Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٢) جُبير بن نُفير أيضاً، عن عوف بن مالك الأشجعيّ، من طرق صحيحة. قال: وظاهر هذا الحديث أن الذي يُرفع إنما هو العمل بالعلم، لا نَفْس العلم، وهذا بخلاف ما ظهر من حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا، فإنَّه صريح في رفع العلم. قلت(١): ولا تباعد فيهما، فإنَّه إذا ذهب العلم بموت العلماء، خَلَفهم الجهّال، فأفتوا بالجهل، فعُمِل به، فذهب العلم والعمل، وإن كانت المصاحف والكتب بأيدي الناس، كما اتَّفَق لأهل الكتابَيْن من قبلنا، ولذلك قال رسول الله وَ﴿ لزياد على ما نصّ عليه النسائيّ: ((ثكلتك أمك زِيَادُ! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟))، وذلك أن علماءهم لمَّا انقرضوا خَلَفهم جهّالهم، فحرّفوا الكتاب، وجهلوا المعاني، فعَمِلوا بالجهل، وأفتوا به، فارتفع العلم والعمل، وبقيت أشخاص الكتب، لا تغني شيئاً. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَيَظْهَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ) بفتح أوله، وضم الشين، مبنيّاً للفاعل أيضاً؛ أي: يكثر، وينتشر، والفاعل قوله: (الزِّنَا) بالقصر، والمدّ، (وَيُشْرَبَ) بضمّ أوله مبنيّاً للمفعول، ومصدره: الشرب، بضم الشين، وفتحها، وقُرئ بهما في المتواتر عند قوله تعالى: [الواقعة: ٥٥]، ويجوز كسرها، ففي ((القاموس)): شَرِب ﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِمِ ٥٥ كَسَمِعَ شرْباً، ويُثَلَّثُ. انتهى. ونائب الفاعل قوله: (الْخَمْرُ)، وقوله: (وَيَذْهَبَ) بفتح أوله مبنيًّاً للفاعل، والنائب قوله: (الرِّجَالُ)؛ أي: يموتون، وقوله: (وَتَبْقَى) بفتح أوله، مبنيّاً للفاعل، والفاعل قوله: (النِّسَاءُ) وفي رواية للبخاريّ: ((وتكثر النساء))، قيل: سببه أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء، وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدّة موطوءات. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظر؛ لأنه صرّح بالقلّة في حديث أبي موسى (١) القائل هو القرطبيّ تَظّهُ. (٢) ((المفهم)) ٧٠٥/٦ - ٧٠٨. ٦٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم الأشعريّ عند البخاريّ، فقال: ((من قلة الرجال، وكثرة النساء)) والظاهر أنها علامة محضة، لا لسبب آخر (١)، بل يُقَدِّر الله في آخر الزمان أن يقلّ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة لظهور الجهل، ورَفْع العلم. وقوله: (حَتَّى يَكُونَ) ((حتى)) هنا للغاية، والفعل منصوب بـ((أن)) مضمرة بعدها وجوباً، كما قال في ((الخلاصة)): حَتْمٌ كَـ«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ)» وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)). (لِخَمْسِينَ امْرَأَةً يَحْتَمِل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازاً عن الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى: ((وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون مرأةً» . وقال في ((العمدة)): قوله: ((لخمسين امرأة)) يَحْتَمِل أن يراد بها حقيقة هذا العدد، وأن يراد بها كونها مجازاً عن الكثرة، ولعل السرّ فيه أن الأربعة في كمال نصاب الزوجات، فاعتُبر الكمال مع زيادة واحدة عليه، ثم اعتبر كل واحدة بعشر أمثالها؛ ليصير فوق الكمال؛ مبالغةً في الكثرة، أو لأن الأربعة منها يمكن تألّف العشرة؛ لأن فيها واحداً، أو اثنين، وثلاثة، وأربعة، وهذا المجموع عشرة، ومن العشرات المئات، ومن المئات الألوف، فهي أصل جميع مراتب الأعداد، فزيد فوق الأصل واحد آخر، ثم اعتُبر كل واحدة منها بعشر أمثالها أيضاً تأكيداً للكثرة، ومبالغة فيها. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلّف، فالأولى عدم الخوض، والله تعالى أعلم. (قَيِّمٌ وَاحِدٌ)) برفع (قيّمٌ))؛ لأنه اسم ((يكونَ))، و((واحدٌ)) صفته، والقيّم بتشديد التحتانيّة: من يقوم بأمرهنّ، واللام للعهد إشعاراً بما هو معهود، من كون الرجال قوّامين على النساء، وكأن هذه الأمور الخمسة خُصّت بالذِّكر؛ لكونها مشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدِّين؛ لأن رَفْع العلم يُخلّ به، والعقلُ؛ لأن شرب الخمر يُخلّ به، (١) وللعينيّ تعقّب لكلام الحافظ هذا. (٢) ((عمدة القاري)) ٨٤/٢. ٦٢٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٢) والنسب؛ لأن الزنى يُخِل به، والنفس والمال؛ لأن كثرة الفتن تُخلّ بهما(١) . وقال في ((العمدة)): قوله: ((القيم الواحد)): بفتح القاف، وكسر الياء المشدّدة، وهو القائم بأمور النساء، وكذا القَيّام، والقوّام، يقال: فلان قوّام أهل بيته، وقيّامه، وهو الذي يُقيم شأنهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ اُلُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَِّى جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَمًا﴾ [النساء: ٥]، وقِوَام الأمر أيضاً: مِلاكه الذي يقوم به، وأصل قَيِّم: قَيْوِم على وزن فَيْعِل، اجتَمَعت الواو والياء، وسَبَقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت من الواو ياءٌ، وأُدغمت الياء في الياء، ولم يُعكس الأمر هنا هَرَباً من الالتباس بِقَوَّم الذي هو ماض من التقويم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذا القلب، والإدغام أشار ابن مالك تَخّْهُ في ((الخلاصة)) بقوله: وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍٍ عَرِيَا إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا وقال ابن بطال: قال المهلّب: هذا إنما يكون من أشراط الساعة، كما قال ◌َله، ويمكن أن تكون قلة الرجال من اشتداد الفتن وترادف المحن، فيُقتل الرجال، والله أعلم. ويَحْتَمِل قوله: ((القيم الواحد))، معنيين: أحدهما: أن يكون قيّماً عليهنّ، وناظراً لهنّ، وقائماً بأمورهنّ، ويَحْتَمِل أن يكون اتباع النساء له على غير الحلّ، والله أعلم. قال الطحاويّ: ولمّا احتَمَل الوجهين نظرنا، هل رُوي في ذلك شيءٌ يدلّ على أحدهما؟ فذَكَر عليّ بن معبد بإسناده، عن حذيفة ظُه، قال: سمعت النبيّ وَ﴿، يقول: ((إذا عَمّت الفتنة يميّز الله أصفياءه، وأولياءه، حتى تطهر الأرض من المنافقين، والقتالين، ويتبع الرجل يومئذ خمسون امرأة، هذه (١) ((الفتح)) ٣١٤/١، كتاب ((العلم)) رقم (٨١). (٢) ((عمدة القاري)) ٨٤/٢. ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم تقول: يا عبد الله، استرني، يا عبد الله، آوني))، فدل هذا الحديث على القول الأول. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٦١/٥ و٦٧٦٢ و٦٧٦٣] (٢٦٧١)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٨٠ و٨١) و((النكاح)) (٥٢٣١) و((الحدود)) (٦٨٠٨) و((الأشربة)) (٥٥٧٧)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٠٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٥٥/٣)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٤٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨٠١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٨٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥١/٣ و١٧٦ و٢٠٢ و٢٧٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٥٩/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٩٢ و٢٩٠١ و٢٩٣١ و٢٩٦١ و٣٠٤٠ و ٣٠٦٢ و٣٠٧٠ و٣٠٨٥ و٣١٧٨)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٤٢/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٧٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨/٦) وفي ((دلائل النبوة)) (٥٤٣/٦)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣٧٩/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٤٤/١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر ◌َّ بما سيكون في آخر الزمان، فوقع بعضه إلى الآن، وسيقع ما بقي على مرّ الأزمان. ٢ - (ومنها): ما قاله الكرمانيّ كَّلُ: وإنما كان اختلال هذه الأمور - يعني: الخمسة المذكورة في هذا الحديث - مؤذناً بخراب العالم؛ لأن الخلق لا يُترَكون ◌َمَلاً، ولا نبيّ بعد نبينا - صلوات الله تعالى، وسلامه عليهم أجمعین ـ فیتعیّن ذلك. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ في ((المفهم)): في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ إذ أخبر وَله عن أمور ستقع، فوقعت خصوصاً في هذه الأزمان. (١) ((شرح ابن بطال على صحيح البخاريّ)) ٣٥٨/١٣. ٦٢٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٢) وقال القرطبيّ في ((التذكرة)): يَحْتَمِل أن يراد بالقيّم: من يقوم عليهنّ، سواء كنّ موطوءات، أم لا، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله، فيتزوج الواحد بغير عدد؛ جهلاً بالحكم الشرعيّ. قال العينيّ: وقد وُجد ذلك من بعض أمراء التركمان، وغيرهم، من أهل هذا الزمان، مع دعواه الإسلام، والله المستعان. انتهى(١). ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ كَّتُهُ: وأما رفع العلم فيكون بشيئين: أحدهما: بموت العلماء، كما قال في حديث عبد الله بن عمرو ((ولكن يقبضه بقبض العلماء)). والثاني: بخساسة الهمم، واقتناعها باليسير منه، فإنها إذا دَنَت قصرت، وكَشْفُ هذا: أنك إذا تأملت من سَبَق من العلماء، رأيت كل واحد منهم يتفنّن في العلوم، ويرتقي في كل فنّ إلى أقصاه، حتى روينا عن الشعبيّ أنه قال: ما أروي أقلّ من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أُعيد. ثم قال: أخبرنا القزاز، قال: أنبأنا أحمد بن عليّ الحافظ، قال: حدّثنا الصُّوريّ، قال: سمعت رجاء بن محمد بن عيسى المعدّل يقول: سألت الدارقطنيّ، فقلت له: رأى الشيخ مثل نفسه؟ فقال: إن كان في فنّ واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وأما من اجتمع فيه ما اجتمع فيّ فلا. ثم إن الرغبات فَتَرت في العلم، فصار صاحب الحديث يقتصر على ما علا إسناده، ويُعرِض عن الفقه، فلو وقعت مسألة في الطهارة، لم يهتد لجوابها، وصار الفقيه يقتصر على ما كُتب في التعليقة، ولا يدري هل الحديث الذي بنى عليه الحكم صحيح أم لا؟ وصار اللغويّ يشتغل بحفظ ألفاظ العرب، ولا يلتفت إلى الفقه، فهذا رَفْع العلم، ثم له رفع من حيث المعنى، وهو أنا إذا وجدنا العالِم المتقِن قد مال إلى الدنيا، وتشاغل بخدمة السلاطين، والتردد إليهم، غير آمر بالمعروف، ولا ناهٍ لهم عن منكر، وعَكَف على اللذات، وربما مزجها بحرام، كلُبس الحرير، لم يَبق لعلمه نور عند المقتبس، فصار كالطبيب المخلّط، لا يكاد يُقبل قوله في الْحِمْية، فمات العلم عنده، (١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٣/ ٩٤. ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وهو موجود. نسأل الله ◌َ عزماً مُجِدّاً، لا فتور فيه، وعملاً خالصاً، لا رياء معه. انتهى كلام ابن الجوزيّ كَّلُهُ، وهو تحقيق أنيسٌ، والله أعلم. ٥ - (ومنها): ما ذكره في ((العمدة)) على طريقة الأسئلة والأجوبة، فقال: منها: ما قيل: من أين عَرَف أنس ◌َّه أن أحداً لا يحدّث بعده؟. أجيب: بأنه لعله عرفه بإخبار الرسول بول﴾، أو قال بناءً على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من رسول الله وَله. وقال ابن بطال تَقْتُ: يَحْتَمِل أن أنساً ◌َظُبه قال ذلك؛ لأنه لم يَبق من أصحاب رسول الله رَّه غيره، أو لِمَا رأى من التغير، ونَقْص العلم، فوعظهم بما سمع من النبيّ ◌َ﴿ في نقص العلم، أنه من أشراط الساعة؛ ليحضّهم على طلب العلم، ثم أتى بالحديث على نصّه. قال العينيّ تَخْتُ: يَحْتَمِل أن يكون الخطاب بذلك لأهل البصرة خاصّة؛ لأنه آخر من مات بالبصرة قائه. وقال القرطبيّ دَّثُهُ: إنما قال أنس ◌َظُه ذلك؛ لأنَّ أصحاب رسول الله وَيه قد كانوا انقرضوا في ذلك الوقت، فلم يبق منهم غيره، فإنه من آخرهم موتاً، تُوُفّي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، على ما قاله خليفة بن خياط، وقيل: كان سنّه يوم مات مائة سنة وعشر سنين، وقيل: أقلّ من ذلك، والأول أكثر، وكان ذلك ببركة دعاء النبي ربّ له بذلك. انتهى(١). ومنها: ما قيل: ما فائدة تخصيص هذه الأشياء الخمسة بالذكر؟. أجيب: بأن فائدة ذلك: أنها مُشعِرة باختلال الضرورات الخمس، الواجبة رعايتها في جميع الأديان، التي بحفظها صلاح المعاش والمعاد، ونظام أحوال الدارين، وهي الدِّين، والعقل، والنفس، والنسب، والمال، فرَفْع العلم مُخِلّ بحفظ الدِّين، وشرب الخمر بالعقل، وبالمال أيضاً، وقلة الرجال سبب الفتن بالنفس، وظهور الزنا بالنسب، وكذا بالمال. ومنها: ما قيل: لِمَ كان اختلال هذه الأمور من علاماتها؟ . (١) ((المفهم)) ٧٠٤/٦ - ٧٠٥. ٦٢٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٣) أجيب: بأن الخلائق لا يُترَكون سُدّى، ولا نبيّ بعد هذا الزمان، فتعيَّن خراب العالم، وقرب القيامة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ، وَعَبْدَةَ: لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ)؛ يعني: كلّ هؤلاء الثلاثة: محمد بن بشر، وعبدة، وأبو أسامة رووا هذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴿هِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. (١) ((عمدة القاري)) ٨٤/٢. ٦٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير سعيد بن أبي عروبة. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ساقها أبو يعلى تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٣٠٧٠) - حدّثنا عبيد الله، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: لأحدثنّكم بحديث سمعته من رسول الله ◌َّله، لا يحدّثكموه أحدٌ بعدي، سمعه من رسول الله صلفيه، سمعت رسول الله 9 يقول: ((إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويَظهر الجهل، ويُشرب الخمر، ويَفشو الزنى، ويقلّ الرجال، ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٤] (٢٦٧٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّاماً، يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة، بلا واسطة، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٧ - (عَبْدُ اللّهِ) بن مسعود ◌َظ ◌ُه، تقدّم في الباب الماضي. (١) ((مسند أبي يعلى)) ٤٠٠/٥. ٦٢٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٤) د، تقدّم ٨ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير . قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من أفاضل الصحابة شرح الحديث : (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن (وَأَبِيَ مُوسَى) الأشعريّ ◌َهُ (فَقَالًا) ظاهر هذا أنهما قالا معاً، مسعود ـ قال في ((الفتح)): قوله: ((فقالا)): يظهر من الروايتين اللتين بعدها أن الذي تلفّظ بذلك هو أبو موسى؛ لقوله في روايته: ((فقال أبو موسى))، فذَگره، ولا یعارض ذلك الرواية الثالثة من طريق واصل عن أبي وائل، عن عبد الله، وأحسبه رفعه، قال: ((بين يدي الساعة .... )) فذكره؛ لاحتمال أن يكون أبو وائل سمعه من عبد الله أيضاً لدخوله في قوله في رواية الأعمش: ((قالا))، وقد اتفق أكثر الرواة عن الأعمش على أنه عن عبد الله وأبي موسى معاً، ورواه أبو معاوية عن الأعمش، فقال: عن أبي موسى، ولم يذكر عبد الله، أخرجه مسلم(١)، وأشار ابن أبي خيثمة إلى ترجيح قول الجماعة، وأما رواية عاصم المعلّقة التي ختم بها الباب(٢) فلولا أنه دون الأعمش وواصلٍ في الحفظ، لكانت روايته هي المعتمدة؛ لأنه جعل لكلّ من أبي موسى وعبد الله لفظ مَتْن غير الآخر، لكن يَحْتَمِل أن يكون المتن الآخر كان عند عبد الله بن مسعود مع المتن الأول)). انتھی (٣). (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّاماً) وفي رواية للبخاريّ: (١) هي الرواية الثالثة لهذا الحديث. (٢) هي قول البخاريّ ٦/ ٢٥٩٠: وقال أبو عوانة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن الأشعريّ، أنه قال لعبد الله: تعلم الأيام التي ذكر النبيّ وَّار أيام الهرج، نحوه. (٣) ((الفتح)) ١٦ / ٤٥٧، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٦٢ و ٧٠٦٣). ٦٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (لأيّاماً))، (يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول، (فِيهَا الْعِلْمُ) مرفوع على أنه نائب الفاعل، (وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ) قال في ((الفتح): معناه أن العلم يرتفع بموت العلماء، فكلما مات عالم يَنْقص العلم بالنسبة إلى فَقْد حامله، وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالِمِ ينفرد به عن بقية العلماء. (وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ))) كذا في هذه الرواية، وقال: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش الآتية: ((والهرج بلسان الحبشة: القتل)) ونَسَبَ التفسير في رواية واصل عند البخاريّ لأبي موسى. وأصل الهرج في اللغة العربية: الاختلاط، يقال: هَرَج الناس: اختلطوا، واختلفوا، وهَرَج القوم في الحديث: إذا كثروا، وخلّطوا، وأخطأ من قال: نسبة تفسير الهرج بالقتل للسان الحبشة وَهَمٌّ من بعض الرواة، وإلا فهي عربيّة صحيحة، ووجه الخطأ أنها لا تُستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل، إلا على طريق المجاز؛ لكون الاختلاط مع الاختلاف يُفضي كثيراً إلى القتل، وكثيراً ما يُسَمَّى الشيءُ باسم ما يؤول إليه، واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبشة، وكيف يُدَّعَى على مثل أبي موسى الأشعريّ الوهم في تفسير لفظة لغويّة؟ بل الصواب معه، واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة، وإن ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف، كحديث معقل بن يسار ربه، رَفَعه: ((العبادة في الهرج كهجرة إليّ))، أخرجه مسلم. وذكر صاحب ((المحكم)) للهرج معاني أخرى، ومجموعها تسعة: شدّة القتل، وكثرة القتل، والاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وكثرة النكاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يُرَى في النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشيء، وقال الجوهريّ: أصل الهرج: الكثرة في الشيء؛ يعني: حتى لا يتميز. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت معاني الهرج المذكورة بقولي: أي فِتَنٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِلْهَرْجِ تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي وَكَثْرَةُ الْكِذْبِ أَتَى عِدَادُهُ(٢) كَثْرَةُ قَتْلٍ وَكَذَا اشْتِدَادُهُ (١) ((الفتح)) ٤٥٧/١٦ - ٤٥٨، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٦٢ و٧٠٦٣). (٢) بكسر العين: أي: عدّه منها . ٦٣١ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٥) وَكَثْرَةُ النَّوْمِ وَالاخْتِلَاطُ مَا تَرَاهُ فِي النَّوْم بِلَا ضَبْطٍ سَمَا إِثْقَانِكَ الشَّيْءَ لِعَدِّهَا أَتَمّ وَكَثْرَةُ النِّكَاحِ أَيْضاً وَعَدَمْ مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعريّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٦٤/٥ و٦٧٦٥ و٦٧٦٦ و٦٧٦٧] (٢٦٧٢)، و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧٠٦٢ و٧٠٦٣ و٧٠٦٤ و٧٠٦٥ و٧٠٦٦) وفي ((خلق أفعال العباد)) (٨٠/١)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٠١)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٩٩ و٤١٠٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٩/١ و ٤٠٢ و ٤٠٥ و ٤٥٠ و٣٩٢/٤ و٤٠٥ و٤٣٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٠٤/١٠)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٤٧/٢ و٤٨)، وفوائده تقدّمت قبله، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيٍْ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، واسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٦٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ) ابن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ، مأمونٌ، أثبت الناس كتاباً في الثوريّ، من كبار [٩] (ت١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٦/١٠. ٤ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٦ - (حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ) ابن عليّ بن الوليد الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (٣ أو ٢٠٤) وله أربع، أو خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤. ٧ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ صاحب سنة [٧] (ت١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦. والباقون ذكروا قبله. وقوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الأعمش المذكور قبله. وقوله: (عَنْ شَقِيقٍ) هو أبو وائل المذكور قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ، وَابْنِ ثُمَيْرٍ)؛ يعني: أن سفيان الثوريّ، وزائدة رويا هذا الحديث عن الأعمش بمثل ما رواه وكيع، وعبد الله بن نُمير عن الأعمش بسنده السابق. [تنبيه]: أما رواية سفيان الثوريّ عن الأعمش فقد ساقها أحمد دَخَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٣٨١٧) - حدّثنا أبو النضر، ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، وأبي موسى الأشعريّ، قالا: قال رسول الله وَله: ((إن بين يدي الساعة أياماً، يُرفع فيهنّ العلم، وينزل فيهنّ الجهل، ويكثر فيهنّ الهرج، قال: والهرج: القتل)). انتهى(١). وأما رواية زائدة عن الأعمش، فقد ساقها أحمد أيضاً في ((مسنده))، فقال: (٤٣٠٦) - حدّثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن سليمان، عن شقيق، (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١/ ٤٠٢. ٦٣٣ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٦ - ٦٧٦٧) قال: كنت مع عبد الله، وأبي موسى، وهما يتحدثان، فذكرا عن رسول الله وَفيه قال: ((قبل الساعة أيامٌ، يُرفع فيها العلم، ويَنزل فيها الجهل، ويَكثر فيها الهرج، قال: قالا: الهرج: القتل)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرِ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ) هو ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل الحديث الماضي؛ يعني: أن أبا معاوية روى هذا الحديث عن الأعمش بمثل ما روى عنه المتقدّمون قبله، وهم: وكيع، وابن نمير، والثوريّ، وزائدة. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش هذه، ساقها ابن ماجه تَخّْتُهُ في ((سننه))، فقال: (٤٠٥١) - حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، وعليّ بن محمد، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله : ((إن من ورائكم أياماً، يَنزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويَكثر فيها الهرج))، قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: ((القتل)). (٢) انتھی ''' وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٥٠/١. (٢) ((سنن ابن ماجه)) ١٣٤٥/٢. ٦٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ رَسُولُ اللهِ، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ مولاهم الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش لم أجد من ساقها بتمامها، إلا أن البخاريّ كَّتُ قال في ((صحيحه)) : (٦٦٥٥) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: إني لجالس مع عبد الله، وأبي موسى ظُه، فقال أبو موسى: سمعت النبيّ وَّه مثله، والهرج بلسان الحبشة: القتل. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٨] (١٥٧)(٢) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبًا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُُّّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ))، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم الحافظ المصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المشهور، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه تقدّم قبل أربعة أبواب. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٥٩٠. (٢) هذا الرقم تقدّم. ٦٣٥ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٨) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصریین، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُه أحفظ من روی الحدیث في دهره. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) [تنبيه]: هكذا في هذه الرواية أن ابن شهاب رواه عن حميد بن عبد الرحمن، وستأتي روايته عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وقد أخرجها البخاريّ أيضاً من طريق معمر عن الزهريّ عنه، ثم قال بعدها: ((وقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، عن حميد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّ﴾)). انتهى. فقال في ((الفتح)): قوله: ((وقال يونس))؛ يعني: ابن يزيد، وشعيب؛ يعني: ابن أبي حمزة، والليث، وابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، عن حميد؛ يعني: ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمراً في قوله: ((عن الزهريّ، عن سعيد))، فجعلوا شيخ الزهريّ حميداً، لا سعيداً، وصنيع البخاريّ يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في ((كتاب الأدب))، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح؛ لأن الزهريّ صاحب حديث، فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختُلِف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهريّ في كثرة الحديث، والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح، وليست رواية معمر مدفوعةً عن الصحة؛ لِمَا ذُكر آنفاً. فأما رواية يونس، فوصلها مسلم (١) من طريق ابن وهب عنه، ولفظه: ((ويُقبض العلم))، وقدّم: ((وتظهر الفتن)) على: ((ويُلقى الشح))، وقال: ((قالوا: وما الهرج؟ قال: (١) يعني: هذه الرواية التي نشرحها. ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم القتل)) ولم يكرر لفظ ((القتل))، ومثله له من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج ... ))(١)، فذكره مقتصراً عليه، وأخرجه أبو داود من رواية عنبسة بن خالد، عن يونس بن یزید، بلفظ: ((وينقص العلم)). وأما رواية شعيب، فوصلها البخاريّ في ((كتاب الأدب)) عن أبي اليمان عنه، وقال في روايته: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل))، وفي رواية الكشميهني: ((العلم))، والباقي مثل لفظ معمر، وقال في روايتي يونس وشعيب عن الزهريّ: ((حدّثني حميد بن عبد الرحمن)). وأما رواية الليث، فوصلها الطبرانيّ في ((الأوسط)) من رواية عبد الله بن صالح عنه به، مثل رواية ابن وهب. وأما رواية ابن أخي الزهريّ، فوصلها الطبرانيّ أيضاً في ((الأوسط)) من طريق صدقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أخي الزهريّ، واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم، وقال في روايته: ((سمعت أبا هريرة))، ولفظه مثل لفظ ابن وهب، إلا أنه قال: ((قلنا: وما الهرج، يا رسول الله؟))، وأخرجه مسلم من رواية عبد الرحمن بن يعقوب، وهمام بن منبّه، وأبي يونس مولى أبي هريرة، ثلاثتهم عن أبي هريرة، قال بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن، غير أنهم لم يذكروا: ((ويُلقى الشحّ))، وساق أحمد لفظ همام، وأوله: ((يُقبض العلم، ويقترب الزمن)). وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الأمور المذكورة، فأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق سعيد بن جبير عنه، رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش، والبخل، ويُخَوَّن الأمين، ويؤتمَن الخائن، وتهلك الوُعُول، وتظهر التحوت))، قالوا: يا رسول الله وما التحوت، والوعول؟ قال: ((الوعول: وجوه الناس، وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس، لیس یُعلم بهم)). (١) سيأتي في: ((باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما)) بعد رقم (٢٨٨٨) ترقيم محمد فؤاد كثُ. ٦٣٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٨) وله من طريق أبي علقمة: ((سمعت أبا هريرة يقول: إن من أشراط الساعة ... )) نحوه، وزاد: ((كذلك أنبأنا عبد الله بن مسعود، سمعته من حبي، قال: نعم، قلنا: وما التحوت؟ قال: فُسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة، قلنا: وما الوعول؟ قال: أهل البيوت الصالحة)). انتهى(١). (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) وفي رواية: ((الزمن))، وهو لغة فيه . واختُلف في معناه، فقيل: على ظاهره، فلا يظهر التفاوت في الليل والنهار بالقِصَر والطول، وقيل: المراد: قرب يوم القيامة، وقيل: تذهب البركة، فيذهب اليوم والليلة بسرعة، وقيل: المراد: يتقارب أهل ذلك الزمان في الشرّ، وعدم الخير، وقيل: تتقارب صدور الدُّوَل، وتطول مدة أحد؛ لكثرة الفتن، وقال النوويّ في شرح قوله: ((حتى يقترب الزمان)): معناه: حتى تقرب القيامة، ووهّاه الكرمانيّ، وقال: هو من تحصيل الحاصل، قال الحافظ: وليس كما قال، بل معناه: قُرْب الزمان العامّ من الزمان الخاصّ، وهو يوم القيامة، وعند قُرْبه يقع ما ذُكر من الأمور المنكرة (٢)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ)؛ أي: بقبض العلماء، كما يأتي بيانه في حديث عبد الله بن عمرو ها بعد هذا الحديث، وفي الرواية الآتية: ((وينقص العلم))، وكذا هو عند البخاريّ، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية المستملي، والسرخسيّ: ((العمل)). قال: قد اختلف في المراد بقوله: ((ينقص العلم))، فقيل: المراد: نَقْص عِلم كل عالم، بأن يطرأ عليه النسيان مثلاً، وقيل: نقص العلم بموت أهله، فكلما مات عالم في بلد، ولم يَخْلُفه غيره نَقَص العلم من تلك البلد، وأما نَقَص العمل، فَيَحْتَمِل أن يكون بالنسبة لكل فَرْد فَرْد، فإن العامل إذا دهمته (١) ((الفتح)) ٤٥١/١٦ - ٤٥٣، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٤٨). (٢) ((الفتح)) ٥٢٢/٢. ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم الخطوب ألْهته عن أوراده، وعبادته، ويَحْتَمِل أن يراد به: ظهور الخيانة في الأمانات، والصناعات. قال ابن أبي جمرة كَّهُ(١): نَقْص العمل الحسيّ ينشأ عن نقص الدين ضرورةً، وأما المعنويّ فبحَسَب ما يدخل من الخلل، بسبب سوء المطعم، وقلة المساعد على العمل، والنفس ميالة إلى الراحة، وتحنّ إلى جنسها، ولكثرة شياطين الإنس الذين هم أضرّ من شياطين الجنّ. وأما قبض العلم فسيأتي بَسْط القول فيه في شرح حديث عبد الله بن عمرو ها - إن شاء الله تعالى -. (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) بكسر الفاء، وفتح المثنّاة الفوقيّة: جمع فتنة، والمراد بظهورها: كثرتها، واشتهارها، وعدم التكاتم بها، والله المستعان. [تنبيه]: قال الراغب الأصبهانيّ كَّتُهُ: أصل الفَتْن: إدخال الذهب في النار؛ لتظهر جودته من رداءته، ويُستعمل في إدخال الإنسان النار، ويُطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذُوقُواْ فِيْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى ما يحصل عند العذاب، كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة: ٤٩]، وعلى الاختبار، كقوله: ﴿وَفَتََّكَ فُونَ﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وفي الشدّة أظهر معنى، وأكثر استعمالاً، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلِشَرِّ وَالْخَرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ومنه قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]؛ أي: يوقعونك في بَلِيّة، وشدّة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك. وقال أيضاً: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله تعالى، ومن العبد، كالبلية، والمصيبة، والقتل، والعذاب، والمعصية، وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله، فهي مذمومة، فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله: ﴿وَالْفِنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠]، وقوله: ﴾ [الصافات: ١٦٢]، وقوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿مَّ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ ٦ [القلم: ٦]، وكقوله: ﴿وَأَحْذَرَهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. (١) ((بهجة النفوس)) ٢٥٨/٤. ٦٣٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٨) وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استُعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أُطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه، كالكفر، والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور، وغير ذلك. انتهى(١). (وَيُلْقَى الشُّخُّ) فعلٌ، ونائب فاعله، و((الشُّحّ)) بضمّ الشين المعجمة، وتشديد الحاء المهملة: البخل، وشحَ يَشحّ، من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب، وتَعِبَ، فهو شحيح، وقوم أشحّاء، وأشحّةٌ، وتشاح القوم بالتضعيف: إذا شحّ بعضهم على بعض، قاله الفيوميّ ◌َذِفُه(٢). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): الشُّ مثلََّةً: البُخْل، والحِرْصُ. وقيل: هو أَشَدُّ البُخْل، وهو أَبْلَغ في المنْعِ من البُخْلِ. وقيل: البُخْل في أَفرادِ الأُمورِ، وآحادِهَا، والشُّخُّ عامّ. وقيل: البُخْلُ بالمال، والشُّحُّ بالمالِ والمَعروفِ، وقد شَحِحْتَ - بالكسر - به، وعليه تَشَخُّ - بالفتح -. انتهى (٢). والمراد: إلقاؤه في قلوب الناس، على اختلاف أحوالهم، حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم، والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته، حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله، حتى يهلك الفقير، وليس المراد وجود أصل الشحّ؛ لأنه لم يزل موجوداً. وقال ابن أبي جمرة: يَحْتَمل أن يكون إلقاء الشحّ عامّاً في الأشخاص، والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسدة، والشحيح شرعاً هو من يمنع ما وجب عليه، وإمساك ذلك مُمْحِقٍ للمال، مذهب لبركته، ويؤيده: ((ما نقص مال من صدقة))، فإن أهل المعرفة فهموا منه أن المال الذي يخرج منه الحقّ الشرعيّ لا يلحقه آفة، ولا عاهة، بل يحصل له النماء، ومن ثَمّ سمّيت الزكاة؛ لأن المال ينمو بها، ويحصل فيه البركة. انتهى ملخصاً. قال: وأما ظهور الفتن، فالمراد بها: ما يؤثّر في أمر الدين، وأما كثرة القتل، فالمراد بها: ما لا يكون على وجه الحقّ؛ كإقامة الحدّ والقصاص(٤). (١) ((الفتح)) ٤٣٢/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٤٨). (٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٦/١. (٤) ((بهجة النفوس)) ٢٥٨/٤. (٣) (تاج العروس)) ص١٦٤٣. ٦٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم [تنبيه]: المحفوظ في الروايات: ((يُلْقَى)) بضم أوله، من الرباعيّ، وقال الحميديّ: لم تَضبط الرواة هذا الحرف، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد القاف؛ أي: يُتَلَقَّى، ويُتَعَلَّم، ويُتواصَى به، كما في قوله: ﴿وَلَا يُلَقَّهَا إِلَّا الضَبِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، قال: والرواية بسكون اللام مخففاً تُفسد المعنى؛ لأن الإلقاء بمعنى الترك، ولو تُرك لم يكن موجوداً، وكان مدحاً، والحديث يُنبئ بالذمّ. وتعقّبه الحافظ، وأجاد في ذلك، فقال: ليس المراد بالإلقاء هنا: أن الناس يُلقونه، وإنما المراد: أنه يُلقى إليهم؛ أي: يُوقَع في قلوبهم، ومنه: ﴿إِنَّ أُلْقِىَ إِلَّ كِتَبُ كَرِمُ﴾ [النمل: ٢٩]، قال الحميديّ: ولو قيل بالفاء، مع التخفيف، لم يستقم؛ لأنه لم يزل موجوداً . وتعقّبه الحافظ، فقال: لو ثبتت الرواية بالفاء، لكان مستقيماً، والمعنى: أنه يوجد كثيراً مستفيضاً عند كل أحد، كما تقدمت الإشارة إليه. وقال القرطبيّ في ((التذكرة)): يجوز أن يكون (يُلْفَى)) بتخفيف اللام، والفاء؛ أي: يُترك لأجل كثرة المال، وإفاضته، حتى يهمّ ذا المال من يقبل صدقته، فلا يجد، ولا يجوز أن يكون بمعنى: يوجد؛ لأنه ما زال موجوداً، قال الحافظ: كذا جزم به، وقد تقدّم ما يردّ عليه. انتهى (١). وقال في ((العمدة)): قوله: ((ويلقى الشحّ))؛ أي: البخل والحرص، و(يلقى)) بضم الياء، من الإلقاء، والمراد: إلقاؤه في قلوب الناس، على اختلاف أحوالهم، وليس المراد وجود أصل الشحّ؛ لأنه لم يزل موجوداً، وقال الحميديّ: المحفوظ في الروايات: ((يُلقَى)) بضم أوله، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد القاف؛ أي: يُتَلَقَّى، ويُتعلّم، ويُتواصَى به، ويقال: يَحْتَمِل أن يكون إلقاء الشحّ عامّاً في الأشخاص، والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسدة، والشحيح شرعاً: هو من مَنَع ما وجب عليه، وهو مثلث الشين، قال الكرمانيّ: وذلك ثابت في جميع الأزمنة، ثم قال: المراد غَلَبته، وکَثْرته، بحيث يراه جميع الناس. (١) ((الفتح)) ٤٥٦/١٦. -