Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٦) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدَى، أَوْ ضَلَالَةٍ - حديث رقم (٦٧٨٠)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ والتحريض على الدعوة إلى الخيرات، وسَنّ السنن
الحسنات.
٢ - (ومنها): التحذير من الدعوة إلى البدع والخرافات التي لا يؤيّدها
دليلٌ شرعيّ، بل يردّها ويُبطلها، قال النوويّ كَّتُ: هذا الحديث، وحديث
جرير المتقدّم صريحان في الحثّ على استحباب سنّ الأمور الحسنة، وتحريم
سَنّ الأمور السيّئة، وأن من سنّ سُنَّة حسنة كان له مثل أجر كلّ من يعمل بها
إلى يوم القيامة، ومن سنّ سُنَّة سيئة كان عليه مثل وِزر كل من يعمل بها إلى
يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة
كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم
كان مسبوقاً إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم، أو عبادة، أو أدب، أو غير
(١)
ذلك. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن بعض الأعمال لا ينقطع ثوابها، وكذا أوزارها، وهي
التي تكون سبباً للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحاً للخير،
لا مفتاحاً للشرّ، وقد أخرج ابن ماجه في «سننه)) من حديث سهل بن سعد
أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى
لعبد جعله الله مفتاحاً للخير، مِغْلاقاً للشر، وويل لعبد جعله الله مِفتاحاً للشرّ،
مِغلاقاً للخير))(٢).
٤ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ كَثُّ: هذا الحديث أبلغ شيء في
فضل تعليم العلم اليوم، والدعاء إليه، وإلى جميع سبل الخير والبرّ(٣).
٥ - (ومنها): ما قاله بعضهم: إن في هذا الحديث وحديث: ((من سنّ
سُنَّة حسنةً إلخ)) المتقدم ما يدلّ على أن كل أجر حصل للدالّ والداعي حصل
للنبيّ وَّ مثله زيادةً على ما له من الأجر الخاصّ من نفسه على دلالته، أو
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٦/١٦ - ٢٢٧.
(٢) حسنه الشيخ الألبانيّ في ((الصحيحة)) ٣٢٠/٣ - ٣٢١ رقم (١٣٣٢).
(٣) ((تنوير الحوالك)) ١٧٠/١.

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
هدايته للمهتدي، وعلى ما له من الأجور على حسناته الخاصّة من الأعمال،
والمعارف، والأجور التي لا تصل جميع أمته إلى عَرْف نَشْرها، ولا يبلغون
عُشر عشرها، وهكذا نقول: إن جميع حسناتنا، وأعمالنا الصالحة، وعبادات
كل مسلم مسّرة في صحائف نبينا وَ ل* زيادةً على ما له من الأجر، ويحصل له
من الأجور بعدد أمته أضعافاً مضاعفةً، لا تحصى، يقصر العقل عن إدراكها؛
لأن كل عالم، ودالّ، يحصل له أجر إلى يوم القيامة، ويتجدد لشيخه في
الهداية مثل ذلك الأجر، ولشيخ شيخه مثلاه، وللشيخ الثالث أربعة، والرابع
ثمانية، وهكذا تضعف في كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة قبله إلى أن ينتهي
إلى النبيّ ◌َّر، إذا فرضت المراتب عشرة بعد النبي وَّ كان للنبيّ وَّ من
الأجر ألف وأربعة وعشرون، فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر صار أجر
النبيّ وَلّ ألفين وثمانية وأربعين، وهكذا كل ما زاد واحداً يتضاعف ما كان قبله
أبداً إلى يوم القيامة، وهذا أمر لا يحصره إلا الله، فكيف إذا أُخذ مع كثرة
الصحابة والتابعين والمسلمين في كل عصر، وكل واحد من الصحابة يحصل له
بعدد الأجور الذي ترتّبت على فِعله إلى يوم القيامة، وكل ما يحصل لجميع
الصحابة حاصل بجملته للنبيّ وَّله، وبه يظهر رجحان السلف على الخلف،
وأنه كلما ازداد الخلف ازداد أجر السلف، وتضاعف، ومن تأمل هذا المعنى،
ورُزق التوفيق انبعثت همته إلى التعليم، ورَغِب في نشر العلم؛ ليتضاعف أجره
في الحياة، وبعد الممات على الدوام، ويكفّ عن إحداث البدع، والمظالم،
من المكوس وغيرها، فإنها تضاعف عليه السيئات بالطريق المذكور، ما دام
يعمل بها عامل، فليتأمل المسلم هذا المعنى، وسعادة الدالّ على الخير،
وشقاوة الدالّ على الشرّ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) ٦/ ١٢٧.

٧٠٣
(٥٠) - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
(٥٠) - (كِتَابُ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ)
أما ((الذِّكْرُ)) بالكسر: فقال المجد تَخْلُهُ: هو الحِفْظُ للشيءِ، كالتَّذْكارِ،
والشيءُ يَجْري على اللسانِ، والصِّيتُ، كالذُّكْرَةِ بالضم، والثَّناءُ، والشرفُ،
والصلاةُ اللهِ تعالى، والدُّعاءُ، والكتابُ فيه تفصيلُ الدِّينِ. انتهى(١).
وقال الراغب الأصبهانيّ وَقْذُهُ: الذِّكر: تارةً يقال، ويراد به هيئة للنفس،
بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ، إلا أن الحفظ
يقال اعتباراً بإحرازه، والذِّكر يقال اعتباراً باستحضاره، وتارةً يقال لحضور
الشيء القلب، أو القول، ولذلك قيل: الذِّكر ذِكران:
ذِكر بالقلب، وذِكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان،
وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له: ذكر، فمن الذكر
باللسان قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزِلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقوله
تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنزَلْنَهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ تَعِىَ وَذِكْرُ مَنْ
قَبْلِىٌ﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقوله: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَاْ﴾ [ص: ٨]؛ أي: القرآن،
وقوله تعالى: ﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾﴾ [ص: ١]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ
وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]؛ أي: شرف لك، ولقومك، وقوله: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]؛ أي: الكتب المتقدمة. وقوله: ﴿قَدْ أَنَزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا
١٠
رَسُولاً﴾ [الطلاق: ١١،١٠]، فقد قيل: الذكر ها هنا وَصْف للنبيّ ◌َّ، وهذا قول
ابن عباس، أخرجه عنه ابن مردويه (٢)، كما أن الكلمة وصف لعيسىعُلَلها من
حيث إنه بُشِّر به في الكتب المتقدمة، فيكون قوله: ﴿رَسُولًا﴾ بدلاً منه، وقيل:
ـولًا﴾ منتصب بقوله: ﴿ذِكْرًا﴾، كأنه قال: قد أنزلنا إليكم كتاباً ذكراً
(١) ((القاموس المحيط)) ص٥٠٧.
(٢) راجع: ((الدر المنثور)) ٢٠٩/٨.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
رسولاً يتلو، قال: ومن الذكر عن النسيان قوله: ﴿فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَسَئِنِيهُ
إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ومن الذكر بالقلب واللسان معاً قوله
تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّكْرِكُمْ ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَ ذِكْرَأْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله:
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]،
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ أي: من بعد
الكتاب المتقدم.
وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: ذِكر الله لعبده أكبر
من ذِكر العبد له، وذلك حثّ على الإكثار من ذكره. والذكرى: كثرة الذكر،
وهو أبلغ من الذكر، قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [ص: ٤٣]،
[الذاريات: ٥٥]، في آي كثيرة. انتهى كلام
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
الراغب تَخْذَتُ باختصار(١).
وأما الدعاء، فهو الرغبة إلى الله تعالى، يقال: دعا دُعاء بالضمّ، ودَعْوَى
بالفتح والقصر، أفاده المجد(٢).
وقال الفيّوميّ تَُّ: دعوت الله دعاءً: ابتَهَلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما
عنده من الخير (٣).
وقال الراغب تَّلُ: الدعاء كالنداء، إلا أن النداء قد يقال بيا، أو أيا،
ونحو ذلك من غير أن يُضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه
الاسم، نحو: يا فلان، وقد يُستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال
تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، ويستعمل
استعمال التسمية، نحو: دعوت ابني زيداً؛ أي: سمّيته، قال تعالى:
تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، حثّاً على
تعظيمه، وذلك مخاطبة من كان يقول: يا محمد، ودعَوْتُه: إذا سألته، وإذا
استغثته، قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]؛ أي: سَلْه، وقال: ﴿قُلْ
أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ اٌللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اَللَِّ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
٤٠
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن الكريم)) ٣٢٨/١ - ٣٢٩.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٩٤/١.

٧٠٥
(٥٠) - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
بَلّ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، تنبيهاً أنكم إذا أصابتكم شدّة لم تفزعوا إلا
إليه. انتهى كلام الراغب تَذْتُهُ(١).
وأما التوبة: فهي الرجوع، يقال: تاب من ذنبه يتوب توباً، وتوبةً،
ومتاباً: أقلع، وقيل: التوبة هي التوب، ولكن الهاء التأنيث المصدر، وقيل:
التوبة واحدة، كالضربة، فهو تائبٌ، وتاب الله عليه: غفر له، وأنقذه من
المعاصي، فهو توّابٌ مبالغةٌ، واستتابه: سأله أن يتوب، قاله الفيوميّ ◌َّهُ(٢).
وقال الراغب تَخْفُهُ: التوب: تَرْك الذَّنْب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ
وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم
أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع
لذلك، وهذا الأخير هو التوبة.
والتوبة في الشرع: تَرْكُ الذَّنْب لِقُبحه، والندم على ما فَرَط منه،
والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارُك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال
بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة.
وتاب إلى الله، فذِكْر ((إلى الله)) يقتضي الإنابة، نحو: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾
[البقرة: ٥٤]، ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١]، ﴿َفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾
[المائدة: ٧٤]، وتاب الله عليه؛ أي: قَبِل توبته، منه: ﴿لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: ١١٧]، ﴿ثُمَّ تَابَ عَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]، ﴿فَتَابَ
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
والتائب يقال لباذل التوبة، ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله، والله
تائب على عبده.
والتواب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على
الترتيب حتى يصير تاركاً لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله توبة
العباد حالاً بعد حال. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ
مَتَابًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٧١]؛ أي: التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن الكريم)) ٣١٥/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٧٨/١.

٧٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وتحرّي الجميل. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ [الرعد: ٣٠]، ﴿إِنَّهُ, هُوَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]. انتهى كلام الراغب تَخْذَّتُهُ(١).
(١) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٨١] (٢٦٧٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ
لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((يَقُولُ اللهُ رَتْ: أَنَا عِنْدَ ظَنٌّ عَبْدِّي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ
يَذْكُرُنِ، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلِ
هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً، تَفَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً،
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِ يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم في الحديث الماضي.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم أيضاً في الباب
الماضي.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (الأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم قريباً.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَّةَ) تَبه، ذُكر في الحديث الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رَظُبه،
أحفظ من روى الحديث في دهره.
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن الكريم)) ١٦٩/١.

٧٠٧
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (يَقُولُ اللهُ وَّلَ: أَنَا
عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)؛ أي: أنا قادر على أن أعمل به ما ظنّ أني عامل به.
وقال الكرمانيّ تَخْتُ: وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على
الخوف(١)، قال الحافظ تَخّلُ: وكأنه أخذه من جهة التسوية، فإن العاقل إذا
سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد، وهو جانب الخوف؛ لأنه لا يختاره
لنفسه، بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، وهو كما قال أهل
التحقيق: مقيَّد بالمحتضِر، ويؤيد ذلك حديث: ((لا يموتنّ أحدكم إلا وهو
يحسن الظنّ بالله))، وهو عند مسلم من حديث جابر ظُه، وأما قبل ذلك ففي
الأَولى أقوال، ثالثها الاعتدال.
وقال ابن أبي جمرة كَّتُهُ: المراد بالظن هنا: العلم، وهو كقوله: ﴿وَظَنُواْ
أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اَللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨](٢).
وقال القرطبيّ كَّهُ في (المفهم)): قيل: معنى ((ظن عبدي بي)): ظن
الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار،
وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها، تمسّكاً بصادق وَعْده، وجزيل فضله،
قال: ويؤيده قوله في الحديث الآخر: ((ادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة)).
قال: وكذلك ينبغي للتائب، والمستغفر، والعامل أن يجتهد في القيام بما عليه
من ذلك موقناً بأن الله يقبل عمله، ويغفر ذنبه؛ فإن الله تعالى قد وعد بقبول
التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، وهو لا يُخلف الميعاد، فإن اعتقد، أو
ظن أن الله لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله، وهو من
الكبائر، ومن مات على ذلك وُكِل إلى ما ظَنّ كما في بعض طرق الحديث
المذكور: ((فليظنّ بي عبدي ما شاء))(٣)، قال: وأما ظن المغفرة مع الإصرار،
فذلك محض الجهل، والغِرّة، وهو يجرّ إلى مذهب المرجئة، وقد قال وَط ◌َه:
(«الكيّس من دان نفسه، وعمِل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها،
(١) ((شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ١١٨/٢٥.
(٢) ((بهجة النفوس)) ٢٧٥/٤.
(٣) رواه أحمد، وصححه ابن حبّان.

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وتمنّى على الله))(١)، والظنّ تغليب أحد المجوّزين بسبب يقتضي التغليب، فلو
خلا عن السبب المغلِّب لم يكن ظنّاً، بل غِرّةً وتمنّاً. انتهى(٢).
(وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي) قال القرطبيّ تَخْثُهُ: أصل الذكر: التنبه بالقلب
للمذكور، والتيقظ له، ومنه قوله: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَِّىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]؛
أي: تذكّروها، وقوله وَّ: ((من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها))
متّفقٌ عليه؛ أي: إذا تذكّرها بقلبه، وهو في القرآن كثير، وسمّي القول باللسان
ذكراً؛ لأنَّه دلالة على الذكر القلبيّ، غير أنه قد كَثُر اسم الذكر على القول
اللسانيّ حتى صار هو السابق للفهم، وأصلُ ((مَعَ)): الحضور، والمشاهدة، كما
قال تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ
مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ أي: مطّلع عليكم، ومحيط بكم، وقد ينجرّ مع ذلك
الحفظ والنصر، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾؛ أي:
أحفظکما ممن یرید کیدکما .
وإذا تقرر هذا، فيمكن أن يكون معنى: ((وأنا معه إذا ذكرني)): أن من
ذكر الله تعالى في نفسه مفرّغةً مما سواه، رفع الله عن قلبه الغفلات، والموانع،
وصار كأنه يرى الله تعالى، ويشاهده، وهي الحالة العليا التي هي: أن تذكر الله
كأنك تراه، فإن لم تصل إلى هذه الحالة، فلا أقلّ من أن يذكره، وهو عالم
بأن الله يسمعه، ويراه، ومن كان هكذا كان الله له أنيساً إذا ناجاه، ومجيباً إذا
دعاه، وحافظاً له من كل ما يتوقّعه ويخشاه، ورفيقاً به يوم يتوفاه، ومُحِلّاً له
من الفردوس أعلاه. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأنا معه إذا ذكرني))؛ أي: بعلمي، وهو
كقوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] والمعية المذكورة أخصّ من
المعية التي في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُنُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ - إلى
صط
قوله -: ﴿إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ [المجادلة: ٧].
وقال ابن أبي جمرة: معناه: فأنا معه حَسَب ما قصد من ذِكره لي، قال:
(١) رواه الترمذيّ، وحسّنه.
(٣) ((المفهم)) ٦/٧ - ٧.
(٢) ((المفهم)) ٥/٧ - ٦.

٧٠٩
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
ثم يَحْتَمِل أن يكون الذكر باللسان فقط، أو بالقلب فقط، أو بهما، أو بامتثال
الأمر، واجتناب النهي، قال: والذي تدلّ عليه الأخبار أن الذكر على نوعين:
أحدهما: مقطوع لصاحبه بما تضمّنه هذا الخبر، والثاني: على خطر، قال:
والأول يستفاد من قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
٧
[الزلزلة: ٧]، والثاني من الحديث الذي فيه: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء
والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعْداً))(١)، لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله
بخوف ووَجَل مما هو فيه، فإنه یرجی له. انتهى(٢).
(إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي)؛ أي: إن ذكرني بالتنزيه والتقديس
سرّاً، ذكرته بالثواب والرحمة سرّاً.
وقال ابن أبي جمرة(٣): يَحْتَمِل أن يكون مثل قوله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيّ
أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ومعناه: اذكروني بالتعظيم، أذكركم بالإنعام، وقال
تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: أكبر العبادات، فمَن ذكره،
وهو خائف آمنه، أو مستوحشٌ آنسه، قال تعالى: ﴿أَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَبِنُّ
اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. انتهى (٤) .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ذكرته بالإنعام)) الحقّ أن ذكر الله تعالى
لعبد على ظاهره، فهو ◌َإلَ إذا ذكره عبده في نفسه، ذكره هو في نفسه، وإن
ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير من ملئه، ذكراً حقيقياً، لا مجازيّاً، فتأويل
(ذَگر)) بالإنعام صَرْف وتأويل لمعنی ذِكر الله تعالی لعبده إلى لازمه، فلا يصحّ،
فتنّه، وسيأتي قريباً زيادة تحقيق لذلك - إن شاء الله تعالى -.
وقال القرطبيّ: قوله: ((في نفسي)): النفس: اسم مشترَك، يُطلق على
نفس الحيوان، وهي المتوفاة بالموت والنوم، ويُطلق ويراد به الدم، والله تعالى
منزه عن ذينك المعنيين، ويُطلق، ويراد به ذات الشيء، وحقيقته، كما يقال:
رأيت زيداً نفسه، عينه؛ أي: ذاته، وقد يطلق، ويراد به الغيب، كما قد قيل
(١) قال الشيخ الألبانيّ كَثُّ: ضعيف جدّاً، وقال في موضع آخر: باطل. ((الضعيفة)) ٥٤/١.
(٣) ((بهجة النفوس)) ٢٧٦/٤.
(٢) ((بهجة النفوس)) ٢٧٦/٤.
(٤) ((الفتح)) ٣٥٦/١٧، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٤٠٥).

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ أي:
ما في غيبك، والأليق بهذا الحديث أن يكون معناه: أن من ذكر الله تعالى
خالياً منفرداً بحيث لا يطّلع أحد من الخليقة على ذكره، جازاه الله على ذلك
بأن يذكره بما أعدّ له من كرامته التي أخفاها عن خليقته، حتى لا تعلم نفس ما
أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون، وقد قلنا: إن التسليم هو
الطريق المستقيم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام القرطبيّ هذا من جنس ما قبله، فالحقّ
كما قال هو في آخر كلامه: إن التسليم هو الطريق المستقيم، أن نسلّم أن الله
تعالى له نَفْس، لا كنفس المخلوقات، بل على ما يليق بجلاله ◌َلَ، فإذا ذكره
عبده في نفسه ذكره في نفسه ذكراً حقيقيّاً، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله
تعالى وليّ التوفيق.
(وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلا) بفتح الميم واللام مهموزاً: الجماعة، قال
الفيّوميّ تَخْثُهُ: الملأ: مهموزاً: أشراف القوم، سُمّوا بذلك لملاءتهم بما يُلتمَس
عندهم، من المعروف، وجَودة الرأي، أو لأنهم يملؤون العيون أُبّهةً، والصدور
هيبةً، والجمع: أملاء، مثلُ سبب وأسباب. انتهى(١).
(ذَكَرْتُهُ فِي مَلِ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ) قال القرطبيّ كَُّ: يعني: أن من يذكره في
ملأ من الناس، ذكره الله تعالى في ملأ من الملائكة؛ أي: أثنى عليه، ونوّه
باسمه في الملائكة، وأمر جبريل أن ينادي بذكره في ملائكة السموات، كما
تقدَّم، وهو ظاهرٌ في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء.
(٢)
انتھی
.
وقال في ((الفتح)): قال بعض أهل العلم: يستفاد منه أن الذكر الخفيّ
أفضل من الذكر الجهريّ، والتقدير: إن ذكرني في نفسه ذكرته بثواب، لا أُظْلِع
عليه أحداً، وإن ذكرني جهراً ذكرته بثواب أُطْلِع عليه الملأ الأعلى. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ذكرته بثواب إلخ)) هو من جنس ما سبق
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٠.
(٣) ((الفتح)) ٣٥٦/١٧.
(٢) («المفهم)) ٧/ ٧ - ٨.

٧١١
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
من التأويل، فلا تلتفت إليه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً) بكسر الشين المعجمة، وسكون الموحّدة: ما بين
طرفي الخنصرِ والإبهام بالتفريج المعتاد، والجمع أشبار، مثلُ حِمْل وأَحمال،
والبُضْمُ بضم الباء الموحّدة، وسكون الصاد المهملة: ما بين الخنصر والبنصر،
والْعَتَبُ بعين مهملة، وتاء مثناة من فوقُ، ثم باء موحّدةٌ، وزانُ سبب: ما بين
الوسطى والسبابة، ويقال: هو جَعْلك الأصابع الأربع مضمومةً، والفِتْرُ: ما بين
السبابة والإبهام، والفَوْتُ: ما بين كلّ إصبعين طولاً، والوَضِيم بالضاد
المعجمة، وزانُ أمير: ما بين البنصر والوسطى، وشَبَرْتُ الشيءَ شَبْراً، من باب
قتل: قِستُهُ بِالشِّبْرٍ، وكم شَبْرُ ثوبك؟ بالفتح، إذا سألت عن المصدر، قاله
الفيوميّ كَّهُ(١).
(تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً) بكسر الذال المعجمة: اليد من كلّ حيوان، لكنها من
الإنسان من الْمِرْفق إلى أطراف الأصابع، وهو مؤنّث، وبعض العرب يذكّره،
وهو شاذّ(٢).
(وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَّ ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً) قال أبو حاتم السجستانيّ: هو
مذكّر، يقال: هذا باعٌ، وهو مسافة ما بين الكفّين إذا بسطتهما يميناً وشمالاً .
انتھی(٣).
وقال الخطابيّ: الباع معروف، وهو قدر مَدّ اليدين، وأما البوع بفتح
الموحّدة، فهو مصدر باع يبوع بَوْعاً، قال: ويَحْتَمِل أن يكون بضم الباء، جَمْع
باع، مثل دار ودُور.
قال الحافظ: وأغرب النوويّ، فقال: الباع، والبُوع، والبَوْع بالضم،
والفتح، كله بمعنّى، فإن أراد ما قال الخطابيّ، وإلا لم يصرّح أحد بأن البوع
بالضم والباع بمعنى واحد.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يصرح أحد إلخ فيه نظر لا يخفى،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٠٢/١ - ٣٠٣.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٠٧/١ - ٢٠٨.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٦/١.

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
فقد ذكر صاحب ((القاموس)) ((الْبُوْع)) فيه الفتح، والضمّ، ووافقه شارحه
المرتضى، حيث قال: البَاعُ: قَدرُ مَدِّ اليَدَيْنِ، ومَا بَيْنَهُمَا من البَدَنِ، كالبَوْعِ
- أي: بالفتح - ويُضَمُّ، الأَخِيرَةُ هُذَلِيَّة، قال أَبُو ذُؤَيْبٍ [من الطويل]:
فِلَوْ كَانَ حَبْلاً مِنْ ثَمَانِينَ قَامَةً وخَمْسِينَ بُوعاً نَالَهَا بِالأَنَامِلِ(١)
والحاصل: أن ما قاله النوويّ صحيح.
وقال الباجيّ: الباع طُول ذراعي الإنسان، وعضديه، وعَرْض صدره،
وذلك قَدْر أربعة أذرع، وهو من الدواب قدر خطوها في المشي، وهو ما بين
قوائمها. انتهى(٢) .
(وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي) من باب رمى يرمي، يقال: مشى يمشي مَشْياً: إذا كان
على رجليه سريعاً كان، أو بطيئاً (٣). (أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))) يقال: هَرْول هرولةً: إذا
أسرع في مشيه دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَذْو، وجعل
جماعة الواو أصلاً (٤).
قال ابن بطال: وصَف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده، ووصَف العبد
بالتقرب إليه، ووصَفه بالإتيان والهرولة، كلّ ذلك يَحْتَمِل الحقيقة والمجاز،
فحَمْلها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات، وتداني الأجسام، وذلك في حقه
تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعيَّن المَجاز؛ لشهرته في كلام العرب،
فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبراً وذراعاً، وإتيانه، ومشيه معناه: التقرب
إليه بطاعته، وأداء مفترضاته، ونوافله، ويكون تقرّبه سبحانه من عبده، وإتيانه،
والمشي: عبارة عن إثابته على طاعته، وتقرّبه من رحمته، ويكون قوله: ((أتيته
هرولةً))؛ أي: أتاه ثوابي مسرعاً، ونَقَل عن الطبريّ أنه إنما مَثَّل القليل من
الطاعة بالشبر منه، والضعف من الكرامة، والثواب بالذراع، فجعل ذلك دليلاً
على مبلغ كرامته لمن أدمن على طاعته، أن ثواب عمله له على عمله الضعف،
وأن الكرامة مجاوزة حدّه إلى ما يثيبه الله تعالى.
(١) (تاج العروس)) ص٥١١٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٨٦/١٧، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٥٣٦).
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٣٧.

٧١٣
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
وقال ابن التين: القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ
قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴾﴾ [النجم: ٩] فإن المراد به: قُرب الرتبة، وتوفير الكرامة،
والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه، ورضا الله عن العبد، وتضعيف الأجر،
قال: والهرولة ضَرْب من المشي السريع، وهي دون الْعَدْو.
وقال صاحب ((المشارق)): المراد بما جاء في هذا الحديث: سرعة قبول
توبة الله للعبد، أو تيسير طاعته، وتقويته عليها، وتمام هدايته، وتوفيقه، والله
أعلم بمراده.
وقال الراغب: قُرب العبد من الله التخصيص بكثير من الصفات التي
يصح أن يوصف الله بها، وإن لم تكن على الحدّ الذي يوصف به الله تعالى،
نحو الحكمة، والعلم، والحلم، والرحمة، وغيرها، وذلك يحصل بإزالة
القاذورات المعنوية، من الجهل، والطيش، والغضب، وغيرها، بقدر طاقة
البشر، وهو قُرب روحانيّ لا بدنيّ، وهو المراد بقوله: ((إذا تقرب العبد مني
شبراً تقربت منه ذراعاً)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ: قوله: ((وإن تقرّب إليّ شبراً إلخ)) هذه كلّها أمثالٌ ضُربت
لمن عَمِل عملاً من أعمال الطاعات، وقَصَد به التقرّب إلى الله تعالى، تدلّ
على أن الله تعالى لا يُضيع عمل عامل، وإن قل، بل يقبله، ويجعل له ثوابه
مضاعفاً، ولا يَفهَم من هذا الحديث الْخُطا: نقلَ الأقدام إلا من ساوى الْحُمُر
في الأفهام.
[فإن قيل]: مقتضى ظاهر هذا الخطاب أن من عمل حسنة جوزي
بمثليها، فإنَّ الذراع: شبران، والباع: ذراعان، وقد تقرر في الكتاب والسُّنَّة أن
أقلّ ما يُجازَى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف
کثیرة، لا تحصى، فکیف وجه الجمع؟.
[قلنا]: هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار الأجور، وعدد تضاعيفها،
وإنما سيق لتحقيق أن الله تعالى لا يُضيّع عمل عامل قليلاً كان أو كثيراً،
وأن الله تعالى يُسرع إلى قبوله، وإلى مضاعفة الثواب عليه إسراع من جيء إليه
(١) (الفتح)) ٥٨٤/١٧ - ٥٨٥، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٥٣٦).

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
بشيء، فبادِر لِأَخْذه، وتبشبش له بشبشة من سُرّ به، ووقع منه الموقع، ألا ترى
قوله: ((وإن أتاني يمشي أتيته هرولة))، وفي لفظ آخر: (أسرعت إليه))، ولا
تتقدّر الهرولة والإسراع بضعفي المشي، وأما عدد الأضعاف، فيؤخذ من موضع
آخر، لا من هذا الحديث، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن ما تضمّنه هذا الحديث من ذِكر
التقرّب، والمشي، والهرولة على ظاهره حسبما يقتضيه سياق الكلام، ومعلوم
أن المشي المضاف للعبد، والهرولة المضافة إلى الله وُ ج ليس المراد به قطع
المسافة، بل مزيد التقرّب.
والحاصل: أن الله ◌ُعَلّ يتقرّب من عبده متى شاء، وكيف شاء، وذلك
مما يدلّ عليه اسمه ((القريب))، فهو ◌َ قريبٌ من داعيه، وعابديه، ويقرّب من
يشاء من عباده، وهذا لا يُشْكِل على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة القائلين
بمباينة الله رَمَ لخلقه، وأن بعض خَلْقه أقرب إليه من بعض، وإنما يُنكر ذلك،
ويستشكله نفاة علوّ الله تعالى من الأشاعرة وغيرهم(١)، فافهم الحقيقة، ولا
تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رّ ◌ُله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٨١/١ و٦٧٨٢ و٦٧٨٣] (٢٦٧٥)،
و(البخاريّ) في ((التوحيد)) (٧٥٣٧ و٧٤٠٥) وفي ((خلق أفعال العباد)) (ص٨٥)،
و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٦٠٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤١٢/٤)،
و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٨٢٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥١/٢ و٤١٣
و٥١٦ و٥١٧ و٥٢٤ و٥٣٤ و٥٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٦ و٨١١
و٨١٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٣/٢)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع ما كتبه الشيخ البرّاك على هامش: ((الفتح)) ٥٨٤/١٧ - ٥٨٥، كتاب
((التوحيد)) رقم (٧٥٣٦).

٧١٥
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات القول الله تعالى، وأنه يتكلّم إذا شاء بما شاء، ويكلّم
من شاء إذا شاء.
٢ - (ومنها): إثبات النَّفْس لله تعالى على ما يليق بجلاله ◌ُعَلَ.
٣ - (ومنها): بيان أن الجزاء من جنس العمل.
٤ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى، وعظيم كرمه على عباده حيث يجزيهم
بضُعْفَي ما عملوا، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
٥ - (ومنها): أن الشيخ البراك كتب تحقيقاً نفيساً عند قول صاحب
((الفتح)): ((ذكرته في نفسي)): ذكرته بالثواب والرحمة سرّاً، ونقل عن ابن أبي
جمرة في قوله: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾: أذكركم بالإنعام، فقال البرّاك: والذكر من
حيث هو يكون بالقول والفعل، وهو في مثل هذا السياق أظهر في القول، بل
حَمْله عليه في هذا الحديث متعيّن؛ لقوله: ((في نفسه ... في نفسي))، وقوله:
((في ملأ ... في ملأ خير منهم))، فبان بذلك أن الله تعالى يذكر عبده بكلام في
نفسه؛ أي: دون أن يُعلِم بذلك أحداً من ملائكته، وقد يذكره بشهود من شاء
من ملائكته، مثلُ ثنائه عليه، والإخبار بأنه يحبّه، كما في الحديث المشهور:
((إذا أحبّ الله عبداً نادى جبريل إن الله يحبّ فلاناً، فأحبّه ... ))، وبهذا يتبيّن
أن تأويل ذِكر الله لعبده بالرحمة والثواب، أو الإنعام صَرْف للكلام عن ظاهره
بلا حجة، وكأن الذي قال ذلك يذهب إلى أن الله تعالى لا يتكلّم بكلام حقيقيّ
يُسمعه إذا شاء لمن شاء من عباده، وهذا موجَب مذهب الأشاعرة في
كلام الله ◌ُعَلَ، وهو أنه معنى نفسيّ، ليس بحرف، ولا صوت، فلا يُتصوّر
سماعه منه، وهو ظاهر الفساد. انتهى كلام البرّاك (١)، وهو تحقيق نفيس جدّاً،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في تفضيل الملائكة على البشر،
وعكسه:
قال ابن بطال: هذا الحديث نصّ في أن الملائكة أفضل من بني آدم،
(١) تعليق الشيخ البراك على هامش ((الفتح)) ٣٥٦/١٧.

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
وهو مذهب جمهور أهل العلم، وعلى ذلك شواهد من القرآن، مثل: ﴿إِلَّا أَنْ
تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، والخالد أفضل من الفاني،
فالملائكة أفضل من بني آدم.
وتُعُقّب بأن المعروف عن جمهور أهل السُّنَّة أن صالحي بني آدم أفضل
من سائر الأجناس، والذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة: الفلاسفة، ثم
المعتزلة، وقليل من أهل السُّنَّة، من أهل التصوف، وبعض أهل الظاهر، فمنهم
من فاضل بين الجنسين، فقالوا: حقيقة الملَك أفضل من حقيقة الإنسان؛ لأنها
نورانية، وخيّرة، ولطيفة، مع سعة العلم، والقوّة، وصفاء الجوهر، وهذا لا
يستلزم تفضيل كلّ فرد على كل فرد؛ لجواز أن يكون في بعض الأناسي ما في
ذلك وزيادة، ومنهم من خصّ الخلاف بصالحي البشر والملائكة، ومنهم من
خصه بالأنبياء، ثم منهم من فضّل الملائكة على غير الأنبياء، ومنهم من فضّلهم
على الأنبياء أيضاً إلا على نبيّنا محمد وَله .
ومن أدلة تفضيل النبيّ على الملك أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم
على سبيل التكريم له، حتى قال إبليس: ﴿أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَّ﴾
[الإسراء: ٦٢].
ومنها: قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥]؛ لِمَا فيه من الإشارة
إلى العناية به، ولم يثبت ذلك للملائكة.
ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى
(٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣].
اُلْعَلَمِينَ
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَسَخََّ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]،
فدخل في عمومه الملائكة، والمسخَّر له أفضل من المسخَّر، ولأن طاعة
الملائكة بأصل الخلقة، وطاعة البشر غالباً مع المجاهدة للنفس؛ لِمَا طُبعت
عليه من الشهوة، والحرص، والهوى، والغضب، فكانت عبادتهم أشقّ، وأيضاً
فطاعة الملائكة بالأمر الوارد عليهم، وطاعة البشر بالنصّ تارةً، وبالاجتهاد
تارةً، والاستنباط تارةً، فكانت أشقّ، ولأن الملائكة سَلِمت من وسوسة
الشياطين، وإلقاء الشُّبَه، والإغواء الجائزة على البشر، ولأن الملائكة تشاهد
حقائق الملكوت، والبشر لا يعرفون ذلك إلا بالإعلام، فلا يَسْلَم منهم مِن

٧١٧
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
إدخال الشبهة من جهة تدبير الكواكب، وحركة الأفلاك إلا الثابت على دينه،
ولا يتم ذلك إلا بمشقة شديدة، ومجاهدات كثيرة.
وأما أدلة الآخرين: فقد قيل: إن حديث الباب أقوى ما استُدِلّ به لذلك؛
للتصريح بقوله فيه: ((في ملأ خير منهم))، والمراد بهم: الملائكة، حتى قال
بعض الغلاة في ذلك: وكم من ذاكر الله في ملأ، فيهم محمد بَّو ذكرهم الله
في ملأ خير منهم.
وأجاب بعض أهل السُّنّة بأن الخبر المذكور ليس نصّاً، ولا صريحاً في
المراد، بل يطرقه احتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من الملأ
الذاكر: الأنبياء، والشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم، فلم ينحصر ذلك في
الملائكة.
وأجاب آخر، وهو أقوى من الأول: بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر
والملأ معاً، فالجانب الذي فيه ربّ العزة خيرٌ من الجانب الذي ليس هو فيه
بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع.
قال الحافظ: وهذا الجواب ظهر لي، وظننت أنه مبتكر، ثم رأيته في
كلام القاضي كمال الدين ابن الزملكانيّ في الجزء الذي جمعه في الرفيق
الأعلى، فقال: إن الله قابَل ذِكر العبد في نفسه بذكره له في نفسه، وقابل ذكر
العبد في الملأ بذكره له في الملأ، فإنما صار الذكر في الملأ الثاني خيراً من
الذكر في الأوّل؛ لأن الله هو الذاكر فيهم، والملأ الذين يذكرون، والله فيهم،
أفضل من الملأ الذين يذكرون، وليس الله فيهم.
ومن أدلة المعتزلة: تقديم الملائكة في الذكر في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ
عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ
النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
وتُعُقِّب بأن مجرد التقديم في الذكر لا يستلزم التفضيل؛ لأنه لم ينحصر
فيه، بل له أسباب أخرى، كالتقديم بالزمان، في مثل قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُج
وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فقدَّم نوحاً على إبراهيم علا لتقدُّم زمان نوح، مع أن
إبراهيم أفضل.

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
ومنها قوله تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَ الْمَلَبِكَةُ
الْقُرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، وبالغ الزمخشريّ فادَّعَى أن دلالتها لهذا المطلوب
قطعية بالنسبة لعلم المعاني، فقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْمَلَبِّكَةُ الْقُرَّبُّونَ﴾؛
أي: ولا من هو أعلى قَدْراً من المسيح، وهم الملائكة الكروبيون الذين حول
العرش، كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، قال: ولا يقتضي علم المعاني غير
هذا، من حيث إن الكلام إنما سيق للردّ على النصارى؛ لغلوّهم في المسيح،
فقيل لهم: لن يترفع المسيح عن العبودية، ولا من هو أرفع درجة منه. انتهى،
ملخّصاً .
وأجيب بأن الترقي لا يستلزم التفضيل المتنازَع فيه، وإنما هو بحسب
المقام، وذلك أن كلّاً من الملائكة والمسيح عُبِد من دون الله، فرُدّ عليهم بأن
المسيح الذي تشاهدونه، لم يتكبّر عن عبادة الله، وكذلك من غاب عنكم من
الملائكة لا يتكبر، والنفوس لِمَا غاب عنها أَهْيب ممن تشاهده، ولأن الصفات
التي عبدوا المسيح لأجلها، من الزهد في الدنيا، والاطلاع على المغيبات،
وإحياء الموتى بإذن الله موجودة في الملائكة، فإن كانت توجب عبادته فهي
موجبة لعبادتهم بطريق الأولى، وهم مع ذلك لا يستنكفون عن عبادة الله
تعالى، ولا يلزم من هذا الترقي ثبوت الأفضلية المتنازَع فيها.
وقال البيضاويّ: احتَجَّ بهذا العطف من زعم أن الملائكة أفضل من
الأنبياء، وقال: هي مُساقة للردّ على النصارى في رَفْع المسيح عن مقام
العبودية، وذلك يقتضي أن يكون المعطوف عليه أعلى درجة منه، حتى يكون
عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه.
وجوابه: أن الآية سيقت للردّ على عَبَدة المسيح والملائكة، فأريدَ
بالعطف: المبالغة باعتبار الكثرة دون التفضيل، كقول القائل: أصبح الأمير لا
يخالفه رئيس، ولا مرؤوس، وعلى تقدير إرادة التفضيل: فغايته تفضيل المقربين
ممن حول العرش، بل من هو أعلى رتبة منهم على المسيح، وذلك لا يستلزم
فَضْل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً .
وقال الطيبيّ: لا تتم لهم الدلالة إلا إن سُلِّم أن الآية سيقت للردّ على
النصارى فقط، فيصح، لن يترفع المسيح عن العبودية، ولا من هو أرفع منه،

٧١٩
(١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٦٧٨١)
والذي يدّعي ذلك يحتاج إلى إثبات أن النصارى تعتقد تفضيل الملائكة على
المسيح، وهم لا يعتقدون ذلك، بل يعتقدون فيه الإلهية، فلا يتم استدلال من
استَدَلّ به، قال: وسياق الآية من أسلوب التتميم والمبالغة، لا للترقي، وذلك
أنه قَدَّم قوله: ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]
فقرَّر الوحدانية، والمالكية، والقدرة التامة، ثم أتبعه بعدم الاستنكاف،
فالتقدير: لا يستحقّ من اتصف بذلك أن يستكبر عليه الذي تتخذونه أيها
النصارى إلهاً؛ لاعتقادكم فيه الكمال، ولا الملائكة الذين اتخذها غيركم آلهة؛
لاعتقادهم فیھم الكمال.
قال الحافظ: وقد ذكر ذلك البغويّ مُلخّصاً، ولفظه: لم يقل ذلك رفعاً
المقامهم على مقام عيسى، بل ردّاً على الذين يدّعون أن الملائكة آلهة، فردّ
عليهم، كما ردّ على النصارى الذين يدّعون التثليث.
ومنها: قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآَيْنُ اللَّهِ وَلََّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآَ
أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ﴾ [الأنعام: ٥٠]، فنفى أن يكون ملكاً، فدلّ على أنهم أفضل.
وتُعُقّب بأنه إنما نفى ذلك؛ لكونهم طلبوا منه الخزائن، وعلم الغيب،
وأن يكون بصفة الملَك، مِن ترك الأكل، والشرب، والجماع، وهو من نمط
إنكارهم أن يرسل الله بشراً مثلهم، فنفى عنه أنه ملك، ولا يستلزم ذلك
التفضيل.
ومنها: أنه سبحانه لمّا وصف جبريل؛ ومحمداً وَ ﴿ قال في جبريل:
[الحاقة: ٤٠]، وقال في حقّ النبيّ وَّ: ﴿وَمَا صَاحِبُّكُمْ
٤٠
پمجنونٍ
﴿إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
﴾ [التكوير: ٢٢]، وبين الوصفين بَوْنٌ بَعِيدٌ.
٢٢
وتُعُقّب بأن ذلك إنما سيق للردّ على من زعم أن الذي يأتيه شيطان،
فكان وَصْف جبريل بذلك تعظيماً للنبيّ وََّ، فقد وَصَفَ النبيّ وَّ في غير هذا
الموضع بمثل ما وَصَف به جبريل هنا، وأعظم منه.
وقد أفرط الزمخشريّ في سوء الأدب هنا، وقال كلاماً يستلزم تنقيص المقام
المحمديّ، وبالغ الأئمة في الردّ عليه في ذلك، وهو من زلاته الشنيعة. انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ٣٥٦/١٧ - ٣٦٠، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٤٠٥).

٧٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة
قال الجامع عفا الله عنه: هذه المسألة هكذا اختلف المتأخرون فيها، وما
كان ينبغي لهم ذلك؛ لأنها ليست من المسائل التي كُلّفنا بها، وإلا لأنزل الله
تعالى بيان حكمها صريحاً، أو بيّنها النبيّ وَ له بياناً شافياً، فهي مما لا يعني
المكلّفين عِلمه، و((من حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))؛ إذ فيه إضاعة
للوقت، وشَغْلٌ له عما هو أهمّ.
قال الشيخ ابن أبي العزّ دَّثُهُ في شرح العقيدة الطحاويّة بعدما ذكر
الخلاف: والأدلّة في هذه المسألة من الجانبين إنما تدلّ على الفضل، لا على
الأفضليّة، ولا نزاع في ذلك.
قال: وللشيخ تاج الدين الفزاريّ مصنّف سمّاه: ((الإشارة في البشارة)) في
تفضيل البشر على الملك، قال في آخره: اعلم أن هذه المسألة من بِدَع علم
الكلام التي لم يتكلّم فيها الصدر الأول من الأمّة، ولا مَن بعدهم من أعلام
الأئمة، ولا يتوقّف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلّق بها من الأمور
الدينيّة كبير من المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنّفات هذا الشأن،
وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكلّ متكلّم فيها من علماء الظاهر
بعلمه لم يَخْلُ كلامه عن ضَعف واضطراب. انتهى(١).
والحاصل: أن الأسلم أن نعتقد أن الله ◌ُعَلَ فضّل الملائكة، وفضّل خيار
بني آدم، وأما التفضيل بين الجنسين، فَنكِلُ علمه إلى الله تعالى، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً،
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
(١) ((شرح العقيدة الطحاوية)) ٢/ ٧٠٠ بنسخة ترتيب الشيخ خالد فوزي.