Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ (٣) - بَابُ اتَّبَاعِ سُتَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى - حديث رقم (٦٧٥٨) تابعهم على هديهم، وسلك طريقهم، كما قال في حديث الترمذيّ. وقد تبيّن بهذه الأحاديث أن الافتراق المحذَّر منه إنما هو في أصول الدِّين وقواعده؛ لأنه قد أَطلق عليها مِللاً، وأخبر أن التمسّك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال على الاختلاف في الفروع، فإنه لا يوجب تعدّد الملل، ولا عذاب النار، وإنما هو على أحد المذهبين السابقَين: إما مُصيب، فله أجران، وإما مخطئ، فله أجر، على ما ذكرناه في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وقال في ((الفتح)): قوله: ((سنن)) بفتح السين للأكثر، وقال ابن التين: قرأناه بضمها، وقال المهلّب: بالفتح أولى؛ لأنه الذي يُستعمل فيه الذراع والشِّبر، وهو الطريق، قال الحافظ: وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك، وقوله: (شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ) قال الطيبيّ كَذَثُ: حال مثل (يداً بيد))(٢). وقال في (العمدة)): نُصِب بنزع الخافض، تقديره: لتتبعن سَنَن من قبلكم اتباعاً بشبر ملتبس بشبر، وذراع ملتبس بذراع، وهذا كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات، والمعاصي، لا في الكفر، وكذلك قوله: ((لو سلكوا جحر ضب)) بضم الجيم وسكون الحاء، والضب دويبة تُشبه الوَرَلَ، تأكله الأعراب، والأنثى ضبّة، قال ابن خالويه: يعيش سبعمائة سنة، فأكثر، ولا يشرب ماءً(٣)، وخصّ، وتقول العرب: هو قاضي الطير والبهائم، يقولون: اجتمعت إليه أول ما خلق الله الإنسان، فوصفته له، فقال الضب: تَصِفُون خَلْقاً يُنزل الطير من السماء، ويُخرج الحوت من الماء، فمن كان له جناح فليطر، ومن كان ذا مِخلب فليحتفر. ووجه التخصيص بجحر الضب؛ لشدة ضيقه، ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لوافقوهم. انتهى(٤). (١) ((المفهم)) ٦/ ٦٩٤ - ٦٩٥. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٩٠/١١. (٣) كلام ابن خالويه يحتاج إلى دليل صحيح، والله أعلم. (٤) ((عمدة القاري)) ٤٣/١٦، و((فيض القدير)) ٢٦١/٥. ٦٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وفي رواية للبخاريّ: ((شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً))، قال عياض: الشبر، والذراع، والطريق، ودخول الْجُحْر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء، مما نَهَى الشرع عنه وذمّه. (حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرٍ) بضمّ الجيم، وسكون الحاء المهملة، (ضَبِّ) بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الموحّدة: دُويبة معروفة، يقال: خُصّت بالذِّكر؛ لأن الضب يقال له: قاضي البهائم، قال الحافظ: والذي يظهر أن التخصيص إنما وقع لِجُحر الضب؛ لشدّة ضيقه، ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتّباعهم طرائقهم، لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم. انتهى (١). وقال المناويّ كَّلُهُ: قوله: ((حتى لو دخلوا جحر ضبّ إلخ)) مبالغة في الاتباع، فإذا اقتصروا في الذي ابتدعوه، فستقتصرون، وإن بسطوا فستبسطوا، حتى لو بلغوا إلى غاية لبلغتموها، حتى كانت تقتل أنبياءها، فلما عصم الله رسوله ﴿ قتلوا خلفاءه؛ تحقيقاً لصدق الرسول وَل﴾. انتهى(٢). وقال الصنعانيّ كَّتُهُ: الحديث إعلام، وإخبار بأن الأمة، والمراد غالبها تُشابِه الأمم في المعاصي، وباقي أنواع ما يأتونه غير الكفر، وهو تحذير عن تَشابُه من قبلهم في أفعالهم، وأخلاقهم، وقد صدق إخباره وَّ، فقد سلك الناس مسالك الأمم في الابتداع، والاتّساع، وإقامة الحدود على الضعفاء، دون الشرفاء، وقبول الرِّشا، والاتّساع في شهوات الدنيا، وزخرفة المساجد، واتخاذ القبور أوثاناً، وغير ذلك مما يعرفه كلّ عارف. انتهى(٣). (لَتَّبَعْتُمُوهُمْ))، قُلْنَا) قال الحافظ تَّقُ: لم أقف على تعيين القائل، (بَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟)؛ أي: أتعني بمن نتّبعهم اليهود والنصارى؟، فأجابهم، فـ(قَالَ) وَّهِ: ((فَمَنْ؟))) استفهام إنكار، والتقدير: فإن لم أُرِدْهم فمن سواهم؟ أي: ليس المراد غيرهم(٤). (١) ((الفتح)) ٢١٢/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٢٠). (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) ٢٦١/٥. (٣) التنوير شرح الجامع الصغير)) ٢٨/٩. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٩٠/١١. ٦٠٣ (٣) - بَابُ اتَّبَاعِ سُنَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى - حديث رقم (٦٧٥٨) وقد أخرج الطبرانيّ من حديث المستورِد بن شدّاد، رفعه: ((لا تترك هذه الأمة شيئاً من سَنَن الأولين حتى تأتيه))، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الشافعيّ، بسند صحيح: ((لتركبُنّ سنة من كان قبلكم حُلْوها، ومُرّها))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َتُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٥٨/٣ و٦٧٥٩] (٢٦٦٩)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٤٥٦) و((الاعتصام)) (٧٣٢٠)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢١٩٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٧٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٦٩/١١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٤/٢ و٣٧٢ و٥٢٣ و٨٤/٣ و٨٩ و٩٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٧٤ و٧٥) وفي ((الزهد)) (٢١٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٧٠٣)، و(الفريابيّ) في ((صفة المنافق)) (١٠١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٩٦ و٤٢٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيان عَلَم من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ ◌َّهه، حيث أخبر مآل أمته، وأنها تتبع سنن الأمم الماضية، في قليلها، وكثيرها، فوقع كما أخبر أنله. ٢ - (ومنها): ما قاله المناويّ كَّلُ: هذا الحديث لفظه لَفْظ الخبر، ومعناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام؛ لأن نوره قد بَهَر الأنوار، وشريعته نسخت الشرائع، وذا من معجزاته وَّر، فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في مشيهم، ومراكبهم، وملابسهم، وإقامة شعارهم في الحروب، وغيرها، وأهلِ الكتابين في زخرفة المساجد، وتعظيم القبور، حتى عبدها العوامّ، وقبول الرشا، وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البِيضِ، وأن الحائض لا تمس عجيناً، إلى غير ذلك، مما هو ٦٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم أشنع، وأبشع. انتهى (١). ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخْتُ: أَعْلَم النبيّ وَل ◌ّ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع، والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شرّ، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدِّين إنما يبقى قائماً عند خاصّة من الناس. قال الحافظ تَُّهُ: وقد وقع معظم ما أنذر به وَّ، وسيقع بقية ذلك. ٤ - (ومنها): أن البخاريّ كَّلُ أخرج عن أبي هريرة ◌َظُته، عن النبيّ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع))، فقيل: يا رسول الله، كفارس، والروم؟ فقال: ((ومَنِ الناسُ إلا أولئك؟))(٢) . فقال الكرمانيّ: حديث أبي هريرة رَظُّه مغاير لحديث أبي سعيد؛ لأن الأول فُسِّر بفارس والروم، والثاني باليهود والنصارى، ولكن الروم نصارى، وقد كان في الفرس يهود، أوْ ذَكَر ذلك على سبيل المثال؛ لأنه قال في السؤال: كفارس؟ انتهى. قال الحافظ: ويعكر عليه جوابه وَله بقوله: ((ومَن الناس إلا أولئك))؛ لأن ظاهره الحصر فيهم، وقد أجاب عنه الكرمانيّ بأن المراد: حصر الناس المعهود من المتبوعين . قلت(٣): ووجهه أنه وَّ لَمّا بُعث كان مُلكُ البلاد منحصراً في الفرس والروم، وجميع مَن عداهم من الأمم مِن تحت أيديهم، أو كل شيء بالنسبة إليهم، فصحّ الحصر بهذا الاعتبار. ويَحْتَمِل أن يكون الجواب اختَلَف بحسب المقام، فحيث قال: فارس والروم، كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس، وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى، كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات: أصولها وفروعها، ومن ثم كان في الجواب عن الأول: ((ومَن الناس إلا أولئك))، وأما (١) ((فيض القدير)) ٢٦١/٥. (٣) القائل هو الحافظ، فتنبه. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٦٦٩/٦. ٦٠٥ (٣) - بَابُ اتَّبَاعِ سُنَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى - حديث رقم (٦٧٥٩) الجواب في الثاني بالإبهام، فيؤيد الحمل المذكور، وأنه كان هناك قرينة تتعلق بما ذكرت. [تنبيه]: استَدَلّ ابن عبد البرّ ◌َخْلُ في ((باب ذم القول بالرأي إذا كان على غير أصل)) بما أخرجه من جامع ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، عن هشام بن عروة، أنه سمع أباه يقول: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيماً حتى حَدَث فيهم المولَّدون، أبناء سبايا الأمم، فأحدثوا فيهم القول بالرأي، وأضلوا بني إسرائيل، قال: وكان أبي يقول: السننَ السننَ، فإن السنن قِوَام الدِّين. وعن ابن وهب: أخبرني بكر بن مضر، عمن سمع ابن شهاب الزهريّ، وهو يذكر ما وقع الناس فيه من الرأي، وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم، حين استقلّوا الرأي، وأخذوا فيه. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول، عن أنس، قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم، والفقه في رذالكم)). وفي ((مصنَّف قاسم بن أصبغ)) بسند صحيح، عن عمر: ((فساد الدين إذا جاء العلم من قِبَل الصغير، استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير، تابعه عليه الصغير))، وذكر أبو عبيد: أن المراد بالصِّغَر في هذا: صِغَر القَدْر، لا السنّ، والله تعالى أعلم(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قال أبو إسْحاقَ، إبراهيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحيى، حَدَّثَنا ابنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عطاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَذَكَرَ الحَدِيثَ، نَحْوَهُ). (١) ((الفتح)) ٢١٢/١٧، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٢٠). ٦٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢. ٢ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) هو: محمد بن مُطَرِّف بن داود الليثيّ المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٧] مات بعد الستين ومائة (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٥/٥٢. و((زيد بن أسلم)) ذُكر قبله، وشيوخ مسلم لم يُسمّوا، وقوله: ((عِدّة)) بكسر العين، وتشديد الدال؛ أي: جماعة من أصحابنا؛ أي: مشايخنا. [تنبيه]: رواية محمد بن مطرّف عن زيد بن أسلم هذه ساقها البخاريّ ◌َخْتُهُ في (صحيحه))، فقال: (٣٢٦٩) - حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا أبو غسّان، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد نظره، أن النبيّ وَلّ قال: (لتتبعُنّ سَنَن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جُحْرِ ضَبّ لسلكتموه))، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن)). انتهى(١). [تنبيه آخر]: تكلّم الحافظ الرشيد العطار في ((غرر الفوائد)» في هذا الحديث، حيث قال فيه مسلم: ((حدثني عدّة من أصحابنا إلخ)) ولم يسمّ منهم أحداً، قال: وقد تقدَّم الجواب عن مثل هذا القول بما فيه كفاية، ومع ذلك فقد بَيّنًا أن البخاريّ قد رواه في (صحيحه)) عن سعيد بن أبي مريم هذا، ثم ساق رواية البخاريّ بسنده، قال: وهكذا أورده البخاريّ في ((صحيحه)) في أحاديث بني إسرائيل، فثبت اتّصاله من هذا الوجه الآخر، والحمد لله، وقد وصله أيضاً إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، راوي ((صحيح مسلم))، فرواه عن الإمام أبي عبد الله محمد بن يحيى الذَّهْليّ، عن سعيد بن أبي مريم كذلك، ولعل البخاريّ أحد العِدّة الذين سمع منهم مسلم هذا الحديث، ولم يسمِّهم، والله رَك أعلم. انتهى مختصر كلام الحافظ العطّار، وقد سبق في مقدّمة شرح المقدّمة بتمامه، فراجعه هناك، وبالله تعالى التوفيق. (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٢٧٤/٣. ٦٠٧ (٣) - بَابُ اَتِّبَاعِ سُنَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى - حديث رقم (٦٧٥٩) [تنبيه آخر]: قال النوويّ كَّلُ: قوله: ((حدّثني عدّة من أصحابنا إلخ)) قال المازريّ: هذا من الأحاديث المقطوعة في مسلم، وهي أربعة عشر، هذا آخرها، قال القاضي: قَلَّد المازريّ أبا عليّ الغسانيّ الجيانيّ في تسميته هذا مقطوعاً، وهي تسمية باطلة، وإنما هذا عند أهل الصنعة من باب رواية المجهول، وإنما المقطوع ما حُذف منه راوٍ. قال النوويّ: وتسمية هذا الثاني أيضاً مقطوعاً مجاز، وإنما هو منقطع، ومرسل عند الأصوليين، والفقهاء، وإنما حقيقة المقطوع عندهم: الموقوف على التابعيّ، فمن بعده، قولاً له، أو فعلاً، أو نحوه، وكيف كان فمتن الحديث المذكور صحيح، متصلٌ بالطريق الأول، وإنما ذكر الثاني متابعةً، وقد سبق أن المتابعة يُحْتَمَلُ فيها ما لا يُحْتَمَلُ في الأصول، وقد وقع في كثير من النسخ هنا اتّصال هذا الطريق الثاني من جهة أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان راوي الكتاب عن مسلم، وهو من زياداته، وعالي إسناده، قال أبو إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، فذكره بإسناده إلى آخره، فاتَّصَلت الرواية، والله أعلم. انتهى(١) . وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إلخ) هو الفقيه النيسابوريّ، تلميذ مسلم، وغرضه به بيان علوّ السند، وذلك لأنه وصل إلى سعيد بن أبي مريم في روايته عن مسلم بواسطتين: مسلم، وشيوخِه، بخلاف روايته هذه، فإنه وصل إليه بواسطة واحدة، هي محمد بن يحيى الذَّهليّ، عن سعيد بن أبي مريم. (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن سفيان الفقيه الزاهد النيسابوريّ، تلميذ مسلم، وراوية كتابه هذا، المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨هـ) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الدُّهْليّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ [١١] (ت٢٥٨) وله (٨٦) سنةً، تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣. والباقون ذُكروا قبله. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/١٦. ٦٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم [تنبيه]: رواية محمد بن يحيى الذّهْليّ عن ابن أبي مريم هذه ساقها ابن حبّان تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٧٠٣) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حدّثنا محمد بن يحيى الذَّهْليّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: حدّثنا أبو غَسّان، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله ◌َ﴿ قال: ((لتتبعُنّ سنن الذين قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جُحْر ضبّ، لسلكتموه))، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال رسول الله وَله: ((فمن؟)). انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَلِ: ((هَلَكَ الْمُتَتَطِّعُونَ))) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٠] (٢٦٧٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنٍ قَيْسٍ، عَنَّ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَى : ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ))، قَالَهَا ثَلَاثاً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب. ٢ - (حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ) النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام الناقد، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم قبل باب. ٥ - (سُلَيْمَانُ بَّنُ عَتِيقٍ) المدنيّ، صدوقٌ [٤] ومن قال فيه: ابن عتيك، فقد وَهِمَ (م د س ق) تقدم في ((البيوع)) ٣٩٢٣/١٨. (١) ((صحيح ابن حبان)) ٩٥/١٥. ٦٠٩ (٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَلِ: ((هَلَكَ الْمُتَتَطِّعُونَ)) - حديث رقم (٦٧٦٠) ٦ - (طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ) هو: طلق - بسكون اللام - ابن حبيب الْعَنَزيّ - بفتح العين المهملة، والنون - البصريّ، صدوقٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٣] مات بعد التسعين (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٠/١٦. ٧ - (الأَحْتَفُ بْنُ قَيْسٍ) بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، أبو بحر، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، مخضرمٌ، ثقةٌ [٢] قيل: مات سنة سبع وستين، وقيل: اثنتين وسبعين (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٠٦/١٠. ٨ - (عَبْدُ اللّهِ) بن مسعود ظُه، تقدّم قبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وأن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: سليمان بن عتيق، عن طلق، عن الأحنف، وأن صحابيّه من كبار ٤، ذو مناقب جمّة. فقهاء الصحابة شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((هَلَكَ الْمُتَتَطِّعُونَ)؛ أي: المتعمِّقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم، وأفعالهم. (قَالَهَا)؛ أي: قال النبيّ وَّل هذه الكلمة، أو الجملة (ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث مرّات؛ وإنما رددها ثلاثاً؛ تهويلاً، وتنبيهاً على ما فيه من الغائلة، وتحريضاً على التيقظ، والتبصر دونهم. وقال ابن الأثير تَخُّْ: ((المتنطّعون)): هم المتعمّقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النِّطَع(١) وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كل تعمّق قولاً وفعلاً. انتهى(٢). وقال الصنعانيّ كَّلُهُ: (المتنطّعون)): المتعمّقون الخائضون فيما لا يَعنيهم، وقيل: المبالغون في عبادتهم بحيث يخرجون عن قوانين الشريعة، (١) بكسر النون، وفتح الطاء بوزن ◌ِنَب: ما ظهر من غار الفم الأعلى، قاله في ((المصباح)) ٦١١/٢. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٧٣/٥. ٦١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم أقوالاً وأفعالاً؛ أي: هلكوا في الدين، كما هلك الرهبانيّة، ونحوهم. (١) انتھی(١). وقال القاري رَّتُهُ: ((المتنطّعون))؛ أي: المتكلفون في الفصاحة، أو المصوِّتون من قعر حلوقهم، والمردّدون لكلامهم في أفواههم رعونة في القول، قال التوربشتيّ: أراد بهم المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام، والأصل في المتنطع الذي يتكلم بأقصى حلقه، مأخوذ من النِّطَع، وهو الغار الأعلى، وإنما ردد القول ثلاثاً تهويلاً وتنبيهاً على ما فيه من الغائلة، وتحريضاً على التيقظ، والتبصر دونهم، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان، والمتكلفين في القول الذين يَرُومُون بسبك الكلام سَبْيَ قلوب الرجال، نسأل الله العافية. قال الطيبيّ: لعل المذموم من هذا ما يكون القصد فيه مقصوراً على مراعاة اللفظ، ومجيء المعنى تابعاً للفظ، وأما إذا كان بالعكس، وكلام الله تعالى، وكلام الرسول و8َ﴿ مصبوب في هذا القالب، فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى، قال تعالى حكاية عن الهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنٍَّ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]. قال في ((الكشاف)): هذا من جنس الكلام الذي سماه الْمُحْدَثون البديعَ، وهو من محاسن الكلام التي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعاً، أو يصوغه عالم بجوهر الكلام، يحفظ معه صحة المعنى، وسَداده، ولقد جاء ههنا زائداً على الصحة، فحسُن، وبَدُع(٢) لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وُضع مكان ((بنبأ)) (خبر)) لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصحّ؛ لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. وقال أبو الحسين الهرويّ صاحب ((دلائل النبوة)): اعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف، وتلاؤم الحركات والسكنات، وتلاؤم المعنى، فإذا اجتمعت هذه الوجوه خرج الكلام غايةً في العذوبة، وفي حصول بعضها دون بعض انحطاط درجة العذوبة عن الغاية، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يُعدّ (١) ((التنوير شرح الجامع الصغير)) ٢٣/١١. (٢) بضمّ الدال؛ ككرُم. ٦١١ (٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((هَلَكَ الْمُتَتَطُّعُونَ)) - حديث رقم (٦٧٦٠) تكلّفاً، وكلما ظهرت الصنعة أكثر، كان الكلام أقرب إلى التعسّف، وإذا حصل التلاؤم عظُم معه يُسْر الصنعة، وشَرف تأليف الكلام، ووَضْعه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود به هذا من أفراد المصنّف ◌َظْذُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٦٠/٤] (٢٦٧٠)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٦/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٢/٨ و٤٢٤ و١٥٨/٩)، و(البزّار) في («مسنده)) (٢٦٤/٥)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٢٤ / ٣٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ذمّ التعمّق في الدِّين بحيث يتجاوز الحد المطلوب فيه، فإن الشريعة سمحة، فقد أخرج أحمد في ((مسنده)) عن أبي أمامة حظه قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في سرية من سراياه، قال: فمرّ رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى من الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبيّ الله وَلفقر، فذكرت ذلك له، فإن أذن لي فعلتُ، وإلا لم أفعل، فأتاه، فقال: يا نبيّ الله إني مررت بغار، فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه، وأتخلى من الدنيا، قال: فقال النبيّ وَّه: ((إني لم أَبعث باليهودية، ولا بالنصرانية، ولكني بُعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغَدْوة، أو روحة في سبيل الله، خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصفّ خير من صلاته ستين سنة))(٢). انتهى(٣). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٠٩٨/١٠ - ٣٠٩٩، و((مرقاة المفاتيح)) ٣٣/٩ - ٣٤. (٢) في إسناده: عليّ بن يزيد الألهانيّ: ضعّفوه، وصححه الشيخ الألباني كثّفُ. راجع: ((الصحيحة)) ١٠٢٢/٦. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٦٦/٥. ٦١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخّْلهُ: فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدّق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشيّ اللغة، ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام، ونحوهم. انتهى. ٣ - (ومنها): ذمّ التعمّق في البحث، ولا سيّما فيما لا نصّ فيه، إذا كان مما لا حاجة إليه في الدِّين، وإلا فلا ذمّ. قال في ((الفتح)): قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا یوجد فیه نصّ علی قسمین: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربما كان فرضاً على من تعيَّن عليه من المجتهدين . ثانيهما: أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرِّق بين متماثِلَين بفرق ليس له أثر في الشرع، مع وجود وَصْف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين متفرِّقَين بوصف طرديّ مثلاً، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رُه هذا، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا السُّنَّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدّاً، فيصرف فيها زماناً كان صرفه في غيرها أَولى، ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيَّبة، ورَدَ الشرع بالإيمان بها، مع تَرْك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مُدّة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك، مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإیمان به من غیر بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرةُ البحث عنه في الشكّ والحيرة، وفي حديث أبي هريرة ◌ُه رفعه: ((لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا اللهُ خلق الخلق، فمن خلق الله؟)). وقال بعض الشُّرّاح: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يُفتي بالإذن: أن يسأل عن السِّلَع التي توجد في ٦١٣ (٤) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ ◌َ﴿ِ: ((هَلَكَ الْمُتَتَطِّعُونَ)) - حديث رقم (٦٧٦٠) الأسواق، هل يُكره شراؤها ممن هي في يده، من قَبْل البحث عن مصيرها إليه، أوْ لا، فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردّد ◌ُرِهِ، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع، لم يَزِد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك فمن يَسُدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يَقِلّ فهمه، وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيما فيما يقلّ وقوعه، أو يندُر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة، والمغالبة، فإنه يُذَمّ فعله، وهو عَيْن الذي كرهه السلف، ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظاً على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ◌َ﴾، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السُّنَّة، وما دلت عليه كذلك، مقتصراً على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يُحْمَد، ويُنتفع به، وعلى ذلك يُحْمَل عَمَل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمَن بعدهم، حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأُولى، فكَثُر بينهم المراء والجدال، وتولّدت البغضاء، وتَسَمَّوا خُصوماً، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كل شيء، وإلى ذلك يشير قوله ويقي في الحديث الماضي: ((فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم))، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد. وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم، وأما العمل بما ورد في الكتاب، والسُّنَّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلما زاد على ما هو في حقّ المكلَّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: من وجد في نفسه قوّة على الفهم، والتحرير، فتشاغُله بذلك أَولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لِمَا فيه من النفع المتعدي، ومن وجد في نفسه قصوراً، فإقباله على العبادة أَولى؛ لعُسْر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وتَرَك العبادة، فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني. ٦١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ثم رأيت الحافظ ابن رجب كتب بحثاً نفيساً، أحببت إيراده هنا، وإن كان تقدّم في كلام الحافظ؛ إلا أن فيه تحقيقات مفيدة - ولعل الحافظ أخذه منه، كما يشير إليه قوله السابق: قال بعض الأئمة إلخ. قال ◌َّقُ: قوله ◌َله: ((هلك المتنطعون إلخ)): المتنطع: هو المتعمق البحّاث عما لا يعنيه، وهذا قد يَتمسك به من يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني، والقياس، كالظاهرية، والتحقيق في هذا المقام - والله أعلم - أن البحث عما لم يوجد فيه نصّ خاصّ، أو عامّ على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى، والمفهوم، والقياس الظاهر الصحيح، فهذا حقّ، وهو مما يتعيَّن فِعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية. والثاني: أن يدقّق الناظر نظره، وفكره في وجوه الفروق المستبعدة، فيفرق بين متماثِلَين بمجرد فَرْق، لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرِّقَين بمجرد الأوصاف الطارئة التي هي غير مناسبة، ولا يدلّ دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضيّ، ولا محمود، مع أنه قد وقع في طوائف من الفقهاء، وإنما المحمود: النظر الموافق لِنَظر الصحابة ﴿ه، ومَن بعدهم، من القرون المفضلة، كابن عباس ونحوه، ولعل هذا مراد ابن مسعود رضيالله بقوله: ((إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق))؛ يعني: ما كان عليه الصحابة ومن كلام بعض أعيان الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق، كدأب أصحاب الرأي، والسر في تلك أن متعلَّق الأحكام في الحال الظنون وغلباتها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما، وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرقٌ على بُعد، فافهموا ذلك، فإنه من قواعد الدين. انتهى. ومما يدخل في النهي عن التعمّق والبحث عنه: أمور الغيب الخبرية التي أُمرنا بالإيمان بها، ولم يبيّن كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا (١) ((الفتح)) ٢٦٧/١٢. ٦١٥ (٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((هَلَكَ الْمُتَتَطُّعُونَ)) - حديث رقم (٦٧٦٠) العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما يُنْهَى عنه، وقد يوجب الحيرةَ والشكَّ، ويرتقي إلى التكذيب. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ظته، عن النبيّ وَلّ قال: ((لا يزال الناس يسألون، حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً، فليقل: آمنت بالله))، وفي رواية له: ((لا يزال الناس يسألونك عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟))، وفي رواية له أيضاً: ((ليسألنكم الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟)). وخرّجه البخاريّ أيضاً، ولفظه: ((يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ». وفي (صحيح مسلم)) عن أنس تعلُله، عن النبيّ وَلّ قال: قال الله رحمات: ((إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟، ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟)). وخرّجه البخاريّ، ولفظه: ((لم يزل الناس يسألون، هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟)). قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا، قال: وقال الله : ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولا يجوز أن يقال: كيف تسبيح القِصَاعِ، والأَخْونة، والخبز، والمخبوز، والثياب المنسوجة؟ وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبّحون، فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء، وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك، إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشِبهه، إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنه يُرديكم الخوض فيه عن سنن الحقّ. نَقَل ذلك كله حرب، عن إسحاق رحمه الله تعالى. انتهى ما كتبه ابن رجب كَّتُهُ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، وتحقيقٌ سديد، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١) ((جامع العلوم والحكم)) ١٧١/٢ في شرح الحديث الثلاثين: ((إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها ... )) الحديث. ٦١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (٥) - (بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦١] (٢٦٧١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التََّّاحِ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد التّوريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُو التَّيَّاح) - بمثناة، ثم تحتانية ثقيلة، وآخره حاء مهملة - يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الخادم الشهير، تقدّم قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف دَّثُهُ، وهو (٤١٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث، وبالبصريين، وفيه أنس به من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مِنْ أَشْرَاطٍ السَّاعَةِ) - بفتح الهمزة -: أي: علاماتها، وهو جمع شَرَط - بفتح الشين، والراء - وبه سمِّيت شُرَط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعرفون بها(١)، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ) لأنه في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر، ولا ينافي هذا ما في الرواية الأخرى: ((أن يقلّ العلم))؛ (١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٢. ٦١٧ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦١) لأن القلة قد يراد بها العدم، أو القلة في ابتداء الأشراط، والعدم في أثنائها، فهو باعتبار الزمانين(١). ثم إن قوله: ((أن يُرفع العلم)) فيه إسناد مجازيّ، والمراد: رَفْعه بموت حَمَلته، وقبض العلماء، وليس المراد: محوه من صدور الحفاظ، وقلوب العلماء، والدليل عليه ما رواه الشيخان(٢) عن عبد الله بن عَمْرٍو بن العاص ◌ًَّا قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الله ريك لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالِماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلوا))، فقد بَيَّن هذا الحديث أن المراد برفع العلم هنا: قَبْض أهله، وهُمُ العلماء، لا محوه من الصدور، لكن بموت أهله، واتخاذ الناس رؤساء جهالاً، فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم، ويُفتون بجهلهم، قال القاضي عياض: وقد وُجد ذلك في زماننا، كما أخبر به ◌َّر، قال الشيخ قطب الدين: قال هذا مع توافر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا، قال العينيّ: قال: هذا مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة، والمحدِّثين الكبار في زمانه، فكيف بزماننا الذي خلت البلاد عنهم، وتصدّر الجهال بالإفتاء، والتعيّن في المجالس، والتدريس في المدارس، فنسأل السلامة والعافية. انتهى(٣). (وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ) ببناء الفعل للفاعل، قال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((ويثبت الجهل إلخ)) هكذا هو في كثير من النسخ: ((يَثْبُت الجهل)) من الثبوت، وفي بعضها: (يُبَثّ)) بضم الياء، وبعدها موحّدة مفتوحة، ثم مثلثة مشدّدة؛ أي: يُنشر، ويَشيع. انتهى (٤). (وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ) ببناء الفعل للمفعول، و((الخمر)) في اللغة من التخمير، وهو التغطية، سُمّيت به؛ لأنها تُغَطي العقل، ومنه الخمار للمرأة، وفي ((العباب)): يقال: خَمْرَةٌ، وخَمْرٌ، وخُمُور، مثال تَمْرة، وتَمْر، وتمور، ويقال: (١) ((فيض القدير)) ٢/ ٥٣٢. (٢) هو الحديث الآتي لمسلم في هذا الباب. (٣) ((عمدة القاري)) ٨٢/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/١٦. ٦١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم خمرة صِرْفٌ، وفي الحديث: الخمرة ما خامر العقل، وقال ابن الأعرابيّ: سمّيت الخمرة خمراً؛ لأنها تُركت، فاختمرت، واختمارها: تغيير ريحها(١). (وَيَظْهَرَ الزِّنَا)))؛ أي: يفشو، وينتشر، وفي الرواية التالية: ((ويفشو الزنا))، والزنا يُمَدّ، ويُقصر، والقصر لأهل الحجاز، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ اُلزِّفَ﴾ [الإسراء: ٣٢]، والمدّ لأهل نجد، وقد زَنَى يَزني، وهو من النواقص هـ اليائية، والنسبة إلى المقصور زَنَويّ، وإلى المدود زَنائيّ(٢)، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، لَا يُحَدِّثْكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعَهُ مِنْهُ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُندار العبديّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. و((أنس بن مالك (﴿ته)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه (١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٨٢/٢. ٦١٩ (٥) - بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ، وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - حديث رقم (٦٧٦٢) أنس رُبه من المكثرين السبعة، والمشهور بخدمة النبيّ وَّ، فنال بذلك دعوته المباركة، فكَثُر ماله، وأولاده، وطال عمره، بحيث جاوز المائة، وهو آخر من مات من الصحابة ته بالبصرة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبه؛ أنه (قَالَ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمخاطب تنبيهاً له، وإزالةً لغفلته. (أُحَدِّئُكُمْ حَدِيثاً)، وقوله: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) جملة في محلّ نصب صفة لـ«حديثاً))، وقوله: (لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ) جملة من الفعل والمفعول والفاعل، في محل النصب، على أنها صفة لقوله: ((حديثاً))، وقوله: (بَعْدِي) ظرف متعلّق بصفة ((أحدٌ))، وفي رواية ابن أبي عروبة عن قتادة الآتية: ((لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي))، وفي رواية البخاريّ: ((لا يحدثكم به غيري))، وفي رواية أبي عوانة: ((لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله (وَل﴿ بعدي))(١). قال الحافظ تَُّ: عَرَف أنس به أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله * غيره؛ لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة مه، فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو كان عامّاً، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبيّ وَّ إلا النادر، ممن لم يكن هذا المتن من مرویّه. وقال ابن بطال تَخْذُ: يَحْتَمِل أنه قال ذلك لَمّا رأى من التغيير، ونقص العلم؛ يعني: فاقتضى ذلك عنده أنه لفساد الحال، لا يحدثهم أحد بالحقّ، قال الحافظ: والأول أَولى. انتهى(٢). وقوله: (سَمِعَهُ مِنْهُ) وَلِّ، صفة بعد صفة لـ((أحدٌ))، أو حال، ووقع في بعض النسخ: ((سمعت منه))، وعليه فالجملة مستأنفة لبيان الحديث. ((إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، وقوله: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) خبر مقدّم (١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٤. (٢) ((الفتح)) ٣١٤/١، كتاب ((العلم)) رقم (٨١). ٦٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم لقوله: (أَنْ يُرْفَعَ) بضمّ أوله، مبنيّاً للمفعول، والنائب قوله: (الْعِلْمُ) وقَبْضه: إما بقبض العلماء، وإما بخفضهم عند الأمراء، وفي رواية للبخاريّ: ((أن يقلّ العلم)) وهو بكسر القاف من القلّة، قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون المراد بقلّته أول العلامة، وبرفعه آخرها، أو أُطلقت القلّة وأريد بها العدم، كما يُطلق العدم، ويراد به القلّة، وهذا ألْيَق؛ لاتحاد المخرج. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَُّهُ: قد بيّن النبيّ ◌ََّ كيفية رَفْع العلم، وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو ◌ّ الذي قال فيه: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ... )) الحديث، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك ووُجد على نحو ما أخبر به وَ*، فكان ذلك دليلاً من أدلّة نبوّته، وخصوصاً في هذه الأزمان؛ إذ قد وَلِيَ المدارس، والفتيا كثير من الجهّال، والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن، غير أنه قد جاء في كتاب الترمذيّ عن جُبير بن نُفير، عن أبي الدرداء، ما يدلّ على أن الذي يُرفع هو العمل، قال أبو الدرداء ◌ُه: كنّا مع النبيّ وَّ، فَشَخَص ببصره إلى السماء، ثم قال: ((هذا أوانٌ يُختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء))، فقال زياد بن لَبيد الأنصاريّ: وكيف يُختلس منّا، وقد قرأنا القران؟ فوالله لنَقرَأنّه، ولَنُقرِئنّه نساءنا، وأبناءنا، فقال: ((ثَكِلتك أمك يا زياد! إن كُنتُ لأعدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة، والإنجيل، عند اليهود، والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟)). قال: فلقيت عُبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئتَ لأحدّثنّك بأول علم يُرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع، فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب(٢)، وقد خرّجه النسائيّ من حديث (١) ((الفتح)) ٣١٤/١، كتاب ((العلم)) رقم (٨١). (٢) وصحَّحه الشيخ الألبانيّ ◌َُّهُ.