Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨١٥)
تركتم عبادي يصنعون؟))، وفي رواية البخاريّ: ((ما يقول عبادي؟))، (فَيَقُولُونَ:
جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ،
وَيَحْمَدُونَكَ)؛ أي: يعظّمونك بذكر صفات كمالك، وجلالك، (وَيَسْأَلُونَكَ)
وفي رواية أبي معاوية: ((فيقولون: تركناهم يحمدونك، ويمجّدونك،
ويذكرونك))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((قالوا: ربنا مررنا بهم، وهم
يذكرونك ... إلخ))، وفي حديث أنس عند البزار: ((ويعظّمون آلاءك، ويتلون
كتابك، ويصلُّون على نبيّك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم)).
قال الحافظ تَّهُ: ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر،
وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة، من تسبيح، وتكبير،
وغيرهما، وعلى تلاوة كتاب الله ميل، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة،
وفي دخول قراءة الحديث النبويّ، ومدارسة العلم الشرعيّ، ومذاكرته،
والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظرٌ، والأشبه اختصاص ذلك
بمجالس التسبيح، والتكبير، ونحوهما، والتلاوة حسبُ، وإن كانت قراءة
الحديث، ومدارسة العلم، والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى
ذِكر الله تعالى. انتهى كلام الحافظ نَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن دخول مجالس العلم في مجالس
الذكر هو الأظهر، ولو فرضنا عدم دخولها، فما ورد في فضل العلماء،
وطلاب العلم لا يكون أدنى مما ورد في الذكر، فقد صحّ عنه وَّ أنه قال:
((إن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى
الحوت، ليصلّون على معلِّم الناس الخير))، رواه الترمذيّ، من حديث أبي
أمامة څہ، وهو حديث صحيح.
وأخرج أبو داود عم أبي الدرداء ظله قال: سمعت رسول الله وَله يقول:
((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن
الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في
السماوات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على
(١) ((الفتح)) ٤٦٣/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٨).

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء،
وإن الأنبياء لم يُوَرّثوا ديناراً، ولا درهماً، وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ
وافر)).
وسيأتي لمسلم قريباً من حديث أبي هريرة اته الطويل، وفيه: (ومن
سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة)).
فهذه النصوص الواردة في العلماء، وطلاب العلم ليست بأنقص مما ورد
في حديث الباب للذاكرين، على أنهم في الحقيقة من الذاكرين الله كثيراً،
والذاكرات؛ لأنهم يتدراسون كتاب الله، وأحاديث رسول الله وَّله، ويتفقّهون
فيهما، وهذا هو الذكر بعينه، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق.
(قَالَ) الله رَى للملائكة: (وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟)؛ أي: شيء يسأل هؤلاء
الذاكرون؟ (قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ)؛ أي: أن تُدخلهم فيها، وفي رواية
البخاريّ: ((يسبّحونك، ويكبّرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول:
هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله، ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو
رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدّ لك عبادةً، وأشدّ لك تمجيداً،
وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة ... ))
الحدیث.
(قَالَ) الله تعالى: (وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟) حتى يسألوني أن أدخلهم فيها،
(قَالُوا: لَا أَيْ رَبِّ)؛ أي: لم يَرَوْها، وإنما أخبرتَهم بها في كتابك، وعلى
لسان رسولك، فآمنوا، وصدَّقوا، واشتاقوا إليها، (قَالَ) الله تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ
رَأَوْا جَنَّتِي؟)؛ أي: فكيف يكون شوقهم إليها لو رأوها؟ زاد في رواية
البخاريّ: ((لو أنهم رأوها كانوا أشدّ عليها حرصاً، وأشدّ لها طلباً، وأعظم
فيها رغبةً)).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فكيف لو رأوا جنتي؟)) هذا يدلّ على أن
للمعاينة زيادةَ مزيّة على العلم في التحقيق والوضوح، فإنَّ هؤلاء القوم
المتذكّرين للجنة والنار كانوا عالمين بذلك، ومع ذلك، فإنَّ الله تعالى قال:
(فكيف لو رأوها»، يعني: لو رأوها لحصل من اليقين والتحقيق زيادةٌ على ما
عندهم، ولتحصيل هذه الزيادة سأل موسىظلَّلا الرؤية، والخليل لعلّ* مشاهدة

١٢٣
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨١٥)
إحياء الموتى، وقد تقدَّم هذا المعنى. انتهى(١).
(قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ)؛ أي: يطلبون منك الأمان من النار، وأن تحفظهم
منها، (قَالَ) الله تعالى: (وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارَِكَ يَا رَبِّ قَالَ) الله
تعالى: (وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟) حتى يستجيروني منها، (قَالُوا: لَا)؛ أي: لم يروها،
وإنما آمنوا بها، وصدّقوا بما أنزلته في كتابك، وعلى لسان رسولك وَلّ من
أغلالها، وأنكالها، وأهوالها الشداد، (قَالَ) الله تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا
نَارِي؟)؛ أي: فكيف حالهم لو رأوا ناري عياناً ومشاهدةً؟، زاد في رواية
البخاريّ: ((كانوا أشدّ منها فراراً، وأشدّ لها مخافةً))، وفي رواية أبي معاوية:
((كانوا أشدّ منها هَرَباً، وأشدّ منها تعوّذاً وخوفاً)).
(قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ)؛ أي: يطلبون منك مغفرة ذنوبهم، (قَالَ) وَلّ:
(فَيَقُولُ) الله رَى: (قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) ذنوبهم (فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا)؛ أي: من
دخول الجنّة، ومغفرة الذنوب، (وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا)؛ أي: من النار،
(قَالَ) وَّهِ: (فَيَقُولُونَ)؛ أي: الملائكة لها، وفي رواية البخاريّ: ((فيقول ملَك
من الملائكة))، ويُجمع بأن الذي قال أحدهم، ونُسب إليهم لرضاهم به. (رَبِّ)
بحذف حرف النداء؛ أي: يا رب (فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءُ)؛ أي: كثير الخطأ
(إِنَّمَا مَرَّ) بهم (فَجَلَسَ مَعَهُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((يقول ملك من الملائكة:
فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة))، في رواية أبي معاوية: ((فيقولون: إن
فيهم فلاناً الخطّاء، لم يُرِدْهم، إنما جاء لحاجة)).
قال القرطبيّ كَّلُ: إنما استبعدت الملائكة أن يدخل هذا مع أهل
المجلس في المغفرة؛ لأنَّه لم تكن عادَتُه حضور مجالس الذكر، وإنما كانت
عادته ملازمة الخطايا، فعَرَض له هذا المجلس، فجلسه، فدخل مع أهله فيما
قُسِم لهم من المغفرة، والرحمة، فيُستفاد منه الترغيب العظيم، في حضور
مجالس الذكر، ومجالسة العلماء، والصالحين، وملازمتهم. انتهى(٢).
(قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ)؛ أي: لفلان الخطَّاء (غَفَرْتُ) خطاياه بسببهم؛ لأنهم
(١) ((المفهم)) ٧/ ١٢.
(٢) ((المفهم)) ١٣/٧.

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(هُمُ الْقَوْمُ) في تعبيره باللام إشعار بالكمال؛ أي: هم القوم كلّ القوم على حدّ
قول الشاعر [من الطويل]:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجِ دِمَاؤُهُم ◌ُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدٍ
(لَا يَشْقَى بِهِمْ)؛ أي: بسببهم، وبسبب إكرام الله تعالى لهم، (جَلِيسُهُمْ)؛
أي: مُجالِسهم، ولو لم يُرد ذلك، ولا قَصَده، وإنما قَصْده غرض آخر من
الأغراض الدنيويّة.
قال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((لا يشقى بهم جليسهم)) هذه مبالغة في
إكرامهم، وزيادةٌ في إعلاء مكانتهم، ألا ترى أنه أَكْرَم جليسهم بنحو ما أُكرموا
به؛ لِأَجْلهم، وإن لم يشفعوا فيه، ولا طلبوا له شيئاً، وهذه حالةٌ شريفةٌ،
ومنزلة مُنيفة، لا خيّبنا الله منهم، وجعلنا من أهلها. انتهى(١).
وفي رواية البخاريّ: ((هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم))، وللترمذيّ:
((لا یشقی لهم جلیس)).
قال في ((الفتح)): وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضِي لكونهم أهل
الكمال، وقد أخرج جعفر في ((الذكر)) من طريق أبي الأشهب، عن الحسن
البصريّ، قال: ((بينا قوم يذكرون الله، إذ أتاهم رجل، فقعد إليهم، قال:
فنزلت الرحمة، ثم ارتفعت، فقالوا: ربنا فيهم عبدك فلان، قال: غَشُّوهم
رحمتي، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم))، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي
الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قيل: لَسَعِد بهم جليسهم، لكان ذلك في غاية
الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود. انتهى (٢)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّله هذا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((المفهم)) ٧/ ١٢٣.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٤/١٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٨).

١٢٥
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨١٥)
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨١٥/٨] (٢٦٨٩)، و(البخاريّ) في
((الدعوات)) (٦٤٠٨)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٦٠٠)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٥١/٢ و٢٥٢ و٢٥٨ و٢٥٩ و٣٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٨٥٦ و٨٥٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٩٥/١)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٣٩٩/١)، و(الأصفهانيّ) في ((العظمة)) (٩٨٩/٣)، و(الطبرانيّ) في
(«الدعاء)) (٥٣٠/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل مجالس الذكر، والذاكرين، وفضل الاجتماع على
ذلك، قال النوويّ تَظُّْ: وفي هذا الحديث فضيلة الذكر، وفضيلة مجالسه،
والجلوس مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضل مجالسة الصالحين، وبركتهم،
والله أعلم. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان أن جليس الذاكرين يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله
تعالى به عليهم؛ إكراماً لهم، ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.
٣ - (ومنها): بيان محبة الملائكة لقوله بني آدم، واعتنائهم بهم.
٤ - (ومنها): بيان أن السؤال قد يصدر من السائل، وهو أعلم بالمسؤول
عنه من المسؤول؛ لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقَدْره، والإعلان
بشَرَف منزلته .
٥ - (ومنها): ما قيل: إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر
الإشارةَ إلى قولهم: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ
وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ [البقرة: ٣٠]، فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من
التسبيح، والتقديس، مع ما سُلُّط عليهم من الشهوات، ووساوس الشيطان،
وكيف عالجوا ذلك، وضاهوكم في التسبيح، والتقديس.
٦ - (ومنها): ما قيل أيضاً: إنه يؤخذ من هذا الحديث: أن الذكر
الحاصل من بني آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة؛ لحصول
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥/١٧.

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل، ووجود الصوارف، وصدوره في عالم الغيب،
بخلاف الملائكة في ذلك کله.
٧ - (ومنها): بيان كَذِب من اذَّعَى من الزنادقه أنه يَرَى الله تعالى جهراً
في دار الدنيا، وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي أمامة ظُه، رفعه:
((واعلموا أنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا)).
٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ القَسَم في الأمر المحقّق تأكيداً له، وتنويهاً
به .
٩ - (ومنها): أن فيه أن الذي اشتَمَلت عليه الجنة من أنواع الخيرات،
والنارُ من أنواع المكروهات فوق ما وُصفتا به، وأن الرغبة، والطلب من الله،
والمبالغة في ذلك من أسباب الحصول، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(١).
١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَّلهُ: ذِكر الله تعالى ضربان: ذكر
بالقلب، وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان:
أحدهما - وهو أرفع الأذكار، وأجلّها -: الفكر في عظمة الله تعالى
وجلاله، وجبروته، وملكوته، وآياته في سمواته وأرضه، ومنه الحديث: ((خير
الذكر الخفي))(٢)، والمراد به هذا.
والثاني: ذِكره بالقلب عند الأمر، والنهي، فيمتثل ما أمر به، ويترك ما
نَھَى عنه، ويقف عما أشكل عليه.
وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم، كما
جاءت به الأحاديث، قال: وذكر ابن جرير الطبريّ وغيره اختلاف السلف في
ذِكر القلب واللسان أيهما أفضل؟ قال القاضي: والخلاف عندي إنما يُتصور في
مجرد ذكر القلب تسبيحاً، وتهليلاً، وشِبههما، وعليه يدلّ كلامهم، لا أنهم
مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه، وإلا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان،
(١) ((الفتح)) ١٤ / ٤٦٤ - ٤٦٥، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٨).
(٢) حديث ضعيف، أخرجه ابن حبّان في «صحيحه)) ٩١/٣، من حديث سعد بن أبي
وقاص رظُه قال: سمعت النبيّ ◌َ﴿ يقول: ((خير الذكر الخفيّ، وخير الرزق - أو
العيش - ما يكفي))، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة: ضعيف.

١٢٧
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨١٥)
فكيف يفاضله، وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد، ونحوه،
والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، فإن كان لاهياً فلا.
واحتَجّ من رَجّح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل، ومن رجح ذكر
اللسان قال: لأن العمل فيه أكثر، فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر.
قال القاضي: واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبه،
ويجعل الله تعالى لهم علامة، يعرفونه بها، وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يَطّلع
عليه غير الله.
قال النوويّ تَخْلُهُ: الصحيح أنهم يكتبونه، وأن ذكر اللسان مع حضور
القلب أفضل من القلب وحده، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما صححه النوويّ تَخْلُ هو الصحيح عندي؛
لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في ذكر بعض ما ورد في فضل الذكر:
(اعلم): أنه ورد في فضل الذكر أحاديث غير ما في الباب:
منها: حديث أبي هريرة به: قال النبيّ وَلافيه: ((يقول الله تعالى: أنا عند
ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ... )) الحديث، متَّفقٌ عليه، وقد تقدّم قبل
باب.
ومنها: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظ له أيضاً، رفعه:
((يعقد الشيطان ... )) الحديث، وفيه: ((فإن قام، فذكر الله انحلت عقدة ... )).
ومنها: ما يأتي لمسلم بعد بابين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد
مرفوعاً: ((لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى، إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم
الرحمة، ونزلت عليهم السكينة ... )) الحديث.
ومن حديث أبي ذرّ ◌َُّبه رفعه: ((أحب الكلام إلى الله ما اصطفى
لملائكته: سبحان ربي وبحمده ... )) الحديث.
ومن حديث معاوية ظ له رفعه: ((أنه قال لجماعة جلسوا يذكرون الله
تعالى: أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)).
(١) ((إكمال المعلم)) ١٨٩/٨، و((شرح النوويّ)) ١٥/١٧ - ١٦.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ومن حديث سمرة ظُه رفعه: ((أحب الكلام إلى الله أربع: لا إله إلا الله،
والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، لا يضرّك بأيهن بدأت)).
ومن حديث أبي هريرة نظلله رفعه: ((لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس)).
وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن الحارث بن الحارث
الأشعريّ رَُّّه في حديث طويل، وفيه: ((فآمركم أن تذكروا الله، وإن مثل
ذلك، كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حِصْن حصين
أحرز نفسه منهم، فكذلك العبد لا يُحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله
تعالی)).
وعن عبد الله بن بُسْر ◌َظُله: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع
الإسلام قد كَثُرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رَظْباً
من ذكر الله))، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم.
وأخرج ابن حبان نحوه أيضاً من حديث معاذ بن جبل نظر ته، وفيه: أنه
السائل عن ذلك
وأخرج الترمذيّ من حديث أنس ظُه رفعه: ((إذا مررتم برياض الجنة
فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر)).
وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، من حديث أبي
الدرداء به مرفوعاً: ((ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم،
وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن
تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال:
ذكر الله رد)) .
ويُجمع - كما قال الحافظ رَّتُهُ - بين حديث أبي الدرداء هذا وبين ما
ورد في فضل المجاهد أنه كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يَفْتُر، وغير ذلك مما
يدلّ على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة، بأن المراد بذكر الله - والله
أعلم - في حديث أبي الدرداء هو الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان
والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له
ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلاً من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية

١٢٩
(٩) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ بِـ«اللَّهُمَّ أَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ... إلخ - حديث رقم (٦٨١٦)
الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك،
كمن يذكر الله بلسانه وقلبه، واستحضاره، وكل ذلك حال صلاته، أو في
صيامه، أو تصدّقه، أو قتاله الكفار مثلاً فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم
عند الله تعالى.
وأجاب القاضي أبو بكر ابن العربيّ كَُّ بأنه ما من عمل صالح إلا
والذكر مشترَط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله بقلبه عند صَدَقته، أو صيامه
مثلاً فليس عمله كاملاً، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية، ويشير
إلى ذلك حديث: ((نية المؤمن أبلغ من عمله))(١)، ذكره الحافظ ◌َُّهُ، وهو
بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٩) - (بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ بِ («اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً،
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٦] (٢٦٩٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي:
ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ - قَالَّ: سَأَلَ قَتَادَةُ أَنَساً: أَيُّ دَعْوَةٍ
كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ أَكْثَرَ؟ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْهُو بِهَا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ آتِنَا
فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَّةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، قَالَ: وَكَانَ أَنَسِّ إِذَا أَرَادَ
أَنْ يَدْهُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْهُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) ابن إبراهيم البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، تقدَّم أيضاً قبل أربعة
أبواب.
(١) حديث لا يثبت، بل قال الشيخ الألبانيّ تَظّتُهُ: موضوع.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
والباقيان ذُكرا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّتُهُ، وهو (٤٢٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسلٌ بالبصريين غير شيخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ، وفيه قوله: ((يعني: ابن
عُليّة))، وقوله: (وهو ابن صُهيب)) إنما أتى بـ((يعني))، وبـ((هو)) لأن زُهيراً لم
ينسب إسماعيل إلى أمه، وكذا إسماعيل لم ينسب شيخه إلى أبيه، بل
أهملهما، فزاد المصنّف: ((ابن عليّة))، وكذا زاد هو أو شيخه: ((ابن صهيب))
للبيان، ففصل زيادته بـ((يعني)) وبـ(هو)) للتمييز، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَخّلُهُ
في ((ألفيّة الأثر)) بقوله:
فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْف مَنْ
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بِـ((إِنَّ) أَوْ بِـ((هُو))
وَالْفَضْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ
وفيه أنس ظه الخادم الشهير، وأحد المكثرين السبعة المجموعين في
تولي:
مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَابِرِ الْغُرَرْ
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ
فَأَنَسِّ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ -) بضّم الصاد المهملة، مصغّراً
الْبُنَانِيّ أنه (قَالَ: سَأَلَ قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُّوسيّ، وهذا يدلّ على أن عبد العزيز
حضر السؤال، فيكون من روايته عن أنس، لا عن قتادة، ولهذا في رواية
البخاريّ من طريق عبد الوارث: ((عن عبد العزيز، عن أنس))، وقد ثبت أيضاً
أنه سأل أنساً، كما سأله قتادة، ففي رواية ابن حبّان من طريق شعبة عن
إسماعيل ابن عليّة عن عبد العزيز بن صُهيب قال: قلت لأنس بن مالك:
أخبرني عن دعاء كان يدعو به النبيّ وَّه ... الحديث. (أَنَساً) ﴿به، وقوله:
(أَيُّ دَعْوَةٍ) تفسير للسؤال، و((أيُّ)) استفهاميّة مبتدأ، خبرها جملة قوله: (كَانَ

١٣١
(٩) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ بِـ«اللَّهُمَّ آِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَّةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ... إلخ - حديث رقم (٦٨١٦)
يَدْعُو بِهَا)؛ أي: بالدعوة (النَّبِيُّ وََّ) وقوله: (أَكْثَرَ؟) منصوب على الحال، أو
نَعْت للمصدر؛ أي: دعاء أكثر. (قَالَ) أنس ◌َظُه جواباً للسؤال: (كَانَ أَكْثَرُ
دَعْوَةٍ يَدْعُو) النبيّ ◌َِِّ (بِهَا) أكثر، وقوله: (يَقُولُ) بتقدير ((أن)) المصدريّة؛ أي:
أن يقول، وحَذْفها مع رَفْع الفعل قياس على الصحيح؛ وليس شاذّاً؛ لوقوعه في
القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَ مِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وإنما
الشاذّ، حَذْفها مع نَصْب الفعل، كما قال ابن مالك تَخُّْ في «الخلاصة)):
مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى
والمصدر المؤول خبر ((كان)).
((اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)؛ يعني: الصحة، والكفاف، والعفاف،
والتوفيق للخير، (وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً)؛ يعني: الثواب، والرحمة، (وَقِنَا) بالعفو
والمغفرة، (عَذَابَ الثَّارِ))) الذي استحققناه بسوء أعمالنا (١)، وسيأتي بيان
اختلاف العلماء في تفسير الحسنة في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) عبد العزيز: (وَكَانَ أَنَسٌْ) ◌َبِهِ (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَهْوَةٍ)؛ أي:
واحدة، فالتاء للمرّة، (دَعَا بِهَا)؛ أي: بهذه الدعوة، وهي: ((اللَّهُمَّ آتنا ...
إلخ))، (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ)؛ أي: كثير، (دَعَا بِهَا)؛ أي: الدعوة
المذكورة (فِيهِ)؛ أي: في جملة الدعاء الكثير.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي نعيم، حدّثنا عبد السلام أبو
طالوت: كنت عند أنس، فقال له ثابت: إن إخوانك يسألونك أن تدعو لهم،
فقال: ((اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار - فذكر
القصّة، وفيها ـ: إذا آتاكم الله ذلك، فقد آتاكم الخیر کله)).
وأخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) من حماد بن سلمة، عن ثابت أنهم قالوا
لأنس بن مالك: ادع الله لنا، فقال: ((اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة
حسنة، وقنا عذاب النار))، قالوا: زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، فأعادها، فقالوا:
زدنا، فقال: ((ما تريدون؟ سألت لكم خير الدنيا والآخرة ... )) الحديث(٢).
قال القاضي عياض: إنما كان يُكثر الدعاء بهذه الآية؛ لِجَمْعها معاني
(١) ((فيض القدير)) ١٥١/٢.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢١٨/٣.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الدعاء كلّه، من أمر الدنيا والآخرة، قال: والحسنة عندهم ها هنا النعمة،
فسأل نعيم الدنيا والآخرة، والوقاية من العذاب، نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا
بذلك، ودوامه (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨١٦/٩ و٦٨١٧] (٢٦٩٠)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤٥٢٢) و((الدعوات)) (٦٣٨٩) وفي ((الأدب المفرد)) (٦٨٢)، و(أبو
داود) في ((الصلاة)) (١٥١٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٦١/٦ و٣٠١) وفي
((عمل اليوم والليلة)) (١٠٥٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٣٦)، و(أحمد)
في «مسنده)) (٢٠٨/٣ و٢٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٤٨/١٠)،
و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (٤٠٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٣٧
و٩٣٨ و٩٣٩ و٩٤٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٣٩٧ و٣٥٢٥)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٨١ و١٣٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء، والآيات، والأحاديث الصحيحة في
ذلك كثيرة .
٢ - (ومنها): استحباب الدعاء بهذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا
حسنة ... ))؛ لكثرة ملازمة النبيّ ◌َ لقو له.
٣ - (ومنها): أن من هدي النبيّ ◌َّ أنه كان يحبّ الجوامع من الدعاء،
كهذا الدعاء، فعن عائشة رضيثا قالت: ((كان رسول الله وَل يستحب الجوامع من
الدعاء، ويَدَع ما سوى ذلك))(٢).
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص والطلب من أكابرهم
(١) ((إكمال المعلم)) ٣/٨.
(٢) حديث صحيح. رواه أبو داود في ((سننه)) ٢/ ٧٧.

١٣٣
(٩) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ بِـ«اللَّهُمَّ آتِنَافِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَّةً .. إلخ - حديث رقم (٦٨١٦)
قال: قال
الدعاء لهم، والإلحاح عليهم؛ رجاء بركتهم، فعن ابن عباس .
رسول الله وَل: ((البركة مع أكابركم))(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في تفسير الحسنة
المذكورة في الآية:
(اعلم): أنه قد اختلفت عبارات السلف في تفسيرها، فعن الحسن قال:
هي العلم، والعبادة في الدنيا، أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، وعنه بسند
ضعيف: الرزق الطيب، والعلم النافع، وفي الآخرة: الجنة.
وتفسير الحسنة في الآخرة بالجنة، نقله ابن أبي حاتم أيضاً عن السّدّيّ،
ومجاهد، وإسماعيل بن أبي خالد، ومقاتل بن حيّان.
وعن ابن الزبير: يعملون في دنياهم لدنياهم وآخرتهم.
وعن قتادة: هي العافية في الدنيا والآخرة.
وعن محمد بن كعب القُرَظيّ: الزوجة الصالحة من الحسنات، ونحوه
عن يزيد بن أبي مالك.
وأخرج ابن المنذر من طريق سفيان الثوريّ قال: الحسنة في الدنيا:
الرزق الطيب، والعلم، وفي الآخرة: الجنة.
ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال: الحسنة في الدنيا: الْمُنَى،
ومن طريق السدّيّ قال: المال.
ونقل الثعلبي عن السديّ، ومقاتل: حسنة الدنيا: الرزق الحلال الواسع،
والعمل الصالح، وحسنة الآخرة: المغفرة والثواب.
وعن عطيّة: حسنة الدنيا: العلم، والعمل به، وحسنة الآخرة: تيسير
الحساب، ودخول الجنة.
وبسنده عن عوف قال: من آتاه الله الإسلام، والقرآن، والأهل، والمال،
والولد، فقد آتاه في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة.
ونقل الثعلبيّ عن سلف الصوفية أقوالاً أخرى متغايرة اللفظ، متوافقة
المعنى، حاصلها السلامة في الدنيا وفي الآخرة، واقتصر الكشّاف على ما نَقَله
(١) رواه الطبرانيّ في ((المعجم الأوسط)) ١٦/٩، وصححه ابن حبّان، والحاكم.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الثعلبيّ عن عليّ أنها في الدنيا: المرأة الصالحة، وفي الآخرة: الحوراء،
وعذاب النار: المرأة السوء.
وقال الشيخ عماد الدين ابن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب
دنيويّ، من عافية، ودار رَحْبة، وزوجة حسنة، وولد بارّ، ورزق واسع، وعلم
نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك، مما شملته
عباراتهم، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا .
وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من
الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك، من أمور الآخرة.
وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من
اجتناب المحارم، وتَرْك الشبهات، قال الحافظ: أو العفو محضاً، ومراده
بقوله: وتوابعه: ما يلتحق به في الذِّكر، لا ما يتبعه حقيقة، ذكر هذا كلّه في
((الفتح))، وهو بحثٌ نفيسٌ(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً،
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى البصري
القاضي، ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة ست وتسعين، تقدم في
((المقدمة)) ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب.
(١) ((الفتح)) ٤٣٠/١٤ - ٤٣١، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٨٩).

١٣٥
(١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٨)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه،
وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٨] (٢٦٩١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْلُكِ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
فِي يَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ
مِائَةُ سِّيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ
أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ
فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ(١)، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ أبو
عبد الله المدنيّ الفقيه إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى
قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلِّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر [٧]
(ت١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنة (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (سُمَيٍّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ،
ثقة [٦] (ت١٣٠) مقتولاً بقُديد (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٨/١٨.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
(١) وفي نسخة: ((حُطّت عنه خطاياه)).

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه،
وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره، وفيه مالك أحد الأئمة الأربعة، وفيه
أبو هريرة ظه، تقدّم القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) بسين مهملة، مصغّراً، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة في
(مسنده): عن زيد بن الْحُبَاب، عن مالك: حدّثني سُمَيّ مولى أبي بكر،
أخرجه ابن ماجه، وفي رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند: عن سُمَيّ
مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان
السمّان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّه، وفي رواية عبد الله بن سعيد: ((أنهً سمع أبا
هريرة))؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ)؛ أي: لا معبود بحقّ،
وقوله: (إِلَّا اللهُ) قيل: في موضع رفع بدلاً من ((لا إله)) لا خبرٌ؛ لأن ((لا))
لا تعمل في المعارف، ولو قلنا: خبر للمتبدإ، أو لـ((لا)) فلا يصح أيضاً؛
لِمَا يلزم عليه من تنكير المبتدإ، وتعريف الخبر، لكن قال السفاقسيّ: قد
أجاز الشلوبين أن خبر المبتدأ يكون معرفةً، ويسوغ الابتداء بالنكرة في
(١)
النفي. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما أجازه الشلوبين هو الحقّ، فقوله:
((إلا الله)) هو الخبر؛ لأن هذه الجملة جملة مفيدة دون تقدير، فلا حاجة إلى ما
تكلّفه الكثيرون من تقدير الخبر، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد،
وبالله تعالى التوفيق.
ثم أكّد الحصر المستفادَ من ((لا إله إلا الله)) بقوله: (وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ)
و(شريك)) مبني على الفتح، وخبر ((لا)) متعلق قوله: ((له)) مع ما فيه من تكثير
حسنات الذاكر، فـ((وحدَهُ)) حال مؤوّلة بـ(منفرداً))؛ لأن الحال لا تكون معرفة،
((ولا شريك له)) حال ثانية، مؤكدة لمعنى الأُولى. (لَهُ الْمُلْك) بضم الميم،
(١) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٣٥/٢.

١٣٧
(١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالذُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٨)
وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملة حالية أيضاً، ومن مَنَع
تعدد الحال جعل («لا شريك له)) حالاً من ضمير ((وحده)) المؤولة بـ«منفرداً)»،
وكذا ((له الملك)) حال من ضمير المجرور في (له))، وما بعد ذلك معطوفات،
قاله الزرقانيّ كَّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): هكذا في أكثر الروايات، وورد في بعضها زيادة:
(يُحيي ويميت))، وفي أخرى زيادة: ((بيده الخير))، وسيأتي بيان من زاد ذلك.
(فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) وفي رواية عبد الله بن سعيد: ((إذا أصبح))، ومثله في حديث
أبي أمامة عند جعفر الفريابيّ في ((الذكر))، ووقع في حديث أبي ذرّ تقييده بأن
ذلك في دُبُر صلاة الفجر قبل أن يتكلم، لكن قال: ((عشر مرات))، وفي
سندهما شهر بن حوشب، وقد اختُلف عليه، وفيه مقال، قاله في ((الفتح)) (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم غير مرّة، أن الحقّ في شهر، أنه حسن
الحديث، فلا تغفل.
(كَانَتْ)؛ أي: هذه الكلمات، وللبخاريّ: ((كان)) بالتذكير؛ أي: هذا
الذكر، (لَهُ عَدْلَ) بفتح العين؛ أي: مثل ثواب إعتاق (عَشْرٍ) بسكون الشين،
(رِقَابٍ) قال الفرّاء: العدل بالفتح: ما عَدَل الشيءَ من غير جنسه، وبالكسر:
المِثل، ذكره في ((الفتح)).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: عِدْلُ الشيءٍ بالكسر: مِثله من جنسه، أو مقداره،
قال ابن فارس: والعِدْلُ: الذي يعادل في الوزن والقدر، وعَدْلُهُ بالفتح: ما
يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة:
٩٥]، وهو مصدر في الأصل، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عَدْلاً، من باب ضرب:
إذا جعلته مِثله، قائماً مقامه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ بَعْدِلُونَ﴾
[الأنعام: ١]، وهو أيضاً الفدية، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ
﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال ◌َله: ((لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ، وَلا عَدْلٌ)). انتهى(٣).
وقوله: (رِقَابٍ) جمع رقبة، وهي في الأصل: العنق، فجُعلت كنايةً عن
(١) ((شرح الزرقانيّ)) ٣٥/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٩٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٤ / ٤٤٦.

١٣٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
جميع ذات الإنسان؛ تسميةً للشيء ببعضه؛ أي: يضاعَف ثوابها حتى يصير مثل
أصل ثواب العتق المذكور(١).
وفي رواية عبد الله بن سعيد: ((عدل رقبة))، ويوافقه رواية مالك حديث
البراء بلفظ: ((من قال: لا إله إلا الله))، وفي آخره: ((عشر مرات، كنّ له عدل
رقبة))، أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، ونظيره في حديث أبي
أيوب عند البخاريّ.
وأخرج جعفر الفِرْيابيّ في ((الذكر)) من طريق الزهريّ: أخبرني عكرمة بن
محمد الدؤليّ؛ أن أبا هريرة قال: ((من قالها فله عدل رقبة، ولا تعجزوا أن
تستكثروا من الرقاب))، ومثله رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، لكنه خالف
في صحابيه، فقال: عن أبي عياش الزُّرَقيّ، أخرجه النسائيّ.
(وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ) قال الطيبيّ تَخْتُ: جَعَل
في هذا الحديث التهليل ماحياً من السيئات مقدراً معلوماً، وفي حديث التسبيح
جعل التسبيح ماحياً لها مقدار زبد البحر، فيلزم أن يكون التسبيح أفضل، وقد
قال في حديث التهليل: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به)).
أجاب القاضي عياض بأن التهليل المذكور في هذا الحديث أفضل؛ لأن
جزاءه مشتمل على محو السيئات، وعلى عتق عشر رقاب، وعلى إثبات مائة
حسنة، والحرز من الشيطان(٢).
(وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً) بكسر الحاء المهملة، وسكون الراء، وبالزاي؛ أي:
حِصْناً مانعاً (مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ)؛ أي: في اليوم الذي قال فيه ذلك، وهو
منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ((حِرْزاً)). (ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ) قال القرطبيّ ◌َخْشُهُ:
يعني: أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم، فلا يقدر أن يَحمله
على زلّة، أو وسوسة ببركة تلك الكلمات. انتهى.
وفي رواية عبد الله بن سعيد: ((وحُفظ يومه حتى يمسي))، وزاد: ((ومن
قال مثل ذلك حين يمسي كان له مثل ذلك))، ومثل ذلك في طرق أخرى يأتي
التنبيه عليها بعدُ. (وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ) وللبخاريّ: ((ولم يأت أحد
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢١٤/٥.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢١٤/٥.

١٣٩
(١٠) - بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ - حديث رقم (٦٨١٨)
بأفضل مما جاء))، (إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال القرطبيّ تَخْتُ: معنى
(عَمِل)): قال، فسمّى القول عملاً، كما قد صرح به في الرواية الأخرى،
والذِّكر من الأعمال التي لا تنفع إلا بالنيّة، والإخلاص. انتهى(١).
وفي رواية البخاريّ: ((إلا رجل عَمِل أكثر منه))، وفي حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه: ((لم يجئ أحد بأفضل من عمله، إلا من قال
أفضل من ذلك))، أخرجه النسائيّ بسند صحيح إلى عمرو، قال في ((الفتح)):
والاستثناء في قوله: ((إلا رجل)) منقطع، والتقدير: لكن رجل قال أكثر مما
قاله، فإنه يزيد عليه، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً. انتهى(٢).
وقال الزرقانيّ كَّلُ: قوله: ((إلا أحد)) استثناء منقطع؛ أي: لكن أحد
عمل أكثر مما عمل، فإنه يزيد عليه، أو متّصل بتأويل.
قال ابن عبد البرّ: فيه تنبيه على أن المائة غاية في الذكر، وأنه قلّ من
يزيد عليه، وقال: إلا أحد؛ لئلا يُظَنّ أن الزيادة على ذلك ممنوعة، كتكرار
العمل في الوضوء.
ويَحْتَمِل أن يريد: لا يأتي أحد من سائر أبواب البرّ بأفضل مما جاء به،
إلا أحد عَمِل من هذا الباب أكثر من عمله، ونحوه قول القاضي عياض: ذِكْرُ
المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور، وقوله: ((إلا أحد)) يَحْتَمِل أن يريد
الزيادة على هذا العدد، فيكون لقائله من الفضل بحسابه؛ لئلا يُظَنّ أنه من
الحدود التي نُهي عن اعتدائها، وأنه لا فضل في الزيادة عليها، كما في ركعات
السنن المحدودة، وأعداد الطهارة.
ويَحْتَمِل أن تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره؛ أي: إلا
أن يزيد أحد عملاً آخر من الأعمال الصالحة.
وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في
اليوم متوالياً، أو مفرَّقاً في مجلس، أو مجالس، في أول النهار، أو في آخره،
لكن الأفضل أن يأتي به متوالياً في أول النهار؛ ليكون له حِرزاً في جميع
(١) ((المفهم)» ٢١/٧.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ٤٤٧، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٣).

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
نهاره، وكذا في أول الليل؛ ليكون له حرزاً في جميع ليله. انتهى(١).
(وَمَنْ) شرطيّة جوابها قوله: ((حُطّت خطاياه))، (قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ) معناه:
تنزيه الله عما لا يليق به، من كل نقص، فيلزم نفي الشريك، والصاحبة،
والولد، وجميع الرذائل، ويُطلق التسبيح، ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويُطلق،
ويراد به صلاة النافلة، وأما صلاة التسبيح فسمِّيت بذلك؛ لكثرة التسبيح فيها،
و((سبحان)) اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره:
سَبَّحتُ الله سُبحاناً، كسبحت الله تسبيحاً، ولا يُستعمل غالباً إلا مضافاً، وهو
مضاف إلى المفعول؛ أي: سبحت اللهَ، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل؛
أي: نَزَّه اللهُ نفسه، والمشهور الأول، وقد جاء غير مضاف في الشعر، كقوله:
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً أُنَزِّهُهُ(٢)
وقال في ((العمدة)): قوله: ((سبحان الله)) اسم مصدر للتسبيح، وقيل: بل
سبحان مصدر؛ لأنه سُمع له فعل ثلاثيّ، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة،
وقد يُفرد، وإذا أُفرد مُنع الصرفَ؛ للتعريف، وزيادة الألف والنون، كقوله:
سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ
وجاء مُنوّناً، کقوله:
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً يَعُودُ لَهُ وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ(٣)
فقيل: صُرف ضرورةً، وقيل: هو بمنزلة قبلُ، وبعدُ، إن نُوي تعريفه بقي
على حاله، وإن نُكِّر أُعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً، لا
اسم مصدر، ولوروده منصرفاً، ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا
نكرة، لا معرفة، وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية، فلا
ينصرف، والناصب له فِعل مقدَّر، لا يجوز إظهاره، وعن الكسائيّ: إنه مُنادَى،
تقديره: يا سبحانك، ومنعه جمهور النحويين، وهو مضاف إلى المفعول؛ أي:
سبحت اللهَ، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل؛ أي: نَزَّه اللهُ نفسَهُ، والأول
(١) شرح الزرقانيّ)) ٣٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٤ / ٤٥٤، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٣).
(٣) ((الْجَمَد)» محرّكةً: الثلج. ((ق)).