Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتُبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٣) ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) العاص ◌ًَّا، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّقُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فمصريّ طائفيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه التحديث، والكتابة، والقول. شرح الحديث: عَنْ أبي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ؛ أنه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بن العاص ﴿َّ (قَالَ: هَجَّرْتُ) بتشديد الجيم؛ أي: بكّرت، وقال القاري: أي: أتيت في الهاجرة؛ أي: الظهيرة، قال المظهر: التهجير السير في الهاجرة، وهي وقت شدة الحرّ، ولعل خروجه في هذا الوقت؛ ليدركه 24* عند خروجه من الحجرة، فلا يفوته شيء من أقواله، وأفعاله، وفيه حثّ على تحمل المشقة، والإسراع إلى المسجد، وطلب العلم(١). (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ يَوْماً)؛ أي: من الأيام، أو التنوين للتعظيم. (قَالَ) عبد الله (فَسَمِعَ)؛ أي: النبيّ وَّرِ (أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ) قال القاري ◌َّهُ: صَرّح الرضيّ بأنه إذا أضيف الجزآن إلى متضمّنيهما، وكان المتضمّنان بلفظ واحد، فلفظ الإفراد في المضاف أولى من لفظ المثنى، ولفظ الجمع فيه أولى من الإفراد، لكن في عدّ الأصوات أجزاء منهما محل نظر، والظاهر أن جمع الأصوات على حقيقته، فإن كل حرف من كلمات الرجلين صوت معتمد على مخرجه، وفي (تفسير الجلالين)) عند قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أطلق قلوب على قلبين، ولم يعبّر به؛ لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة. انتهى (٢). وقوله: (اخْتَلَفَا) صفة لـ((رجلين))؛ أي: تنازعا، واختصما (فِي آيَةٍ)؛ أي: في معنى آية متشابهة، ويَحْتَمِل أن يكون اختلافهما في لفظها اختلافَ قراءة، (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٩/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٩/٢. ٥٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم (فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وََّ) وقوله: (يُعْرَفُ) بالبناء للمجهول جملة حاليّة من ((رسول الله))، (فِي وَجْهِهِ) متعلّق بـ((يُعرف))، وقوله: (الْغَضَبُ) مرفوع على أنه نائب الفاعل، وكان ◌َّله لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب الله ◌ُعَلَ، فيشتد به ذلك الغضب، حتى يُرَى أثره من حمرة اللون ونحوها في وجهه الكريم، (فَقَالَ) بَّهِ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من الأمم اليهود، والنصارى؛ أي: تسببوا في إهلاك أنفسهم بالكفر، والابتداع، (بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ)))؛ أي: الكتب المنزلة على أنبيائهم، فكفَر بعضهم بكتاب بعض، فهلكوا، فلا تختلفوا أنتم في الكتاب، وأراد بالاختلاف: ما أوقع في شكّ، أو شبهة، أو فتنة، أو شحناء، أو نحوها(١). وقال المناويّ تَخْتُ: يعني: أن الأمم السابقة اختلفوا في الكتب المنزلة، فكفَرَ بعضهم بكتاب بعض، فهلكوا، فلا تختلفوا أنتم في هذا الكتاب، والمراد بالاختلاف: ما أوقع في شكّ، أو شبهة، أو فتنة، أو شحناء، ونحو ذلك، لا الاختلاف في وجوه المعاني، واستنباط الأحكام، والمناظرة لإظهار الحقّ، فإنه مأمور به؛ فضلاً عن كونه منهيّاً عنه، قال الحرانيّ: والاختلاف انتقال من الخلاف، وهو تقابل بين اثنين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه. (٢) . انتھی وقال النوويّ كَّلُهُ: المراد بهلاك من قبلنا هنا: هلاكهم في الدِّين بكفرهم، وابتداعهم، فحذّر رسول الله وَّ من مِثل فِعلهم، والأمرُ بالقيام عند الاختلاف في القرآن - أي: في الحديث التالي - محمول عند العلماء على اختلاف لا يجوز، أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز، كاختلاف في نفس القرآن، أو في معنى منه، لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو اختلاف يوقع في شكّ، أو شبهة، أو فتنة، وخصومة، أو شجار، ونحو ذلك، وأما الاختلاف في استنباط فروع الدِّين منه، ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة، وإظهار الحقّ، واختلافهم في ذلك، فليس منهيّاً عنه، بل هو مأمور به، وفضيلة ظاهرة، وقد (١) ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) ٣٦٤/١. (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) ٥/٣. ٥٨٣ (١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتِّبَاعٍ مُتَشَابِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٣) أجمع المسلمون على هذا، من عهد الصحابة ﴿ه إلى الآن، والله تعالى (١) أعلم(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي المصنّف تَخْذَلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٥٣/١] (٢٦٦٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٣/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٢/٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١٦٤/١)، و(أبو بكر الشيباني) في ((الآحاد والمثاني)) (١٠٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٤١٧/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الاختلاف في القرآن الكريم، قال القرطبيّ تَخْلُهُ: هذا الاختلاف لم يكن اختلافاً في القراءة؛ لأنَّه وَّه قد سوّغ أن يُقرأ القرآن على سبعة أحرف، كما تقدَّم، ولم يكن أيضاً في كونها قرآناً؛ لأنَّ ذلك معلوم لهم ضرورةً، ومثل هذا لا يَختلف فيه المسلمون، ولا يُقَرّون عليه؟ فإنَّه كفرٌ، فلم يبق إلا أنه كان اختلافاً في المعنى، ثم تلك الآية يَحْتَمِل أن تكون من المحكمات الظاهرة المعنى، فخالف فيها أحدهما الآخر، إما لقصور فهم، وإما لاحتمال بعيد، فأنكر النبيّ وَ * ذلك؛ إذ قد تَرَك الظاهر الواضح، وعدل إلى ما ليس كذلك. ويَحْتَمِل أن تكون من المتشابه، فتعرّضوا لتأويلها، فأنكر النبيّ وَّ ذلك، فيكون فيه حجَّة لمذهب السّلف في التسليم للمتشابهات، وتَرْك تأويلها. (٢) انتھی . ٢ - (ومنها): شفقة النبيّ وَلّ على أمته، حيث قام بتحذيرهم مما يؤدّي إلى ما هلكت الأمم السابقة بسببه. (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١٦ - ٢١٩. (٢) ((المفهم)) ٦٩٨/٦. ٥٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم ٣ - (ومنها): بيان أن الاختلاف شرّ، لا خير فيه، ولا سيّما في القرآن الكريم، فإنه سبب للهلاك السريع، فالواجب على المسلمين أن يعملوا بما علموا منه، ويكلوا عِلم ما لم يعلموا إلى الله تعال . فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: سمع النبيّ وَّ قوماً يتدارؤون، فقال: ((إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضَرَبوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يُصدِّق بعضه بعضاً، فلا تكذّبوا بعضه ببعض، فما عَلِمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه)). ٤ - (ومنها): أن المطلوب من المسلمين اتحادهم، وكونهم يداً واحدة على من سواهم، فقد أخرج أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان عن عبد الله بن عمرو طيها مرفوعاً: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يَدٌ على من سواهم، يَرُدّ مُشِدّهم على مُضعِفهم، ومُتَسَرِّعهم على قاعدهم ... )) الحديث. وأخرج الشيخان عن النعمان بن بشير ◌ًا قال: قال رسول الله وَله: ((مَثَل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، لفظ مسلم، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٤] (٢٦٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا أَبُو قُدَامَةَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّتِ: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا اقْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو قُدَامَةَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ) الإيادي - بكسر الهمزة، بعدها تحتانية - البصريّ المؤذِّن، صدوق يخطئ(١) [٨]. (١) قال الجامع عفا الله عنه: هكذا في ((التقريب))، والحقّ أنه ضعيف، يُعتبر به، كما يظهر كلام الأئمة فيه في ترجمته بعد، فتنبّه. ٥٨٥ (١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ اتَّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٤) روى عن أبي عمران الجوني، وسعيد الجريري، ومطر الوراق، وغيرهم. وروى عنه أزهر بن القاسم، وزيد بن الحباب، وابن مهدي، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، ومسدد، وطالوت بن عباد، وغيرهم. قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال عمرو بن عليّ عن ابن مهديّ: كان من شيوخنا، وما رأيت إلا جيداً، وقال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وقال النسائيّ: ليس بذاك القويّ، واستشهد به البخاري متابعة في موضوعين، وقال ابن حبان: كان ممن كَثُر وَهَمه، حتى خرج عن جملة من يُحتج بهم إذا انفردوا، وقال الساجيّ: صدوق، عنده مناكير، وقال النسائيّ في ((الجرح والتعديل)): صالح. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٦٦٧)، وحديث (٢٨٣٨): ((إن للمؤمن في الجنّة لخيمةً من لؤلؤة واحدة ... )) الحديث. [تنبيه]: إنما أخرج مسلم للحارث بن عُبيد ما تابعه عليه همّام بن يحيى، وأبان بن يزيد العطّار، فلا يضرّ الكلام المذكور فيه آنفاً، ولكن كان الأَولى له تقديم روايتيهما على روايته؛ لكونهما ثقتين، بخلافه، كما وعد بذلك في مقدمة كتابه، حيث قال: ((فإذا نحن تقصّينا أخبار هذا الصنف من الناس - يعني: الطبقة الأُولى من أهل الحفظ والإتقان - أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدَّم قبلهم)) إلى آخر كلامه، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيب الْجَوْنيّ البصري، المذكور في السند الماضي. ٤ - (جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جندب - بضم أوله، والدالُ تُفتح، وتضمّ - ابن عبد الله بن سفيان الْبَجَليّ، ثم الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وربما نُسب إلى جده، صحابيّ مشهور، مات ◌َظُه بعد الستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣. ٥٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَحْذَلُ . شرح الحديث: (عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ) - بفتحتين -: نسبة إلى قبيلة بَجِيلة، وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة، قاله في ((اللباب)) (١). (قَالَ) جندب ◌َُّه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ)؛ يعني: اقرؤوه على نشاط منكم، وخواطركم مجموعة، فإذا حصل لكم ملالة، فاتركوه، فإنه أعظم من أن يقرأه أحد من غير حضور القلب، يقال: قام بالأمر: إذا جدّ فيه، وداوم عليه، وقام عن الأمر: إذا تركه، وتجاوز عنه، كذا فسَّره الطيبيّ كَُّ(٢). وقال الكرمانيّ: الظاهر أن المراد: اقرؤوا القرآن ما دام بين أصحاب القراءة ائتلاف، فإذا حصل اختلاف فقوموا عنه، وقال ابن الجوزيّ: كان اختلاف الصحابة يقع في القراآت، واللغات، فأُمروا بالقيام عند الاختلاف؛ لئلا يجحد أحدهم ما يقرأه الآخر، فيكون جاحداً لِمَا أنزل الله عَنْ(٣). (فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ)؛ أي: في فَهْم معانيه، (فَقُومُوا)))؛ أي: تفرقوا؛ لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشرّ، قال عياض: يَحْتَمِل أن يكون النهي خاصّاً بزمنه ولد؛ لئلا يكون ذلك سبباً لنزول ما يسوؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: اقرؤوا، والزموا الائتلاف على ما دلّ عليه، وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ١٢١. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٨١/٥. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٠/ ٦٢. ٥٨٧ (١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتِبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٤) عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله تعالى: ((فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم)). ويَحْتَمِل أنه ينهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء، بأن يتفرقوا عند الاختلاف، ويستمرّ كل منهم على قراءته، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود رَُّّه لمّا وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء، فترافعوا إلى النبيّ وَّه، فقال: ((كلكم مُحْسِنٌ))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله نظـ هذا متّفق عليه. [تنبيه]: أشار البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)) إلى أنه اختلف في هذا الحديث، فقال بعد إخراجه من طريق سلام بن أبي مطيع ما نصّه: تابعه الحارث بن عبيد، وسعيد بن زيد، عن أبي عمران، ولم يرفعه حماد بن سلمة، وأبان، وقال غندر: عن شعبة، عن أبي عمران، سمعت جندياً، قولَهُ، وقال ابن عون: عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر، قولَهُ، وجندب أصحّ، وأكثر. انتهى(١). فقال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه الحارث بن عبيد، وسعيد بن زيد، عن أبي عمران))؛ أي: في رفع الحديث، فأما متابعة الحارث، وهو ابن قُدامة الإياديّ، فَوَصَلها الدارميّ(٢)، عن أبي غَسّان مالك بن إسماعيل، عنه، ولفظه مثل رواية حماد بن زيد. وأما متابعة سعيد بن زيد، وهو أخو حماد بن زيد، فوصلها الحسن بن سفيان في ((مسنده)) من طريق أبي هشام المخزوميّ، عنه، قال: سمعت أبا عمران قال: حدّثنا جندب ... فذكر الحديث مرفوعاً، وفي آخره: ((فإذا اختلفتم فیه، فقوموا)). قوله: ((ولم يرفعه حماد بن سلمة، وأبان))؛ يعني: ابن يزيد العطّار، أما (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٩٢٩/٤. (٢) كان الأولى للحافظ أن يعزو هذه الرواية إلى مسلم، فليُتَنّه. ٥٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم رواية حماد بن سلمة فلم تقع لي موصولة، وأما رواية أبان، فوقعت في ((صحيح مسلم)) من طريق حَبّان بن هلال، عنه، ولفظه: قال لنا جندب، ونحن غلمان ... فذكره، لكن مرفوعاً أيضاً، فلعله وقع للمصنف(١) من وجه آخر عنه موقوفاً. قوله: ((وقال غندر عن شعبة عن أبي عمران: سمعت جندباً قولَهُ)) وَصَله الإسماعيليّ من طريق بندار، عن غندر. قوله: ((وقال ابن عون عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قولَهُ)): ابن عون هو: عبد الله البصريّ الإمام المشهور، وهو من أقران أبي عمران، وروايته هذه وَصَلها أبو عبيد، عن معاذ بن معاذ، عنه، وأخرجها النسائيّ من وجه آخر عنه. قوله: ((وجندب أصحّ، وأكثر))؛ أي: أصحّ إسناداً، وأكثر طُرُقاً، وهو كما قال، فإن الجمّ الغفير رووه عن أبي عمران، عن جندب، إلا أنهم اختلفوا عليه في رَفْعه، ووقفه، والذين رفعوه ثقات حفاظ، فالحكم لهم. وأما رواية ابن عون فشاذّة، لم يُتابَع عليها، قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون قط إلا في هذا، والصواب عن جندب. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون ابن عون حفظه، ويكون لأبي عمران فيه شيخ آخر، وإنما توارد الرواة على طريق جندب؛ لعلوّها، والتصريح برفعها، وقد أخرج مسلم من وجه آخر عن أبي عمران هذا حديثاً آخر في المعنى، أخرجه من طريق حماد، عن أبي عمران الجونيّ، عن عبد الله بن رَباح، عن عبد الله بن عَمْرٍو، قال: هَجّرت إلى النبيّ وَّر، فسمع رجلين اختلفا في آية، فخرج يُعرف الغضب في وجهه، فقال: ((إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف في الكتاب))، وهذا مما يُقَوِّي أن يكون لطريق ابن عون أصل، والله أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّن بما سبق أن حديث جُندب بن ـه صحيح مرفوعاً، كما اتّفق عليه الشيخان، فتنبّه، والله تعالى عبد الله أعلم . (١) يعني: البخاريّ. (٢) ((الفتح)) ٣١٠/١١ - ٣١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٦١). ٥٨٩ (١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتَّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٤) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٥٤/١ و٦٧٥٥ و٦٧٥٦] (٢٦٦٧)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٥٠٦٠ و٥٠٦١) و((الاعتصام)) (٧٣٦٤ و٧٣٦٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٣/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٢٨/١٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٢/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢/ ٤٤٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٤٨٧/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٥١٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٣ و٧٥٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٧٤ و١٦٧٥)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (١٤٨/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب قراءة القرآن وقت النشاط، وحضور القلب؛ لأنه بذلك يوجد التدبّر الذي أنزل من أجله القرآن، كما قال الله رَت: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ ﴾ [ص: ٢٩]. ٢٩ إِلَيْكَ مُبَّكٌ لِيَتَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ( ٢ - (ومنها) الأمر بالقيام عن قراءة القرآن، وتَرْكه إذا اختلفت القلوب، ولم يوجد لها حضور. ٣ - (ومنها): النهي عن اختلاف المسلمين في القرآن؛ لأن ذلك يؤدي إلى التفرّق، والتناحر، والتباغض، والتشاجر، وفيه الهلاك الشامل، كما أخبر النبيّ ◌َ* في الحديث الماضي بقوله: ((إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم في الکتاب». قال في ((الفتح)): وفي الحديث: الحضّ على الجماعة والألفة، والتحذير من الفُرقة، والاختلاف، والنهي عن المراء في القرآن بغير حقّ، ومن شرّ ذلك أن تظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي، فيُتوسَّل بالنظر، وتدقيقه إلى تأويلها، وحَمْلها على ذلك الرأي، ويقع اللجاج في ذلك، والمناضلة عليه. انتھی(١). ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَّلُهُ: قوله: ((فإذا اختلفتم فيه فقوموا)): (١) ((الفتح)) ٣١١/١١ - ٣١٢، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٦١). ٥٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم يَحْتَمِل هذا الخلاف أن يُحْمَل على ما قلناه آنفاً، قال القاضي: وقد يكون أمْره بالقيام عند الاختلاف في عصره وزمنه و 9؛ إذ لا وجه للخلاف والتنازع حينئذ، لا في حروفه، ولا في معانيه، وهو رَّ حاضرٌ معهم، فيرجعون إليه في مُشْكِله، ويقطع تنازعهم بتبيانه. قال القرطبيّ: ويظهر لي أن مقصود هذا الحديث: الأمر بالاستمرار في قراءة القرآن، وفي تدبّره، والزجرُ عن كل شيء يقطع عن ذلك، والخلاف فيه في حالة القراءة قاطع عن ذلك في أي شيء كان من حروفه، أو معانيه، والقلب إذا وقع فيه شيء لا يمكن ردّه على الفور، فأمَرهم بالقيام إلى أن تزول تشويشات القلب، ويستفاد هذا من قوله: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم))، فإن القراءة باللسان، والتدبّر بالقلب، فأمَر باستدامة القراءة مُدّة دوام تدبّر القلب، فإذا وقع الخلاف في تلك الحال انصرف اللسان عن القراءة، والقلب عن التدبّر. وعلى هذا فمن أراد أن يتلو القرآن، فلا يبحث عن معانيه في حال قراءته مع غيره، ويُفرد لذلك وقتاً غير وقت القراءة، والله أعلم. والحاصل: أن الباحثين في فهم معاني القرآن يجب عليهم أن يقصدوا ببحثهم التعاونَ على فهمه، واستخراج أحكامه، قاصدين بذلك وجه الله تعالى، ملازمين الأدب والوقار، فإن اتفقت أفهامهم، فقد كَمُلت نعمة الله تعالى عليهم، وإن اختلفت، وظهر لأحدهما خلاف ما ظهر للآخر، وكان ذلك من مثارات الظنون، ومواضع الاجتهاد، فحقّ كل واحد أن يصير إلى ما ظهر له، ولا يُغَرِّب على الآخر، ولا يلومه، ولا يجادله، وهذه حالة الأقوياء والمجتهدين، وأما من لم يكن كذلك فحقّه الرجوع إلى قول الأعلم، فإنَّه عن الغلط أبعدُ وأسلمُ، وأما إن كان ذلك من المسائل العلمية فالصائر إلى خلاف القطع فيها محروم، وخلافه فيها محرّم مذموم، ثم حُكمه على التحقيق: إما التكفير، أو التفسيق. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحثُ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٦٩٩/٦ - ٧٠٠. ٥٩١ (١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتَّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٥ - ٦٧٥٦) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبٍ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا اْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوْسَج المروزيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث التّوريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ - بفتح العين المهملة، وسكون الواو، وكسر الذال المعجمة - أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ رُبّما وَهِم [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: غرض المصنّف من إيراد هذه الرواية، والتي بعدها بيان متابعة همام، وأبان للحارث بن عبيد؛ لأنه مضعّفٌ، كما تقدّم في ترجمته، وقد أشرت سابقاً أنه كان الأولى له أن يقدّم روايتيهما على روايته، فتنبّه. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٦] (.) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا جُنْدَبٌ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ بِالْكُوفَةِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ)). بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسِيّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٢ - (حَبَّانُ) - بفتح الموحّدة - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. ٥٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم ٣ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٥٤٠/١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية أبان بن يزيد عن أبي عمران هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢) - (بَابٌ فِي الأَلَدِّ الْخَصِم) ((الألدّ)): الشديد اللَّدَد؛ أي: الجدال، مُشتقّ من اللَّدِيدَين، وهما صفحتا العنق؛ والمعنى: أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قَوِي، وقيل غير ذلك في معناه، مما سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٧] (٢٦٦٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَاَلِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، تقدّم قريباً . والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ) قال الكرمانيّ كَُّ: الأبغض هو الكافر، فمعنى الحديث: أبغض الرجال الكفّار: الكافر المعاند، أو أبغض الرجال المخاصمين. قال الحافظ تَّتُهُ: والثاني هو المعتمَد، وهو أعمّ من أن يكون كافراً، أو مسلماً، فإن كان كافراً، فأفعل التفضيل في حقّه على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلماً، فسبب ٥٩٣ (٢) - بَابٌ فِي الأَلَدِّ الْخَصِمِ - حديث رقم (٦٧٥٧) البغض أن كثرة المخاصمة تُفضي غالباً إلى ما يُذمّ صاحبه، أو يخصّ في حقّ المسلمين بمن يُخاصم في باطل، ويشهد للأول حديث: ((كفى بك إثماً أن لا تزال مخاصماً))، أخرجه الطبرانيّ، عن أبي أمامة بسند ضعيف، وورد الترغيب في ترك المخاصمة، فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة رَظ ◌ُّه، رفعه: ((أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنّة لمن ترك المراء، وإن كان محقّاً))، وله شاهد عند الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل ظه، و((الربض)) - بفتح الراء، والموحّدة، بعدها ضاد معجمة: الأسفل. انتهى (١). (إِلَى اللهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ») بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة: فسَّره البخاريّ: بأنه الدائم الخصومة. وقال ابن المنيّر كَثُهُ: ((الألدّ)): مشتقّ من اللدد، وهو الاعوجاج والانحراف عن الحقّ، وأصله من اللديد، وهو جانب الوادي، ويُطلق على جانب الفم، ومنه ((اللدود))، وهو صبّ الدواء منحرفاً عن وسط الفم إلى جانبه. انتھی(٢). وقال النوويّ كَّثُهُ: ((الألد الخصم)) - هو بفتح الخاء، وكسر الصاد - و((الألدّ)): شديد الخصومة، مأخوذ من لديدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتُجّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما ((الخصم)): فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حقّ، أو إثبات باطل. (٣) انتھی(٣). وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَّهُ: ((الألد الخصم)): الرواية ((الْخَضْمُ)) - بسكون الصاد - وقد قيّده بعضهم بكسرها، وكلاهما اسم للمخاصم، غير أن الذي بالسكون هو مصدر في الأصل، وُضع موضع الاسم، ولذلك يكون في المذكّر والمؤنّث، والتثنية، والجمع بلفظ واحد في الأكثر، ومن العرب من يُثنّيه، ويَجمعه؛ لأنه يَذهب به مذهب الاسم، وقد جاءت اللغتان في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ تَوَّرُواْ (١) ((الفتح)) ١٨/١٧، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٨٨). (٢) ((الفتح)» ١٨/١٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/١٦. ٥٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم [ص: ٢١] ثم قال: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. فأما المِحْرَابَ الذي بالكسر، فهو الشديد الخصومة. و((الألدّ)): هو الشديد الخصومة، مأخوذ من اللديدَين، وهما جانبا الوادي؛ لأنه كلما أُخذ عليه جانب أخذ في جانب آخر، وقيل: لإعماله لَديدَيه، وهو صفحتا عنقه عند خصومته. وكان حكم ((الألدّ)) أن يكون تابعاً للـ((خصم))؛ لأن ((الألدّ)) صفة، و((الخصم)) اسم، لكن لمّا كان الخصم مصدراً في الأصل، وكان ((الألدّ)) صفة مشهورة عُكس الأمر، فجُعل التابع متبوعاً، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿وَغَرَِبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وإنما يُقال: أسود غِرْبيب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة غيّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧٥٧/٢] (٢٦٦٨)، و(البخاريّ) في ((المظالم والغصب)) (٢٤٥٧) و((التفسير)) (٤٥٢٣) و((الأحكام)) (٧١٨٨)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٧٦)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٤٢٥) وفي ((الكبرى)) (٥٩٨٧ و١١٠٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٧٥ و٢٣٨٢٢ و٢٥١٧٦)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٦٥٣/٣)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٣٢/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٦٩٧)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٢٠٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٨/١٠) وفي ((شُعَب الإيمان)) (٣٤٠/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٤٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ذمّ شدّة الخصومة، والمراد به: الخصومة في دفع الحقّ، أو إثبات الباطل، كما سبق في كلام النوويّ رَّتُهُ، وهو الذي جاءت النصوص في ذمّه، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وصححه، وابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَله: ((ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه، إلا أوتوا (١) ((المفهم)) ٦ /٦٨٩ - ٦٩٠. ٥٩٥ (٢) - بَابٌ فِي الأَلَدِّ الْخَصِمِ - حديث رقم (٦٧٥٧) ج الجدل))، ثم تلا تلك الآية: ﴿مَا ضَرَيُّوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨](١). ٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تخذلهُ: هذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، وردّه بالأوجه الفاسدة، والشُّبَهِ الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله وَّه وسَلَف أمته إلى طُرُق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية، تَرِد بسببها على الآخذ فيها شُبَهٌ، ربما يَعجَز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالاً عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حَلِّها، وكم من منفصل عنها لا يُدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعاً من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ، ولا الأطفال، لَمّا بحثوا عن تَحَيُّز الجواهر، والألوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي الذات أو غيرها؟، وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟، وعلى الثاني: هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟، وكيف تعلَّق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثاً؟، ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلاً، هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة ﴿ه، ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لِعِلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تُعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حدّ تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه، مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يُدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز. (١) حسَّنه الشيخ الألبانيّ كَّفُهُ. ٥٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزّه عن الشبيه، مقدَّس عن النظير، متصف بصفات الكمال. ثم متى ثبت النقل، وأخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه، وأسمائه قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ، وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين، ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه غَرَضاً للخصومات، أكثر الشغل، والدِّين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا تمكّن زائغ القلب من أذنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دِين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر، والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبداً، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر، وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلّبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحِكَم التي استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال، إلا أن النبيّ وَّل قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خرّجه الترمذيّ: ((ما ضلّ قوم بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل))، وقال: إنه صحيح. قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لَطَف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، ٥٩٧ (٢) - بَابٌ فِي الأَلَدُّ الْخَصِمِ - حديث رقم (٦٧٥٧) فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت٤٧٨هـ)، فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام، وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهرباً من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ. وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به. وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب. وهذا الشهرستاني، صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) وَصَف حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله: وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعِ سِنَّ نَادِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّ وَاضِعاً كَفَّ حَائِرٍ ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز. قال القرطبيّ: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقاً بالذمّ، وجديراً بالذِّكر: [إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر. [والثانية]: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره: أباه، وأسلافه، حتى لقد أورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك، وأسلافك، وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع عليَّ بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلّمين ما على من قال بهما، ٥٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم بطريق من النظر والاستدلال؛ بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطَّئون، الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير من قال: إن الشكّ في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة، والمسلمين كفّار، فهو كافر شرعاً، أو مُختلّ العقل وضعاً، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين، وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ ◌َخُّ في هذا التحقيق، فإنه بحث نفيسٌ أنيس، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: قيل: إن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ. [البقرة: ٢٠٤] فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ هو الأخنس بن شَرِيق، وكان رجلاً حلو المنطق، إذا لقي رسول الله صل * ألان له القول، وادَّعَى أنه يحبه، وأنه مسلم، ويُشهد الله على ما في قلبه؛ أي: يحلف، ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك، ومن الإسلام، فقال الله في حقه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾؛ أي: شديد الجدال، والخصومة، والعداوة للمسلمين، والألد أفعل التفضيل، من اللدد، وهو شدة الخصومة، والخصام المخاصمة، وإضافة الألد بمعنى ((في))، أو يُجعل الخصام ألدّ على المبالغة، وقيل: الخصام جمع خصم، كصعب وصعاب، بمعنى: هو أشدّ الخصوم خصومة، قاله في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((المفهم)) ٦٩٠/٦ - ٦٩٤، ببعض تغيير من ((الفتح)). (٢) ((عمدة القاري)) ١١٤/١٨. ٥٩٩ (٣) - بَابُ اتَّبَاعِ سُنَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى - حديث رقم (٦٧٥٨) (٣) - (بَابُ اتَّبَاعِ سُنَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٨] (٢٦٦٩) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَتَشَبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبِّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ - بالضم - أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ رُبّما وَهِم [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، وأبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة ◌ِوثنا، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك ◌ًّا، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من زيد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد من المكثرين السبعة. ضعيه شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((لَتَتَّبِعُنَّ) بمثناتين مفتوحتين، ثم موحّدة مكسورة، وعين مهملة مضمومة، ونون ثقيلة، ٦٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم وأصله تتّبعون. (سَنَنَ) بالسين المهملة، والنون، بعدها نون أخرى؛ أي: طريق، وقال في ((العمدة)): ((السنن)) بفتح السين: السبيل والمنهاج، وقال الكرمانيّ: ويروى بالضم(١). وقال النوويّ كَّثُ: ((السنن)) بفتح السين، والنون، وهو الطريق، والمراد بالشبر، والذراع، وجُحْر الضبّ: التمثيل بشدّة الموافقة لهم، والمراد: الموافقة في المعاصي، والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله وَ﴾، فقد وقع ما أخبر به وَله. انتهى(٢). وقال الطيبيّ تَخْتُ: ((السُّنَن)) جمع سُنّة، وهي الطريقة حسنةً كانت أو سيّئةً، والمراد بها هنا: طريقة أهل الأهواء والبِدَع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم، من تغيير دِينهم، وتحريف كتابهم، كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. انتهى (٣). وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((لتتبعن سنن الذين من قبلكم)) قيَّدناه ((سَنَن)) بفتح السين، وهو الطريق، وبضمّها، وهو جمع سنّة، وهي الطريقة المسلوكة، وذِكر الشبر، والذراع، والْحُجْر أمثال تفيدُ أن هذه الأمة يطرأ عليها من الابتداع، والاختلاف، مثل الذي كان وقع لبني إسرائيل، وقد رَوَى الترمذيّ هذا المعنى بأوضح من هذا، فقال: ((ليأتينّ على أمي ما أتى على بني إسرائيل، حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرّقت على ثنتين وسبعين ملّةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، كلها في النار، إلا واحدة))، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي))(٤)، خرّجه من حديث عبد الله بن عمر ﴿بًا، وقد رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان، وقال: ((اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة))(٥)؛ يعني: جماعة أصحابي، ومن (١) ((عمدة القاري)) ٤٣/١٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/١٦ - ٢٢٠. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٩٠/١١. (٤) حديث حسنٌ، رواه الترمذي برقم (٢٦٤١). (٥) حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (٤٥٩٦).