Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٦) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٨٠٩)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨٠٩] (٢٦٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّى :
(يَقُولُ اللّهُ رَكَ: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَأَزِيدُ(١)، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ،
فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (٢)، أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، وَمَنْ
تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَمَنْ أَثَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي
بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً، لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً».
قَالَ إِبراهِيمُ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، بِهَذَا الحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أمية الكوفيّ، ثقةٌ [٢] عاش مائة
وعشرين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
٢ - (أَبُو ذَرِّ) الغِفَاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جندب بن جُنادة على
الأصح، وقيل: بُرير بموحّدة مصغراً، أو مكبراً، واختلف في أبيه أيضاً، تقدّم
إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جدّاً، مات سنة اثنتين
تقدم فى ((الإيمان)» ٢٢٤/٢٩.
وثلاثین في خلافة عثمان
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمةٌ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ جُندب بن جُنادة ◌َبُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
(يَقُولُ اللهُ رَكَ: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ)؛ أي: جاء بها يوم القيامة غير مُبطَلة، ولذا
لم يقل: من فعل الحسنة، والمراد بفرد من أفرادها: أَيَّ فرد كان، والمعنى:
من جاء يوم القيامة متلبساً بها متصفاً بأنه قد عملها في الدنيا، (فَلَهُ عَشْرُ
(١) وفي نسخة: ((وأزيده)).
(٢) وفي نسخة: ((بمثلها)).

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
أَمْثَالِهَا)؛ أي: ثواب عشر حسنات أمثالها، حُذف المميز الموصوف، وأقيم
الصفة مقامه، فلا يُعترض بأن الأمثال جمع مِثْل، وهو مذكر، فكان قياسه
عشرة بالتاء، على القاعدة، والجواب أن المعدود محذوف، وهو موصوف
أمثالها، والحسنات مؤنث، فناسب تذكير العدد؛ يعني: أنه رُوعي في ذلك
الموصوف المحذوف، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ثم حُذف
الموصوف، وأقيم صفته مقامه، وتُرك العدد على حاله.
والحاصل: إن له عشر مثوبات، كل منها مثل تلك الحسنة في الكيفية،
وهذا أقل المضاعفة بمقتضى الوعد، ولذا قال: (وَأَزِيدُ) وفي بعض النسخ: ((أو
أزيده)) بـ(أو))، و((أزيد)) بصيغة المتكلم؛ أي: لمن أريد الزيادة من أهل السعادة
على عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة إلى ما لا يعلم قَدْره
إلا الله تعالى، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله تعالى: ((فله عشر أمثالها، أو أزيد)) معناه: أن
التضعيف بعشرة أمثالها لا بُدّ بفضل الله ورحمته، ووعده الذي لا يُخلَف،
والزيادة بعدُ بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة، يحصل
لبعض الناس دون بعض، على حسب مشيئته ◌َلَ. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((وأزيد)) مفتوح الهمزة، مكسور الزاي،
مضموم الدال، على أنه فعلٌ مضارع، وكذا رويته، وقد رُوي هذا الحرف
بالواو الجامعة، وبـ(أو)) التي معناها أحد الشيئين، وهو إشارةٌ إلى معنى قوله
تعالى: ﴿وَاللّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، والحسنة تعمّ الحسنات كلها،
فأيّ حسنة عملها المسلم ضوعف ثوابها كذلك، ولا معنى لقول من قَصَرها
على بعض الحسنات دون بعض، فإنَّه يلزمهم مخالفة اللفظ العامّ، والكرم
(٢)
التامّ. انتهى (٢).
(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) غير مكفَّرة (فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)؛ أي: عدلاً، وفي
نسخة: ((بمثلها))، (أَوْ أَغْفِرُ)؛ أي: أسترها عنه فضلاً وكرماً، والمعنى: إن
جازيته، فأجازيه بمثلها دون تضعيفها، كما في الحسنات، وإن شئت سترتها
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/ ١٢.
(٢) («المفهم)) ٢٤/ ١٢.

١٠٣
(٦) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٨٠٩)
عنه، ولا أجازيه عليها أصلاً، وهذا من كمال فضله، وهو محمول على ما
سوى الشرك، فإن سيئته لا يُغفر، كما بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال الطيبيّ تَخْلُهُ: خَصّ ذِكر الجزاء بالثانية؛ لأن ما يقابل العمل
الصالح كله إفضال وإكرام من الله، وما يقابل السيئة فهو عدل وقصاص، فلا
يكون مقصوداً بالذات كالثواب، فخُصَّ بالجزاء، وأما إعادة السيئة نكرة،
فلتنصيص معنى الوحدة المبهمة في السيئة المعرفة المطلقة وتقريرها، وأما معنى
الواو في ((وأزيد)) فلمطلق الجمع، إن أريد بالزيادة الرؤية، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وإن أريدَ بها الإضعاف فالواو بمعنى ((أو))
التنويعية، كما هي في قوله: ((أو أغفر)). قال القاري: والأظهر ما قاله ابن
حجر من أن العشر والزيادة يمكن اجتماعهما، بخلاف جزاء مثل السيئة
ومغفرتها، فإنه لا يمكن اجتماعهما، فوجب ذكر ((أو)) الدالة على أن الواقع
أحدهما فقط. انتهى(١) .
وقوله: (وَمَنْ تَقَرَّبَ)؛ أي: طَلَب القُرب (مِنِّي) بالطاعة (شِبْراً)؛ أي:
مقداراً قليلاً، قال الطيبي تَّقُ: ((شبراً)) و((ذراعاً)) و((باعاً)) في الشرط والجزء
منصوبات على الظرفية؛ أي: من تقرب إليّ مقدار شِبْر (تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً)؛
أي: مقدار شبرين، (وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً) قال الباجيّ: الباع
طول ذراعي الإنسان، وعضديه، وعَرْض صدره، وذلك قَدْر أربعة أذرع، وقيل:
هو قَدْر مدّ اليدين، وما بينهما من البدن، (وَمَنْ أَتَانِي) حال كونه (يَمْشِي أَتَيْتُهُ
هَرْوَلَةً) هي الإسراع في المشي، دون الْعَدْو، وقال الطيبيّ: هي حال؛ أي:
مهرولاً، أو مفعول مطلق؛ لأن الهرولة نوع من الإتيان، فهو كرجعت القهقرى،
لكن الحَمْل على الحال أولى؛ لأن قرينه ((يمشي)) حال لا محالة. انتهى.
وقد تقدّم أن الإتيان، والهرولة ونحوهما مما يُمرّ على ظاهره، مع
تنزيه الله تعالى عن مماثلة مخلوقاته، كما هو مذهب السلف، فتنبّه، ولا تقلّد
الشرّاح المأوِّلين، والله تعالى وليّ التوفيق.
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٧/ ٧٧٤.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ثم رأيت صاحب ((المرعاة شرح المشكاة)) قال: قال النوويّ: هذا
الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره - أي: لأنه يقتضي قطع
المسافات، وتداني الأجسام، وذلك في حقه تعالى محال - ومعناه: من تقرب
إليّ بطاعتي، تقربت إليه برحمتي، والتوفيق، والإعانة، وإن زاد زدت، فإن
أتاني يمشي، وأسرع في طاعتي، أتيته هرولة؛ أي: صببت عليه الرحمة،
وسبقته بها، ولم أَخْوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد:
أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقرّبه. انتهى، وكذا فسّره سائر الشرّاح.
ثم قال صاحب ((المرعاة)): قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل، والتفسير،
والصواب أن يُحْمَل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره، فنؤمن به على ما يليق
بعظمة الله تعالى، كالمجيء، والنزول، ونحوهما، وربنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد صاحب ((المرعاة))، وأفاد، فهكذا
ينبغي لشارح الحديث أن يكون مع ظواهر النصوص، إلا إذا وجد دليلاً صارفاً
يصرفه عنها، ولا يوجد صارف في إجراء أحاديث الصفات على ظواهرها، إلا
ما تخيّله المتأخرون الذين تأثّروا بأفكار أهل الكلام، ففسَّروها بالمعنى الذي
يكون للمخلوق، ثم فرّوا من التشبيه، فأداهم ذلك إلى نفي معانيها، وهذا هو
الخطأ المُبِين، فإن هذه الصفات إذا اتّصف بها الله رَك تكون على المعنى
اللائق به، فلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
السَمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا
اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
(وَمَنْ لَقِيَنِي) بكسر القاف، (بِقُرَابِ الأَرْضِ) بضم القاف على المشهور،
وهو ما يقارب مِلأها، وحُكِي كسر القاف، نقله القاضي عياض وغيره، وقال
ابن الأثير: أي: بما يقارب ملأها، وهو مصدر قارب يقارب(٢).
وقوله: (خَطِيئَةً) منصوب على التمييز، وقوله: (لَا يُشْرِكُ بِي) حال من
فاعل (لقيني)) العائد إلى ((من))، (شَيْئاً) مفعول مطلق، أو مفعول به، (لَقِيتُهُ
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٧٧٤/٧.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٤/٤.

١٠٥
(٦) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّقُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٨٠٩)
بِمِثْلِهَا)؛ أي: بمثل الخطيئة المقدّرة بقراب الأرض، (مَغْفِرَةً))) منصوب على
التمييز.
وقال في ((المرعاة)): قوله: ((لقيته بمثلها مغفرة))؛ أي: إن أردت ذلك له؛
لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ [النساء: ٤٨] ونكتة حذفه في
الحديث استغناءً بعلمه منها، ومبالغة في سعة باب الرحمة.
قال الطيبيّ: المقصود من الحديث: دفع اليأس بكثرة الذنوب، فلا ينبغي
أن يغترّ في الاستكثار من الخطايا، قال ابن الملك: فإنه يغفر لمن يشاء،
ويعذب من يشاء، ولا يعلم أنه من أيِّهم. انتهى.
وهذا المقصود من آخر الحديث، وأما أوله ففيه الترغيب والتحثيث على
المجاهدة في الطاعة والعبادة؛ دفعاً للتكاسل والقصور.
[واعلم]: أنه قلَّما يوجد في الأحاديث حديث أرجى من هذا الحديث،
فإنه وَّهِ رَتّب قوله: ((لقيته بمثلها مغفرة)) على عدم الإشراك بالله فقط، ولم يذكر
الأعمال الصالحة، لكن لا يجوز لأحد أن يغترّ، ويقول: إذا كان كذلك، فأكثر
الخطيئة، حتى يكثر الله المغفرة، وإنما قال تعالى ذلك كيلاً ييأس المذنبون من
رحمته، ولا شك أن الله مغفرة، وعقوبة، ومغفرته أكثر، ولكن لا يعلم أنه من
المغفورين، أو من المعاقبين، فإذن ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف
والرجاء. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو: ابن محمد بن سفيان، أبو إسحاق الفقيه
النيسابوريّ المتوفّى سنة (٣٠٨هـ) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦.
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ) السّلَميّ، قاضي نيسابور، صدوقٌ [١١] لم يصحّ
أن مسلماً روى عنه، وإنما روى عنه إبراهيم بن محمد المذكور في مواضع علا
فيها إسناده، مات سنة (٢٤٤) تقدم في ((الطلاق)) ٣٦٧٩/٣.
(حَدَّثَنَا وَكِيعِ) بن الجرّاحِ المذكور في السند الماضي، (بِهَذَا الْحَدِيثِ)
المذكور آنفاً .
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٧٧٤/٧.

١٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وغرض إبراهيم من هذا بيان علوّ إسناده، حيث إنه وصل فيه إلى وكيع
بواسطة واحدة، وهو الحسن بن بشر، بينما كان وصوله من طريق مسلم
بواسطتين: مسلم، وأبو بكر بن أبي شيبة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨٠٩/٦ و٦٨١٠] (٢٦٨٧)، و(البخاريّ) في
(خلق أفعال العباد)) (٥٦)، و(ابن ماجه) في ((الآداب)) (٣٨٨٨)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٦٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٧/٥ و١٤٨ و١٥٣ و١٥٥
و١٦٩ و١٨٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٠٠/٢) وفي ((الدعاء)) (٥٢٣/١)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٩١/١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة))
(٦/ ١٠٦٣ و١٠٦٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢١٩/١ و٣٩٨/٩)،
و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٦/٢ و٣٩٠/٥)، وفوائده تقدّمت، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، أَوْ أَزِيدُ)).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
وكلّهم ذُكروا في الإسناد الماضي.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش هذه ساقها أحمد تَخُّْ في
((مسنده))، فقال:
(٢١٣٩٨) - حدّثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن المعرور بن سُويد، عن
أبي ذرّ، قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله ربك: من عمل حسنة فله عشر
أمثالها، أو أَزِيدُ، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها، أو أَغْفِر، ومن عمل قُراب
الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً، جعلت له مثلها مغفرة، ومن

١٠٧
(٧) - بَابُ كَرَاهَيةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا - حديث رقم (٦٨١١)
اقترب إليّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إليّ ذراعاً اقتربت إليه باعاً،
ومن أتاني يمشى أتيته هرولةً)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ كَرَاهَيةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١١] (٢٦٨٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْبَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَادَ
رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((هَلْ
كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ، أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟»، قَالَ: نَعَمَّ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ
مُعَاقِيٍ بِهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (سُبْحَانَ اللهِ،
لَا تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ - أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ
حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ بَحْبَى الْحَسَّانِيُّ) (٢) النُّكريّ - بضم النون -
البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٤) (ع) تقدم في ((الزكاة) ٤٤/ ٢٤٣٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسِب
لجدّه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، اختلف في اسم
أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقةٌ(٣)، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٥٣/٥.
(٢) بفتح الحاء، وتشديد السين المهملتين، وآخره نون: نسبة إلى أحد أجداده، قاله في
(«اللباب)) ٣٦٤/١.
(٣) زاد في ((التقريب)): مدّس، وأسقطتها؛ لأنه لا يدلّس إلا ما سمعه من ثابت،
فالواسطة ثقة معروف، فلا ينبغي إطلاق اسم المدلّس عليه إلا ببيان ذلك، فليُتنبّه.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الأمراء [٥] (ت٢ أو ١٤٣) وهو قائم يصلي، وله خمس وسبعون سنةً (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البُنانيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك ظُبه، ذُكر في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُ، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى
آخره، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم
المجموعون في قولي:
ذَوُو الأصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاءُ
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
وَابْنُ الْمُثَنَى وَزِيَادٌ يُخْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ثابت ألزم الناس لأنس ظه، يقال:
لزمه أربعين سنةً، وفيه أنس ظُه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) وَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ عَادَ) من العيادة، وهي زيارة
المريض، (رَجُلاً) لم يعرف اسمه(١). (مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَدْ خَفَتَ) بفتح الفاء،
من باب نصر؛ أي: ضَعُف، من خَفُت الصوت: إذا ضَعُف، وسكن. وفي
الترمذيّ: ((قد جُهِد))، وهو بصيغة المجهول، قال في ((القاموس)): جَهَد المرضُ
فلاناً: هَزَله(٢). (فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ) بفتح الفاء، وسكون الراء: وَلَدُ الطير عند
خروجه من البيضة؛ يعني: أن المرض أضعفه حتى صار ضعيفاً مثل الفرخ؛
لِضَعفه، وكثرة نحافته، وفي ((الأدب المفرد)): ((دخل على رجل قد جُهِد من
المرض، فكأنه فرخ منتوف))؛ أي: وَلَدُ الطائر الذي استُؤصل ريشه، وفي
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص ٤٤٢.
(٢) ((مرعاة المفاتيح)) ٦١٢/٨.

(٧) - بَابُ كَرَاهَيةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا - حديث رقم (٦٨١١)
١٠٩
((شرح السُّنَّة)): ((عاد رجلاً قد صار مثل الفرخ المنتوف))(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((قد خَفَت حتى صار مثل الفرخ))؛ أي:
ضَعُف، ونَحِلَ(٢) جسمه، وخفي كلامه، وتشبيهه له بالفرخ يدلّ على أنه تناثر
أكثر شعره، ويَحْتَمِل أن يكون شبَّهه به؛ لِضَعفه، والأول أوقع في التشبيه،
ومعلومٌ أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر، ولا قُوّة(٣).
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ)، وقوله: (أَوْ) الظاهر
أنها للشكّ من الراوي، هل قال: ((هل كنت تدعو بشيء))، أو قال: (تَسْأَلُهُ
إِيَّاهُ؟)؛ أي: الشيء.
وقال القاري: ((أو تسأله إياه)) قيل: شكّ من الراوي، وقال الطيبيّ:
الظاهر أن ((أو)) ليس شكَّ الراوي، بل من قوله وَ ير، سأله أولاً: هل دعوت الله
بشيء من الأدعية التي تسأل فيها مكروهاً؟، أو هل سألت الله البلاء الذي أنت
فيه؟، وعلى هذا فالضمير المنصوب عائد إلى البلاء المفهوم من قوله: ((قد
خَفَت))، فيكون قد عمّ أوّلاً، وخصّ ثانياً. انتهى (٤).
وجعل ابن حجر ((أو)) للتنويع، وجعل الدعاء مختصّاً بالتلويح، والسؤال
بالتصریح، وهو وجه وجیه. انتهى(٥) .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كونها للشكّ أقرب، وأنسب لظاهر
السياق، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق.
(قَالَ) الرجل: (نَعَمْ، كُنْتُ) أدعوه، (أَقُولُ) في دعائي: (اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ)
قال الطيبيّ: ((ما)) يجوز أن تكون شرطيّةً، وقوله: ((فعجّله)) جوابها، أو
موصولة، وقوله: ((فعجّله)) خبرها، ودخلت الفاء لتضمّنها معنى الشرط(٦).
(مُعَاقِي بِهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا)؛ أي: عاقبني به في الدنيا قبل
(١) ((مرعاة المفاتيح)) ٦١٢/٨.
(٢) من بابي نفع، وتعب.
(٣) ((المفهم)) ٣١/٧.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٣٥/٦.
(٥) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٣٢/٨.
(٦) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٣٥/٦.

١١٠
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
الآخرة؛ لأن عذاب الآخرة أشدّ وأبقى، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((سُبْحَانَ اللهِ)
تنزيه الله تعالى عن الظلم، وعن العجز، أو تعجّبٌ من الداعي في هذا
المطلب، وهو أقرب. (لَا تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ) هكذا نُسخ ((صحيح مسلم))
بـ((أو)) وهي للشكّ من الراوي، ووقع في ((المشكاة)): ((ولا تستطيعه)) بالواو،
وعليها جرى الشرّاح، فقال القاري: ((لا تطيقه))؛ أي: في الدنيا، ((ولا
تستطيعه)) في العقبى، أو كُرِّر للتأكيد، وقال الطيبيّ: قوله: ((لا تطيقه)) بعدما
صار الرجل كالفرخ، وبعد قوله: ((كنت أقول)) لحكاية الحال الماضية المستمرّة
إلى الحال والاستقبال. انتهى.
وقال القرطبيّ ◌َخْذَثُهُ: قوله: ((لا تطيقه))؛ يعني: أن عذاب الآخرة لا يطيقه
أحد، لا في الدنيا؛ لأنَّ نشأة الدنيا ضعيفة، لا تَحْتَمِل العذاب الشديدَ، والألم
العظيم، بل إذا عَظُم عليه ذلك هلك ومات، فأمَّا نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما
في نعيم، أو في عذاب؛ إذ لا موت، كما قال في حقّ الكفار: ﴿لَا نَضِجَتْ
جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابٌ﴾ [النساء: ٥٦]، - فنسأل الله تعالى
العافية في الدنيا والآخرة - ثم إن النبيّ وَلقر أرشده إلى أحسن ما يقال، فقال:
(أَفَلَا قُلْتَ) بدل ما قلت: (اللَّهُمَّ آتِنَا)؛ أي: أعطنا (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)؛ أي:
عافية من البلاء والأمراض، (وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً)؛ أي: معافاة من العذاب
والعقاب، (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))) وكان هذا الدعاء أكثر ما كان النبيّ ◌ُّ يدعو به،
كما سيأتي من حديث أنس ظه، وذلك لأنَّه من الدعوات الجوامع التي
تتضمّن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن ((حسنة)) نكرة في سياق الطلب، فكانت
عامّة، فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة، وقد اختلفت
أقوال المفسرين في الآية اختلافاً يدلّ على عدم التوقيف، وعلى قلة التأمّل
لموضع الكلمات، فقيل: الحسنة في الدنيا هي: العلم والعبادة، وفي الآخرة:
الجنة، وقيل: العافية والعاقبة، وقيل: المال وحسن المآل، وقيل: المرأة
الصالحة، والحور العين، والصحيح: الحَمْل على العموم، قاله القرطبيّ ◌َخْذُهُ(١).
(قَالَ) أنس ◌َظُهُ: (فَدَعَا) النبيّ وَِّ (الله) وَ (لَهُ)؛ أي: لذلك الرجل
(١) ((المفهم)) ٣٠/٧ - ٣١.

١١١
(٧) - بَابُ كَرَاهَيةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا - حديث رقم (٦٨١١)
حتى يشفيه، (فَ) استجاب الله دعاء حبيبه وَّهِ، (شَفَاهُ)؛ أي: أبرأه من ذلك
المرض، وهذا الذي شرحت به من أن الضمير في ((فدعا)) للنبيّ وَّل هو ظاهر
السياق؛ لقوله: ((فدعا له)) باللام، ووقع في ((المشكاة)) بلفظ: ((فدعا به))، وعليه
جرى الشرّاح، فقالوا: ((فدعا الله به))؛ أي: دعا الرجل بهذا الدعاء الجامع ...
إلخ، ويؤيّد هذا ما سيأتي من رواية النسائيّ بلفظ: ((فقالها الرجل، فعُوفي))(١)،
فإنه صريح في كون الرجل هو الداعي لنفسه بهذا الدعاء.
ويَحْتَمِل حَمْل رواية مسلم هذه عليها، فيكون معنى قوله: ((فدعا له))؛
أي: دعا الرجل لنفسه، أو يُحمل بأنه دعا لنفسه، ودعا له النبيّ وَّه أيضاً،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
المصنّف رَّتُهُ .
هذا من أفراد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨١١/٧ و٦٨١٢ و٦٨١٣ و٦٨١٤] (٢٦٨٨)،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٧٢٧ و٧٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات))
(٣٤٨٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٥٠٦) وفي ((عمل اليوم والليلة))
(١٠٥٣)، و(ابن المبارك) في ((الزهد) (٣٤٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه))
(٢٦١/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧/٣ و٢٨٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٩٣٦ و٩٤١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٨٣)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة عيادة المريض، ولو كان العائد أميراً، أو نحوه.
٢ - (ومنها): استحباب سؤال المريض سبب مرضه؛ ليبحث له عن
الأدوية المناسبة له.
(١) ((السنن الكبرى)) ٢٦١/٦.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
٣ - (ومنها): جواز التسبيح عند التعجب.
٤ - (ومنها): كراهية تمنّ البلاء، وإن كان على الوجه الذي فعله هذا
الرجل؛ لأنه لا يطيقه، فيحمله على الضَّجَر والتشكيّ من ربه.
٥ - (ومنها): استحباب الدعاء بهذا الدعاء الجامع لخيرات الدنيا
والآخرة، وكان أكثر دعاء النبيّ ێے به، كما تقدّم.
٦ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يسأل الله رَك العفو والعافية والمعافاة
في الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ،
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر
الأحول، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ
[١٠] (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٦/ ١٣٥٠.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم قبل باب.
و((حُميد)) الطويل ذُكر قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) ظاهره أن حميداً رواه عن ثابت عن
أنس ربه، لكن الذي عند النسائيّ في ((الكبرى)) و((عمل اليوم والليلة)) كما يأتي
في التنبيه، أنه رواه عن أنس دون واسطة ثابت، ولعلّ هذا مما دلّسه حميد،
فقد قدّمنا أنه كان يدلّس ما رواه عن ثابت خاصّة، والظاهر أن هذا منه، وقد
قدّمنا أيضاً أن تدليسه لا يضرّ؛ لكون الواسطة ثقةً معروفاً، وهو ثابت البنانيّ،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن حميد هذه ساقها النسائيّ ◌َظَّتُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٠٨٩٢) - وأخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدّثنا خالد بن الحارث،
قال: حدّثنا حميد، عن أنس، قال: عاد رسول الله وَل﴾ رجلاً، قد صار مثل

١١٣
(٧) - بَابُ كَرَاهَيَةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا - حديث رقم (٦٨١٣ - ٦٨١٤)
الفرخ، فقال له: ((هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟)) قال: كنت أقول:
اللَّهُمَّ ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعَجِّله لي في الدنيا، قال: ((سبحان الله!
لا تستطيعه، أو لا تطيقه، ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة
حسنة، وقنا عذاب النار)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّاذٌ،
أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ عَلَى رَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَعُودُهُ،
ء
ء
وَقَدْ صَارَ كَالْفَرْخِ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ حُمَيْدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللهِ))،
وَلَمْ يَذْكُرْ: فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاءُ).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل بابين، و((عفّان))
هو: ابن مسلم الصفّار، و((حمّاد)) هو: ابن سلمة.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لحمّاد بن سلمة، وكذا فاعل قوله: ((وَلَمْ
يَذْكُرْ)) له أيضاً.
[تنبيه]: رواية حمَّاد بن سلمة عن ثابت هذه ساقها أبو يعلى تَظُّهُ في
((مسنده)) بسند المصنّف، فقال:
(٣٥١١) - حدّثنا زهير، حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّاد، حدّثنا ثابت، عن
أنس؛ أن رسول الله وَ ﴾ دخل على رجل من أصحابه يعوده، وقد صار کالفرخ،
فقال له: ((هل سألت الله؟)) قال: قلت: اللَّهُمَّ ما كنت معاقبي في الآخرة، فعجِّله
ليٍ في الدنيا، فقال له رسول الله وَله: ((لا طاقة لك بعذاب الله، هلّا قلت:
اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سَالِمُ بْنُ نُوحِ الْعَطَّارُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ بِهَذَاَ الْحَدِيثِ).
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٦/ ٢٦٠.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٢٢٧/٦.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ الْعَطَّارُ) هو: سالم بن نوح بن أبي عطاء البصريّ،
أبو سعيد العطار، صدَوَّقٌ له أوهام [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٣٢/٥٥.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهران، أبو النضر البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين.
[تنبيه]: رواية قتادة عن أنس ظُه هذه ساقها النسائيّ تَخْتُ في ((الكبرى))،
بسند المصنّف، فقال:
(١٠٨٩٤) - أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدّثنا سالم بن نوح، قال
سعيد بن أبي عروبة: أخبرنا قتادة، عن أنس؛ أن النبيّ وَّ دخل على رجل
يعوده، فإذا هو كأنه هامة، فقال له النبيّ وَلّ: ((هل سألت ربك من شيء؟))
قال: نعم، قلت: اللَّهُمَّ ما أنت معاقبي به في الآخرة، فعَجِّله لي في الدنيا،
فقال: ((سبحان الله، ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة))،
فقالها الرجل، فعوفي. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ)
قال الجامع عفا الله عنه: قال في ((العمدة)): المراد بذكر الله هنا: الإتيان
بالألفاظ التي ورد الترغيب فيها، والإكثار منها، وقد يُطلق ذِكر الله، ويراد به
المواظبة على العمل بما أوجبه الله تعالى، أو نَدَب إليه؛ كقراءة القرآن، وقراءة
الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة، وقال الرازيّ كَّلهُ: المراد بذكر
اللسان: الألفاظ الدالة على التسبيح، والتحميد، والتمجيد، والذكرُ بالقلب:
التفكر في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة التكاليف، من الأمر، والنهي، حتى
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٦١/٦.

١١٥
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ
يَطَّلِع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله تعالى، والذكر بالجوارح: هو
أن تصير مستغرقة في الطاعات. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): المراد بالذكر هنا: الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب
في قولها، والإكثار منها، مثل الباقيات الصالحات، وهي: ((سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، وما يلتحق بها من الحوقلة،
والبسملة، والحسبلة، والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدنيا
والآخرة.
ويُطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه، أو ندب
إليه؛ كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة، ثم
الذكر يقع تارة باللسان، ويؤجر عليه الناطق، ولا يُشترط استحضاره لمعناه،
ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النُّطق الذكرُ بالقلب
فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذُّكر، وما اشتمل عليه من
تعظيم الله تعالى، ونفي النقائص عنه، ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل
صالح، مهما فُرض من صلاة، أو جهاد، أو غيرهما، ازداد كمالاً، فإن صحّح
التوجه، وأخلص لله تعالى في ذلك، فهو أبلغ الكمال.
وقال الفخر الرازيّ: المراد بذكر اللسان: الألفاظ الدالة على التسبيح،
والتحميد، والتمجيد، والذكرُ بالقلب: التفكر في أدلة الذات والصفات، وفي
أدلة التكاليف، من الأمر والنهي، حتى يَطّلع على أحكامها، وفي أسرار
مخلوقات الله، والذكرُ بالجوارح: هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثَمّ
سمى الله الصلاة ذكراً، فقال: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
ونُقل عن بعض العارفين قال: الذِّكر على سبعة أنحاء: فذِكْرُ العينين
بالبكاء، وذِكْرُ الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء،
وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم
والرضاء. انتهى(٢).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧/٢٣.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ٤٥٨، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٨).

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٨١٥] (٢٦٨٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((إِنَّ اللّهِ تَبَارََ
وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضْلاً، يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ،
قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَقَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ
الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا، وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ رَى، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ
يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا
يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَيْ رَبِّ،
قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟
قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا
نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا،
وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاٌ، إِنَّمَا مَرَّ
فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظَثُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من سُهيل،
وشيخه بغداديّ، والباقيان بصريّان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه
أبو هريرة له رأس المكثرين السبعة.

١١٧
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨١٥)
شرح الحديث:
٠
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
[تنبيه]: روى البخاريّ هذا الحديث من طريق جرير - يعني: ابن
عبد الحميد - عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
فقال في ((الفتح)): قوله: ((عن أبي صالح)) لم أره من حديث الأعمش إلا
بالعنعنة، لكن اعتَمَد البخاريّ على وَصْله؛ لكون شعبة رواه عن الأعمش، كما
سأذكره، فإن شعبة كان لا يحدث عن شيوخه المنسوبين للتدليس إلا بما تحقق
أنهم سمعوه.
وقوله: ((عن أبي هريرة)) كذا قال جرير، وتابعه الفضيل بن عياض، عند
ابن حبان، وأبو بكر بن عياش عند الإسماعيليّ، كلاهما عن الأعمش،
وأخرجه الترمذيّ عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، فقال: عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد، هكذا بالشك للأكثر، وفي
نسخة: وعن أبي سعيد بواو العطف، والأول هو المعتمَد، فقد أخرجه أحمد
عن أبي معاوية بالشك، وقال: شك الأعمش، وكذا قال ابن أبي الدنيا، عن
إسحاق بن إسماعيل، عن أبي معاوية، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية
عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن
أبي سعيد، وقال: شك سليمان - يعني: الأعمش - قال الترمذيّ: حسن
صحيح، وقد رُوي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه؛ يعني: كما تقدم بغير
(١)
تردد. انتهى(١).
(عَنِ النَّبِيِّ نَّهُ) أنه (قَالَ: ((إِنَّ اللّهِ تَبَارََ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً) مبالغة في
السائرة؛ أي: يسيرون في الأرض، وفي رواية: ((سيّاحين))، (فُضْلاً) قال
النوويّ كَّفُهُ: ضبطوه على أوجه:
أحدها : - وهو أرجحها، وأشهرها في بلادنا - ((فُضُلا)) بضم الفاء، والضاد.
والثانية: بضم الفاء، وإسكان الضاد، ورجّحها بعضهم، وادَّعَى أنها أكثر
وأصوب.
(١) ((الفتح)) ٤٥٨/١٤ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٨).

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
والثالثة: بفتح الفاء، وإسكان الضاد، قال القاضي: هكذا الرواية عند
جمهور شيوخنا في البخاريّ ومسلم.
والرابعة: ((فُضُلٌ)) بضم الفاء والضاد، ورفع اللام، على أنه خبر مبتدأ
محذوف .
والخامسة: ((فضلاء)) بالمدّ جمع فاضل.
قال العلماء: معناه على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على
الحفظة وغيرهم، من المرتّبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم،
وإنما مقصودهم حِلَق الذِّكر. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إن لله ملائكةً)): زاد الإسماعيليّ من طريق
عثمان بن أبي شيبة، وابن حبان من طريق إسحاق بن راهويه، كلاهما عن
جرير: ((فضلاً))، وكذا لابن حبان من طريق فضيل بن عياض، وكذا لمسلم من
رواية سهيل، قال عياض في ((المشارق)) ما نصه: في روايتنا عن أكثرهم
بسكون الضاد المعجمة، وهو الصواب، ورواه العذريّ والهوزنيّ: ((فُضْل))
بالضم، وبعضهم بضم الضاد، ومعناه: زيادةً على كتاب الناس، هكذا جاء
مفسراً في البخاريّ، قال: وكان هذا الحرف في كتاب ابن عيسى: ((فُضَلاء))
بضم أوله، وفتح الضاد، والمدّ، وهو وَهَمُ هنا، وإن كانت هذه صفتهم رَ،
وقال في ((الإكمال)): الرواية فيه عند جمهور شيوخنا في مسلم والبخاريّ بفتح
الفاء، وسكون الضاد، فذَكَر نحو ما تقدم، وزاد: هكذا جاء مفسَّراً في
البخاريّ في رواية أبي معاوية الضرير.
وقال ابن الأثير في ((النهاية)): ((فضلاً))؛ أي: زيادة عن الملائكة المرتبين
مع الخلائق، ويُروى بسكون الضاد، وبضمها، قال بعضهم: والسكون أكثر
وأصوب، ثم ذكر كلام النوويّ السابق.
قال: وقال الطيبيّ: (فُضْلاً)) بضم الفاء، وسكون الضاد، جمع فاضل،
کمبُزْل وبازل. انتهى.
قال الحافظ: ونسبة عياض هذه اللفظة للبخاريّ وَهَمِّ، فإنها ليست في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٧.

١١٩
(٨) - بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ - حديث رقم (٦٨١٥)
((صحيح البخاريّ)) هنا في جميع الروايات، إلا أن تكون خارج الصحيح، ولم
يُخْرِج البخاريّ الحديث المذكور عن أبي معاوية أصلاً، وإنما أخرجه من طريقه
الترمذيّ، وزاد ابن أبي الدنيا، والطبرانيّ في رواية جرير: ((فُضْلاً عن كُتّاب
الناس))(١)، ومثله لابن حبان، من رواية فضيل بن عياض، وزاد: ((سياحين في
الأرض))، وكذا هو في رواية أبي معاوية، عند الترمذيّ، والإسماعيليّ، عن
كتاب الأبديّ، ولمسلم من رواية سهيل، عن أبيه: ((سيّارةً فُضْلاً)). انتهى(٢).
(يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ) وفي رواية البخاريّ: ((يطوفون في الظُرُق يلتمسون
أهل الذكر))، وفي حديث جابر بن أبي يعلى: ((إن الله سرايا من الملائكة،
تَقِف، وتَحُلّ بمجالس الذكر في الأرض)). (فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ) وفي
رواية البخاريّ: ((فإذا وجدوا قوماً))، وفي رواية فضيل بن عياض: ((فإذا رأوا
قوماً)).
قال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر ... إلخ))؛ يعني:
مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يُذكر فيها كلام الله، وسُنّة
رسوله وَ﴾، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزهّاد المتقدِّمين، المبرأة
عن التصنع والبدع، والمنزَّهة عن المقاصد الرديئة، والطمع، وهذه المجالس
قد انعدمت في هذا الزمان، وعُوِّض منها الكذب والبدع، ومزامير الشيطان - نعوذ
بالله تعالى من حضورها -، ونسأله العافية من شرورها. انتهى(٣).
(قَعَدُوا مَعَهُمْ)؛ أي: مع القوم الذين وجدوهم في مجلس الذكر، وفي
رواية البخاريّ: ((فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم))،
وفي رواية أبي معاوية: ((بُغيتكم)).
وقوله: ((هلموا)) على لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز، فيقولون
للواحد، والاثنين، والجمع: هَلُمَّ، بلفظ الإفراد.
(وَحَفَّ) بفتح أوله، وتشديد الفاء، من باب نصر؛ أي: أحاط (بَعْضُهُمْ
(١) أي: هم غير الملائكة الذين يكتبون أعمال الناس.
(٢) ((الفتح)) ١٤ / ٤٦١ - ٤٦٢، ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٨).
(٣) ((المفهم)) ١١/٧ - ١٢.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في كثير من نُسَخ بلادنا: ((حَفّ))
بالفاء، وفي بعضها: ((حَضّ)) بالضاد المعجمة؛ أي: حَثّ على الحضور،
والاستماع، وحَكَى القاضي عن بعض رواتهم: ((وحَطّ)) بالطاء المهملة،
واختاره القاضي، قال: ومعناه: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول، ويؤيد هذه
الرواية قوله بعده في البخاريّ: ((هَلُمّوا إلى حاجتكم))، ويؤيد الرواية الأولى،
وهي ((حَفّ)) قوله في البخاريّ: ((يَحُفّونهم بأجنحتهم))؛ أي: يُحدِقون بهم،
ويستديرون حولهم، ويحوف بعضهم بعضاً (١).
وقال في ((الفتح)): ((فيحفّونهم بأجنحتهم))؛ أي: يُدْنون بأجنحتهم حول
الذاكرين، والباء للتعدية، وقيل: للاستعانة. (حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ
الدُّنْيَا) بالضم، بمعنى القربى، صفة لـ((السماء))؛ أي: السماء القريبة إلى
الأرض، (فَإِذَا تَفَرَّقُوا)؛ أي: افترق الملائكة عن مجلس الذكر؛ لانتهائه، أو
المراد: فإذا تفرّق أهل المجلس عن مجلس ذِكرهم (عَرَجُوا) بفتح أوله،
وثانيه، من باب نصر؛ أي: صَعِد الملائكة، فقوله: (وَصَعِدُوا) بفتح أوله،
وكسر ثانيه عَظْف تفسير لـ((عَرَجوا)). (إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ) وَلَى: (فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ رَقَ)
هذا السؤال من الله تعالى للملائكة، هو على جهة التنبيه للملائكة على قولها :
﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وإظهار لتحقيق قوله:
﴿إِنِّيِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهو من نحو مباهاة الله تعالى الملائكة
بأهل عرفة حين قال لهم: ((ما أراد هؤلاء؟ انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعْشاً
غُبْراً، أُشهدكم أني قد غفرت لهم))(٢)، وكذلك نُصَّ عليه في الحديث. انتهى (٣).
وقوله: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) جملة في محلّ نصب على الحال من الجلالة،
وفي رواية البخاريّ: ((قال: فيسألهم ربهم رَّك، وهو أعلم منهم))، وفي رواية
الكشميهنيّ: ((بهم)) كذا للإسماعيلي، قال في ((الفتح)): وهي جملة معترضة،
وَرَدَت لِرَفع التوهم (مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟) وفي رواية الترمذيّ: ((فيقول الله: أيّ شيء
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٧ - ١٥.
(٢) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٨٤٠).
(٣) ((المفهم)» ٧/ ١٢٢.