Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٨) [فإن قلت]: تقدّم في نزول عيسى؛ في ((كتاب الأنبياء)) أنه يَفيض المال حتى لا يقبله أحد، وفي ((كتاب الزكاة)): ((لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من یقبلها)). [قلت]: كلاهما من أشراط الساعة، لكن كل منهما في زمان غير زمان الآخر. انتهى(١). (وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ))) ببناء الفعل للفاعل، (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون في ذلك المجلس، ولم يسمَّ أحد منهم، (وَمَا الْهَرْجُ؟) وفي رواية البخاريّ: ((قالوا: يا رسول الله أَيُّما هو؟)) بفتح الهمزة، وتشديد الياء الأخيرة، بعدها ميم خفيفة، وأصله؛ أي: شيء هو؟ قال في ((الفتح)): ووقعت للأكثر بغير ألف بعد الميم، وضَبَطه بعضهم بتخفيف الياء، كما قالوا: أَيْشٍ في موضع: أيّ شيء، وفي رواية الإسماعيليّ: ((وما هو؟))، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: ((قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟)) وهذه رواية أكثر أصحاب الزهريّ، وفي رواية عنبسة بن خالد، عن يونس، عند أبي داود: ((قيل: يا رسول الله أَيْشٍ هو؟ قال: القتل القتل))، وفي رواية للطبرانيّ عن ابن مسعود: ((القتل، والكذب)). انتهى(٢). قال الصغانيّ: وأصل الهرج: الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع: بات يهرجها ليلته جمعاء، ويقال للفرس: مَرَّ يهرج، وإنه لَمِهْرَج، ومهراج، إذا كان كثير الجري، وهَرَج القوم في الحديث: إذا أفاضوا فيه، فأكثروا، والهراجة: الجماعة يهرجون في الحديث، وقال في آخر الفصل والتركيب: يدلّ على اختلاط وتخليط، وقال ابن دُريد: الهرج: الفتنة في آخر الزمان، وقال القاضي: الفتن بعض الهرج، وأصل الهرج والتهارج: الاختلاط والقتال، ومنه قوله: ((فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة))، ومنه: ((يتهارجون تهارج الحمر))، قيل: معناه: يتخالطون رجالاً ونساء، ويتناكحون مُزاناةً، ويقال: هَرَجها يهرجُها: إذا نكحها، ويهرجها بفتح الراء، وضمّها، وكسرها، قاله في ((العمدة)»(٣). (١) ((عمدة القاري)) ١٨٢/٢٤ - ١٨٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٩٢/٢. (٢) ((الفتح)) ٤٥١/١٦. ٦٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (قَالَ: ((الْقَتْلُ))) هذا صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارض ذلك مجيئه في غير هذه الرواية موقوفاً، ولا كونه بلسان الحبشة، وعند البخاريّ في ((كتاب العلم)) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر: سمعت أبا هريرة، فذكر نحو حديث الباب دون قوله: ((يتقارب الزمان))، ودون قوله: ((ويلقى الشحّ))، وزاد فيه: ((ويظهر الجهل))، وقال في آخره: ((قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال هكذا بيده، فحرّفها، كأنه يريد القتل)). فيُجمَع بأنه جَمَع بين الإشارة والنطق، فحَفِظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعضٌ، كما وقع لهم في الأمور المذكورة. وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد، والطبرانيّ بسند حسن، من حديث خالد بن الوليد: ((أن رجلاً قال له: يا أبا سليمان، اتق الله، فإن الفتن ظهرت، فقال: أمَا وابن الخطاب حيّ فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل، فيفكر، هل يجد مكاناً لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به، من الفتنة والشرّ؟ فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله وَس8هل بين يدي الساعة أيام الهرج))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٦٨/٥ و٦٧٦٩ و٦٧٧٠ و٦٧٧١] (١٥٧)(١) و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦٠٩) و((الأدب)) (٦٠٣٧) و((الفتن)) (٧٠٦١)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٢٥٥ و٤٣٣٣)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢١٨)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٥٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٧٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٤/١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٣/٢ و٥٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٥١ و٦٧١١ و٦٧١٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٤٤)، والله تعالى أعلم. (١) هذا الرقم مضى. ٦٤٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٨) (المسألة الثالثة): قال ابن بطال ◌َّتُهُ: معنى تقارب الزمان - والله أعلم - تقارُب أحوال أهله في قلة الدِّين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر؛ لغلبة الفسق، وظهور أهله، وقد جاء في الحديث: ((لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإذا تساووا هلكوا))؛ يعني: لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح، وخوف من الله، يُلجأ إليهم عند الشدائد، ويُستشفَى بآرائهم، ويُتبرك بدعائهم، ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم. وقال الطحاويّ: قد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصّة، والرضا بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم؛ لأن درجات العلم تتفاوت، قال تعالى: ﴿وَفَوَقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وإنما يتساوون إذا كانوا جهالاً، وكأنه يريد غلبة الجهل، وكثرته، بحيث يُفقد العلم بفقد العلماء. قال ابن بطال تَظّتُهُ: وجميع ما تضمّنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عياناً، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وأُلقي الشحّ في القلوب، وعمَّت الفتن، وكَثُر القتل. قال الحافظ: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير، مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصِّرْف، ولا يَمْنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن ماجه بسند قويّ عن حذيفة أنه قال: ((يدرُس الإسلام كما يدرس وَشْي الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة، ويُسْرَى على الكتاب في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية ... )) الحديث. وعند الطبرانيّ عن عبد الله بن مسعود قال: ((وليُنزعن القرآن من بين أظهركم، يُسرَى عليه ليلاً، فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء»، وسنده صحيح، لكنه موقوف. والواقع أن الصفات المذكورة وُجدت مباديها من عهد الصحابة ◌ُه، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته. ٦٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحوُ ثلاثمائة وخمسين سنةً، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، لكن يقلّ بعضها في بعض، ويكثر بعضها في بعض، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها، وإلى ذلك الإشارة بقوله ويتر: ((لا يأتي عليكم زمان، إلا الذي بعده شَرّ منه، حتى تلقوا ربكم))، رواه البخاريّ. ثم نقل ابن بطال عن الخطابيّ في معنى تقارب الزمان المذكور في الحديث الآخر؛ يعني: الذي أخرجه الترمذيّ من حديث أنس، وأحمد من حديث أبي هريرة، مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السَّعَفَة))، قال الخطابيّ: هو من استلذاذ العيش، يريد - والله أعلم - أنه يقع عند خروج المهديّ، ووقوع الأَمَنة في الأرض، وغلبة العدل فيها، فيُستلذّ العيش عند ذلك، وتُستقصر مدّته، وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء، وإن طالت، ويستطيلون مدة المكروه، وإن قصرت. ومن طريف ما يروى فيه قول الشاعر [من الكامل]: إِنَّ الْحَيَاةَ مَنَازِلٌ وَمَرَاحِلٌ تُظْوَى وَتُنْشَرُ دُونَهَا الأَعْمَارُ وَطِوَالُهُنَّ مَعَ السُّرُورِ قِصَارُ(١) فَقِصَارُهُنَّ مَعَ الْهُمُومِ طَوَيلَةٌ وتعقبه الكرمانيّ بأنه لا يناسب أخواته، من ظهور الفتن، وكثرة الهرج، وغيرهما . قال الحافظ: وإنما احتاج الخطابيّ إلى تأويله بما ذُكر؛ لأنه لم يقع النقص في زمانه، وإلا فالذي تضمّنه الحديث قد وُجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مَرّ الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا، وإن لم يكن هناك عيش مستلذّ، والحقّ أن المراد: نزع البركة من كل شيء، حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة. وقال بعضهم: معنى تقارُب الزمان: استواء الليل والنهار، وهذا مما قالوه في قوله: ((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب)). (١) راجع البيتين في: ((تكملة فتح الملهم)) ٥٢٣/٥. ٦٤٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٨) ونقل ابن التين عن الداوديّ أن معنى حديث الباب: أن ساعات النهار تقصر قرب قيام الساعة، ويقرب النهار من الليل. انتهى. وتخصيصه ذلك بالنهار لا معنى له، بل المراد: نزع البركة من الزمان ليله ونهاره، كما تقدم. قال النوويّ تبعاً لعياض وغيره: المراد بقِصَره: عدم البركة فيه، وأن اليوم مثلاً يصير الانتفاع به بقَدْر الانتفاع بالساعة الواحدة، قالوا: وهذا أظهر وأكثر فائدةً، وأوفق لبقية الأحاديث. وقد قيل في تفسير قوله: ((يتقارب الزمان)): قِصَر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة، فالطبقة الأخيرة أقصر أعماراً من الطبقة التي قبلها، وقيل: تقارُب أحوالهم في الشرّ، والفساد، والجهل، وهذا اختيار الطحاويّ، واحتجّ بأن الناس لا يتساوون في العلم والفهم، فالذي جنح إليه لا يناسب ما ذُكر معه إلا أن نقول: إن الواو لا ترتّب، فيكون ظهور الفتن أولاً ينشأ عنها الهرج، ثم يخرج المهديّ، فيحصل الأمن. قال ابن أبي جمرة: يَحْتَمِل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قِصَره، على ما وقع في حديث: ((لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر))، وعلى هذا فالقِصَرِ يَحْتَمِل أن يكون حسيّاً، ويَحْتَمِل أن يكون معنويّاً، أما الحسيّ فلم يظهر بعدُ، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنويّ فله مدّة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الدينيّ، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قَدْر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويَشْكُون ذلك، ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان؛ لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات، ففيها من الحرام المحض، ومن الشُّبَه ما لا يخفى، حتى إن كثيراً من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قَدَر على تحصيل شيء هَجَم عليه، ولا يبالي، والواقع أن البركة في الزمان، وفي الرزق، وفي النبت، إنما يكون من طريق قوّة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىَ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَّهِم ٦٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. انتهى ملخّصاً(١). وقال البيضاويّ: يَحْتَمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: تسارع الدول إلى الانقضاء، والقرون إلى الانقراض، فيتقارب زمانهم، وتتدانى أيامهم، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ(٣))، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، صاحب ((السنن))، تقدّم قريباً . ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ) وفي بعض النُّسخ: ((ويقبض العمل)). وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير شعيب بن أبي حمزة. [تنبيه]: رواية شُعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَخْتُ في ((صحیحه))، فقال: (٥٦٩٠) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزهريّ، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى: (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقى الشحّ، ويكثر الهرج))، قالوا: وما الهرج؟ قال: ((القتل، القتل)). انتهى (٤). (١) (بهجة النفوس)) ٢٥٧/٤. (٣) وفي نسخة: ((ويقبض العمل)). (٢) ((الفتح)) ١٦/ ٤٥٣ - ٤٥٥. (٤) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٤٥/٥. ٦٤٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٠) وساقها الطبرانيّ في ((مسند الشاميين)) بلفظ: ((ويُقبض العلم))، كرواية مسلم، فقال: (٣٠٦٥) - حدّثنا أبو زرعة، ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يتقارب الزمان، ويُقبض العلم، ويُلقى الشحّ، ويكثر الهرج))، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: ((القتل، القتل)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((يَتَقَّارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ))(٢)، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((سعيد)) هو: ابن المسيِّب. وقوله: (وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ) وفي بعض النسخ: (ويُقبض العلم)). وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِمًا) فاعل ((ذَكّرَ)) ضمير معمر، وضمير ((حديثهما)) ليونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُ في ((صحیحه))، فقال : (٦٦٥٢) - حدّثنا عياش بن الوليد، أخبرنا عبد الأعلى، حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشحّ، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج))، قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: ((القتل، القتل)). انتهى. [تنبيه آخر]: قال الدارقطنيّ في ((التتبّع)): أخرج البخاريّ ومسلم حديث (١) ((مسند الشاميين)) ٤/ ١٨٣ - ١٨٤. (٢) وفي نسخة: ((ويقبض العلم)). ٦٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم عبد الأعلى، عن معمر، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى: ((يتقارب الزمان ... )) الحديث. قلت: وقد تابع حمادُ بن زيد عبدَ الأعلى، وقد خالفهما عبد الرزّاق، فلم يذكر أبا هريرة، وأرسله، ويقال: إن معمراً حدّث بالبصرة مِن حِفظه بأحاديث وَهِمَ في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أبي الزهريّ، رووه عن الزهريّ، عن حميد، عن أبي هريرة، وقد أخرجا جمیعاً حدیث حمید. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الدار قطنيّ تَخُّْ هذا يشير إلى تضعيف رواية معمر في كون شيخ الزهريّ سعيد بن المسيّب؛ لمخالفته الجماعة، فإنهم جعلوا شيخه حميد بن عبد الرحمن، لكن تقدّم قريباً في كلام الحافظ تَخْدَثُ أن الطريقين صحيحان، فقد صححهما الشيخان، حيث أخرجا الحديث من كلا الطريقين، فيُحمل على أن للزهريّ فيه شيخان، فلا تضرّ المخالفة في مثل هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمُّرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَّدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا: ((وَيُلْقَى الشُّخُ))). رجال هذا الإسناد: واحد وعشرون: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقة عابدٌ [١٠] (٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، تقدّم قريباً. ٦٤٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧١) ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) - بضم المهملة وسكون الجيم - هو: عليّ بن حجر بن إياس السَّعْديّ أبو الحسن المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٥ - (الْعَلَاءُ) عبد الرحمن الجهنيّ مولاهم المدنيّ، تقدّم قريباً. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ مولاهم المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٧ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٨ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو يحيى الرازيّ، كوفيّ الأصلِ، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت٢٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٢٩/٤٣. ٩ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان، واسمه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في («الإيمان)) ١٢٣/٥. ١٠ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يشبَّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. ١١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريباً. ١٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ١٣ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) الأبناوي اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ١٤ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ١٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً. ١٦ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدَّوسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة، ثقةٌ [٣] (١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤. والباقون ذُكروا في الباب. ٦٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وقوله: (كُلُّهُمْ قَالَ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: عبد الرحمن بن يعقوب والد العلاء، وسالم بن عبد الله، وهمّام بن منبه، وأبو يونس قال - وأفرد الضمير نظراً للفظ ((كلّ)) - عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّ. [تنبيه]: أما رواية العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة نظراته، فقد ساقها ابن ماجه تَخّْتُهُ في ((سننه))، فقال: (٤٠٤٧) - حدّثنا أبو مروان العثمانيّ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لا قال: ((لا تقوم الساعة حتى يَفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج))، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: ((القتل، القتل، القتل)) ثلاثاً. انتهى (١). وأما رواية سالم عن أبي هريرة رُّه، فقد ساقها البخاريّ كَلُّ في ((صحيحه))، فقال : (٨٥) - حدّثنا المكيّ بن إبراهيم، قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، قال: سمعت أبا هريرة، عن النبيّ وَّر قال: ((يُقبض العلم، ويظهر الجهل، والفتن، ويكثر الهرج))، قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده، فحرّفها، كأنه يريد القتل. انتهى(٢). وساقها أحمد كَثّتُهُ في ((مسنده)) بلفظ المصنّف، فقال: (٧٥٤٠) - حدّثنا ابن نُمير، عن حنظلة، قال: سمعت سالِماً قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَ له: ((يُقبض العلم، ويظهر الفتن، ويكثر الهرج))، قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: ((القتل)). انتهى (٣). وأما رواية همّام بن منبه، عن أبي هريرة ◌َظُه، فقد ساقها هو في «صحیفته))، فقال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله وَله، فذكر أحاديث، منها: (٢٢) - وقال رسول الله وَله: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهمّ رب المال من يتقبّل منه صدقته، قال: ويُقبض العلم، (١) (سنن ابن ماجه)) ١٣٤٣/٢. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٦١/٢. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٤٤/١. ٦٥١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) ويقترب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج))، قالوا: الهرج ما هو يا رسول الله؟ قال: ((القتل، القتل)). انتهى(١). وأما رواية أبي يونس عن أبي هريرة ◌َظُبه فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٢] (٢٦٧٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَي يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ (٢) مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِماً، اَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَقْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّو))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام الأسديّ، ثقةٌ فقيهُ ربّما دَلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٥٠. ٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿هَا، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَظْذَلُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وجرير فكوفيّ، ثم جزريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه له أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي: فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو عَادَلَهْ وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا قَدْ يَرَى مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا ابْنُ عُمَرَا (١) ((صحيفة همام)) ٣٣/١. (٢) وفي نسخة: ((ينزعه)). ٦٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكًا فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكًا سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلاً تَرْتَفِعْ فَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحِ فَاتَّبِعْ وأنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِوَ بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما . [تنبيه]: قوله: ((ابن العاص)): أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح: ((العاصي)) بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كلّ ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ(١) . وإلى القاعدة المذكورة أشار في ((الخلاصة)) حيث قال: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا لَمْ يُنْصَبَ أوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا نَحْوِ (مُرٍ)) لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِینِ بِالْعَكْسِ وَفِي (يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) جملة في محلّ رفع؛ لأنها خبر ((إنّ))، (انْتِزَاعاً) يَحْتَمِل أن يكون نَصْبه على أنه مفعول مطلقٌ لـ((يَقبضُ))، مثلُ رجع القهقرى، وقعد جلوساً، ويَحْتَمِل أن يكون مفعولاً مطلقاً مقدّماً على فعله، وهو ((ينتزعه))، والجملة حال من الضمير في ((يقبضه))، ويَحْتَمِل أن يكون حالاً من ((العلم))، بمعنى: مُنتَزعاً (٢). والمراد بالعلم: هو العلم الشرعيّ الذي هو علم الكتاب والسُّنَّة؛ لأنه المراد عند الإطلاق، لا العلم الدنيويّ؛ لأن النبيّ وَ ﴿ لم يُبعث من أجله، بدليل ما أخرجه مسلم كَّثُ في ((صحيحه)) من حديث عائشة وأنس ريا أن النبيِ وَ﴿ مَرّ بقوم يُلَفِّحُون، فقال: ((لو لم تفعلوا لَصَلَحَ))، قال: ((فخرج (١) (شرح مسلم)) ٧٨/١ - ٧٩. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٩/٢. ٦٥٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) شِيصاً(١)، فَمَرّ بهم))، فقال: ((ما لنخلكم؟))، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)). وأخرجه ابن ماجه في ((كتاب الأحكام)) (٢٤٦٢)، وأحمد في («مسنده)) رقم (٢٣٧٧٣) من حديثهما بلفظ: ((أن النبي ◌ِّر سمع أصواتاً، فقال: ما هذا الصوتُ؟))، قالوا: النخل يُؤبّرونها، فقال: لو لم يفعلوا لَصَلَح))، فلم يؤبّروا عامئذٍ، فصار شيصاً، فذكروا للنبي وَّر، فقال: ((إن كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنُكُم به، وإن كان من أمور دينكم فإليّ)). وأخرجه أحمد في ((مسنده)) رقم (١٢٠٨٦) من حديث أنس ظُه وحده، ولفظه: قال: سمع رسولُ الله وَلِّ أصواتاً، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: يُلَفِّحون النخل، فقال: ((لو تركوه، فلم يُلَفِّحوه لصلح))، فتركوه، فلم يُلَفِّحوه، فخرج شِيصاً، فقال النبي وَلجر: ((ما لكم؟))، قالوا: تركوه لَمّا قلت، فقال رسول الله وَير: ((إذا كان شيء من أمر دنياكم، فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دینکم فإليّ)). (يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ)؛ أي: مَحْواً من الصدور. قال ابن بطّال تَظُّهُ: معناه: إن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضّل به عليهم، ولا يسترجع ما وَهَبَ لهم من العلم المؤدّي إلى معرفته، وبَثّ شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يَخلُف من مضى، فأنذر ◌َلّهِ بقبض الخير كله. وكان تحديث النبي وهو بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة نصبه، قال: لمّا كان في حجة الوداع قال النبي ◌َّهُ: ((خُذُوا العلم قبل أن يُقْبَض، أو يُرفع))، فقال أعرابي: كيف يُرفَع؟ فقال: ((ألا إنّ ذَهَاب العلم ذَهابُ حَمَلته)»، ثلاث مرات. وقال ابن الْمُنَيِّر: مَحْوُ العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحدیث دلّ على عدم وقوعه. انتهى. (وَلَكِنْ) للاستدراك، (يَقْبِضُ الْعِلْمَ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب، والفعل مبنيّ للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وهو من قبيل إقامة (١) هو التمر الذي لا يشتدّ نواه، ويقوى. ٦٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم الظاهر موضع المُضْمَر؛ لزيادة تعظيم المضمر؛ إذ مقتضى الظاهر أن يقال: [الإخلاص: ٢] بعد ٢ ((ولكن يقبضه))، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ [الإخلاص: ١]. قاله العينيّ(١). (بِقَبْضٍ الْعُلَمَاءِ)؛ أي: بسبب توفّيهم. (حَتَى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِماً) وفي رواية البخاريّ: ((حَتّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً)) - بضم أوله، وكسر القاف ـ من الإبقاء، والفاعل ضمير ((الله تعالى))، و((عالماً)) منصوب على المفعوليّة؛ أي: لم يُبْقِ الله عالماً. وفي لفظ للبخاريّ: ((حتى إذا لم يَبْقَ عالِمٌ))، وهو - بفتح أوله، وإسكان ثانيه - من البقاء، و((عالم)) مرفوع على الفاعليّة. [فإن قلت]: ((إذا)) للاستقبال، و(لم)) لقلب المضارع ماضياً، فكيف يجتمعان؟ . [أجيب]: بأنهما لمّا تعارضا تساقطا، فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار. [فإن قلت]: إذا كانت ((إذا)) شرطيّة يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ومن وجود المشروط وجود الشرط، لكنه ليس كذلك هنا؛ لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم. [أجيب]: بأن ذلك في الشُّرَط العقليّة، أما في غيرها فلا نُسلّم اطراد هذه القاعدة، ثم الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشَّرط فيه بدلٌ، فقد يكون المشروط واحد شروط متعاقبة، كصحّة الصلاة بدون الوضوء عند التيمّم، أو المراد بالناس: جميعهم، فلا يصحّ أن الكلّ اتخذوا رؤوساً جُّالاً إلا عند عدم بقاء العالم مطلقاً، وذلك ظاهر. قاله في ((العمدة)(٢). (اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً) قال النووي تَُّهُ: ضبطنا ((رؤوساً)) - بضم الهمزة والتنوين - جمع رأس. قال في ((الفتح)): وفي رواية أبي ذرّ أيضاً: ((رؤساء)) بفتح الهمزة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جَمْع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر. (١) ((عمدة القاري)) ٨٩/٢. (٢) المصدر السابق ٨٩/٢. ٦٥٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) (جُهَّالاً) - بضمّ الجيم، وتشديد الهاء -: جمع جاهل، صفة لـ((رؤوساً)). [فإن قلت]: المراد بالجهل هنا: الجهل البسيط، وهو عدم العلم بالشيء، لا مع اعتقاد العلم به، أم الجهل المركّب، وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به؟. [أجيب]: بأن المراد: هو القَدْر المشترك بينهما المتناوِل لهما. [فإن قلت]: أهذا مختصّ بالمفتين، أم عامّ للقضاة الجاهلين؟. [أجيب]: بأنه عامّ؛ إذ الحكم بالشيء يستلزم الفتوى به. قاله في ((العمدة))(١). وفيه التحذير عن اتخاذ الجهّال رؤوساً. (فَسُئِلُوا) بضم السين المهملة؛ أي: سألهم السائلون، (فَأَفْتَوْا) بفتح الهمزة، والتاء؛ أي: بيّنوا الحكم للسائلين (بِغَيْرِ عِلْم) وفي رواية أبي الأسود عند البخاريّ في ((الاعتصام)): ((فيُفْتُون برأيهم)). وفي هذا الحديث: الحثُّ على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الْجَهَلَة. وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذَُّّ من يُقْدِم عليها بغير علم. واستدل به الجمهور على القول بخلوّ الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء. (فَضَلَّوا)؛ أي: في أنفسهم، من الضلال، (وَأَضَلُّوا)))؛ أي: غيرهم ممن يقّدهم رأيهم الفاسد، وهو من الإضلال. [فإن قلت]: الضلال متقدّم على الإفتاء، فما معنى الفاء؟. [أجيب]: بأن المجموع من الضلال والإضلال هو متعقّب على الإفتاء، وإن كان الجزء الأول مقدّماً عليه؛ إذ الإضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله. [فإن قلت]: الإضلال ظاهر، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عَمِل بما أفتى، وقد لا يَعمَل به. [أجيب]: بأن إضلاله لغيره ضلال له، عَمِل بما أفتى أو لم يَعمَل. قاله في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((عمدة القاري)) ٩٠/٢. (٢) المصدر السابق ٢ / ٩٠. ٦٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ًّا هذا متّفقٌ عليه . [تنبيه]: قال في ((الفتح)) ما حاصله: قال الدارقطنيّ: لم يرو عن مالك هذا الحديث في ((الموطإ)) إلا مَعْن بن عيسى، وراه أصحاب مالك، كابن وهب وغيره عن مالك خارج ((الموطا))، وأفاد ابن عبد البر أن سليمان بن يزيد رواه أيضاً في ((الموطا)). والله أعلم. قال الحافظ: وقد اشتَهَر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نفساً عنه، من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخُرَاسان، ومصر، وغيرها، ووافقه على روايته عن أبيه عروةَ: أبو الأسود المدني، وحديثه في ((الصحيحين))، والزهريّ وحديثه في النسائيّ، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في ((صحيح أبي عوانة))، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمرو: عُمَر بن الحكم بن ثوبان، وحديثه في مسلم. انتهى(١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٧٢/٥ و٦٧٧٣ و٦٧٧٤ و٦٧٧٥] (٢٦٧٣)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (١٠٠) و((الاعتصام)) (٧٣٠٧) وفي ((خلق أفعال العباد)) (٤٧)، و(الترمذيّ) في ((العلم)) (٢٦٥٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٩٠٧)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٥٢)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١٥/١)، و(معمر) في ((جامعه)) (٢٥٦/١١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٥٦/١١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٩٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٨١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠٥/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٢/٢ و١٩٠ و٢٠٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٧١ و٦٧١٩ و٦٧٢٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢١/١) و((الصغير)) (٢٧٩/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٩٢/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٠٠/٦ و٤٠٢)، و(القضاعيّ) فسي ((مسند الشهاب)) (١٦٢/٢)، و(ابن عبد البرّ) في ((جامع بيان (١) ((الفتح)) ٢٥٧/١، كتاب ((العلم)). ٦٥٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) العلم وفضله)) (١٤٨/١ - ١٤٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه الحثَّ على حفظ العلم والاشتغال به. ٢ - (ومنها): أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقيّة، وذمّ من يُقْدِم عليها بغير علم . ٣ - (ومنها): التحذير عن اتّخاذ الْجُهّال رؤساء. ٤ - (ومنها): وجوب اجتناب الرأي والقياس، وهو محمول على الرأي المذموم، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً للقائلين بجواز خلوّ الزمان عن المجتهد، على ما هو مذهب الجمهور، خلافاً للحنابلة. ومسألة خلوّ الزمان عن المجتهد مشهورة في كتب الأصول، وحاصلها أن الجمهور يَرَوْن جوازه، وخالف في ذلك الحنابلة، وذهب العلامة ابن دقيق العيد إلى أنه لا يجوز ما لم تأت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، فإذا أتت جاز الخلوّ عنه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد هو الأرجح؛ للحديث الآتي. ثم على القول بالجواز أنه لم يثبت وقوعه، وقيل: يقع؛ لحديث ((الصحيحين)): ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله))؛ أي: الساعة، والمراد به: إتيان الأشراط المذكورة. ودليل الوقوع: حديث الباب المتّفق عليه، وحديث البخاريّ: ((إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويَثْبُت الجهل))، والمراد برفع العلم: قَبْض أهله. قال الجامع: لا خلاف بين الأحاديث، إذ هي على معنى واحد، وهو أن المراد بالحديثين الأخيرين: عند قرب الساعة، فيكونان بمعنى الحديث الأول؛ أي: أن قبض العلم ورفعه يكون عند قرب الساعة بظهور أشراطها المذكورة، والله تعالى أعلم. وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى: ٦٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وَمُظْلَقاً يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدٍ جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ (١) وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَّتِ وقال في ((الفتح)): استُدِلّ بهذا الحديث على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور، خلافاً لأكثر الحنابلة وبعضٍ من غيرهم؛ لأنه صريح في رَفْع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل، ومن لازِمه الحكم بالجهل، وإذا انتفى العلم، ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد، والمجتهد . وعورض هذا بحديث: ((لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله))، وفي لفظ: ((حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله))، وفي رواية مسلم: ((ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله))، ولم يشك وهو المعتمد. وأجيب أوّلاً بأنه ظاهر في عدم الخلوّ، لا في نفي الجواز، وثانياً بأن الدليل للأول أظهر؛ للتصريح بقبض العلم تارةً، وبرفعه أخرى، بخلاف الثاني، وعلى تقدير التعارض فيبقى أن الأصل عدم المانع. قالوا: الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل. وأجيب بأن بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء فلا؛ لأن بفقدهم تنتفي القدرة، والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدوراً لم يقع التكليف به، هكذا اقتصر عليه جماعة. قال: وقد تقدم - يعني: عند البخاريّ - في ((باب تغيّر الزمان حتى تُعبد الأوثان))، في أواخر ((كتاب الفتن)) ما يشير إلى أن محل وجود ذلك عند فَقْد المسلمين بهبوب الريح التي تَهُبّ بعد نزول عيسى عَلَّا، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وهو بمعناه عند مسلم، كما بيّنته هناك، فلا يَرِدُ اتفاق المسلمين على تَرْك فرض الكفاية، والعمل بالجهل؛ لعدم وجودهم، وهو المعبّر عنه بقوله: ((حتى يأتي أمر الله))، وأما الرواية بلفظ: ((حتى تقوم الساعة)) فهي محمولة على إشرافها بوجود آخر أشراطها، ويؤيده ما أخرجه أحمد، وصححه الحاكم، عن (١) راجع ما كتبته على: ((الكوكب الساطع)) ص٥٥٦ - ٥٥٧. ٦٥٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٧٢) حذيفة، رفعه: ((يَدْرُس الإسلام كما يَدْرُس وشي الثوب))، إلى غير ذلك من الأحاديث. وجوّز الطبريّ أن يضمَر في كل من الحديثين المحلّ الذي تكون فيه تلك الطائفة، فالموصوفون بشرار الناس الذين يبقَون بعد أن تقبض الريح من تقبضه يكونون مثلاً ببعض البلاد، كالمشرق الذي هو أصل الفتن، والموصوفون بأنهم على الحقّ يكونون مثلاً ببعض البلاد، كبيت المقدس؛ لقوله في حديث معاذ: ((إنهم بالشام))، وفي لفظ: ((ببيت المقدس)). قال الحافظ: وما قاله وإن كان محتملاً يردّه قوله في حديث أنس في ((صحيح مسلم)): ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله))، إلى غير ذلك من الأحاديث، والله أعلم. ويمكن أن تنزل هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع، فيكون أولاً رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق، ثم المقيّد ثانياً، فإذا لم يبق مجتهد استووا في التقليد، لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيّد من بعض، ولا سيما إن فرّعنا على جواز تجزيء الاجتهاد، ولكن لغلبة الجهل يقدّم أهل الجهل أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله: ((اتخذ الناس رؤساء جهالاً))، وهذا لا ينفي ترئيس بعض من لم يتصف بالجهل التامّ، كما لا يمتنع ترئيس من يُنسب إلى الجهل في الجملة في زمن أهل الاجتهاد. وقد أخرج ابن عبد البرّ في كتاب العلم، من طريق عبد الله بن وهب، سمعت خلاد بن سلمان الحضرميّ يقول: حدّثنا درّاج أبو السمح يقول: يأتي على الناس زمان يُسمّن الرجل راحلته حتى يسير عليها في الأمصار، يلتمس من يفتيه بسُنّة، قد عمل بها، فلا يجد إلا من يفتيه بالظنّ. فيُحمَل على أن المراد: الأغلب الأكثر في الحالين، وقد وُجد هذا مشاهداً، ثم يجوز أن يقبض أهل تلك الصفة، ولا يبقى إلا المقلد الصِّرْف، وحينئذ يتصور خلو الزمان عن مجتهد، حتى في بعض الأبواب، بل في بعض المسائل، ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة، ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل، وترئيس أهله، ثم يجوز أن يقبض أولئك، حتى لا يبقى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدجال، أو بعد موت عيسى ظلَّلا، وحينئذ يُتصوّر خلو ٦٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم الزمان عمن يُنسب إلى العلم أصلاً، ثم تَهُبّ الريح، فتقبض كل مؤمن، وهناك يتحقق خلوّ الأرض عن مسلم فضلاً عن عالم، فضلاً عن مجتهد، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، والعلم عند الله تعالى. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أن الداوديّ قال: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله وَالله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله))، ويقال: هذا بعد إتيان أمر الله تعالى، إن لم يُفسّر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كما في بيت المقدس مثلاً، إن فسَّرناه به، فيكون محمولاً على التخصيص جمعاً بين الأدلّة. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث بيّن كيفيةَ رفع العلم، وظهور الجهل، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويُعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد على نحو ما أخبر ◌َّهِ، فكان ذلك دليلاً من أدلّة نبوّته، وخصوصاً في هذه الأزمان، إذ قد وَلِيَ المدارس والفتيا كثيرٌ من الجهّال والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في تقسيم الرأي على ثلاثة أقسام: قال الإمام ابن القيّم كَّهُ في كتابه النافع («إعلام الموقّعين عن ربّ العالمین» : الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتَوْا به، وسوّغوا القول به، وذمّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمّه وذمّ أهله. والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، (١) ((الفتح)) ١٨٨/١٧ - ١٩٠. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٧٠٥.