو بن مرّة نقص من الحديث آخره، وهو
استذكاره الحديث، ثم ردّه 18َ- عليه، ولعله لم يسمعه من شيخه سعد بن
عُبيدة، فوقع في المخالفة.
والحاصل: أن الحديث بهذا السياق خطأ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه باللفظ السابق، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله
قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه لِرَجُلِ: ((يَا فُلَانُ إِذَا
أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ))، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي
أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَئِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْراً)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السّبِيعيّ الكوفيّ، تقدّم قبل
أربعة أبواب.
و(البراء بن عازب ﴿ه)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخْذُّهُ، وهو (٤٢٥) من رباعيّات الكتاب.

٢٩٩
(١٧) - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الثَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ - حديث رقم (٦٨٦٢)
وقوله: (يَا فُلَانُ) كناية عن البراء، كما تقدّم.
وقوله: (إِذَا أَوَيْتَ) بالقصر، يقال: أويت منزلي، وإليه أُوِيّاً، بالضمّ،
ويُكسر: نزلته بنفسي، وسكنته، قاله المجد لَّهُ(١).
وقوله: (إِلَى فِرَاشِكَ)؛ أي: إلى مضجعك.
وقوله: (مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ)؛ أي: فطرة الإسلام، والطريقة الحقّة
الصحيحة المستقيمة.
وقوله: (وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْراً)؛ أي: خيراً عظيماً فالتنكير للتعظيم،
وفي رواية: ((أجراً)) مكان: ((خيراً)).
[تنبيه]: رواية أبي إسحاق السَّبِيعيّ، عن البراء ظُله هذه ساقها
البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٧٠٥٠) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا أبو الأحوص، حدّثنا أبو إسحاق
الْهَمْدانيّ، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله وَّه: ((يا فلان إذا أويت
إلى فراشك، فقل: اللَّهُمَّ أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوّضت
أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ، ولا منجا
منك، إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيّك الذي أرسلت، فإنك إن
مُتّ في ليلتك مُتّ على الفطرة، وإن أصبحت أصبت أجراً)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٦٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أَمَرَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ رَجُلاً. بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْراً))).
ء
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
(١) ((القاموس)) ص٧٠.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٧٢٢.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
[تنبيه]: رواية شعبة عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ تَظُّهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٩٥٤) - حدّثنا سعيد بن الربيع، ومحمد بن عرعرة، قالا: حدّثنا
شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازب؛ أن النبيّ وَّ أمر رجلاً ...
(ح) وحدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو إسحاق الْهَمْدانيّ، عن البراء بن
عازب؛ أن النبيّ ◌َ ﴿ أوصى رجلاً، فقال: ((إذا أردت مضجعك، فقل: اللَّهُمَّ
أسلمت نفسي إليك، وفوّضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت
ظهري إليك، رغبةً، ورهبةً إليك، لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك، آمنت
بكتابك الذي أنزلت، وبنبيّك الذي أرسلت، فإن مُتّ مُتّ على الفطرة)).
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ذكر في ((الفتح)) أن في رواية شعبة عن أبي
إسحاق هذه إدراجاً، ودونك نصّه، قال: وقع في رواية شعبة، عن أبي إسحاق
في هذا الحديث عن البراء: ((لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك))، وهذا القدر
من الحديث مُذْرَج، لم يسمعه أبو إسحاق من البراء، وإن كان ثابتاً في غير
رواية أبي إسحاق عن البراء، وقد بَيّن ذلك إسرائيل عن جدّه أبي إسحاق، وهو
من أثبت الناس فيه، أخرجه النسائيّ من طريقه، فساق الحديث بتمامه، ثم
قال: كان أبو إسحاق يقول: ((لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك)) لم أسمع هذا
من البراء، سمعتهم يذكرونه عنه، وقد أخرجه النسائيّ أيضاً من وجه آخر عن
أبي إسحاق، عن هلال بن يساف، عن البراء. انتهى (٢).
وقال أيضاً: لشعبة في هذا الحديث شيخ آخر، أخرجه النسائيّ من طريق
غندر عنه، عن مهاجر أبي الحسن، عن البراء، وغندر من أثبت الناس في
شعبة، ولكن لا يقدَح ذلك في رواية الجماعة عن شعبة، فكأن لشعبة فيه
(٣)
شیخین. انتھی
(١) ((الفتح)) ٣٠٥/١٤.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٥/١٤.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ٣٠٥.