Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتُبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
ءَمَنَّا بِهِ﴾ وصله عبد بن حميد أيضاً عن مجاهد في قوله: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِىِ الْمِلْمِ﴾
يعلمون تأويله، ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ وعن قتادة قال: قال الراسخون كما
يسمعون: آمنا به، كل من عند ربنا، المتشابه والمحكم، فآمنوا بمتشابهه،
وعملوا بمحكمه فأصابوا .
قال الحافظ: وهذا الذي ذهب إليه مجاهد من تفسير الآية، يقتضي أن
تكون الواو في ﴿وَالرَّسِخُونَ﴾ عاطفة على معمول الاستثناء. وقد رَوَى عبد الرزاق
بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ((وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول
الراسخون في العلم آمنا به))، فهذا يدل على أن الواو للاستئناف؛ لأن هذه
الرواية، وإن لم تثبت بها القراءة، لكن أقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد
صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدَّم كلامه في ذلك على مَن دونه، ويؤيد ذلك
أن الآية دلت على ذمّ متَبعي المتشابه؛ لِوَصْفهم بالزيغ، وابتغاءِ الفتنة، وصَرَّح
بوِفق ذلك حديثُ الباب، ودلت الآية على مدح الذين فَوّضوا العلم إلى الله،
وسَلّموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب. وحَكَّى الفراء أن في قراءة أُبَيّ بن
كعب مثل ذلك، أعني: ((ويقول الراسخون في العلم آمنا به))(١).
(﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَبٍ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌّ فَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾)؛ أي: ضلال،
وخروج عن الحق إلى الباطل.
وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: ﴿الَّذِينَ﴾ رفع بالابتداء، والخبر: ﴿فَيَتَّعُونَ مَا تَشَلَبَهَ
مِنْهُ﴾ والزيغ: الميل، ومنه: زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال: زاغ
يزيغ: إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاعُوَاْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وهذه
الآية تَعُمُّ كل طائفة من كافر، وزنديق، وجاهل، وصاحب بدعة، وإن كانت
الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله
تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ إن لم يكونوا الحرورية، وأنواع الخوارج فلا
أدري من هم؟. انتهى(٢).
(﴿فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾)؛ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يُمكنُهم
أن يُحَرِّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويُنْزِلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لِمَا يصرفونه،
(١) ((الفتح)) ٩/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣/٤.

٥٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، ولهذا قال الله
تعالى: (﴿أَثِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾)؛ أي: الإضلال لأتباعهم؛ إيهاماً لهم أنهم يحتجون
على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم، لا لهم، كما لو احتجّ النصارى بأن
القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله، وكلمته، ألقاها إلى مريم، وتركوا
الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، وبقوله: ﴿إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمِّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ
[آل عمران: ٥٩]، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْق من
مخلوقات الله، وعَبْد، ورسول من رُسُل الله.
قال الطبريّ كَّلهُ: قيل: إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله وَلقوله
في أمر عيسى. وقيل: في أمر مدّة هذه الأمة، والثاني أولى؛ لأن أمر
عيسى فَلَّهُ قد بيَّنْه الله لنبيِّه وََّ، فهو معلوم لأمته، بخلاف أمر هذه الأمة، فإن
عِلْمه خفيّ عن العباد. ذكره في ((الفتح))(١) .
وقوله تعالى: (﴿وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهُ﴾)؛ أي: تحريفه على ما يريدون، وقال
مقاتل بن حيان والسّدّيّ: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما عواقب الأشياء من
القرآن(٢) .
وقوله: (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ﴾) جملة في محل نصب على الحال؛
أي: والحال أنه لا يعلم تأويل؛ أي: ما هو الحقّ، أو حقيقته إلا الله ﴾.
وقد اختَلَف القرّاء في الوقف ههنا، وسيأتي البحث عنه مستوفى في المسألة
الخامسة، إن شاء الله تعالى.
وقوله: (﴿وَاَلَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾) مبتدأ؛ أي: الثابتون في علم الدين
الکاملون فیه .
قال القرطبيّ كَّثُ: ((الرسوخ)): الثبوت في الشيء، وكلُّ ثابت راسخ،
وأصله في الأَجرام: أن يَرسَخ الجبل والشجر في الأرض، قال الشاعر [من
الطويل]:
(١) ((الفتح)) ٩/ ٧٣.
(٢) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٣٥٢/١ - ٣٥٣.

٥٦٣
(١) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ اتِبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
لِلَيْلَى أَبَتْ آيَاتُهَا أَنْ تَغَيَّرَا
لَقَدْ رَسَخَتْ فِي الصَّدْرِ مِنِّي مَوَدَّةٌ
ورَسَخ الإيمانُ في قلب فلان يَرْسَخ رُسوخاً. وحَكَى بعضهم: رَسَخَ
الغَديرُ: نَضَبَ ماؤه. حكاه ابن فارس، فهو من الأضداد، ورَسَخَ، وَرَضَخَ،
ورَصُنَ، ورَسَبَ كُلُّهُ ثَبَت فيه.
وسئل النبي ◌ّ﴾ عن الراسخين في العلم، فقال: «هو مَن بَرَّت يمينه،
وصَدَق لسانُه، واستقام قلبه))(١).
[فإن قيل]: كيف كان في القرآن متشابه؟، والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؟، فكيف لم يجعله كله
واضحاً؟.
[قيل له]: الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يَظهَر فضلُ العلماء؛ لأنه لو
كان كله واضحاً لم يظهر فضل بعضهم على البعض، وهكذا يفعل من يُصَنِّف
تصنيفاً، يجعل بعضه واضحاً، وبعضه مشكلاً، ويترك لِلْجُثْوَةِ(٢) موضعاً؛ لأنّ
ما هان وجودُه، قَلَّ بهاؤه. انتهى كلام القرطبيّ(٣) .
وقال في ((المرعاة)): وحكمة وقوع المتشابه فيه: إعلام للعقول بقصورها؛
لتستسلم لبارئها، وتعترف بعجزها، وتَسلَم من العجب والغرور والتكبر
والتعزّز. انتهى.
وقوله: (﴿يَقُولُونَ﴾) خبر المبتدأ، (﴿مَامَنَّا بِهِ﴾)؛ أي: بالمتشابه،
﴾) من المتشابه والمحكم، (﴿مِّنْ عِنْدِ رَيِّنَا﴾)؛
ووكَلنا عِلمه إلى عالمه، (
أي: نزل من عنده، وهو حقّ وصواب.
وقال القرطبيّ: فيه ضمير عائد على كتاب الله محكمه ومتشابهه،
والتقدير: كله من عند ربنا، وحذف الضمير لدلالة ((كلّ)) عليه، إذ هي لفظة
تقتضي الإضافة. انتهى (٤).
(١) أخرجه ابن جرير الطبريّ في ((تفسيره)) ٢٢٣/٥.
(٢) مثلثة الجيم، بعدها ثاء مثلّثة: أصلها الحجارة المجموعة، لكن المراد هنا:
الجماعة.
(٣) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٩/٤.
(٤) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٩/٤.

٥٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
وقوله: ﴿﴿وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾)؛ أي: ذو العقول الخالصة،
وهم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العاملون بمحكمه بما
أرشدهم الله تعالى إليه في هذه الآية الكريمة.
وقال القرطبيّ تَظْتُ: أي: ما يقول هذا، ويؤمن، ويقف حيث وقف،
ويدَعِ اتّباع المتشابه إلا ذو لُبّ، وهو العقل، ولبّ كل شيء خالصُهُ، فلذلك
قيل للعقل: لبّ، و((أولو)) جمع ((ذو)) من غير لفظه. انتهى.
وقال الإمام ابن كثير ◌َّتُهُ: قوله إخباراً عنهم: إنهم ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾؛
أي: المتشابه، ﴿كُلُّ مِّنْ عِنْدِ رَيِّنَا﴾؛ أي: الجميع من المحكم والمتشابه حقّ
وصدق، وكل واحد منهما يُصَدِّق الآخرَ، ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله،
وليس شيء من عند الله بمختلف، ولا متضادّ، كقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانُّ وَلَوْ
كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ أَخْئِلَفًا كَثِيرًا (49﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَرِ﴾؛ أي: إنما يَفْهَم، ويعقل ويتدبر
المعاني على وجهها أولو العقول السليمة، والفُهوم المستقيمة. انتهى(١).
وقال الإمام ابن جرير الطبريّ كَُّ في ((تفسيره)): وأما قوله: ﴿مِنْهُ مَايَتٌ
تُحْكَمَهُ﴾ فإنه يعني: من الكتاب آيات؛ يعني: بالآيات آيات القرآن، وأما
المحكمات فإنهن اللواتي قد أُحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهنّ،
وأدلتهنّ على ما جُعلن أدلة عليه من حلال، وحرام، ووعد، ووعيد، وثواب،
وعقاب، وأمْر، وزجْر، وخبر، ومَثَل، وعظة، وعِبَر، وما أشبه ذلك.
ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهنّ هنّ أم الكتاب؛
يعني بذلك: أنهنّ أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين، والفرائض، والحدود،
وسائر ما بالخلق إليه الحاجة، من أمر دينهم، وما كُلّفوا من الفرائض في
عاجلهم، وآجلهم.
وإنما سمّاهن أمّ الكتاب؛ لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند
الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب تسمي الجامع معظم الشيء أمّاً له، فتسمي راية
القوم التي تجمعهم في العساكر أمّهم، والمدبِّر معظم أمر القرية والبلدة أمها .
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٣٥٥/١.

٥٦٥
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتِّبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
ووَحَّد أم الكتاب، ولم يجمع، فيقول: هن أمهات الكتاب، وقد قال:
هنّ؛ لأنه أراد: جميعُ الآيات المحكمات أمُّ الكتاب، لا أن كل آية منهن أم
الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب لكان لا شكّ قد قيل:
هن أمهات الكتاب.
ونظير قول الله ويت: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ على التأويل الذي قلنا في توحيد
الأم، وهي خبر لِ﴿هُنَّ﴾: قوله تعالى ذكره: ﴿وَحَلْنَا أَبْنَ مَرَْمَ وَأَمَّهُد ◌َايَةٌ﴾
[المؤمنون: ٥٠]، ولم يقل: آيتين؛ لأن معناه: وجعلنا جميعهما آية؛ إذ كان
المعنى واحداً فيما جُعلا فيه للخلق عِبْرةً.
ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده بأنه جُعل للخلق عبرة،
لقيل: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين؛ لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة.
وذلك أن مريم وَلَدت من غير رجل، ونَطَق ابنها، فتكلم في المهد صبيّاً،
فكان في كل واحد منهما للناس آية.
قال: وأما قوله: ﴿مُتَشَبِهَتٌ﴾ فإن معناه: متشابهات في التلاوة،
مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ [البقرة: ٢٥]؛
يعني: في المنظر، مختلفاً في المطعم، وكما قال مخبراً عمن أخبر عنه من بني
إسرائيل أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] يعنون بذلك: تشابه علينا
في الصفة، وإن اختلفت أنواعه.
فتأويل الكلام إذاً: إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في
السماء هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن منه آيات محكمات بالبيان، هنّ
أصل الكتاب الذي عليه عمادك، وعماد أمتك في الدِّين، وإليه مفزعك
ومفزعهم، فيما افترضتُ عليك وعليهم، من شرائع الإسلام، وآيات أخر هنّ
متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعاني. انتهى كلام ابن جرير كَقَّهُ(١).
(قَالَتْ) عائشة رِوَّنَا: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿) وفي رواية ابن ماجه: ((فقال:
يا عائشة)): ((إِذَا رَأَيْتُمُ) بضمير المخاطبين، وإنما عدل إلى الجمع للتنبيه على
أن معرفة هذا لا يخُصّ عائشة ﴿ّ، بل يعمّها وغيرها، وخاطب الغائبين،
(١) (تفسير الطبريّ)) ٣/ ١٧٠ - ١٧٤.

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
وذكّر الضمير للتغليب، ففيه تغليبان متعاكسان، فليُتَأَمّل. قاله السنديّ تَّتُهُ.
وفي رواية البخاريّ: ((فإذا رأيتٍ)) بتاء المخاطب، والخطاب لكل من
يتأتّى له الخطاب، ولذا أتى بضمير الجمع في قوله: ((فاحذروهم))، ويَحْتَمِل أن
يكون بتاء المخاطبة، والخطاب لعائشة رضيّا، ويكون قوله: ((فاحذروهم)) على
أسلوب قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]؛ لأنها أم
المؤمنين؛ بياناً لشرفها، وغزارة علمها، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا
فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهاراً لتقدّمه، واعتباراً لترؤسه. قاله الطيبيّ(١).
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)؛ أي: من الكتاب، (فَأُولَئِكَ) يَحْتَمِل أن
يكون بفتح الكاف خطاباً لكلّ من يتأتى الخطاب، أو بكسرها خطاباً
لعائشة رضيّا، وفي رواية ابن ماجه: ((إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين
عناهم الله)). (الَّذِينَ سَمَّى اللهُ) وفي نسخة: ((سمّاهم الله))؛ أي: في قوله مثل:
﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، (فَاحْذَرُوهُمْ)))؛ أي: لا تجالسوهم، ولا تكالموهم
أيها المسلمون، فإنهم أهل البدعة، فيحقّ لهم الإهانة. وقيل: أمْر بالحذر منهم
احترازاً عن الوقوع في عقيدتهم، فالمقصود: التحذير من الإصغاء إليهم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فاحذروهم)): في رواية الكشميهني:
((فاحذرهم)) بالإفراد، والأولى أولى، والمراد: التحذير من الإصغاء إلى الذين
يتبعون المتشابه من القرآن، وأول ما ظهر ذلك من اليهود - كما ذكره ابن
إسحاق ــ في تأويلهم الحروف المقطعة، وأنّ عَدَدَها بالْجُمَّل مقدار مدّة هذه
الأمة، ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج، حتى جاء عن ابن عباس ظـ
أنه فسّر بهم الآية، وقصة عمر في إنكاره على صَبِيغ(٢) لَمّا بلغه أنه يتّبع
المتشابه، فضربه على رأسه حتى أدماه. أخرجها الدارميّ وغيره.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦١٩/٢.
(٢) (صَبيغ)) بوزن أمير، كما ضبطه في ((القاموس))، وهو ابن عِسْل بكسر العين،
وسكون السين المهملتين، كان يُعنّتُ الناس بالغوامض والسؤالات، منْ مُتَشَابِهِ
القُرْآن، فنفاه عمر ◌َُّه إلى البصرة بَعْدَ ضَرْبِهِ، وكتبَ إلى والِيها ألا يُؤْوِيَهُ تَأْدِيباً،
ونَهى عنْ مُجَالَسَتِهِ. انتهى. (تاج العروس)) ص ٥٦٧٧.

٥٦٧
(١) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ اتِّبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
وقال الخطابيّ تَخُّْ: المتشابه على ضربين: أحدهما: ما إذا رُدَّ إلى
الْمُحْكَم، واعتُبِر به عُرِف معناه، والآخر: ما لا سبيل إلى الوقوف على
حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ، فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه،
فيرتابون فيه، فيُفْتَنون. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قد اختُلف في إسناد هذا الحديث، قال: فأخرجه الشيخان من
طريق يزيد بن إبراهيم التستريّ، عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد، عن
عائشة طوّ، وأخرجه ابن ماجه من طريق أيوب السختيانيّ، عن ابن أبي
ملیکة، عنها .
ء
قال في ((الفتح)): قد سمع ابن أبي مليكة من عائشة كثيراً، وكثيراً أيضاً ما
يُدخل بينها وبينه واسطة، وقد اختُلف عليه في هذا الحديث، فأخرجه الترمذيّ
من طريق أبي عامر الْجَزّار عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ومن طريق يزيد بن
إبراهيم، كما في الباب - يعني: رواية الشيخين - بزيادة القاسم، ثم قال: روى
غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ولم يذكروا القاسم،
وإنما ذَكره يزيد بن إبراهيم. انتهى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي
الوليد الطيالسيّ، عن يزيد بن إبراهيم، وحماد بن سلمة جميعاً، عن ابن أبي
مليكة، عن القاسم، فلم ينفرد يزيد بزيادة القاسم، وممن رواه عن ابن أبي
مليكة بغير ذِكر القاسم: أيوبُ، أخرجه ابن ماجه من طريقه، ونافعُ بن عمر،
وابن جريج، وغيرهما. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٧٥٢] (٢٦٦٥)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٦]
٤٢ و٤٥٤٧) وفي ((خلق أفعال العباد)) (٣٠)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٥٩٨)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٩٣)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٤٧/٧)،
(١) ((الفتح)) ٩/ ٧٤ - ٧٥.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٧٣.

البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
٥٦٨
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٨/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٧)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٧٣، و٧٦)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٥١٥ و٢٥١٦
و٢٥١٧ و٢٥١٨)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٦٦٠٧ و٦٦٠٩)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (١٦٤/٥ و٢٤٤/٦)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٩/١)،
و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوة)) (٥٥٤٥/٦) وفي ((الاعتقاد)) (١١٨/١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النبيّ ◌َ ل﴿ لمعنى هذه الآية الكريمة؛ لأن الله نُعَلَ وكَلَ
إليه بيان معاني القرآن لأمته، حيث قال ريّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ
مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: في الحديث التحذير من مخالطة أهل
الزيغ، وأهل البِدَع، ومن يتّبع المشكلات للفتنة، فأما من سأل عما أشكل عليه
للاسترشاد، وتلطّف في ذلك، فلا بأس به، وجوابه واجب، وأما الأول فلا
يُجاب، بل يُزجرُ، ويُعزّر كما عزّر عمر بن الخطّاب ◌َظُهُ صَبِيغَ بن عِسْل حين
کان یتبع المتشابه. انتهى.
٣ - (ومنها): أن في ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾
تعريض بالزائغين، ومَدْح للراسخين؛ يعني: من لم يتذكّر، ويَتّعِظ، ويتبع هواه،
ليس من أولي الألباب، ومن ثَمَّ قال الراسخون: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
﴾ [آل عمران: ٨] خَضَعوا لباريهم؛
لاستنزال العلم اللدني، واستعاذوا به من الزيغ النفساني. قاله الطيبيّ (١).
٤ - (ومنها): ما قال بعضهم: دلت الآية على أن بعض القرآن محكم،
وبعضه متشابه، ولا يعارض ذلك قوله : ﴿أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾ [هود: ١]، ولا
قوله: ﴿َكِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣] حتى زعم بعضهم أن كله محكم،
وعكس آخرون؛ لأنّ المراد بالإحكام في قوله: ﴿أُعْكِمَتْ﴾ الإتقان في النظم،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٢٠/٢.

٥٦٩
(١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ اتِّبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
وأن كلها حقٌّ من عند الله، والمراد بالمتشابه: كونه يُشبه بعضه بعضاً في حسن
السياق والنظم أيضاً، وليس المراد: اشتباه معناه على سامعه.
وحاصل الجواب: أن المحكم وَرَدَ بإزاء معنيين، والمتشابه ورد بإزاء
معنیین. انتهى(١).
٥ - (ومنها): ما قال بعضهم: العقل مُبْتَلىّ باعتقاد حقيقة المتشابه،
كابتلاء البدن بأداء العبادة، فالحكيم إذا صَنّف كتاباً أجمل فيه أحياناً؛ ليكون
موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملِك يتخذ علامة يمتاز بها من يُطلِعه على
سر. وقيل: لو لم يُبْتَلَ العقلُ الذي هو أشرف البدن لاستمر العَالِم في أُبَّهَة
العلم على التمرد، فبذلك يَستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو
موضع خضوع العقول لباريها؛ استسلاماً واعترافاً بقصورها. ذكره في
((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالمحكم
والمتشابه :
قال العلامة أبو عبد الله القرطبيّ كَُّ في ((تفسيره)): اختَلَف العلماء في
المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال جابر بن عبد الله - وهو مقتضى
قول الشعبيّ، وسفيان الثوريّ، وغيرهم -: المحكمات من آي القرآن ما عُرِف
تأويله، وفُهِم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما
استأثر الله تعالى بعلمه دون خَلْقه. قال بعضهم: ذلك مثلُ وقت قيام الساعة،
وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.
قال القرطبيّ: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقال الربيع بن خيثم:
إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء.
وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها.
وقال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص؛ لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط.
وقد قيل: القرآن كله محكم؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَكُ أُعْكِمَتْ ءَتُهُ﴾. وقيل: كلّه
متشابه؛ لقوله: ﴿كِنَبًا مُتَشَبِهَا﴾.
(١) ((الفتح)) ٧٤/٩.
(٢) ٩/ ٧٤.

٥٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
وهذا - كما قال القرطبيّ - ليس في معنى الآية في شيء، فإن قوله تعالى:
﴿كِنَبْ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾؛ أي: في النظم والرَّصف، وأنه حقّ من عند الله. ومعنى
﴿كِنَبًا مُتَشَبِهَا﴾؛ أي: يُشبه بعضه بعضاً، ويُصَدِّق بعضه بعضاً، وليس المراد
بقوله: ﴿مَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَِهَةٌّ﴾ هذا المعنى، وإنما المتشابه
في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾؛
أي: التبس علينا؛ أي: يَحتمل أنواعاً كثيرة من البقر. والمراد بالمحكم ما في
مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه، ولا يَحتمل إلا وجهاً واحداً. وقيل: إن
المتشابه: ما يحتمل وجوهاً، ثُمّ إذا ردّت الوجوه إلى وجه واحد، وأُبطل الباقي
صار المتشابه محكماً، فالمحكم أبداً أصلٌ تُرَدُّ إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع.
وقال ابن عباس رضيّ: المحكمات هو قوله في ((سورة الأنعام)): ﴿قُلْ
تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات، وقوله
في ((بني إسرائيل)): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [الإسراء:
٢٣]، قال ابنُ عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات. وقال ابن عباس
أيضاً: المحكمات: ناسخه وحرامه وفرائضه وما يُؤمَن به ويعمل به،
والمتشابه: المنسوخات ومقدَّمه ومؤخَّره وأمثاله وأقسامه، وما يؤمَن به، ولا
يعمل به. وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات:
المنسوخات، وقاله قتادة والربيع والضحاك.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيها حُجّة الرب،
وعِصْمَةُ العباد، ودَفع الْخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما
وُضِعْنَ عليه، والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل، ابْتَلَى اللهُ فيهن
العباد. وقاله مجاهد، وابنُ إسحاق.
قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسنُ
ما قيل في المحكمات والمتشابهات: أن المحكمات ما كان قائماً بنفسه، لا
يَحتاج أن يُرجَع فيه إلى غيره، نحوُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌّ
[الإخلاص: ٤]، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، والمتشابهات نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] يُرجَع فيه إلى قوله جل وعلا: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ
تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، وإلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].

٥٧١
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتَّاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
قال القرطبيّ: ما قاله النحاس يُبَيِّن ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري
على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أُحكِم، والإحكامُ:
الإتقانُ، ولا شك في أنّ ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما
يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، وإتقان تركيبه، ومتى اختل أحد الأمرين
جاء التشابه والإشكال. والله أعلم.
وقال ابن خويزِ مَنْدَاد: للمتشابه وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختَلَفَ
فيه العلماء: أيُّ الآيتين نسخت الأخرى، كقول عليّ وابن عباس ﴿ه في
الحامل المتوفى عنها زوجها: تَعْتَدُّ أقصى الأجلين، فكان عمر وزيد بن ثابت
· يقولون: وَضْع الحمل، ويقولون: سورة النساء
وابن مسعود وغيرهم .
القُصْرَى نَسَخت أربعةً أشهُر وعشراً، وكان عليّ وابن عباس يقولان: لم تُنسخ.
وكاختلافهم في الوصية للوارث، هل نُسخت أم لم تنسخ؟ وكتعارض الآيتين
أيُّهما أَولى أن تُقَدَّم إذا لم يُعرَف النسخ، ولم توجد شرائطه، كقوله تعالى:
﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتضِي الجمع بين الأقارب من مِلك
اليمين، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهُ﴾
[النساء: ٢٣] يمنع ذلك. ومنه أيضاً تعارض الأخبار عن النبي ◌َّ، وتعارض
الأقيسة، فذلك المتشابه، وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين، ويكون
الاسم مُحْتَمِلاً أو مُجملاً يَحتاج إلى تفسير؛ لأن الواجب منه قَدْر ما يتناوله
الاسم أو جميعه، والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعاً، كما
قرئ: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالفتح والكسر. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َُّهُ(١) .
[تنبيه]: قد اقتصر في ((الفتح)) على ذكر قولين من هذه الأقوال، فقال:
المحكم من القرآن ما وَضَح معناه، والمتشابه نقيضه، وسُمّي المحكم بذلك؛
لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه.
وهذا هو معنى القول الذي رجحه ابن عطيّة.
قال: وقيل: المحكم: ما عُرِف المراد منه، إما بالظهور، وإما بالتأويل،
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٩/٤ - ١٢.

٥٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروفٍ
المقطعة في أوائل السور.
وهذا هو القول الأول الذي استحسنه القرطبيّ.
قال: وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أُخَر غير هذه نحوُ العشرة،
ليس هذا موضع بَسْطها، وما ذكرته أشهرها، وأقربها إلى الصواب. وذكر
الأُستاذ أبو منصور البغداديّ: أن الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعانيّ:
أنه أحسن الأقوال، والمختار على طريقة أهل السُّنَّة، وعلى القول الأول جرى
المتأخرون. انتهى ما في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قال أبو منصور، وابن
السمعاني هو الأرجح، وهو الذي استحسنه العلامة القرطبيّ، والحافظ ابن
كثير(٢)، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ نَّهُ في ((شرح المشكاة)): قد افتقرنا في بيان هذا الحديث
إلى الكشف عن المراد بالمحكم والمتشابه، فيتّضح المحِقُّ من المبطِل من
أبواب التأويل، فنقول ـ وبالله التوفيق -: المراد بالمحكم: ما اتضح معناه،
والمتشابه بخلافه؛ لأن اللفظ الذي يفيد معنىً، إما أن يحتمل غيره أو لا ،
الثاني: النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك المعنى راجحة أو لا،
والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل،
والثاني المؤوّل، فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين
المجمل والمؤول هو المتشابه، هكذا ينبغي أن يقسّم؛ لأنه مل أوقع المحكم
مقابلاً للمتشابه في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ مَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأَخَرُ
مُتَشَبِهَةٌ﴾، وهو ما لم يتّضح معناه، فالواجب أن يُفَسَّر المحكم بما يقابله مما
يتّضح معناه.
ويعضِد ما ذكرنا أسلوبُ الآية، وهو الجمع بين التفريق والتقسيم، وذلك
أنه تعالى لَمّا فَرّق ما جَمَع في معنى الكتاب بأن قال: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ
الْكِنَبٍ وَأَخَرُ مُتَشَِهَّ﴾ أراد أن يُضِيف إلى كُلِّ منهما ما يناسبهما من الحكم،
(١) ((الفتح)) ٧٣/٩.
(٢) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٣٥٣/١.

٥٧٣
(١) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ اتَّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
فقال أوّلاً: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾، وثانياً قال:
﴿وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْرِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ﴾ وكان يُمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم
استقامة فيتّبعون المحكم، لكنه وضع موضع ذلك: ﴿وَالزَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ
ءَمَنَّا﴾، وإنما وَضع ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا﴾ موضع ((يتبعون المحكم)) الإيثار لفظ الرسوخ
في الابتداء؛ لأن الرسوخ في العلم لا يحصل إلا بعد التتبع التام، والاجتهاد
البليغ، فإذا استقام القلب على طريق الرشاد، ورَسَخَ القدمُ في العلم، أفصح
صاحبه النطق بالقول الحق؛ إرشاداً للخلق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم:
﴿رَبََّ لَا تُرْ قُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ شاهداً على أن ﴿وَالَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾ مقابِلٌ
لقوله: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾، وفيه إشارة إلى أنّ الوقف على قوله:
اللَّهُ﴾، والابتداءُ بقوله: ﴿وَالزَّسِخُونَ﴾ وقفٌ تامّ، وإلى أن عِلم بعض المتشابه
مختص بالله تعالى، وأنّ من حاول معرفته، هو الذي أشار إليه في الحديث
بقوله: ((فاحذروهم)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الإمام البخاري تَخّْثُ في ((صحيحه)) عن سعيد بن جبير قال
رجل(٢) لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلف
عليّ، قال: ﴿فَلَّ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَلََّلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال:
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾
(٣)﴾ [الصافات: ٢٧]،
﴿وَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
[النساء: ٤٢]، ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية،
وقال: ﴿أَمِ السَّمَةُ بَنَهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَنَهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فذكر خلق
السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾
إلى ﴿طَآَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء،
قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ﴿عَزِزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]،
فَلَآ
بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، فكأنه كان ثم مضى. فقال - يعني ابن عباس -: ﴿
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦١٨/٢ - ٦١٩.
(٢) قال في ((الفتح)) ٩/ ٥٢٣: كأنّ هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك
رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يُجالس ابن عبّاس بمكة، ويسأله، ويُعارضه.
انتھی.

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق
من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند
ذلك، ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة: ﴿وَأَقْلَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَّةَ لُونَ
»، وأما قوله: ﴿مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلَا يَكْنُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فإن الله يغفر
٢٧
لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالَوا نقول: لم نكن مشركين،
فخُتِم على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عُرِفَ أن الله لا
يُكتَم حديثاً، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحجر: ٢]. وخلق الله الأرض
في يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين، ثم دحا الأرض - أي:
بسطها - ودَحْوُها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار
والآكام وما بينها في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا
[النازعات: ٣٠]، فجُعِلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلِقت
السماء في يومين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦] سَمَّى نفسه ذلك؛ أي: لم يزل
ولا يزال كذلك، فإن الله لم يُرِدْ شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف
عليك القرآن، فإن كلّاً من عند الله. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في قوله ريّ: ﴿وَالزَّسِخُونَ فِي
اُلْعِلْمِ﴾:
قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخْتُ في ((تفسيره)): اختَلَف العلماء في
﴿وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هل هو كلام مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما
قبله، فتكون الواو للجمع؟ فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأن الكلام
تمّ عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ هذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة بن
الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وهو مذهب الكسائيّ، والأخفش،
والفراء، وأبي عبيد، وغيرهم. قال أبو نَهِيك الأسدي: إنكم تَصِلُون هذه
الآية، وإنها مقطوعة، وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم: ﴿َآمَنَّا ◌ِ، كُلٌ
مِنْ عِندِ رَيْنَا﴾، وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبري نحوه عن
يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس.
(١) راجع: ((صحيح البخاريّ)) في ((تفسير حم السجدة)).

٥٧٥
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتِبَاعٍ مُتَشَابِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
و﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا خبرُ ﴿الرَّسِخُونَ﴾.
قال الخطابيّ: وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أَمَرنا بالإيمان به،
والتصديق بما فيه قسمين: محكماً ومتشابهاً، فقال عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ
عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَةٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبٍ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ رَيْنَا﴾، فأَعلَمَ أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه، فلا يَعلَم تأويله
أحد غيره، ثم أثنى الله وَك على الراسخين في العلم بأنهم ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ.﴾،
ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه، ومذهب أكثر العلماء أن
الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّ الَه﴾،
وأن ما بعده استئناف كلام آخر، وهو قوله: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا
◌ِهِ﴾. ورُوي ذلك عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعائشة
وإنما رُوي عن مجاهد أنه نَسَقَ ﴿الرَّسِخُونَ﴾ على ما قبله، وزَعَم أنهم يعلمونه،
واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه: ﴿وَالرَّسِحُونَ فِىِ الْمِلْمِ﴾ يعلمونه قائلين:
آمنًا، وزعم أن موضع ﴿يَقُولُونَ﴾ نَصْبٌ على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه،
ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تُضمِر الفعل والمفعول معاً، ولا تَذكُر حالاً إلا مع
ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حالٌ، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال:
عبد الله راكباً، بمعنى: أقبل عبد الله راكباً، وإنما يجوز ذلك مع ذِكر الفعل،
كقوله: عبد الله يتكلم، يصلح بين الناس، فكان ((يصلح)) حالاً، كقول
الشاعر - أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو عباس ثعلب -:
أَرْسَلْتُ فِيهَا قَطِماً (١) لُكَالِكًا يَقْصُرُ يَمْشِي وَيَطُولُ بَارِكًا
أي: يقصر ماشياً. فكان قوله عامة العلماء، مع مساعدة مذاهب النحويين
له أَولى من قول مجاهد وحده. وأيضاً فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئاً
عن الخلق، ويُثبِته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله رأيك: ﴿قُل
لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿لَا يُحَلِيّهَا لِوَقِهَاَ
إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهٌ﴾ [القصص: ٨٨]،
(١) ((القطم): الغضبان، والمشتهي اللحم وغيره. و((اللكالك)) - بضم اللام الأُولى
وكسر الثانية -: الجمل الضخم.

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه (١)، لا يَشرَكه فيه غيره، كذلك قوله
تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ولو كانت الواو في قوله:
﴿الَّسُِونَ﴾ للنَّسَقِ لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾ فائدة. والله أعلم.
قال القرطبيّ: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره، فقد
رُوي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله رَ، وأنهم داخلون
في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون: آمنا به. وقاله الربيع،
ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد، وغيرهم. و﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا
التأويل نَصْبٌ على الحال من الراسخين، كما قال:
الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهَا وَالْبَرْقُ يَلْمَعُ فِي الْغَمَامَهْ
وهذ البيت يحتمل المعنيين، فيجوز أن يكون ((البرق)) مبتدأ، والخبر
((يلمع)) على التأويل الأول، فيكون مقطوعاً مما قبله، ويجوز أن يكون معطوفاً
على ((الريح))، و((يلمع)) في موضع الحال على التأويل الثاني؛ أي: لا معاً.
واحتج قائلو هذه المقالة أيضاً بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في
العلم، فكيف يَمدحهم، وهم جُهّال؟ وقد قال ابن عباس: أنا ممن يَعلَم
تأويله. وقرأ مجاهد هذه الآية، وقال: أنا ممن يعلم تأويله، حكاه عنه إمام
الحرمين أبو المعالي.
قال القرطبيّ: وقد رَدّ بعضُ العلماء هذا القول إلى القول الأول، فقال:
وتقدير تمام الكلام عند الله أن معناه: وما يعلم تأويله إلا الله؛ يعني: تأويل
المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه، قائلين: آمنا به، كلٌّ من عند
ربنا بما نُصِبَ من الدلائل في المحكم، ومكّن من رَدِّه إليه، فإذا علموا تأويل
بعضه، ولم يعلموا البعض قالوا: آمنا بالجميع، كلٌّ من عند ربنا، وما لم يُحط
به علمنا من الخفايا، مما في شَرْعه الصالح، فعِلمه عند ربنا .
[فإن قال قائل]: قد أشكل على الراسخين بعضُ تفسيره، حتى قال ابن
عباس: لا أدري ما الأوّاه، ولا ما غِسْلِين؟.
[قيل له]: هذا لا يلزم؛ لأن ابن عباس قد عَلِم بعد ذلك، ففسَّر ما وقف عليه.
(١) هكذا نسخة تفسير القرطبيّ: ((بعلمه))، والظاهر أن الصواب ((به))، والله تعالى أعلم.

٥٧٧
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتَّبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَِّعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
وجوابٌ أقطعُ من هذا، وهو أنه سبحانه لم يقل: وكلَّ راسخ، فيجب
هذا، فإذا لم يعلمه أحد عَلِمه الآخر.
ورجح ابن فُورَك أن الراسخين يعلمون التأويل، وأطنب في ذلك، وفي
قوله وَ﴿ لابن عباس: ((اللَّهُمَّ فقِّهه في الدِّين، وعلِّمه التأويل)) ما يبيّن لك
ذلك؛ أي: علّمه معانيَ كتابك، والوقف على هذا يكون عند قوله: ﴿وَالرَّسِحُونَ
فِي الْمِلْمِ﴾، قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر (١): وهو الصحيح، فإن
تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه
جميع من يَفْهَم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما
يَعلم الجميع؟ لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يُعلَم البتة، كأمر الروح
والساعة، مما استأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى عِلمه أحدٌ، لا ابن عباس ولا
غيره.
فمن قال من العلماء الْحُذّاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه،
فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حَمْله على وجوه في اللغة، ومَنَاحِ في
كلام العرب فيُتَأوّل، ويُعلَم تأويله المستقيم، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق
من تأويل غير مستقيم، كقوله في عيسى: ﴿وَرُوٌّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] إلى غير
ذلك، فلا يُسمّى أحدٌ راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قُدِّر
له، وأما من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ، فيستقيم على قوله إدخال
الراسخين في علم التأويل، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا غير صحيح.
انتھی
(٢)
وذكر الحافظ ابن كثير ◌َُّ بعد ذِكر القولين المتقدّمين ما نصّه: من
العلماء من فَصّلَ هذا المقام، قال: التأويل يُطلَق، ويراد به في القرآن معنيان:
أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: حقيقة ما أُخبِروا به من أمر المعاد،
(١) هو شيخه القرطبيّ، صاحب كتاب ((المفهم))، المتوفّى سنة ٦٥٦هـ.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٦/٤ - ١٨.

٥٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور، وكنهها لا
يعلمه على الجلية إلا الله رَ، ويكون قوله: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾ مبتدأ،
و﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ ﴾ خبره.
وأما إن أريد بالتأويل: المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان، والتعبير عن
الشيء، كقوله: ﴿نَبِثْنَا بِتَأْوِيلِ﴾ [يوسف: ٣٦]؛ أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا
المعنى، فالوقف على ﴿وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾؛ لأنهم يعلمون، ويَفْهَمون ما
خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كُنْه ما هي
عليه، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ حالاً منهم، وساغ هذا، وإن
كان من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ
مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَنِنَا﴾ الآية
[الفجر: ٢٢]؛
[الحشر: ٨ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَآءُ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًا (يَا﴾
أي: وجاء الملائكة صفوفاً صفوفاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم عن أبي العباس
القرطبيّ ترجيحه هو الأرجح، فتأمّله بتأنٍّ وإنصاف، والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة): قال أبو عبد الله القرطبيّ: قال شيخنا أبو
العبّاس - يعني: القرطبيّ، صاحب (المفهم)) -:
متّبعو المتشابه لا يخلو أن يتّبعوه، ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن،
وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة، والقرامطة (٢) الطاعنون في القرآن، أو طلباً
لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة، الذين جمعوا ما في الكتاب
والسُّنَّة، مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مُجَسم،
وصورة مصورة، ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع، تعالى الله عن
(١) (تفسير ابن كثير)) ٣٥٥/١.
(٢) ((القرامطة)): فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفُرْس الذين يعتقدون
نبوّة زرادشت ومزدك وماني، وكانوا يُبيحون المحرّمات. راجع: ((عقد الجمان))
للعينيّ في حوادث سنة (٢٧٨ هـ).

٥٧٩
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اتَّبَاعٍ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧٥٢)
ذلك، أو يَتَّبِعوه على جهة إبداء تأويلاتها، وإيضاح معانيها، أو كما فعل صَبِيغ
حين أكثر على عمر فيه السؤال، فهذه أربعة أقسام:
(الأول): لا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل، من غير
استتابة.
(الثاني): الصحيح القول بتكفيرهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين عُبّاد الأصنام
والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلا قُتلوا، كما يُفعل بمن ارتد.
(الثالث): اختلفوا في جواز ذلك؛ بناءً على الخلاف في جواز تأويلها،
وقد عُرِف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها، مع قطعهم باستحالة
ظواهرها، فيقولون: أَمِّرُّوهم كما جاءت.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد أن السلف يقولون باستحالة
ظواهر الصفات، وأنه لا يجوز إثباتها لله تعالى، فهذا غلطً عليهم؛ لأن
مذهبهم إثباتها لله تعالى على ظواهرها كما يليق بجلاله، وإن أراد أنهم يقولون
باستحالة ثبوتها على الكيفية التي ثبتت بها للمخلوق، فهذا مسلَّمُ، ولكن ظاهر
عبارته فيها إيهام، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها، وحَمْلها على ما يصح حَمْله في
اللسان عليها قط بتعيين مجمل منها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب هو المذهب الذي سلكه
الخلف، وخالفوا فيه السلف، وهو مذهب فاسدٌ، وقد بينّا ذلك في غير هذا
الموضع، فتبصّر. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: (الرابع): الحكم فيه الأدبُ البليغ، كما فعله عمر بصَبِيغ. وقال
أبو بكر الأنباريّ: وقد كان الأئمة من السلف، يُعاقبون من يَسأل عن تفسير
الحروف المشكلات في القرآن؛ لأن السائل إن كان يَبْغِي بسؤاله تخليد البدعة،
وإثارة الفتنة، فهو حقيق بالنكير، وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده،
فقد استحق العَتْبَ بما اجترم من الذنب؛ إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك
الوقت سبيلاً إلى أن يَقصِدوا ضَعَفَة المسلمين بالتشكيك والتضليل، في تحريف
القرآن عن مناهج التنزيل، وحقائق التأويل، فمن ذلك: ما حدثنا إسماعيل بن
إسحاق القاضي، أنبأنا سليمان بن حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن

٥٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب العلم
سليمان بن يسار، أن صَبِيغ بن عِسْل (١) قَدِم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه
القرآن، وعن أشياء، فبلغ ذلك عمرَ رَُّه، فبعث إليه عمر فأحضره، وقد أَعَدَّ
له عَراجين من عراجين النخل، فلما حَضَر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا
عبد الله صَبِيغ، فقال عمر ظه: وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه
بعرجون فشجّه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير
المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي، ثم إن الله تعالى ألهمه
التوبة، وقَذَفها في قلبه، فتاب وحَسُنت توبته. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(٢)،
وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧٥٣] (٢٦٦٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحِ
الأَنْصَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْماً، قَالَ:
فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ێِ يُعْرَفُ فِي
وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) الجهضميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب البصريّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاح الأَنْصَارِيُّ) أبو خالد المدنيّ، سكن البصرة، ثقة
[٣] قتلته الأزارقة (م ٤) تقدَّم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٦٢/٥٧.
(١) هو: صبيغ بوزن أمير، ابن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عِسل - بكسر
العين - ابن عمرو بن يربوع التميميّ، وقد يُنسب إلى جده الأعلى، فيقال: صَبيغ بن
عسل. راجع: ((القاموس))، وشرحه في مادّة ((صبغ)) و((عسل)).
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣/٤ - ١٥.