Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) حيث لا يُوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحداً العمل به، ولم يُحرّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفاً للدين، بل غايته أنهم خَيَّروا بين قبوله وردّه، فهو بمنزلة ما أُبيح للمضطرّ من الطعام والشراب الذي يَحُرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعيّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقَدْر الضرورة، لم يُفْرِطُوا فيه، ويُفَرّعوه، ويولّدوه، ويوسّعوه كما صنع المتأخّرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يَضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسّر حفظه، فلم يَتَعَدَّوا في استعماله قَدْر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار، كما قال تعالى في المضطرّ إلى الطعام المحرّم: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاخِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذكّى، والعادي: الذي يتعدّى قدرَ الحاجة بأكملها . فالرأي الباطل أنواع: [أحدها]: الرأي المخالف للنّصّ، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفُتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد. [النوع الثاني]: هو الكلام في الدِّين بالْخَرْص والظنّ، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص، وفهمِها، واستنباط الأحكام منها، فإن مَن جهلها، وقاس برأيه فيما سُئل عنه بغير علم، بل لمجرّد قَدْر جامع بين الشيئين أُلحق أحدهما بالآخر، أو لمجرّد قدر فارقٍ يراه بينهما يُفرّق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلّ وأضلّ. [النوع الثالث]: الرأي المتضمّن تعطيل أسماء الربّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، من الْجَهْميّة، والمعتزلة، والقَدَريّة، ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة، وشُبَههم الداحضة في ردّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردّوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعاني ٦٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم النصوص التي لم يجدوا إلى ردّ ألفاظها سبيلاً، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه، وتكليمه لعباده، وأنكروا مُباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلُوّه على المخلوقات، وعموم قدرته على كلّ شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنّ والإنس عن تعلّق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوا لأجلها حقائق ما أخبر به تُعَلَ عن نفسه، وأخبر به رسوله ﴿ من صفات كماله، ونعوت جلاله، وحَرَّفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرّد الذي حقيقته أنه ذُبالة(١) الأذهان، ونُخالة الأفكار، وعُفارة الآراء، ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سواداً، والقلوب شكوكاً، والعالم فساداً. وكلُّ من له مُسكة من عقل يَعلَم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استَحكَم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استَحكَم هلاكه، ولا أمّة إلا فسد أمرُها أتمّ فساد، فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حقّ، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هُدى، وأُحيي بها من ضلالة؟ وكم هُدم بها من مَعْقِل الإيمان، وعُمِّر بها من دِين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سَمْع لهم ولا عقل، بل هم شرّ من الْحُمُر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَا نَسْمَعُ أَ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْخَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. [النوع الرابع]: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغيّرت به السنن، وعَمَّ البلاء، وتربّى عليه الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير. فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتّفق سلف الأمة، وأئمتها على ذمّه، وإخراجه من الدِّين. [النوع الخامس]: ما ذكره أبو عمر بن عبد البرّ عن جمهور أهل العلم، أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبيّ وَلّ، وعن أصحابه والتابعين أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ (١) الذُّبالة بالضم: فتيلة السراج. قاله في ((اللسان)). ٦٦٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً، دون ردّها على أصولها، والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل، وفُرِّعت، وشُقِّقت قبل أن تقع، وتكلّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظنّ، قالوا: وفي الاشتغال بهذا، والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على جهلها، وتَرْك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله رَّك ومعانيه، واحتجّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء(١). ثم ذكر من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر، قال: ((لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يَلعَن مَن يسأل عما لم یکن»(٢). ثم ذكر من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازيّ، ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابحيّ، عن معاوية أن النبيّ وَِّ ((نهى عن الأُغلوطات))(٣). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ بإسناده مثله، وقال: فسّره - يعني: صِعاب المسائل -. وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن عبادة بن نُسيّ، عن الصنابحيّ، عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أما تعلمون أن رسول الله وَّجُ نهى عن عُضَل المسائل؟(٤). واحتجّوا أيضاً بحديث سهل بن سعد وغيره أن رسول الله اي الف کرہ المسائل وعابَها(٥). (١) راجع: ((جامع بيان العلم)) ١٠٥٤/٢. (٢) ((جامع بيان العلم)) (٢٠٣٦). وهو ضعيف؛ لأن في سنده ليث بن أبي سليم، متروك، وشريك متكلّم فيه. (٣) أخرجه أحمد ٤٣٥/٥، وأبو داود رقم (٣٦٥٦) وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن سعد بن فروة البجليّ: مجهول. (٤) إسناده ضعيف جدّاً، في سنده سليمان بن أحمد الواسطيّ: متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم، وعنعنة الوليد، وهو مدلّس، وجهالة عبد الله بن سعد. (٥) متّفقٌ عليه. ٦٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وأنه وَّ قال: ((إن الله وَك كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال))(١). وأخرج بسنده عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن الزهريّ، عن سهل بن سعد قال: ((لعن رسول الله ﴿ ﴿ المسائل وعابها))(٢). وأخرج أيضاً عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبي لبابة قال: ((وددتُ أن أحظى من أهل الزمان أن لا أسألهم عن شيء، ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم»(٣). وأخرج أيضاً عن إسماعيل بن عيّاش، ثنا شُرحبيل بن مسلم، أنه سمع الحجاج بن عامر الثُّماليّ - وكان من أصحاب رسول الله وَ له - أن رسول الله وَلقول قال: ((إياكم وكثرة السؤال)»(٤). قال: وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله وير: ((أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال))، فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل؟ فقد كره رسول الله رير المسائل وعابها، وقال الله رَك: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ قَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاف؟. واحتجّوا أيضاً بما رواه ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله وَلجر: ((أعظم المسلمين في المسلمين جُرماً من سأل عن شيء لم يُحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته))(٥). وقد جاء ذمّ الرأي في كلام السلف رحمهم الله، فقد سئل الشعبيّ - وهو من كبار التابعين، وقد أدرك مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن معظمهم - عن مسألة من النكاح، فقال للسائل: إن أخبرتك برأيي، فبُلْ عليه. وعنه قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله - 18 فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الْحُشّ(٦). وعن عمرو بن دينار، قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم (١) حديث متّفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة قالله. (٣) إسناده حسن. (٢) حديث صحيح. (٤) إسناده حسن. (٦) أي: الكنيف. (٥) حديث متّفقٌ عليه. ـ= ٦٦٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غداً. وعن ابن عيينة قال: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقوله هو برأيه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: أنه لا رأي لأحد مع سنة سنّها رسول الله وَله. وعن أبي نضرة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصريّ: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفت برأيك إلا أن يكون سنّة عن رسول الله وَله. وعن أبي وائل قال: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت. وعن ابن شهاب قال: دَعُوا السُّنَّة تمضي، لا تَعَرَّضُوا لها بالرأي. وعنه قال - وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي، وتَرْكهم السنن -: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتّبعوا الرأي، وأخذوا فيه. وسأل رجل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئاً، فقال له الرجل: فأخبرني - أصلحك الله - برأيك، فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلّي إن أخبرتك برأيي، ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأياً غيره، فلا أجدك. وقال البخاريّ: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، ثنا مالك بن أنس، قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يُشبه حالك، أنا أقول برأيي، من شاء أخذه، وعمل به، ومن شاء تركه. وقال الفريابيّ: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيّ قال: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختيانيّ: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ما لك لا تَجْتَرُّ؟ قال: أكره مَضْغ الباطل. وقال الفريابيّ: ثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيّ يقول: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوا لك القول. وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر، قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يُجيب حتى يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، هذا الرأي، والرأي يُخطئ ويُصيب. وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: عِلمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قَدَرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال الطحاويّ: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أشهب بن عبد العزيز، قال: كنت عند مالك، فسئل عن الْبَتّة، فأخذت ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، ٦٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم فعسى في العشيّ أقول: إنها واحدة. وقال معن بن عيسى القزّاز: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشرٌ أُخطئ وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسُّنَّة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسُّنَّة فاتركوه. قال ابن القيّم تَخْذَثُ: فرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم خيراً، ولقد امتثل وصيّتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدِّين من أتباعهم. وأما المتعصّبون فإنهم عكسوا القضيّة، ونظروا في السُّنَّة، فما وافق أقوالهم منها قبِلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردّه، أو ردّ دلالته، وإذا جاء نظير ذلك، أو أضعف منه سنداً ودلالةً، وكان يوافق قولهم قبِلوه، ولم يستجيزوا ردّه، واعترضوا به على منازٍعهم، وأشاحوا، وقرّروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السند بعينه، أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك، أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه، ولم يقبلوه. وقال بقيّ بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وقال القعنبيّ: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي؟ ومن أحقّ بالبكاء منّي؟ والله لوددتُ أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سَوْطاً، وقد كانت لي السعة فيما قد سُبقتُ إليه، وليتني لم أُفتِ بالرأي. وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعيّ يقول: مَثلُ الذي ينظر في الرأي، ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عُولج حتى برئ، فأُعقل ما یکون قد هاج به. وقال ابن أبي داود: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل(١). وقال عبد الله بن أحمد أيضاً: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحبّ إليّ من الرأي، فقال (١) ((الدَّغَل)) بفتحتين، والغين المعجمة، و((الدَّخَل)) بالخاء المعجمة بوزنه: الفساد. ٦٦٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يَعرِف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي. قال ابن القيّم: وأصحاب أبي حنيفة كَُّ مُجمِعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بَنَى مذهبه، كما قدّم حديث القهقهة مع ضَعفه على القياس والرأي، وقدّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر (١) مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقلّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف، وشَرَط في إقامة الجمعة المصرَ، والحديث فيه كذلك، وتَرَك القياس المحض في مسائل الآبار؛ لآثار فيها غير مرفوعة، فتقديم الحديث الضعيف، وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله، وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسمّيه المتأخّرون حسناً قد يسميه المتقدّمون ضعيفاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن القيّم تَظُّ: إن مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس، ثم ذكر أمثلة على ذلك، محلّ نظر، فإنهم إذ قد فعلوا ذلك في الأمثلة المذكورة، فيا ليتهم وقفوا عليه، لكنهم يردّون الأحاديث الصحيحة بالقياس، كما فعلوا في حديث المصرّاة المتّفق عليه، وكالحديث المتفق عليه أيضاً: ((لا صلاة إلا بأم القرآن))، وكحديث بيع العرايا، وكحديث تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد، وكحديث: ((لا زكاة في حبّ ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق))، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي ردّوها بأنها تخالف القياس، وقد أجاد ابن القيّم حيث أورد نيّفاً وخمسين مثالاً لِمَا خالف فيه الحنفيّة وغيرهم الأحاديث الصحيحة، فراجعه تستفد(٢)، وبالله تعالى التوفيق. (١) القيد بالسفر محل نظر، وما أظنه شرطاً عندهم، فليُنظر. (٢) راجع: ((إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين)) ١/ ٦١٧ - ٦٩٩. ٦٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وأيضاً قوله: وليس المراد بالحديث الضعيف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين محلّ نظر، فإنه لا ينطبق على مذهب الحنفيّة، كما تشهد به الأحاديث التي أوردها ابن القيّم أمثلة لذلك، فإنها ضعيفة على اصطلاحهم، فتأملها بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: والمقصود أن السلف جميعهم على ذمّ الرأي والقياس المخالف للكتاب والسُّنَّة، وأنه لا يحلّ العمل به، لا فُتيا، ولا قضاءً، وأن الرأي الذي لا يُعلم مخالفته للكتاب والسُّنَّة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام، ولا إنكار على من خالفه. وأخرج الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال [من الكامل]: دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَارُ لَا تُخْدَعَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى طُرُقَ الْهُدَى ولبعض أهل العلم [من البسيط]: الْعِلْمُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ مَا الْعِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً كَلَا وَلَا نَصْبُ الْخِلَافِ جَهَالَةً كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّداً حَاشَا النُّصُوصَ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ نِعْمَ الْمَطِيّةُ لِلْفَتَى الأَخْبَارُ فَالرَّأَيُّ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَهَا أَنْوَارُ قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ سَفِيهِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْيَ فَقِيهِ حَذَراً مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ (١) قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أنواع الرأي الباطل التي تقدّم بيانها في ((التحفة المرضيّة))، فقلت: أَنْوَاعُ الرَّأْيِ الْبَاطِلِ وَلَا نَرَى فَرِيقَهُ سِوَى اللُّصُوصْ أَحَدُهَا الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ النُّصُوصْ بُظْلَانُهُ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الاسْلَامِ فَسِمْ بِفِرْيَةٍ عِلْمٍ تَخَرُّصاً وَظَنّاً حُظِلَا وَثَانِهَا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِلَا (١) راجع: ((إعلام الموقعين)) ٧٥/١ - ٨١. ٦٦٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) مُسْتَعْمِلاً آرَاءَهُ خُصُوصَا مُقَصِّراً فِي فَهْمِهِ النُّصُوصَا تَعْطِيلَ أَسْمَاءِ الإِلَهِ عَلَنَا ثَالِثُهَا الرَّأَيُّ الَّذِي تَضَمَّنَا مُتَّبِعاً آرَاءَ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي رَدِّهِمْ نُصُوصَ شَرْعٍ فَلْتَعِ وَغَيَّرُوا الْمَعْنَى إِلَى السَّخِيفِ فَقَابَلُوا النُّصُوصَ بِالتَّحْرِيفِ الْبِدَعُ الَّتِي بِهِ قَدْ ثَبَتَتْ رَابِعُهَا الرَّأْيُ الَّذِي قَدْ أُحْدِثَتْ جَثَّبَنَا إِلَهُنَا كُلَّ الْفِتَنْ عَمَّ بِهِ الْبَلَا وَغُيِّرَ السُّنَنْ سَلَفُ الأمَّةِ بِذَمِّ مَا أَحَقّ فَهَذِهِ الأَنْوَاعُ كُلُّهَا اتَّفَقْ والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في بيان الرأي المحمود: (اعلم): أن الرأي المحمود أنواع: (الأول): رأي أفقه الأمة، وأبرّهم قلوباً، وأعمقهم علماً، وأقلّهم تكلّفاً، وأصحّهم قُصُوداً، وأكملهم فطرةً، وأتمّهم إدراكاً، وأصفاهم أذهاناً، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول وَلطفي، فنسبة آرائهم وقُصُودهم إلى ما جاء به الرسول وَلهر كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. قال الشافعيّ تَظُّ في ((رسالته البغداديّة)) التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفرانيّ، وهذا لفظه: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله وَ* في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسَبَق لهم على لسان رسول الله وَّ﴾ من الفضل ما ليس الأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنّأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدّيقين والشهداء والصالحين، أدَّوا إلينا سُنَن رسول اللهِ وَّهِ، وشاهدوه، والوحي يَنزِل عليه، فعلِموا ما أراد رسول الله وَّه عامّاً وخاصّاً، وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سنّته ما عرفنا وجَهِلْنا، وهم فوقنا في كلّ علم، واجتهاد، وورَعِ، وعقلٍ، وأمر استُدرك به علم، واستُنبط به، وآراؤهم لنا أحمدُ، وأَولى بنا مِّن رَأْينا عند أنفسنا، ومن أدرَكْنا ممن يُرضَى، أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ◌َّ ر فيه سُنَّة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول ٦٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم بعضهم إن تفرّقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يُخالفه غيره أخذنا بقوله. ولَمّا كان رأي الصحابة ته عند الشافعيّ بهذه المثابة، قال في الجديد في (كتاب الفرائض)) في ميراث الجدّ والإخوة: وهذا مذهبٌ تلقّيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض. وقال: والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر ظُبه، فَتَرك صريح القياس لقول الصدّيق ظُه. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتاباً، أو سُنَّةً، أو أثراً عن بعض أصحاب رسول الله بَّه. فجعل ما خالف قول الصحابيّ بدعة. والمقصود: أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر نظريته في أسارى بدر أن تُضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تُحجب نساء النبيّ وَّ﴿، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن يُتّخذ مقام إبراهيم مُصلّى، فنزل القرآن بموافقته، إلى غير ذلك من موافقاته. وقد قال سعد بن معاذ ظبه لَمّا حكّمه النبيّ وَّ في بني قريظة: إني أرى أن تَقتل مُقاتِلهم، وتَسبي ذرياتهم، وتغنم أموالهم، فقال النبيّ وَّ: ((لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماواته)). متّفقٌ عليه. ولَمّا اختلفوا إلى ابن مسعود ◌ُْه شهراً في الْمُفَوِّضة قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، أرى أن لها مهر نسائها، لا وَكْس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العدّة، فقام ناس من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله وَليه قضى في امرأة منّا، يقال لها: بَرْوَع بنت واشق مثلَ ما قضيت به، فما فرِحَ ابن مسعود رَُّه بشيء بعد الإسلام فَرَحه بذلك. حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ وابن ماجه، وغيرهم. وحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم خيراً لنا مِن رَأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نوراً وإيماناً وحكمةً وعلماً ومعرفة وفهماً عن الله تعالى، ورسوله وَله، ونصيحةً للأمة، وقلوبهم ٦٧١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) على قلب نبيّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقّون العلم والإيمان من مشكاة النبوّة غَضّاً طريّاً لم يَشُبْهُ إشكال، ولم يَشُبْه خلاف، ولم تدنّسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس. (النوع الثاني من الرأي المحمود): الرأي الذي يُفسّر النصوص، ويُبيّن وجه الدلالة منها، ويقرّرها، ويوضّح محاسنها، ويُسهّل طريق الاستنباط منها، كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يُفسّر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختصّ الله ◌َلَ به من يشاء من عباده. ومثال هذا: رأي الصحابة ﴿ه في العَوْل في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جرّ الولاء، ورأيهم في المُخْرم يقع على أهله بفساد حجه، ووجوب المضيّ فيه، والقضاء، والهدي مِن قابِل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا، وقضتا، وأطعمتا لكلّ يوم مسكيناً، ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلّي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلّت الظهر والعصر، ورأيهم في الكَلالة، وغير ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن الشعبيّ قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد(١). (النوع الثالث من الرأي المحمود): هو الرأي الذي تواطأت عليه الأمّة، وتلقّاه خلفهم عن سلفهم، فإنّ ما تواطؤوا عليه من الرأي لا يكون إلا صواباً، كما تواطؤوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبيّ وَّ ر لأصحابه، وقد تعدّدت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: ((أرى رؤياكم قد (١) رواه الدارميّ في ((مسنده)) (٢٩٧٦) وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٩١٩١)، والبيهقيّ في ((سننه)) ٢٢٤/٦. وفيه انقطاع؛ لأن الشعبيّ لم يسمع من أبي بكر څه. ٦٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم تواطأت في السبع الأواخر)). متّفقٌ عليه، فاعتبر ◌َّ و تواطؤ رؤيا المؤمنين، فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها، ولهذا كان من سَدَاد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله ثورة المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ظبه ليس عنده فيها نصّ عن الله ◌ُعَلَ، ولا عن رسوله وَله جَمَع لها أصحاب رسول الله وَّة، ثم جعلها شُورى بينهم. قال البخاريّ: حدّثنا سُنيد، ثنا يزيد، عن العوّام بن حَوْشَب، عن المسيّب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب، ولا في السُّنَّة، سُمِّي صوافي الأمراء(١)، فيُرفع إليهم، فجُمع له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحقّ(٢). (الرابع من الرأي المحمود): الاجتهاد بالرأي على ضوء الكتاب والسُّنَّة، ورأي الصحابة، وذلك يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها ففي السُّنَّة، فإن لم يجدها في السُّنَّة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان ، فإن لم يجده منهم، أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة اجتهد رأيه، ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله، وسنّة رسوله وَّله، وأقضية أصحابه ﴿، فهذا هو الرأي الذي سوّغه الصحابة، واستعملوه، وأقرّ بعضهم بعضاً عليه. قال عليّ بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيّار، قال: أخذ عمر ظُبه فرساً من رجل على سَوْم، فحَمَل عليه، فعطِبَ، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشُريح العراقيّ، فقال شريح: أخذتَه صحيحاً سليماً، فأنت ضامنٌ حتّى تردّه صحيحاً سليماً، قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضياً، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم تَسْتَبِن في كتاب الله فمن السُّنَّة، فإن لم تجده في السُّنَّة فاجتهد رأيك. وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، وقال أبو نُعيم: (١) صوافي الأمراء: ما اختارهم الأمراء للفتيا من أهل العلم. (٢) ضعيف؛ لأن سُنَيد ضعيف مع إمامته ومعرفته، راجع: ((التقريب)) ص١٣٨. ٦٧٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) عن جعفر بن بُرقان، عن معمر البصريّ، عن أبي الْعَوّام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس، قال: أتيت سعيد بن أبي بُردة، فسألته عن رُسُل عمر بن الخطّاب ﴿ه التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعريّ ◌َلُبه، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُردة، فأخرج إليه كتُباً، فرأيت في كتاب منها . رجعنا إلى حديث أبي العوّام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: ((أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنّةٌ متّبعة، فافهم إذا أُدْلِي إليك، فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له، آسِ الناسَ في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك، حتى لا يطمع شريفٌ في حَيْفك، ولا يَيْأس ضعيف من عَذْلك، البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحاً أحلّ حراماً، أو حرّم حلالاً، ومن ادّعى غائباً، أو بيّنةً فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيتَه بحقّه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضيّة، فإن ذلك هو أبلغ في العذر، وأجلى للعماء، ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيتَ فيه اليومَ، فراجعت فيه رأيك، فهُديتَ فيه لرُشدك أن تراجع فيه الحقّ، فإن الحقّ قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض، إلا مجرَّباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حدّ، أو ظَنيناً في ولاء، أو قرابة، فإن الله تعالى تولّى من العباد السرائر، وسَتَر عليهم الحدود إلا بالبيّنات والأيمان، ثم الفَهْمَ الْفَهْمَ فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن، ولا سُنَّة، ثم قايِس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثالَ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبّها إلى الله، وأشبهها بالحقّ، وإياك والغضبَ، والْقَلَقَ، والضجَرَ، والتأذّي بالناس، والتنكّر عند الخصومة، أو الخصوم - شكّ أبو عبيد - فإن القضاء في مواطن الحقّ مما يوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذِّكر، فمن خلصت نيّته في الحقّ ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله تعالى لا يَقبَلُ من العباد إلا ما كان خالصاً، فما ظنّك بثواب عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله)). ٦٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا(١). قال ابن القيّم تَخَّلُهُ: وهذا كتاب جليلٌ تلقّاه العلماء بالقبول، وبَنَوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمّله، والتفقّه فيه. انتهى (٢). وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أنواع الرأي المحمود التي تقدّمت بيانها في ((التحفة المرضيّة)) أيضاً، فقلت: أَنْوَاعُ الرَّأْيِ الْمَحْمُودِ أَحَدُهَا رَأْيُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامُ أَفْقَهُ الأمَّةِ وَقُدْوَةُ الأَنَامْ قَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ أَهْلُ مَعْرِفَهْ أَبَرُّهَا قَلْباً أَقَلُّ تَكْلِفَهْ وَعَرَفُوا تَأْوِيلَهُ وَفَهِمُوا فَرَأْيُهُمْ خَيْرٌ لَنَا مِنْ رَأْيِنَا أَيْ مِنْ قُلُوبٍ مُلِئَتْ إِيمَانَاً قُلُوبُهُمْ قَلْبَ النَّبِيِّ شَاكَلَتْ فَنَقَلُوا غَضّاً طَرِيّاً لَمْ يُشَبْ وَثَانِهَا الرَّأْيُ الَّذِي تُفَسَّرُ ثَالِثُهَا الرَّأْيُ الَّذِي قَدْ أَجْمَعُوا رَابِعُهَا الرَّأْيُ الَّذِي أَتَاكَ مِنْ مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ سُنَّةٍ فَمَا ثُمَّ بِمَا قَالَ الصِّحَابُ الْبَرَرَةْ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ وَنِعْمَ الْمَغْنَمُ وَكَيْفَ لَا وَقَدْ أَتَانَا عَلَنَا وَحِكَماً وَاتَّسَعَتْ إِبِقَانًا وَسَائِطُ الْعُلُومِ عَنْهُمْ رُفِعَتْ بِمَا يُدَنِّسُ نَقَاهُ مِنْ رِيَبْ بِهِ النُّصُوصُ غَوْرُهَا يُبَعْثَرُ عَلَيْهِ فَاكْتَسَى صَوَاباً يُقْطَعُ بُعَيْدِ بَحْثِكَ الشَّدِيدِ الْمُظْمَئِنّ الْخُلَفَا قَضَاؤُهُمْ بِهِ سَمَا فَأَنْتَ بَعْدَ ذَا تَرَى مَا الْخِيَرَةْ؟ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٣] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) (١) رواه البيهقيّ ١٣٥/١٠ من حديث سعيد بن أبي بردة وجادةً، قال الشيخ الألبانيّ كَثُّهُ: وهي وجادة صحيحة من أصحّ الوجادات، وهي حجة. انظر تخريجه مفصّلاً في: ((إرواء الغليل)) ٢٤١/٨ - ٢٤٢ رقم (٢٦١٩). (٢) راجع: ((إعلام الموقّعين)) ٦٩/١ - ٨٧. ٦٧٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٣) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَأَبْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، كُلَّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: ثُمَّ لَقِيتُ عُّبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، عَلَىَ رَأْسِ الْحَوْلِ، فَسَأَلْتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْنَا الْحَدِيثَّ، كَمَا حَدَّثَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُوَّلُ). رجال هذا الإسناد: خمسة وعشرون: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ربّما وَهِم [٧] (ت١٧٩) أو بعدها بسنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريباً. ٦ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكنيّ، تقدّم قريباً. ٨ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السمين، تقدّم أيضاً قريباً. ١٠ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ١١ - (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بن عطاء بن مُقَدَّم - بقاف، وزن محمد - البصريّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ وكان يدلس شديداً [٨] (ت١٩٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٣/٣. ٦٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم ١٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريباً. ١٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السّلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. والباقون ذُكِروا في الأبواب الثلاثة الماضية. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ)؛ يعني: أن كلّ هؤلاء الاثنا عشر، وهم: حماد بن زيد، وعبّاد بن عبّاد، وأبو معاوية، ووكيع، وعبد الله بن إدريس، وأبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، وعمر بن عليّ المقدّميّ، وشعبة رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص خًّا. [تنبيه]: أما رواية حماد بن زيد عن هشام بن عروة، فقد ساقها ابن حبّان تَخْتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٧١٩) - أخبرنا أبو يعلى من كتابه، قال: حدّثنا أبو الربيع الزهرانيّ، قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من الناس، ولكن يقبض العلماء بعلمهم، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً ، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا)). انتهى (١). وأما رواية سفيان بن عيينة، عن هشام، فقد ساقها الحميديّ تَخّْتُهُ في «مسنده))، فقال: (٥٨١) - حدّثنا سفيان، قال: ثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله وعليه : ((إن الله ربك لا يقبض العلم انتزاعاً ينزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يترك عالِماً اتخذ الناس رؤساً جهالاً، فسألوهم، فأفتوهم بغير علم، فضلوا، وأضلوا))، قال عروة: ثم لبثت سنةً، ثم لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص في الطواف، فسألته عنه، فأخبرني به عنه. انتهى(٢). وأما رواية وكيع عن هشام، فقد ساقها ابن أبي شيبة دَّثُهُ في ((مصنّفه))، فقال: (١) ((صحيح ابن حبان)) ١١٤/١٥. (٢) («مسند الحميديّ)) ٢٦٤/١. ٦٧٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٣) (٣٧٥٩٠) - حدّثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا)). انتهى(١). وأما رواية أبي أسامة عن هشام، فقد ساقها البيهقيّ كَُّ في ((الكبرى))، فقال: (٢٠١٣٩) - حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ إملاءً، أنبأ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصريّ بمكة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قالا: ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سمعت عبد الله بن عمرو طيها يقول: سمعت رسول الله وَلهو يقول: ((إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يَترك عالِماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلُّوا))، لفظ حديث أبي العباس. انتهى(٢). وأما رواية يحيى القطّان عن هشام، فقد ساقها أحمد تَخّْثُ في ((مسنده))، فقال: (٦٥١١) - حدّثنا يحيى، عن هشام، أملاه علينا، حدّثني أبي، سمعت عبد الله بن عمرو، من فيه إلى فِيَّ، يقول: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالِماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا)). انتهى(٣) . وأما رواية عبدة بن سليمان عن هشام فقد ساقها الترمذيّ تَخْتُهُ في ((جامعه))، فقال: (٢٦٥٢) - حدّثنا هارون بن إسحاق الهمدانيّ، حدّثنا عبدة بن سليمان، (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٠٥/٧. (٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١١٦/١٠. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦٢/٢. ٦٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَّل: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالِماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلًّوا، وأضلُّوا))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى(١). وأما روايات الباقين، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي جَعْفَرٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمْرَانَ) - بضم المهملة - ابن عبد الله بن حُمران بن أبان، أبو عبد الرحمن البصريّ، صدوقٌ يخطئ قليلاً [٩]. رَوَى عن ابن عون، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وأشعث بن عبد الملك، وعوف الأعرابيّ، وعبد الحميد بن جعفر، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وبندار، وأبو موسى، ومحمد بن يزيد بن إبراهيم، وعبدة بن عبد الله الصفار، وغيرهم. قال ابن معين: صدوقٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، صدوقٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ، وقال الدار قطنيّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين: شيخ ثقةٌ مُبَرِّزٌ. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين، وقال غيره: سنة خمس. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (١) ((جامع الترمذيّ)) ٣١/٥. ٦٧٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٥) ٢ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربما وَهِمَ [٦] (١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٥/٤. ٣ - (أَبُوه جَعْفَرُ) بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ أبو عبد الحميد المدنيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٧/٢٢. ٤ - (عُمَرُ بْنُ الْحَكَم) بن رافع بن سِنان المدنيّ الأنصاريّ، حليف الأوس، ثقةٌ [٣] (خت م دَت س) تقدم في ((الرضاع)) ٣٦٤٨/١٧. [تنبيه]: كون عمر بن الحكم هذا هو ابن رافع هو الصواب، وهو الذي نصّ عليه الحافظ المزيّ في ((تحفة الأشراف))(١)، فما وقع عند بعض الشرّاح(٢) من أنه ابن ثوبان، فغير صحيح، فإن عمر بن الحكم بن ثوبان لم يُخرج له مسلم إلا في موضع واحد في الصوم [٢٧٣٣] (١١٥٩)، وأما هذا فقد أخرج له في ثلاثة مواضع برقم (٣) (١٤٦٩ و٢٦٧٣ و٢٩١١)، فليُتنبّه. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عمرو ظا هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْح، أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٍّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِّ ◌َهِ عِلْماً كَثِيراً، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوساً جُهَّالاً، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرٍ عِلْمِ، فَيَضِلُّونَ، وَيُضِلُّونَ))، قَالَ (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٦٨/٦. (٢) راجع: ((شرح الشيخ الهرري)) ٦٠٥/٢٤. (٣) هذه الأرقام بترقيم الأستاذ محمد فؤاد تقُّهُ. ٦٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ بَهِ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو قَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ، فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الأُولَى، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ، قَالَتْ: مَا أَحْسِبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئاً، وَلَمْ يَنْقُصْ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو شُرَيْح) عبد الرحمن بن شُريح بن عبيد الله الْمَعَافريّ - بفتح الميم، والعين المهَّملة - الإسكندرانيّ، ثقةٌ فاضلٌ، لم يُصِب ابن سعد في تضعيفه [٧] (ت١٦٧) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١٦/٤. ٢ - (أَبُو الأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفل بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٣. [تنبيه]: كون أبي الأسود هنا هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة هو الصواب، كما نصّ عليه الحافظ أبو الحجاج المزّي ◌َّتُ في ((تحفته)) (١)، واللفظ في ((الفتح))(٢)، فما وقع عند بعض الشرّاح(٣) من أنه أبو الأسود الديليّ، فغلط، فلتنتبه، وبالله تعالى التوفيق. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، غير عروة، فمدنيّ، وفيه من اشتهر بكنيته أكثر من اسمه، وهما أبو شُريح، وأبو الأسود، وأبو شُريح ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وأنه مسلسل بالتحديث، والإخبار. (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٦/ ٣٦٠. (٢) راجع: (الفتح)) ١٨٤/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٠٧). (٣) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٦٠٥/٢٤.