Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٤) في ((صحيحه)) (٨٣٤)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤٢٣/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٧٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٤] (٢٦٩٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ ء. لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى الْجُهَنِيُّ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: عَلِّمْنِ كَلَاماً أَقُولُهُ، قَالَ: ((قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالْحَمْدُ لهِ كَثِيراً، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ، إِلَّ بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم))، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي))، قَالَ مُوسَى: أَمَّا ((عَافِي)) فَأَنَا أَتَوَهَّمُ، وَمَا أَدْرِي، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ أَبِي شَيْئَةً فِي حَدِيثِهِ قَوْلَ مُوسَى). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُوسَى الْجُهَنِيُّ) هو: موسى بن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، لم يصحّ أن القطان طعن فيه [٦] (ت١٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الحج)) ٣٣٨٢/٩١. [تنبيه]: قوله: ((الْجُهَنِيُّ)) بضمّ الجيم، وفتح الهاء: نسبة إلى جُهينة، وهي قبيلة من قُضاعة، واسمه: زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن إلحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة، قاله في ((اللباب))(١) . ٢ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤١/٢. ٣ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات رَظُه بالعقيق سنة خمس وخمسين، على المشهور (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١٧/١. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب(١). [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين سوى مصعب، وأبيه، فمدنيّان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو آخرهم وفاةً، وأول من رَمَى بسهم في سبيل الله . شرح الحديث: (عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص ◌َُبه؛ أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ)؛ أي: رجل من سُكّان البادية، ولا يعرف(٢). (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلّه فَقَالَ) الأعرابيّ: (عَلِّمْنِي كَلَاماً)؛ أي: ذكراً (أَقُولُهُ)؛ أي: أذكر الله به، وأدعو به لنفسي. (قَالَ) بَرِ ((قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ) بدأ بالتوحيد لِشَرفه؛ لأنه مبدأ كلّ عبادة. (اللهُ أَكْبَرُ)؛ أي: من كلّ كبير، أو من أن يُحاط بكنه كبريائه، (كَبِيراً) قال النوويّ كَّقُ: منصوب بفعل محذوف؛ أي: كبّرت كبيراً، أو ذكرت كبيراً. انتهى (٣)، وزاد الطيبيّ كَظْلُ فقال: ويجوز أن يكون حالاً مؤكّدةً، كقولك: زيدٌ أبوك عَطُوفاً. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: وإلى الحال المؤكّدة أشار ابن مالك في (الخلاصة)) حيث قال: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ (لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا)) (وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً)؛ أي: حمداً كثيراً، (وَسُبْحَانَ اللهِ) وفي بعض النسخ: ((سبحان الله)) بحذف الواو، (رَبِّ الْعَالَمِينَ) المراد: جميع الخلائق، وإنما غلّب ذوي العلم؛ لِشَرفهم. (لَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ، إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ))) قال القاري ثّلهُ: وجاء في رواية البزّار بلفظ: ((العليّ العظيم))، وهو المشهور على (١) أي: ما عدا عبد الله بن نُمير، فتقدّم قبل خمسة أبواب. (٢) ((تنبيه المعلم)) ص٤٤٢. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٨٣٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٧ - ٢٠. ١٦٣ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٤) الألسنة، وإن لم يَرِد في الصحيح(١)، وقال الطيبيّ تَّهُ: لم يرد في أكثر الروايات إلا عن الإمام أحمد بن حنبل، فإنه أردفها بقوله: ((العليّ العظيم)). انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد صحّ الختم بـ(الْعَزِيزِ الْحَكِيم))، كما هو عند مسلم هنا، وصحّ الختم أيضاً بـ((العليّ العظيم))، فقد أخرج ابن ماجه في (سننه)) بسند صحيح عن عبادة بن الصامت به، قال: قال رسول الله وَله: ((من تعارّ من الليل، فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، ثم دعا: رب اغفر لي، غفر له ... )) الحديث. وقد جمع بينهما ابن حبّان في ((صحيحه)) في حديث الباب، ولفظه: ((قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم العزيز الحكيم))(٣). والحاصل: أن الختم قد صحّ بهما، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الأعرابيّ: (فَهَؤُلَاءِ) الْجُمَل المذكورة (لِرَبِّي)؛ أي: ثناء، وحمد، وتمجيد لربيّ نََّ، (فَمَا لِي)؛ أي: فأيّ شيء من الدعاء لنفسي؟ (قَالَ) وَّ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)؛ أي: استر سيّئاتي، وامح خطيئاتي، (وَارْحَمْنِي) بالتوفيق للطاعة في حركاتي، وسكناتي، (وَاهْدِنِي) لأحسن الأحوال، والأخلاق، قال ابن حبّان ◌َّتُ: كلّ ما في هذه الأخبار: ((اللَّهُمَّ اهدني))، ((اللَّهُمَّ إني أسألك الهدى))، وما يُشبهها من الألفاظ، إنما أريد بها: الثبات على الهدى، والزيادة فيه؛ إذ محال أن يدعو المؤمن بسؤال الهداية، وقد هداه الله (٤) قبل ذلك. انتهى(٥). (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٠٩/٥. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٣/٦. (٣) ((صحيح ابن حبان)) ٢٢٦/٣. (٤) وقع في النسخة: ((أن يؤمن المؤمن بسؤال الزيادة))، والظاهر أنه تصحيف. (٥) ((صحيح ابن حبان)) ٢٢٦/٣. ١٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة (وَارْزُقْنِي))) رزقاً حلالاً طيّباً مباركاً. (قَالَ مُوسَى) الجهنيّ: (أَمَّا ((عَافِنِي)))؛ أي: لفظ ((عافني))، ومعناه: عافني من الابتلاء بما يضرّ في المآل، (فَأَنَا أَتَوَهَّمُ)؛ أي: أتردّد، وأشكّ هل قاله مصعب بن سعد في الحديث، أم لا؟، وقوله: (وَمَا أَدْرِي) تأكيد لـ((أتوهّم))؛ أي: لم أعلم ذلك علماً يقيناً . وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي حَدِيثِهِ قَوْلَ مُوسَى) غرضه بيان اخلاف شيخيه: أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير في ذكر قول موسى الجهني المذكور في توهّمه، فذكره ابن نمير، ولم يذكره ابن أبي شيبة، بل اقتصر بذكر الحديث دون ذكر توهّمه وتردّده، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُه هذا من أفراد المصنّف رَخَذْلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٢٤/١٠] (٢٦٩٦)، و(أحمد) في مسنده)) (١/ ١٨٠ و١٨٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٣٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٦٨ و٧٩٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٤٦)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١٢٨/١)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (٤٨٧/١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٥] (٢٦٩٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ - يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ يُعَلِّمُ مَنْ أَسْلَمَ، يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُو مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ) سعد بن طارق بن أشيم الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ١٦٥ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٥) [تنبيه]: قوله: ((الأشجعيّ)) بفتح الهمزة: نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، قبيلة مشهورة، قاله في ((اللباب))(١). ٤ - (أَبُوهُ) طارق بن أشيم - بالشين المعجمة، وزن أحمر - ابن مسعود الأشجعيّ، صحابيّ له أحاديث، قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه (بخ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َلَثُ كلاحقيه، وهو (٤٢١) من رباعيّات الكتاب، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، له أربعة أحاديث فقط(٢)، ولم يرو له البخاريّ، ولا أبو داود، فتنبّه. شرح الحديث: عن سعد بن طارق أبي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) طارق بن أشيم الأشجعيّ ◌َ﴿ه؛ أنه (قَالَ) طارقٍ رَضُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُعَلِّمُ مَنْ أَسْلَمَ)؛ أي: دخل في الإسلام، وفي الرواية التالية: ((قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ، عَلَّمَهُ النَّبِيُّ وَهِ الصَّلاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ... ))، وقوله: (يَقُولُ) بحذف ((أن)) المصدريّة، ورَفْع الفعل، وتقدّم أنه جائز، وليس شاذّاً، فقد وقع في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وإنما الشاذّ رَفْع الفعل مع حَذْف ((أنْ))، كما قال في ((الخلاصة)): وَشَذَّ حَذْفُ (أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) ذنوبي (وَارْحَمْنِي) بالتوفيق، والتيسير، (وَاهْدِنِي) إلى صراطك المستقيم الموصل إلى رضاك العميم، والمراد به: ثبّتني؛ لأنه مسلم، (وَارْزُقْنِي)))؛ أي: كلّ ما أحتاج إليه من الخيرات، من أولاد، وأموال، ونحوها، وفي الرواية التالية: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِي، وَارْزُقْنِي))، والله تعالى أعلم. (١) ((اللباب فى تهذيب الأنساب)) ٦٤/١. (٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٠٥/٤ - ٢٠٦. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث طارق بن أشيم ظه من أفراد المصنّف وَذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٢٥/١٠ و٦٨٢٦ و٦٨٢٧] (٢٦٩٧)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٦٥١)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٧٢/٣ و٣٩٤/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/ ٢٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٤٤ و٨٤٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٧١١/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣١٧/٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ، عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ◌َه الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِي، وَارْزُقْنِي))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ) هو: سعيد بن يحيى بن الأزهر بن نَجِیح، أبو عثمان، نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١٠] (٣ أو ٢٤٤) (م ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥١٨/٥١. والباقون ذُكروا في الباب، و((أبو معاوية)) هو: محمد بن خازم الضرير. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف نَظَتُهُ كسابقه، ولاحقه، وهو (٤٢٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) يَحْتَمل أن يدعو بها في صلاته، أو أعمّ من ذلك، والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ نَّهِ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ ١٦٧ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٨) أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: ((قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِي، وَارْزُقْنِي))، وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلَّ الإِبْهَامَ ((فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْبَاكَ، وَآخِرَتَكَ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كسابقيه. وقوله: (وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلَّ الإِبْهَامَ)؛ أي: إشارة إلى أن الكلمات أربع. وقوله: (فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ، وَآخِرَتَكَ)؛ أي: أمور دنياك، وأمور آخرتك، قال بعضهم: حضور الذاكر عند نُطقه بشيء من الأسماء الإلهية لا بد منه، حتى يعرف من يُذكر؟، وكيف يَذكر؟ ومن يَذكر؟ والله خير الذاکرین، وقال بعضهم: يُشترط حضور القلب، وفراغه من الشواغل الدنيوية، والكدورات الجسمانية، وإلا فلا يلومنّ إلا نفسه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا هو الأكمل، والأنجح في المقاصد، وإلا فذكر الله تعالى مطلوب في كلّ حال، ولو لم يُحضر الذاكر قلبه، إلا أنه ينبغي إحضاره، والمجاهدة في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِيْنَا لَنَهْدِيَّهُمْ [العنكبوت: ٦٩]. ٦٩ سُبْلَاً وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ والحديث من أفراد المصنّف، وقد سبق البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٨] (٢٦٩٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى الْجُهَنِيُّ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمِ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟))، فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: ((يُسَبِّحُ مِائَةً تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ))). ١٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل ثلاثة أحاديث، غير مروان، وهو: ١ - (مَرْوَانُ) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الْفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظٌ، وكان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقد في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. شرح الحديث: (عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ) أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبِي) سعد بن أبي وقّاص (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) وََّ: ((أَيَعْجِزُ) بكسر الجيم على اللغة الفصحى، وتُفتح على قلّة، قال الفيّوميّ: عَجَزَ عن الشيءِ عَجْزاً، من باب ضرب، ومَعْجَزَةٌ بالهاء، وحَذْفها، ومع كلّ وجه فتح الجيم، وكسرها: ضَعُفَ عنه، وعَجِزَ عَجَزاً، من باب تَعِبَ لغةٌ لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابي أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر، إلا إذا عَظُمَت عَجِيزَتُهُ. انتهى(١). (أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ) بكسر السين، من باب ضَرَب يَضْرِب(٢). (كُلَّ يَوْم أَلْفَ حَسَنَةٍ؟)))؛ أي: لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما وعد الله تعالى بذلك فيَّ قوله: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْخَسَنَّةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾، ووعد أن يضاعف أكثر لمن يشاء، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. (فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ) لم أعرف هذا السائل، (كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ) وَلِ: ((يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطَّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ))) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في عامة نُسخ ((صحيح مسلم)): ((أو يحط)) بـ(أو))، وفي بعضها: ((ويحط)) بالواو، وقال الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)): كذا هو في كتاب مسلم: ((أو يحط)) بـ((أو))، وقال الْبَرْقانيّ: ورواه شعبة، وأبو عوانة، ويحيى القطان، عن يحيى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: ((ويحط)) بالواو، والله أعلم. انتهى(٣). (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢. (٢) ومن هنا يتبيّن أن قولهم الآن: كَسِبَ - بكسر السين - في الماضي: من اللحن الشائع، فليُتنبّه. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٧. ١٦٩ (١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨٢٨) وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((أو يُحَطّ)) كذا وقع هذا اللفظ في بعض النسخ بألِف قبل الواو، وفي بعضها بإسقاط الألف، وهو صحيح روايةً ومعنّى؛ لأن الله قد جمع ذلك كلّه لقائل تلك الكلمات كما تقدم، ولو صحّت رواية الألِفِ لَحُملت على المذهب الكوفيّ في أن ((أو)) تكون بمعنى الواو. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قالوا أن أكثر الرواة على الواو، ولا مانع من صحّة ((أو))؛ لأنها تأتي بمعنى الواو، فيكون الحديث مفيداً لحصول الفضيلتين، فيكتب له ألف حسنة، ويُحطّ له عنه ألف خطيئة. ثم المراد بالخطايا: هي الصغائر؛ لأن الكبائر لا تُحطّ إلا بالتوبة، أو عفو الله الكريم، ولكن لا يُستبعد أن يعفو الله عنها بسبب هذا الذكر، ﴿وَاللَّهُ ذُو اُلْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص له هذا من أفراد المصنّف تَخْدَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٢٨/١٠] (٢٦٩٨)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٦٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٥/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٩٤/١٠)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٧٤/١ و١٨٠ و١٨٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٠)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٧٦/١)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (١٧٠٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٢٥)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٦١/٣)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١٢٩/١)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٤٢٣/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٦٦)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بَِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((المفهم)) ٢٤/٧. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة (١١) - (بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٩] (٢٦٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ(١) كُرْبَةً مِنْ كُرَّبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ(٢) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطََّ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (بَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، تقدّم في السند الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة، بلا واسطة، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل حديثين. ٥ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. (١) وفي نسخة: ((من مؤمن)). (٢) وفي نسخة: ((ييسّر الله عليه)). ١٧١ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ثِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩) ٦ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي . ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، سوى يحيى، فنيسابوريّ، والباقيان مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ نَفَّسَ) بتشديد الفاء؛ أي: فَرّج، قال الطيبيّ رَّتُهُ: يقال: نفّست عنه كَرْبه: إذا رفعته، وفرّجته عنه، مأخوذ من قولهم: أنت في نفَس: أي: سَعَة، كأن من كان في كربة وضيق سُدّ عنه مداخل الأنفاس، فإذا فُرّج عنه فُتحت المداخل، والمعنى هنا: من أزال، وأذهب (١). (عَنْ مُؤْمِنٍ) وفي بعض النسخ: ((من مؤمن))، والمراد: أيّ مؤمن، ولو كان فاسقاً؛ مراعاة لإيمانه(٢)، وفي رواية ابن ماجه: ((عن مسلم). (كُرْبَةً) بضمّ الكاف، وسكون الراء: اسم مِن كَرَبه الأمر، من باب نصر: إذا شقّ عليه، وأهمّه، والجمع: كُرب؛ أي: حزناً، وعناءً، وشدّة، ولو حقيرة، قال القاري: وقال الطيبيّ: قوله: ((كربة))؛ أي: غمّاً وشدّةً، نكّرها تقليلاً، وميّز بها بعد الإبهام، وبيّنها بقوله: ((من كُرَب الدنيا))؛ للإيذان بتعظيم شأن التنفيس؛ يعني: أن أقلّه المختصّ بالدنيا يفيد هذه الفائدة، فكيف بالكثير المختصّ بالعقبى؟، فلذلك لم يقيّد هذه القرينة بما قيّده في القرينتين الأخيرتين من ذِكر الدنيا والآخرة معاً، ولأنهما تخصيص بعد التعميم؛ اهتماماً بشأنهما. انتهى (٣). (مِنْ كُرَبٍ) بضمّ الكاف، وفتح الراء، جمع كُربة، مثلُ غُرْفة وغُرَف، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٦٥/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤١٤/١. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٦٥/٢. ١٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة (الدُّنْيَا) الفانية المنقضية، و((من)) تبعيضية، أو ابتدائية. (نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً)؛ أي: عظيمة، (مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ أي: الباقية الغير المتناهية، فلا يَردُ أنه تعالى قال: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةَ فَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فإنه أعمّ من أن يكون في الكمية، أو الكيفية، ولمّا كان الخلق كلهم عيال الله، وتنفيس الكرب إحسان، فجازاه الله جزاء وفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا [الرحمن: ٦٠](١). ٦٠ الْإِحْسَنُ (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ)؛ أي: سَهّل على فقير، وهو يشمل المؤمن والكافر المعاهد؛ أي: من كان له دَين على فقير، فسَهَّل عليه بإمهال، أو بترك بعضه، أو كله، وقال الطيبيّ: المعسر: من رَكِبه الدَّين، وتعسّر عليه قضاؤه، (يَسَّرَ اللهُ) وفي بعض النسخ: ((يُيَسّر الله))، (عَلَيْهِ) بدل تيسيره على عبده مجازاةً بجنسه، (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)؛ أي: في أمورهما. (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً)؛ أي: في قبيحٍ يفعله، فلا يَفْضحه، أو كساه ثوباً، قاله القاري، وقال غيره: أي: ستر بدنه باللباس، أو عيوبه بعدم الغيبة له، والذبّ عن معايبه، وهذا على من ليس معروفاً بالفساد، وأما المعروف به، فيُستحب أن تُرفع قصته إلى الوالي، ولو رآه في معصية، فينكرها بحسب القدرة، وإن عجز يرفعها إلى الحاكم، إذا لم يترتب عليه مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود، وأمناء الصدقات، فواجب(٢). (سَتَرَهُ اللهُ)؛ أي: سَتَر عيوبه، وقبيح عمله، وقال المظهر: يجوز أن يراد بالستر: الظاهر، وأن يراد: سَتْر من ارتكب ذنباً، فلا يفضحه(٣). (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) الواو للاستئناف، وهو في عون العبد تذييل للكلام السابق. (مَا كَانَ الْعَبْدُ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّةَ كون العبد مشغولاً في عون أخيه بأي وجهٍ كان، من جلب نفع، أو دفع ضرّ. (فِي عَوْنٍ أَخِيهِ)؛ أي: مشغولاً بقضاء حاجة أخيه المسلم، وفيه إشارة إلى فضيلة عون الأخ على أموره، والمكافأة عليها بجنسها من العناية الإلهية، سواء كان بقلبه، أو بدنه، أو بهما؛ لدفع المضارّ، أو جلب المسارّ؛ إذ الكل عون. (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤١٤/١. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٦٥/٢. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٣٠٨/١. ١٧٣ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى ◌ِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩) وقال الطيبيّ كَثْتُ: ((والله في عون العبد)) تذييل للسابق، لا سيّما على دفع المضرّة عن أخيه المسلم، وعلى جلب النفع له، ولذلك أخرجه من سياق الشرطية، وبنى الخبر على المبتدأ؛ ليقوى به الحكم، وخصّ العبد بالذكر تشريفاً له بنسبة العبديّة له، كما شرّف رسول الله وَّر في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وكرّره، وقال: ((في عون العبد))، ولم يقل: والله يعينه في كذا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِىِ الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ أي: إن الله يوقع العون في العبد، ويجعله مكاناً له؛ مبالغة في الإعانة. انتهى(١). ولمّا فرغ من الحثّ على الشفقة على خَلْق الله تعالى أتبعه بما يُنبئ عن التعظيم لأمر الله تعالى؛ لأن العلم وسيلة إلى العمل، ومقدّمة له، ومن ثمّ ختمه بقوله: ((ومن بطّأ به عمله))، فقال: (وَمَنْ سَلَك)؛ أي: دخل، أو مشى (طَرِيقاً)؛ أي: قريباً، أو بعيداً، قيل: التنوين للتعميم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم؛ أي: سبباً، أيّ سبب كان، من التعلّم، والتعليم، والتصنيف، والكدح فيه، ومفارقة الأوطان، والضرب في البلدان، والإنفاق فيه، وغير ذلك مما لا يُحصى كثرةً، وقال في ((المرعاة)): ((ومن سلك طريقاً)) حقيقيّاً حسّيّاً، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، أو معنويّاً، مثل حِفظ العلم، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهّم له، ونحو ذلك من الطرق المعنويّة التي يُتوصّل بها إلى العلم. انتھی. وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((ومن سلك ... إلخ))؛ أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعيّ، قاصداً به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلماً مكرماً. وقوله (يَلْتَمِسُ فِيهِ)؛ أي: يطلب، والجملة حاليّة، أو صفة لـ(طريقاً)). (عِلْماً) نَكّره؛ ليشمل كل نوع من أنواع علوم الدِّين، قليله، أو كثيره، إذا كان بنيّة القربة، والنفع، والانتفاع، وفيه استحباب الرحلة في طلب العلم، وقد (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٦٥/٢. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة ذهب موسى إلى الخضر - عليهما الصلاة والسلام - وقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَّ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلی عبد الله بن أُنیس في حديث واحد. (سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ)؛ أي: بذلك السلوك، أو الطريق، أو الالتماس، أو العلم، والباء سببيّة. (طَرِيقاً) موصلاً، ومُنْهِياً (إِلَى الْجَنَّةِ)؛ أي: يسهّل الله له العلم الذي طلبه، وسلك طريقه، وييسّره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، أو يُيسّر الله له إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون سبباً لهدايته، ولدخول الجنّة بذلك، وقد يُيسّر الله لطالب العلم علوماً أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة إلى الجنة، أو يسهّل الله له طريق الجنة الحسيّ يوم القيامة، وهو الصراط، وما قبله، وما بعده من الأهوال، فييسّر ذلك على طالب العلم للانتفاع به. (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ)؛ أي: مجمع (مِنْ بُيُوتِ اللهِ) بضمّ الباء، وتكسر، وإنما عدل عن المساجد إلى بيوت الله؛ ليشمل كل ما يبنى تقرباً إلى الله تعالى، من المساجد، والمدارس، والرُّبُط. وقال القرطبيّ تَظَلُهُ: بيوت الله هي المساجد، كما قال تعالى: ﴿فی بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]. انتهى، والأول أقرب، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَتْلُونَ) حال من ((قوم))؛ لتخصيصه. (كِتَابَ اللهِ)؛ أي: القرآن الكريم، مع التدبّر فيما يتعلق بذات الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة الحلال والحرام، وغير ذلك مما حواه الكتاب من عجائب الدنيا والآخرة. (وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ) قيل: المراد بالتدارس: قراءة بعضهم على بعض تصحيحاً لألفاظه، أو كشفاً لمعانيه، والأظهر: إجراؤه على عمومه، فيشمل جميع ما يتعلّق بالقرآن، من التعليم، والتعلم، والتفسير، والتحقيق في مبانيه، والاستكشاف عن دقائق معانيه. (إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ) يجوز فيه كسر الهاء، وضم الميم، وهو الأكثر، وضمهما، وكسرهما. (السَّكِينَةُ) قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو الذي ١٧٥ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩) اختاره القاضي عياض، قال النوويّ: وهو ضعيف؛ لِعَظْف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة، والوقار، وهو أحسن. انتهى (١)، وقيل: إنها شيء من مخلوقات الله تعالى، فيه طمأنينة، ورحمة، ومعه الملائكة، وقال القرطبيّ: هي إما السكون، والوقار، والخشوع، وإما الملائكة الذين يستمعون القرآن، سُمُّوا بذلك؛ لِمَا هم عليه من السكون والخشوع. انتهى (٢). (وَغَشِيَتْهُمُ)؛ أي: أتتهم، وعَلَتهم، وغّتهم (الرَّحْمَةُ)؛ أي: فتكفّر خطيئاتهم، وتُرفع درجاتهم، ويصلون إلى جنته وكرامته، (وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ)؛ أي: أحدقت ملائكة الرحمة، والبركة، وأحاطت بهم، أو طافت بهم، وداروا حولهم إلى سماء الدنيا، يستمعون القرآن، ودراستهم، ويحفظونهم من الآفات، ويزورونهم، ويصافحونهم، ويؤمّنون على دعائهم، (وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)؛ أي: في الملأ الأعلى، والطبقة العليا من الملائكة المقرّبين، ثم يَحْتَمل أن يكون هذا الذكر ذكر ثناء وتشريف، ويَحْتَمل أن يكون ذكر مباهاة؛ أي: أن الله تعالى يباهي بهم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي تركوا أشغالهم، وأقبلوا عليّ، يذكروني، ويقرؤون كتابي، كما ثبت ذلك فيمن يقف بعرفة. وقال الحافظ ابن رجب كثّلُهُ: وذِكر الله لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته، ومباهاته به، وتنويهه بذكره. قال الربيع بن أنس: إن الله ذاكر مَن ذكره، وزائد مَنْ شكره، ومعذِّب مَن كفره، قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، ٤٢ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٨ وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا وصلاة الله على عبده هي ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاريّ في (صحيحه)). انتهى(٣). (وَمَنْ بَطََّ) بتشديد الطاء، من التبطئة، ضدّ التعجل؛ كالإبطاء، والْبُطء، نقيض السرعة، وفي رواية ابن ماجه: ((ومن أبطأ))، والباء في (بِهِ) للتعدية؛ أي: من أخّره، وجعله بطيئاً عن بلوغ درجة السعادة. (عَمَلُهُ) السيئ في الآخرة، أو تفريطه للعمل الصالح في الدنيا، (لَمْ يُسْرِعْ بِهِ) من الإسراع؛ أي: (١) ((شرح النوويّ)) ٢١/١٧. (٣) ((جامع العلوم والحكم)) ٣٠٧/٢. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٨٧ - ٦٨٨. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر ، والدعاء، والتوبة لم يقدّمه (نَسَبُهُ))؛ أي: شَرَف نَسَبه؛ يعني: أنه لا يَجْبر نقصه كونه نسيباً في قومه؛ إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب، بل بالأعمال الصالحة، والآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى، والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنَقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال القرطبيّ تَّتُهُ: يعني: أن الآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى، والعمل الصالح، لا الفخر الراجح، ولا النسب الواضح(١). وقال النوويّ كَُّهُ: معناه: من كان عمله ناقصاً لم يُلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء، ويقصّر في العمل. انتهى(٢). [فإن قلت]: هذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَنْهُمْ ذُرِّيَّهُهُم بِإِبِمَنٍ أَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، فإنه يدلّ على أن النسب ينفع. [قلت]: هذه الآية فيمن تَبِع في الإيمان، ولكنه مقصّر في بعض الأعمال، فيُلحق بهم تكريماً لهم، وأما الحديث فهو محمول على من اتبع هواه، فضلّ السبيل، فإنه لا ينفعه نسبه، ولا يُلحقه بآبائه. انتهى. وقال الطيبيّ كَُّهُ: قوله: ((ومن بطّأ به عمله ... إلخ)) تذييل بمعنى التعظيم لأمر الله تعالى، فالواو فيه، وفي قوله: ((والله في عون العبد)) استئنافيّة، وبقيّة الواوات عاطفة، وأخرج الأخير مخرج الحصر خصوصاً بـ(ما))، و((إلا))؛ ليقطع الحكم به، ويكمل العناية بشأنه (٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُله هذا من أفراد المصنِّف ◌َخْذَتُهُ. [تنبيه]: ذكر أبو الفضل بن عمّار الحافظ علّة لهذا الحديث، فقال: هو حديث رواه الخلق عن الأعمش، عن أبي صالح، فلم يذكر الخبر في إسناده غير أبي أسامة، فإنه قال فيه: عن الأعمش، قال: حدّثنا أبو صالح، ورواه (١) ((المفهم)) ٦٨٨/٦. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٦٥/٢. (٢) ((شرح مسلم)) ٢٢/١٧ - ٢٣. ١٧٧ (١١) - بَابُ فَضْلِ الاِجْتِمَاعِ عَلَى نِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩) أسباط بن محمد عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والأعمش كان صاحب تدليس، فربّما أخذ عن غير الثقات. انتهى كلام ابن عمار. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن عمّار: أن هذا الحديث فيه انقطاع بسبب أن الأعمش مدلّس، فلعله أخذه عن غير ثقة، فدلّسه. ویجاب عن هذا بأمور: أحدها: أن أبا أسامة صرّح عند مسلم بقول الأعمش: حدّثنا أبو صالح، وأبو أسامة من الحفّاظ المتقنين، كما هو مصرّح به في ترجمته في ((التهذيب)) وغيره. الثاني: أن الاعتراض على رواية أبي أسامة برواية أسباط بن محمد ليس من عمل أهل الإنصاف، فإن أبا أسامة حافظ ثقة ثبت، وأما أسباط فمختلَف فيه، راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب))(١)، فقد ضعّفه الكوفيّون، ولا سيّما في الثوريّ، قال الدوريّ عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يخطئ عن سفيان، وقال الغلابي عنه: ثقة، والكوفيون يضعّفونه، وقال الْبَرْقيّ عنه: الكوفيون يضعّفونه، وهو عندنا ثَبْت فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقال العقيليّ: ربما يهم في الشيء، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقاً، إلا أن فيه بعض الضعف. من ((تهذيب التهذيب)) انتهى باختصار. فمن كان مثل هذا كيف يضعف به مثل أبي أسامة الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: أبو أسامة أثبت من مائة مثل أبي عاصم (٢)؟ كان صحيح الكتاب، ضابطاً للحديث، كَيّساً صدوقاً، وقال أيضاً: كان ثبتاً، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ، وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً، كثير الحديث يدلّس، ويبيّن تدليسه، وكان صاحب سُنَّة وجماعة، وقال العجليّ كان ثقة، وكان يُعَدّ من (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٨٥/١. (٢) تأمل هذه العبارة، فإنها من أرفع التوثيق، فإن أبا عاصم النبيل إمام حجة، ومع ذلك فضّل الإمام أحمد أبا أسامة عليه، فتبصّر. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة حكماء أصحاب الحديث. انتهى من ((التهذيب)) أيضاً باختصار(١). والحاصل: أن مخالفة أسباط لأبي أسامة لا قيمة لها، ولا وزن عند من أنصف، وسلك سبيل النقد الصحيح، فتأمل بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. الثالث: أن مسلماً أخرجه هنا، وهو من أعلم الناس بالعلل، وهو يعلم تدليس الأعمش، وأزال التهمة عنه بذكر الطريق الثاني المصرّح بالتحديث تأكيداً لعدم تدليسه؛ لأن أبا أسامة ثقة ثبتٌ حجة، فتصريحه بالتحديث زيادة مقبولة لا شكّ فيها، كما هو رأي مسلم كَُّهُ. الرابع: أن تدليس الأعمش خاصّ بمن أقلّ عنهم الرواية من شيوخه، وأما الذين أكثرَ عنهم الرواية فلا يدلّس عنهم، ومنهم أبو صالح السّمّان، شيخه في هذا السند، وقد صرَّح بهذه القاعدة الحافظ الذهبيّ تَّتُهُ في ((الميزان))، ومن هو الذهبيّ؟، هو الذهب النضير، والناقد البصير، والمحقّق الخبير، ودونك نصّه: ((ومتى قال: ((عن)) تطرّق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ أكثرَ عنهم؛ كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال)). انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الحجج أن هذا الحديث صحيح، لا غبار في صحّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٢٩/١١ و٦٨٣٠] (٢٦٩٩)، و(أبو داود) في (الأدب)) (٣٦٤٣ و٤٩٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٢٥) و((البرّ والصلة)) (١٩٣١) و((القراءات)) (٢٩٤٦)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٢٢٥) و((الحدود)) (٢٥٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٥/٩ - ٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٢/٢ و٢٧٤ و٣٢٥ و٤٠٦ و٥٠٠ و٥١٤ و٥٢٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٥١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٤ و٥٠٤٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١) ((تهذيب التهذيب)) ٣/٣ - ٤. (٢) ((ميزان الاعتدال)) ٢٢٤/٢. ١٧٩ (١١) - بَابُ فَضْلِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨٢٩) (١١٩/٨)، و(القُضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٤٥٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٧). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث حديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد، والآداب. ٢ - (ومنها): بيان فضل التنفيس عن المسلم، والحثّ عليه. ٣ - (ومنها): بيان فضل الستر على المسلم، وعدم كشف معايبه، وهذا مخصوص بمن كان مستقيماً، وأما الفاسق المنتهك لحرمات الله رحمت فلا يُستر عليه، بل يجب ردعه عن جرائمه بحسب ما يقتضيه الحال. ٤ - (ومنها): بيان فضل العلماء، والحثّ على العلم. ٤ - (ومنها): بيان فضل إنظار المعسر، والتخفيف عنه. ٥ - (ومنها): بيان فضل قيام العبد بعون أخيه المسلم، وقضاء حوائجه، ونَفْعه بما تيسّر، من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة، أو غير ذلك. ٦ - (ومنها): فضل المشي في طلب العلم، والمراد به: العلم الشرعيّ، علم الكتاب والسُّنَّة، لا العلم المتعلّق بأمور الدنيا، فإن النبيّ ◌َّر لم يُبعث له، فقد أخرج مسلم عن أنس به؛ أن النبيّ وَّهِ مَرّ بقوم يُلَفِّحون، فقال: ((لو لم تفعلوا لصلح))، قال: فخرج شِيصاً، فمرّ بهم، فقال: ((ما لنخلكم؟)) قالوا: قلت كذا وكذا، قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)). ومما يتعيّن على طالب العلم أن يقصد به وجه تعالى، وهو وإن كان شرطاً في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيّدون هذه المسألة به؛ لكونه قد يَتساهل فيه بعض الناس، ويغفُل عنه بعض المبتدئين ونحوهم، قاله النوويّ ◌َذَلُهُ(١) . ٧ - (ومنها): بيان استحباب الرحلة في طلب العلم، وقد ذهب موسى علا في طلب الخضر لعلّها لذلك، فقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ (١) ((شرح النوويّ)) ٢١/١٧. ١٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة مِمَا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن مسيرة شهر في حديث واحد، كما علّقه البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه)) أنیس في ((باب الخروج في طلب العلم))، وأخرج قصة موسى والخضر بلّ في ذلك الباب. قال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: الحديث فيه الحضّ والترغيب في الرحلة في طلب العلم، والاجتهاد في تحصيله، وقد ذكر أبو داود هذا الحديث من حديث أبي الدرداء، وزاد زيادات حسنة، فقال: عن أبي الدرداء ظ به قال: سمعت رسول الله وَ* يقول: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لَتَضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً، ولا درهماً، ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)). وهذا حديث عظيم يدلّ على أن طلب العلم أفضل الأعمال، وأنه لا يبلغ أحد رتبة العلماء، وإن رتبتهم ثانية عن رتبة الأنبياء. وقوله: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم)): قيل: معناه: تخضع له، وتعظّمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء؛ لأنَّ جناح الطائر يده. وقوله: ((وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض))؛ يعني بـ(من)) هنا: من يعقل، وما لا يعقل، غير أنه غلب عليه من يعقل، بدليل أن هذا الكلام قد جاء في غير كتاب أبي داود، فقال: ((حتى النملة في جُحرها، وحتى الحوت في جوف الماء)»، وعلى هذا المعنى يدلّ - من حديث أبي داود هذا - عَظْف الحيتان بالواو على ((من في السموات، ومن في الأرض))، فإنَّه يفيد أن من يعقل، وما لا يعقل يستغفر للعالم، فأمَّا استغفار من يعقل فواضح، فإنَّه دعاء بالمغفرة، وأما استغفار ما لا يعقل، فهو - والله أعلم - أن الله يغفر له، ويأجره بعدد كل شيء لَحِقه أثرٌ من علم العالم. وبيان ذلك: أن العالم يبيّن حكم الله تعالى في السموات وفي الأرض، وفي كل ما فيهما، وما بينهما، فيغفر له ذنبه، ويعظم له أجره بحسب ذلك.