Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٣٠) وخرّج البزار(١) من حديث رفاعة بن رافع؛ أن النبيّ وَّ قال لعمر: («اجمع لي قومك - يعني: قريشاً - فجمعهم، فقال: إن أوليائي منكم المتقون، فإن كنتم أولئك فذاك، وإلا فانظروا، يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة، وتأتوني بالأثقال، فيُعْرَض عنكم))، وخرّجه الحاكم مختصراً، وصححه. وفي ((المسند)) عن معاذ بن جبل ◌ُه؛ أن النبيّ وَُّ لمّا بعثه إلى اليمن، خرج معه يوصيه، ثم التفت، وأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: ((إن أولى الناس بي المتقون، مَن كانوا، حيث كانوا))، وخرّجه الطبرانيّ، وزاد فيه: ((إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وليس كذلك، إن أوليائي منكم المتقون، من كانوا، وحيث كانوا))(٢). ويشهد لهذا كله ما في ((الصحيحين)) عن عمرو بن العاص ﴿ًا؛ أنه سمع النبيّ وَّه يقول: ((إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله، وصالحو المؤمنين))، يشير إلى أن ولايته لا تُنال بالنسب، وإن قَرُب، وإنما تنال بالإيمان، والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيماناً وعملاً، فهو أعظم ولاية له، سواء كان له نسب قريب، أو لم يكن. وفي هذا المعنى يقول بعضهم: فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتٌّكَالاً عَلَى النَّسَبْ لَعَمْرُكَ مَا الإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ النَّسِيبَ أَبَا لَهَبْ لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب دَّثُ في شرح هذا الحديث بطوله، وهو بحث ممتع مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشرُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ (١) رواه البزار، والطبرانيّ، والبخاريّ في ((الأدب المفرد))، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ. (٢) رواه أحمد، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان. ٢٠٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَيْسِيرِ عَلَى الْمُعْسِرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ طُلب للقضاء فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريباً. والباقون ذكروا في الباب، وقبله. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) ضمير التثنية لعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، فكلاهما رويا هذا الحديث عن الأعمش بسنده المذكور. [تنبيه]: أما رواية عبد الله بن نُمير عن الأعمش، فقد ساقها البيهقيّ تَظَّهُ في ((الزهد الكبير))، فقال: (٧٦٤) - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عفان، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من نفّس عن أخيه كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم، ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن يسَّر على مسلم، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يبتغي به علماً، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما جلس قوم في مسجد من مساجد الله، يتلون فيه كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا حقّت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله، لم يُسرع به نسبه)). انتهى (١). وأما رواية أبي أسامة عن الأعمش، فقد ساقها الترمذيّ تَظّتُهُ في ((جامعه))، فقال: (٢٩٤٥) - حدثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا الأعمش، (١) ((كتاب الزهد الكبير)) ٢٩١/٢ - ٢٩٢. ٢٠٣ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٣١) عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من نفّس عن أخيه كربة من كُرَب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة، وما قعد قوم في مسجد يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحقّتهم الملائكة، ومن أبطأ به عمله، لم يُسرع به نسبه)). انتهى (١). [تنبيه]: رواية الترمذيّ ◌َُّ هذه تخالف رواية مسلم في أمرين: الأول: في عنعنة الأعمش عن أبي صالح، فإن مسلماً صرّح بالتحديث. الثاني: أن مسلماً قال: ليس في حَدِيث أَبِي أُسَامَةَ ذِكْرُ التَّيْسِيرِ عَلَى الْمُعْسِرِ، وهو موجود في رواية الترمذيّ، ولعل أبا أسامة له روايتان، والله أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣١] (٢٧٠٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِم؛ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َهُ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ وَّنَ إِلَّ حَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الْهَمْدانيّ السَّبِيعِيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدُ مدلّس اختلط بآخره [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٢ - (الأَغَرُّ أَبُو مُسْلِم) المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها) ٢٦/ ١٧٧٧. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاريّ (١) ((جامع الترمذيّ)) ١٩٥/٥. ٢٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الصحابيّ ابن الصحابيّ ظها واستُصغر بأُحُد، ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير، ومات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. والباقون ذُكروا قریباً. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث قد استوفيت شرحه في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادته، ولنذكر له مسألتين: (المسألة الأولى): هذا الحديث من أفراد المصنّف رَظّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٣١/١١ ٦٨٣٢] (٢٧٠٠)، و(الترمذيّ) في ((الدعاء)) (٣٣٧٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٥٧٧)، و(أحمد) في (مسنده)) (٤٤٧/٢ و٣٣/٣ و٤٩ و٩٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٥٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢٥٢ و١٢٨٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، عارف بالرجال والحديث، قال ابن المدينيّ: ما رأيت أعلم منه [٩] (ت١٩٨) وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣٣] (٢٧٠١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ٢٠٥ (١١) - بَابُ فَضْلِ الاِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٣٣) قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: اللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّ ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثاً مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((مَا أَجْلَسَكُمْ؟))، قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلِإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: ((آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّ ذَاكَ؟))، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّ ذَّكَ، قَالَ: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ رَّ يَُّاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مِهْران العطار الأمويّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٨) وله خمس وثمانون سنةً (ع). رَوَى عن أبيه، وعمه عبد الحميد، وثابت البنانيّ، وأبي نعامة السعدي، وأبي عمران الْجَوْنيّ، ومالك بن دينار، والقعقاع بن عمرو، وغيرهم. وروى عنه ابنه عنبس، وابن ابنه بشر بن عنبس بن مرحوم، والثوريّ، وهو من شيوخه، وعفان، وعلي ابن المدينيّ، ومسدد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال البزار: مشهور ثقةٌ، كان أحد العبّاد، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وقال أبو الوليد الباجيّ في رجال البخاريّ: وثّقه أبو نعيم. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال عبد الله بن داود الْخُريبيّ: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة، ومرحوم بن عبد العزيز. قال أبو داود: مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقال البخاريّ: قال بشر بن عنبس بن مرحوم: مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وكان يوم مات الحسن ابن سبع سنين، ومات الحسن سنة عشر ومائة. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (أَبُو نَعَامَةَ السَّعْدِيُّ) اسمه عبد ربه، وقيل: عمرو، ثقةٌ [٦] (م د ت س) ٤٣/ ١٤٦٤. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مَلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - النَّهْديّ - بفتح النون، وسكون الهاء - مشهور بكنيته، مخضرمٌ، من كبار [٢] ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنةً، وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) المذكور في السند الماضي. ٦ - (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صَخْر بن حَرْب بن أمية الأمويّ، أبو عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم قبل الفتح، وكَتَب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَثْلَتُهُ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك الصحابيّ ابن الصحابيّ ظًَّا؛ أنه (قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ◌َ﴿هَا (عَلَى حَلْقَةٍ) - بسكون اللام، وتُفتح -؛ أي: جماعة متحلقة، قال في ((المجمع)): الْحَلْقة كالْقَصْعة: هي الجماعة من الناس مستديرون. وقال ابن الأثير الجزريّ: قوله: ((حلقة)) بسكون اللام: الشيء المستدير كحلقة الخاتم، ونحوه، والمراد به: الجماعة من الناس یکونون كذلك. انتهى(١). وقال الفيّوميّ تَخْذُّ: حَلْقَةُ الباب بالسكون، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كله، والجمع: حَلَقٌ بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعي: والجمع: حِلَقُ بالكسر، مثل قَصْعة وقِصَع، وبَدْرة وبِدَر، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء: أن الحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثل قَصَبة وقَصَب. (٢) انتھی(٢). (١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٨٢٥/٧. (٢) ((المصباح المنير)) ١٤٦/١. ٢٠٧ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٣٣) [تنبيه]: لم يَسَمَّ أحد من أهل تلك الحلقة، إلا أن الظاهر أن أبا سعيد ◌َابه كان جالساً معهم، والله تعالى أعلم. (فِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه المسجد النبويّ، ويَحْتَمل أن يكون مسجد ، كان هناك. (فَقَالَ) معاوية رَُّه لأهل الحلقة: (مَا دمشق؛ لأن معاوية أَجْلَسَكُمْ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء جعلكم جالسين ها هنا؟؛ أي: ما السبب الداعي إلى جلوسكم على هذه الهيئة ههنا؟ (قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ)؛ أي: الذي أجلسنا هو غرض الاجتماع على ذكر الله تعالى. (قَالَ) معاوية رقُبه: (آللهِ) بالمد والجر، قال السيد جمال الدين: قيل: الصواب بالجرّ؛ لقول المحقّق الشريف في ((حاشيته)): همزة الاستفهام وقعت بدلاً عن حرف القَسَم، ويجب الجرّ معها. انتهى. وكذا صُحّح في أهل سماعنا من ((المشكاة)) ومن (صحيح مسلم)). ووقع في بعض نُسخ ((المشكاة)) بالنصب. انتهى. وقال الطيبيّ: قيل: آللّهَ بالنصب؛ أي: أتُقسمون بالله؟ فحُذف الجارّ، وأوصل الفعل، ثم حُذف الفعل، كذا في ((المرقاة)). وقال في ((اللمعات)): قد يُحذف حرف القسم، فينصب بالإيصال، وقد يجرّ، نحو: الله لأفعلنّ كذا، ثم أُدخل حرف الاستفهام فمُدّ. وقيل: حرف الاستفهام صار بدلاً من حرف القسم، فيجر به، ويردّه جواز النصب، بل هو الغالب والجرّ شاذّ، وإدخال حرف الاستفهام في الجواب بطريق المشاكلة. انتهى(١). (مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟)؛ أي: ما أجلسكم أمر دنيويّ، (قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ) معاوية: (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، مثلُ ((ألا))، (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في ((الخلاصة)): فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَةْ وقال ابن حجر في ((شرح المشكاة)): ((أما)) استفتاحية، أو بمعنى: حَقّاً على رأي، و((إني)) بالكسر على الأول، وبالفتح على الثاني، ذكره القاري(٢). (لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ) بضم التاء، وفتح الهاء، وتسكّن، وقال ابن (١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٨٢٥/٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٦١/٥. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الأثير تَذَتُ: التُّهْمة - وقد تُفتح الهاء - فُعْلة من الوهم، والتاء بدلٌ من الواو، واتّهَمته؛ أي: ظننت فيه ما نُسب إليه. انتهى؛ أي: ما أستحلفكم تهمة لكم بالكذب؛ لأنه خلاف حسن الظنّ بالمؤمنين(١). قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: أي: فأردت أن أتحقّق ما هو السبب في ذلك، فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد، لا للتهمة، كما هو الأصل في وضع التحليف، فإن من لا يُتّهم لا يُحلّف. انتهى(٢). وقال القاري تَخْذَلُهُ: (تهمة)) بسكون الهاء، وتفتح، قال في ((النهاية)): التهمة، وقد تفتح الهاء فُعْلة من الوهم، والتاء بدل من الواو، واتهمته: ظننت فيه ما نُسب إليه، وفي ((القاموس)): أَدْخَل عليه الثُّهَمةَ كهُمَزة؛ أي: ما يُتَّهَم عليه؛ أي: ما أستحلفكم تهمة لكم بالكذب، لكني أردت المتابعة، والمشابهة فيما وقع له ◌َّر مع الصحابة ﴿ه. انتهى(٣). قال معاوية ظ به: (وَمَا كَانَ) ((ما)) نافية؛ أي: لم يكن (أَحَدٌ) من الصحابة ﴿ه (بِمَنْزِلَتِي) الظاهر أن الباء بمعنى ((مع))؛ أي: منزلتي وقرابتي (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّ﴿)، وقال القاري: أي: بمرتبة قربي من رسول الله وضَّ}؛ لكونه أخته أم حبيبة ◌ّ من أمهات المؤمنين، ولذا عبَّر عنه المولويّ بخال المؤمنين، ولكونه من أجلّاء كتبة الوحي. انتهى. (أَقَلَّ) منصوب على أنه خبر ((كان))، (عَنْهُ) وَِّ (حَدِيثاً مِنِّي)؛ المعنى: أنه وإن كان له منزلة عند النبيّ وَّر، إلا أنه قليل الحديث عنه، ومع هذا فقد حفظ هذا الحديث عنه، وقال القاري: وقدَّم بيان قُرْبه منه وَّهِ وقلة نَقْله من أحاديثه؛ دفعاً لتهمة الكذب عن نفسه فيما ينقله من الكلام. وقال أيضاً ما حاصله: إنما كان أقلّ حديثاً؛ لاحتياطه في الحديث، وإلا كان مقتضى منزلته أن يكون كثير الرواية، ولعله كان ممن لا يجيز نَقْل الرواية بالمعنی. انتهى. (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ) تقدّم أنه بسكون اللام، وتُفتح. وقال الطيبيّ نَّثُهُ: قوله: ((وإن رسول الله وَّ﴾)) إلى آخره متّصل بقوله: (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١/ ٢٠١. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٨. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٤١/٨. ٢٠٩ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٣٣) ((إني لم أستحلفكم)) اتصالَ الاستدراك بالمستدرك، يدلّ عليه قوله: ((ولكنه أتاني جبريل))، وقوله: ((وما كان أحد بمنزلتي ... إلخ)) اعتراض وقع تأكيداً بين الاستدراك والمستدرك، وآذَن به أنه لم ينسه. [فإن قلت]: ما معنى الاستدراك، وأنه لم يستحلفهم تهمة، وإنما استحلفهم لما سمع من رسول الله وَ ﴿ ما سمع، وكذا رسول الله وَله من جبريل علَلا؟. [قلت]: الجملة القسميّة إنما وُضعت لدفع التهمة، ورفع الإنكار البليغ، فأوجب أن تُضمّن التأكيد البليغ، وربما تُستعمل فيما لا يكون فيه تهمة، ولا إنكار، بل يجاء بها لمجرّد التأكيد تقريراً له في النفوس، وتثبيتاً لها، كما تقول لمن بعثته إلى مهمّ، وقد جاءك: والله لقد جئتني؛ أي: نِعْم ما فعلتَ؛ تحسيناً له على فعله، وعلى هذا جلّ إقسام الله تعالى، وأكثر إقسام الرسول وصيه مع المؤمنين، وهو من هذا القبيل. انتهى(١). ◌ُ، (فَقَالَ) وَِّ: ((مَا أَجْلَسَكُمْ؟)))، قَالُوا: (جَلَسْنَا (مِنْ أَصْحَابِهِ) نَذْكُرُ اللهَ) وفي رواية النسائيّ: ((جلسنا ندعو الله))، (وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلام) كما حكى الله تعالى عن قول أهل السلام: ﴿اْحَمْدُ لِلَّ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]، (وَمَنَّ) فعل ماض، من المنّ، من باب نصر؛ أي: أنعم (بِهِ)؛ أي: بالإسلام (عَلَيْنَا) من بين الآنام، وفي رواية النسائيّ: ((ومنَّ علينا بك))، والخطاب للنبيّ وٍَّ؛ أي: منّ علينا ببعثك؛ إذ هو النعمة المسداة، والرحمة المهداة، كما قال ريات: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ ١٠٧) إِلَّا رَحْمَةٌ لِّلْعَلَمِينَ • [الأنبياء: ١٠٧]. (قَالَ) وَِّ: ((آللهِ) بهمزة ممدودة، هي عوض من باء القسم، (مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟)))؛ أي: ما ذكرتم من ذكر الله تعالى، وحمده على نعمه، (قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ) لأنه خلاف حسن الظن بالمؤمنين، (وَلَكِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: لكن الحال والشأن، (أَثَانِي جِبْرِيلُ) عَ*؛ (فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ رَى يُبَاهِي)؛ أي: يفاخر (بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ)))؛ أي: فأردت أن أتحقق بماذا كانت المباهاة، فللاهتمام بتحقيق ذلك الأمر، والإشعار بتعظيمه استحلفتكم. وقال (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٣٨/٥ - ١٧٣٩. ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة النوويّ نَّتُهُ: معناه: يُظهر فضلكم لهم، ويُريهم حسن عملكم، ويُثني عليكم عندهم، وأصل البَهاء: الحُسن والجمال، وفلانٌ يباهي بماله؛ أي: يفخر، ويتجمّل به على غيره، ويُظهر حُسنه لهم. انتهى. وقال المباركفوريّ كَّلُهُ: قيل: معنى المباهاة بهم: أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي هؤلاء، كيف سلّطتُ عليهم أنفسهم، وشهواتهم، وأهْوِيتهم، والشيطان وجنوده، ومع ذلك قَوِيت همّتهم على مخالفة هذه الدواعي القويّة إلى البطالة، وتَرْك العبادة والذكر، فاستحقّوا أن يُمدحوا أكثر منكم؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقّة بوجه، وإنما هي منكم كالتنفّس منهم، ففيها غاية الراحة، والملائمة للنفس. انتهى (١). وقال الطيبيّ نَظُّ: أي: فأردت أن أتحقق ما هو السبب في ذلك، فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد، لا التهمة، كما هو الأصل في وضع التحليف، فإن من لا يُتَّهَم لا يُحَلَّف. انتهى، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٣٣/١١] (٢٧٠١)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٢٣٧٩)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٤٦٨)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٣٩٥/١ و٣٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٢/٤)، و(الطيالسيّ) في (مسنده) (٢٤٩/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠٥/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٨١٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٣٨٣/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣١١/١٩) وفي ((الدعاء)) (٥٢٩/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٨١/١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الاجتماع في المساجد لأجل ذكر الله تعالى، وتذكّر نعمه. (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٩/ ٢٦٢. ٢١١ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغْفَارِ، وَالِاسْتِكْفَارِ مِنْهُ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ - حديث رقم (٦٨٣٤) ٢ - (ومنها): أنه ينبغي للمؤمن أن يشكر الله تعالى أن هداه للإسلام، وأن جعله من أمة النبيّ وَ﴿، فإنه فخر لا فخر بعده، وقد أجاد من قال، وأحسن في المقال: وَكِدتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرِيًّا وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفاً وَتِيْهَا(١) وَأَنْ صَيَّرْتَ لِي أَحْمَدَ نَبِيًّا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي ٣ - (ومنها): أن الله ◌َلَ يباهي الملائكة بعباده الصالحين من بني آدم، وذلك لِعِظَم شأنهم، حيث أقبلوا عليه ﴿ مدافعين عنهم النفس الأمّارة بالسوء، والشيطان العدوّ اللدود، وكَسْرهم الشهوات، فاستحقّوا بذلك الثناء عليهم في الملأ الأعلى، وهذا معنى الحديث القدسيّ: ((ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ... ))، متّفق عليه. ٤ - (ومنها): أن النسائيّ تَخْذَلُ ترجم في ((سننه)) بقوله: ((كيف يَستحلف الحاكم؟))، ثم أورد هذا الحديث مستدلاً به على ترجمته، ومحلّ الاستدلال منه قوله: ((آالله ما أجلسكم))، فيقول الحاكم لمن يستحلفه: قل: آلله ما فعلت كذا، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغْفَارِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣٤] (٢٧٠٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ بَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»). (١) التيها بالكسر: الكِبْر. اهـ. ((ق)). ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الأَغَرُّ الْمُزَنِيُّ) هو: الأغرّ بن يسار المزَنيّ، ويقال: الْجُهنيّ، رَوى عن النبيّ ◌َّ هذا الحديث فقط، ورَوى عن أبي بكر، وعنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، ومعاوية بن قُرّة. قال الحافظ: أنكر ابن قانع على من جعله مُزَنِيّاً، وإنكاره هو المنكر، وأما ابن منده، فجعلهما اثنين، فلم يُصِب، وقال أبو عليّ بن السَّكَن: حدّثنا محمد بن الحسن، عن البخاريّ، قال: مسعر يقول في روايته: عن الأغر الْجُهَنيّ، والْمُزَني أصح. انتهى. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث، والحديث التالي، أفرده مسلم، وجعلهما النسائيّ حديثاً واحداً. والباقون تقدّموا قريباً، و((أبو الربيع)) هو سليمان بن داود الزهرانيّ، و(ثابت)) هو ابن أسلم البنانيّ، و((أبو بُردة)) هو: ابن أبي موسى الأشعريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا مرّ غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من المقلّين في الرواية، فليس له إلا هذا الحديث، والحديث التالي، كما أسلفته آنفاً(١) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ (عَنِ الأَغَرِّ) - بفتح الهمزة، والغين المعجمة - (الْمُزَنِيِّ) - بضمّ الميم، وفتح الزاي -: نسبة لِوَلَدِ عثمان وأوس ابني عمرو بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، نُسبوا إلى مزينة بنت كلب بن وبرة، أم عثمان وأوس، وهم قبيلة كبيرة، قاله في ((اللباب))(٢). (وَكَانَتْ لَهُ)؛ أي: الأغرّ المزنيّ، (صُحْبَةٌ)؛ يعني: أنه كان من أصحاب (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٧٨/١ - ٧٩. (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٠٥/٣. ٢١٣ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغْفَارِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ - حديث رقم (٦٨٣٤) النبيّ وَّهِ، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ِّ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيُغَانُ) بغين معجمة، من الغين، وهو الغطاء، قال الفيّوميّ ◌َخْلَثُ: الغَيْنُ: لغة في الغيم، وغِينَتِ السماءُ بالبناء للمفعول: غُطّيت بِالْغَيْن، وفي الحديث: ((وَإِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي)): كناية عن الاشتغال عن المراقبة بالمصالح الدنيوية، فإنها وإن كانت مهمّة في مقابلة الأمور الأخروية؛ كاللهو عند أهل المراقبة. انتهى (١). وقال المرتضى كَّلُ: وغِين على قلبه غَيناً: تغشّته الشهوة، أو غُطّيَ عليه، وأُلبِس، أو غُشي عليه، أو أحاط به الرينُ، وفي الحديث: ((إنه ليُغان على قلبي ... ))، أراد: ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو عنه البشر؛ لأن قلبه أبداً كان مشغولاً بالله تعالى، فإن عَرَض له وقتاً مَّا عارضٌ بشريٌّ يَشغَله من أمور الأمة والملة، ومصالحها، عَدَّ ذلك ذنباً وتقصيراً، فيَفْزَعُ إلى الاستغفار. انتھی (٢) وقوله: (عَلَى قَلْبِي) في محلّ رفع على أنه نائب الفاعل لـ((يغان))؛ أي: لُيُغْشَى على قلبي. وقال الطيبيّ ◌َُّ: ((إنه ليغان)): اسم ((إنّ)) ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له، ومفسرة، والفعل مسنَد إلى الظرف، ومحله الرفع على أنه نائب الفاعل، ((وإني لأستغفر الله))؛ أي: أطلب منه المغفرة؛ أي: السّتر، ((في اليوم) الواحد من الأيام، ولم يُرِد يوماً معيناً، ((مائة مرة). انتهى(٣). (وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ)؛ أي: أطلب منه الستر، وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ: ((والله إني لأستغفر الله، وأتوب إليه))، قال في ((الفتح)): قوله: ((والله إني لأستغفر الله)): فيه القَسَم على الشيء تأكيداً له، وإن لم يكن عند السامع فيه شك، قوله: ((لأستغفر الله، وأتوب إليه)) ظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجّح الثاني ما أخرجه النسائيّ بسند جيد، من طريق مجاهد، عن ابن عمر؛ أنه سمع النبيّ وَّ (١) ((المصباح المنير)) ٤٦٠/٢. (٢) (تاج العروس)) ص٨١٢٨، و((النهاية في غريب الأثر)) ٧٥٩/٣. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ببعض تصرّف ١٨٣٥/٦. ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة يقول: ((أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه)) في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة، وله من رواية محمد بن سُوقة، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: ((إنا كنا لنَعُدّ لرسول الله وَّ في المجلس: رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التواب الغفور، مائة مرة))(١). (فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)) وفي حديث أبي هريرة ◌َظُبه: ((لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة))، وفي حديث أنس وظه: ((إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرةً))، قال الحافظ: فَيَحْتَمِل أن يريد المبالغة، ويَحْتَمِل أن يريد العدد بعينه، وقوله: ((أكثر)) مبهم، فيَحتمل أن يفسّر بأنه يبلغ المائة. انتهى(٢). وقال المناويّ كَّلُهُ: أراد بالمائة: التكثير، فلا تعارض بينه وبين رواية السبعين . وقال النوويّ كَّتُهُ: قال أهل اللغة: الغين بِالْغين المعجمة، والغيم بمعنى، والمراد هنا: ما يتغشى القلب. قال القاضي: قيل: المراد: الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فاذا فَتَر عنه، أو غفل عَدّ ذلك ذنباً، واستغفر منه. قال: وقيل: هو همّه بسبب أمته، وما اطَّلَع عليه من أحوالها بعده، فیستغفر لهم. وقيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته، وأمورهم، ومحاربة العدوّ، ومداراته، وتأليف المؤلّفة، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته، ورفيع مقامه، من حضوره مع الله تعالى، ومشاهدته، ومراقبته، وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك. وقيل: يَحْتَمِل أن هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]، ويكون استغفاره إظهاراً للعبودية والافتقار، وملازمةً الخشوع، وشكراً لِمَا أولاه. (١) ((الفتح)) ٢٨٥/١٤ - ٢٨٦. (٢) ((الفتح) ٢٨٥/١٤ - ٢٨٦. ٢١٥ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغْفَارِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ - حديث رقم (٦٨٣٤) وقد قال المحاسبيّ: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالی. وقيل: يَحْتَمِل أن هذا الغين حال خشية وإعظام يغشى القلب، ويكون استغفاره شكراً كما سبق. وقيل: هو شيء يعتري القلوب الصافية مما تتحدث به النفس، فهَوّشها، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرديّ: لا يُعتقَد أن الغين في حالة نقص، بل هو كمال، أو تتمة كمال، ثم مثل ذلك بجفن العين حين يُسْبَل ليدفع القذى عن العين مثلاً، فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال، هذا مُحَصَّل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة النبيّ وَ ﴿ متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته؛ صيانةً لها، ووقايةً عن ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذه الأقوال كلّها تخرّصات، وظنونات لا تنبني على دليل صحيح، فالحقّ أن نقول: إن الغين المذكور من المتشابه الذي لا يعلم حقيقته إلا الله رب، وقد أخبرنا النبيّ وَل و أنه يُغان على قلبه، فنصدّق بذلك، وأما حقيقة ذلك الغين الذي يغطي قلبه وَّير فلم يبيّنه لنا، فلا ينبغي أن نتخرّص بتعيينه، وما أحسن ما قال الأصمعيّ لَمّا سُئل عنه: لو كان قلب غير النبيّ وَ ﴿ لتكّمت عليه، ولكن العرب تزعم أن الغين: الغيم الرقيق(٢)، قال الطيبيّ ◌َُّ(٣): ولله درّه في انتهاجه منهج الأدب، وإجلال القلب الذي جعله الله موضع وحیه، ومنزل رحماته. والحاصل: أن الأدب في هذا تفويض علم حقيقة الغين إلى العالم الخبير، ثم إلى من أمدّه الله تعالى بتنزيل وحيه المبين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١٧ - ٢٤. (٢) راجع شرحي على: ((ألفية الأثر)) للسيوطيّ تخلفهُ ٢/ ١٩٧. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٦/٦. ٢١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث الأغرّ المزنيّ المصنّف تَخْذَّتُهُ . [تنبيه]: قال الإمام الدراقطنيّ كَُّ في ((التتبّع)): أخرج مسلم حديث الأغرّ من حديث عمرو بن مرّة، وثابت، عن أبي بُردة، وهما صحيحان، وإن كان أبو إسحاق قال: عن أبي بردة، عن أبيه، وتابعه مغيرة بن أبي الحرّ، عن سعيد، عن أبي بردة، فأبو إسحاق ربّما دلّس، ومغيرة بن أبي الحرّ شيخ، وثابت، وعمرو مرّة حافظان، وقد تابعهما رجلان آخران: زياد بن المنذر، وابن إسحاق، ومغيرة بن أبي الحرّ، وأبو إسحاق سلكا به الطريق السهل. انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الدار قطنيّ كَّتُ في هذا الكلام بيان ما وقع في هذا الحديث من اختلاف الرواة، وبيان ترجيح ما ذهب إليه مسلم في تخريجه من طريق ثابت البنانيّ في هذه الرواية، ومن طريق عمرو بن مرّة في الرواية التالية، فإنهما روياه عن أبي بُردة، عن الأغرّ المزنيّ، وخالفهما أبو إسحاق، ومغيرة بن المنذر، فروياه من رواية أبي بردة عن أبيه، فرجّح الدارقطنيّ رواية الأوَّلَين بأمور: أحدها: تقدّم ثابت، وعمرو في الحفظ والإتقان على أبي إسحاق، ومغيرة. والثاني: أن أبا إسحاق مدلّس، فربما أخذه عن ضعيف، فدلّسه، ومغيرة شيخ؛ أي: لا يصل إلى درجة الحافظ الضابط. والثالث: أن الأوَّلَين قد تابعهما زياد بن المنذر، وابن إسحاق. والرابع: أن أبا إسحاق، ومغيرة سلكا بالحديث مسلك الجادّة، وذلك أن رواية أبي بردة عن أبيه طريق مشهور يحفظه كلّ أحد، بخلاف روايته عن الأغرّ المزنيّ، فليست مشهورة، فلا يحفظها إلا الضابط المتقن، مثل ثابت، وعمرو. والحاصل: أن الحديث صحيح من الوجه الذي أخرجه منه مسلم، فلا التفات إلى المخالفة المذكورة، والله تعالى أعلم. ٢١٧ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغْفَارِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ - حديث رقم (٦٨٣٤) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٣٤/١٢] (٢٧٠٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥١٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١٦/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٤٤٢)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٤٠١/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٢١١ و٢٦٠)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٤٢/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٨ و٨٨٩) وفي ((الدعاء)) (٥١٤/١ و٥١٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٢٩ و٩٣١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٤٩/١)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٣٥٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٢/٧) وفي ((شعب الإيمان)) (٤٣٨/١ و٣٨٠/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َلو من ملازمة الاستغفار، مع أن الله عَلَ غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، قال الله وَّ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَّقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. ٢ - (ومنها): ما كان يعتريه وَ له مما يدفعه إلى التوبة والاستغفار، وسيأتي ما قاله العلماء في المراد بِالْغين في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد ملازمة التوبة والاستغفار في سائر أحواله، ولا يستلزم ذلك وجود الذنب، كما هو حال النبيّ ◌َّر الذي غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، بل هو في حقّه من باب الشكر، ودوام المراقبة لله ثَلاً، كما قال في حديث المغيرة بن شعبة ظه: قام النبيّ وَّر حتى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) متفقٌ عليه. وعن عائشة ﴿ّا؛ أن نبيّ الله وَ ر كان يقوم من الليل، حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ قال: ((أفلا أُحبّ أن أكون عبداً شكوراً)). متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وقد استُشكل وقوع الاستغفار من النبيّ وَّ﴿، وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية. ٢١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة وأجيب بعدّة أجوبة: منها: ما تقدم في تفسير الغين، ومنها: قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية، لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عُصموا من الكبائر، فلم يُعْصَموا من الصغائر، كذا قال، وهو مُفَرَّع على خلاف المختار، والراجح عِصْمتهم من الصغائر أيضاً . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ: إن الراجح عصمتهم من الصغائر، لكن الذي عليه المحقّقون أنهم تقع منهم الصغائر التي لا تخلّ بصدق نبوّتهم، لكنهم ليسوا كغيرهم، فلا يُقَرّون عليها، بل ينبّهون فوراً، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأما ما يخلّ بصدق نبوتهم، وينفّر الناس عنهم فلا يقع منهم ولو كان من الصغائر، ككَذْبة، وسرقة لقمة، لا قصداً، ولا غلطاً، ولا سهواً. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة دَخَّتُهُ: إن القول بأن الانبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الاسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمديّ: أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير، والحديث، والفقه، بل هو الذي لم يُنقل عن السلف، والأئمة، والصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إلا ما يوافق هذا القول. وذَكَر في موضع آخر: أن القول بعصمة الأنبياء مطلقاً مذهب الرافضة، وأنهم أول من قال بذلك، ثم تبعهم بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. انتهى(١). قال الجامع: وقلت في ((التحفة المرضيّة)): لَا يَفْعَلُ الْمُزْرِيَ بِالنُّبُوَّةِ فَكُلُّ مُرْسَلٍ بُعَيْدَ الْبِعْئَةِ مُرُوءَةً عَمْداً وَسَهْواً يَهْبِظُ أَوْ مُوجِبَ الْخِسَّةِ أَوْ مَا يُسْقِطُ وَرَجَّحُوا الْجَوَازَ لِلصَّغَائِرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى انْتِفَا الْكَبَائِرِ فَنِعَمَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ تَتْرَى لَكِنَّهُمْ يُنَبَّهُونَ فَوْرَا (١) ((مجموع الفتاوى)) ٣١٩/٤. ٢١٩ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغْفَارِ، وَالاِسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ - حديث رقم (٦٨٣٥) وبالله تعالى التوفيق. قال: ومنها قول ابن بطال: الأنبياء للّه* أشدّ الناس اجتهاداً في العبادة لِمَا أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير. انتهى، ومُحَصّل جوابه: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحقّ الذي يجب لله تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل، أو شرب، أو جماع، أو نوم، أو راحة، أو لمخاطبة الناس، والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارةً، ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله، والتضرع إليه، ومشاهدته، ومراقبته، فيرى ذلك ذنباً بالنسبة إلى المقام العليّ، وهو الحضور في حظيرة القدس. ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب الأمة، فهو كالشفاعة لهم. إلى آخر ما ذكره في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة عندي: أن استغفار النبيّ وَّ من باب أداء الشكر؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فإن هذا هو الذي أجاب به النبيّ وَّ لَمّا سئل عن قيامه حتى تفطّرت قدماه، كما سبق في حديث المغيرة، وعائشة ﴿ها، فقال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً))، فدلّ على أن استغفاره من باب القيام بالشكر على ما منّ الله به عليه، وإكرامه له بما لم يُكرِم به غيره، ومنه مغفرة ما تقدّم منه وما تأخّر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَغَرَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ النَّبِيِّ وَّهِ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ (١) مِائَةَ مَرَّةٍ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله (١) وفي نسخة: ((في اليوم مائة)). ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٢/٨٥. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الأَغَرَّ) الْمُزْنِيّ ◌َبه، وقوله: (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ) جملة معترضة، وقوله: (يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((الأغرّ))؛ أي: حال كونه محدّثاً عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿ه، وقوله: (قَالَ) جملة حاليّة، أو مستأنفة استئنافيّاً بيانياً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، فكأنه قال له: كيف تحديثه له؟ فقال: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ) امتثالاً لقوله رَى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((توبوا)) إلى الله)) أمرٌ على جهة الوجوب، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، وكما قال تعالى: ﴿تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [الحريم: ٨]، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، ولا خلاف أنها واجبة على كل من أذنب، وهي في اللغة: الرجوع، يقال: تاب، وثاب، وأثاب، وأناب وآب: بمعنى: رجع، وهي في الشرع: الرجوع عما هو مذموم في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وسيأتي استيفاء الكلام فيها في ((الرقاق)) - إن شاء الله تعالى _(١). (فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ) وفي بعض النسخ بإسقاط ((إليه))، (مِائَةَ مَرَّةٍ) قال المناويّ: ذِكر المائة هنا، والسبعين في رواية أخرى عبارة عن الكثرة، لا للتحديد، ولا للغاية، كما يدل عليه: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَيْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]؛ إذ لو استغفر لهم مدة حياته لم يغفر لهم؛ لأنهم كفار به، فالمراد هنا: أتوب إليه دائماً، وتوبته ليست عن ذنب كما تقرر، بل لكونه دائماً في الترقي، فكل مرتبة ارتقى إليها، فما دونها ذنب يستغفر منه. انتهى(٢). (١) ((المفهم)» ٧/ ٢٧. (٢) ((فيض القدير)) ٢٧٤/٣.