Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٤)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه،
فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ الضُّبَعِيِّ) هو: يزيد الرِّشْك - بكسر الراء، وسكون المعجمة،
بعدها كاف ـ وكنيته أبو الأزهر، وحَكَى الكلاباذيّ أن اسم والده سِنَان، بكسر
المهملة، ونونين، وهو بصريّ تابعيّ، ثقةٌ، قيل: كان كبير اللحية، فلُقِّب
الرِّشْك، وهو بالفارسية كما زعم أبو عليّ الغسانيّ، وجزم به ابن الجوزيّ:
الكبير اللحية، وقال أبو حاتم الرازيّ: كان غَيُوراً، فقيل له: ارشك بالفارسية،
فمضى عليه الرشك، وقال الكرمانيّ: بل الرشك بالفارسية: القمل الصغير
الملتصق بأصول شعر اللحية، وذكر الكلاباذيّ أن الرشك: القسّام، قال
الحافظ: بل كان يزيد يتعانى مساحة الأرض، فقيل له: القَسّام، وكان يُلَقَّب
الرشك؛ لا أن مدلول الرشك القسّام، بل هما لَقب، ونسبة إلى صنعة،
والمعتمد في أمره ما قال أبو حاتم، قال: وما ليزيد في البخاريّ إلا هذا
الحديث، أورده في (كتاب القدر)) وفي ((كتاب الاعتصام)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وليس ليزيد الرشك عند مسلم إلا أربعة أحاديث
فقط برقم (٣٣٥) وكرّره، و(٧١٩)، و(١١٦٠)، و(٢٦٤٩)(٢)، والله تعالى
أعلم.
(حَدَّثَنَا مُطَرِّفْ) - بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، وكسر الراء المشدّدة -
ابن عبد الله (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﴿يَا؛ أنه (قَالَ: قِيلَ:) القائل هو عمران
نفسه، كما بُيّن في الرواية التالية: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَعُلِمَ) بضمّ العين المهملة،
مبنيّاً للمفعول، والهمزة للاستفهام، وفي رواية البخاريّ: ((أيُعرَف))، (أَهْلُ الْجَنَّةِ
مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟) المراد بالسؤال معرفة الملائكة، أو من أطلعه الله على ذلك،
(١) ((الفتح)) ٢١٠/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٥٩٦).
(٢) هذه الأرقام للأستاذ محمد فؤاد تَقُ فليُتنبّه.

٤٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وأما معرفة العامل، أو مَن شاهده، فإنما يُعرف بالعمل. (قَالَ) عمران
(فَقَالَ) بَهِ: ((نَعَمْ)))؛ أي: عُلم هؤلاء مِن هؤلاء، (قَالَ) عمران: (قِيلَ)؛ أي:
قال السائل، وقد مرّ آنفاً أنه عمران رَُّه نفسه، (فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟) وفي
رواية البخاريّ: ((فِلِمَ يعمل العاملون؟))، والمعنى: إذا سبق القلم بذلك، فلا
يحتاج العامل إلى العمل؛ لأنه سيصير إلى ما قُدِّر له. (قَالَ) وَلَ ردّا على هذا
الاستشكال: ((كُلِّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)))؛ أي: مِنْ عَمَل أهل الجنّة، أو النار،
وقد جاء هذا الكلام عن جماعة من الصحابة ظمه بهذا اللفظ يزيدون على
العشرة، وقد تقدّم بيان ذلك قريباً .
وفي رواية البخاريّ: ((كلُّ يعمل لِمَا خُلق له، أو لِمَا يُسّر له))، وقوله:
(يُسِّر)) بضم أوله، وكسر المهملة الثقيلة.
وقد جاء هذا الكلام الأخير عن جماعة من الصحابة بهذا اللفظ يزيدون
على العشرة.
وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلّف، فعليه أن يجتهد
في عَمَل ما أُمر به، فإن عمله أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالباً، وإن كان
بعضهم قد يُختم له بغير ذلك، كما ثبت في حديث ابن مسعود وغيره، لكن لا
اطلاع له على ذلك، فعليه أن يبذل جهده، ويجاهد نفسه في عمل الطاعة، لا
يترك وُكولاً إلى ما يؤول إليه أمره، فيلام على ترك المأمور، ويستحق العقوبة،
وقد ترجم ابن حبان بحديث الباب: ((ما يجب على المرء من التشمير في
الطاعات، وإن جرى قبلها ما يَكره الله من المحظورات))(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حدیث عمران بن حُصین .
رضّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧١٤/١ و٦٧١٥] (٢٦٤٩)، و(البخاريّ) في
((القدر)) (٦٥٩٦) و((التوحيد)) (٧٥٥١)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٧٠٩)،
(١) ((الفتح)) ٢١٠/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٥٩٦).

٤٠٣
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٥)
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥١٧/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٧/٤ و٤٣١)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٢٧/١)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (١٢٠/١)،
وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧١٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ
ابْنِ عُلَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ بَزِيدَ الرِّشْكِ، فِي هَذَا
الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَمَّادٍ، وَفِي حَدِيثٍ عَبْدِ الْوَارِثِ: قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبي شيبة الْحَبَطيّ الأبليّ - بضم الهمزة،
والموحّدة، وتشديد اللام - أبو محمد، صدوق يَهِم، ورُمي بالقدر، قال أبو
حاتم: اضطَرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو٢٣٦) وله بضع
وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة
التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر
البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٨) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة -
أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: أما رواية عبد الوارث بن سعيد عن يزيد الرشك، فقد ساقها
البخاريّ ◌َّلُ في ((خلق أفعال العباد))، فقال:

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، قال: يزيد حدّثني عن(١) مُطَرِّف بن
عبد الله، عن عمران وبه قال: قلت: يا رسول الله، فيم يعمل العاملون؟
قال: ((كلٌّ ميسر لما خُلق له)). انتهى(٢).
وأما رواية ابن عُليّة عن يزيد الرِّشْك، فقد ساقها الطبرانيّ نَّتُهُ في
((المعجم الكبير))، فقال:
(٢٧٠) - حدّثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) وحدّثنا
معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلية، ثنا يزيد
الرِّشْك، عن مُطَرِّف، عن عمران بن حُصين، قال: قال رجل: يا رسول الله،
أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم))، قال: ففيم العمل؟ قال:
((اعملوا، فكل ميسَّر لِمَا خُلق له من القول)). انتهى (٣).
وساقها أحمد تَخّْثُ في ((مسنده))، وليس عنده: ((من القول))، بل قال: ((أو
كما قال))، قال نَخْذَتُهُ :
(١٩٨٨٢) - حدّثنا إسماعيل، ثنا يزيد - يعني: الرِّشْك - عن مُطَرِّف بن
الشِّخِّير، عن عمران بن حُصين قال: قال رجل: يا رسول الله أعلم أهلُ الجنة
من أهل النار؟ قال: ((نعم))، قال: فيم يعمل العاملون؟ قال: ((اعملوا، فكلّ
ميسَّر لِمَا خُلق له))، أو كما قال. انتهى(٤).
وأما رواية جعفر بن سليمان عن يزيد الرِّشك، فقد ساقها الطبرانيّ تَخْشُهُ
أيضاً في ((المعجم الكبير))، فقال:
(٢٦٩) - حدّثنا زكريا بن يحيى، ثنا محمد بن موسى الْحَرَشيّ، ثنا جعفر
ابن سليمان، عن يزيد الرِّشْك، عن مُطَرِّف، عن عمران بن حُصين، قال: سأل
رجل رسول الله وَ﴾، فقال: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال:
(نعم))، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: ((كلٌّ ميسر لِمَا خُلق له)). انتهى(٥).
(١) ((عن)) تصحّف في النسخة إلى ((بن))، وهو غلط، فليُتنّه.
(٢) ((خلق أفعال العباد)) ١/ ٧١.
(٣) ((المعجم الكبير)) ١٣٠/١٨.
(٤) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٣١/٤.
(٥) ((المعجم الكبير)) ١٣٠/١٨.

٤٠٥
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٦)
وأما رواية شعبة عن يزيد الرشك، فقد ساقها البخاريّ تَكْثُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٢٢٣) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا يزيد الرِّشك، قال: سمعت
مُطّرِّف بن عبد الله بن الشِّخِير، يحدث عن عمران بن حصين، قال: قال رجل:
يا رسول الله، أيُعرَف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم))، قال: فلِمَ يعمل
العاملون؟ قال: ((كلٌّ يعمل لِمَا خُلق له، أو لِمَا يُيَسَّر له)). انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧١٦] (٢٦٥٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ
عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْبَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي
الأَسْوَدِ الدِّئَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْخُصَيْنِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ؟
وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ، أَوْ فِيمًا
يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ، مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٍ قُضِيَ
عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ظُلْماً؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعاً
شَدِيداً، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللهِ، وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ
يُسْأَلُونَ، فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ، إِلَّا لِأَحْزُرَ عَقْلَكَ، إِنَّ
رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتْيَا رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ
الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٍ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ
فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ، مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: ((لَا، بَلْ
شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللّهِ رَتْ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّنَهَا (٣) فَأَْمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنهَا
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، أصله من بُخَارَى، ثقةٌ،
قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩.
(١) ((صحيح البخاري)) ٢٤٣٤/٦.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
٢ - (عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ) بن أبي زيد بن أخطب الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ
[ه(١)] (خ م قد ت س ق) تقدم في ((الحج)) ٣١٨٨/٦٠.
٣ - (يَحْبَى بْنُ عُقَيْلِ) بالتصغير البصريّ، نزيل مَرْوَ، صدوق [٣] (بخ م د
س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٣٧/١٣.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ)(٢) - بفتح التحتانية، والميم، بينهما مهملة -
البصريّ، نزيل مرو، وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، وكان يرسل [٣] مات قبل المائة،
وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
٥ - (أَبُو الأَسْوَدِ الدِّتَلِيُّ) - بضم الدال المهملة، بعدها همزة مفتوحة -،
ويقال له: الدِّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانية، البصريّ، اسمه ظالم بن
عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال:
عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو، مخضرمٌ، ثقةٌ، فاضلٌ [٢] مات سنة
تسع وستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
والباقيان ذكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َذَثُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوی شیخه،
فمروزيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عزرة، عن يحيى بن
عُقيل، عن أبي الأسود.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّئَلِيِّ) بكسر الدال المهملة، وسكون الياء، وتقدّم أنه
يقال له: الدُّؤليّ، بضمّ الدال، وفتح الهمزة: نسبة إلى الدئل بن كنانة، أبو
قبيلة. (قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ) ﴿ه: (أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني، من
(١) هذا هو الأشبه، وأما قوله في ((التقريب)): من السابعة ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه
تابعيّ سمع من بعض الصحابة، كعبد الله بن يزيد الخطميّ، وعبد الله بن أبي
أوفى، كما في ((الفتح)) ١٢/ ٦٩٠، فبيقين أنه من الخامسة، فليُتنبّه.
(٢) وقال في هامش ((الخلاصة)) ص٤٢٩: ضَبَطه بالقلم في الأصل بضمّ الميم،
وفتحها. انتهى.

٤٠٧
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآَدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٦)
إطلاق اسم السبب على المسبّب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار
عنها، والهمزة فيه مُقَرِّرة؛ أي: قد رأيت ذلك، فأخبرني به(١). (مَا يَعْمَلُ
النَّاسُ)؛ أي: من الخير والشر، (الْيَوْمَ)؛ أي: في الدنيا، (وَيَكْدَحُونَ فِيهِ)؛
أي: يسعون في تحصيله بجهد وكدّ؛ أي: تعب، قال الطيبيّ: ((الكدح)): جهد
النفس في العمل، والكدّ فيه حتى يؤثّر فيها، مِن كدح جلده: إذا خدشه، كذا
في ((الكشّاف))، وقال القرطبيّ: ((الكدح)): السعي في العمل لدنيا كان أو
للآخرة، وأصله العمل الشاقّ، والكسب المتعب. انتهى(٢).
وقال المرتضى تَُّهُ: كَدَحَ في العَمَلِ: كمنَعَ: سَعَى، يَكدَحِ كَدْحاً، وقال
أَبو إِسحاق: الكَدْحُ في اللُّغَة: السَّعْيُ، وَالحِرْص، والدُّؤوب في العمل، في
بابِ الدُّنيا والآخرةِ، قال ابن مُقْبِل [من الطويل]:
وما الدّهْرُ إِلَا تارَتانِ فَمِنْهُما أَمُوتُ وأُخْرَى أَبتغِي العَيْشَ أَكْدَحُ
أَي: تارةً أَسعَى في طَلب العَيْشَ، وأَدْأَب، وكَدَحَ الإِنسانُ: عَمِلَ لنَفْسه
خَيْراً، أَو شَرّاً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق: ٦]، قال
الجوهَرِيّ: أَي: تَسعَى، وكَدَحَ: كَدَّ، وهو يَكدَح في كذَا: أي: يَكُدُّ، وأَصابه
شيءٌ، فكدَحَ وَجْهَه؛ أَي: خَدَشَ، أَو كَدَحَ وَجْهَ فُلانٍ: إِذا عَمِلَ به ما يَشِينُه،
ككَدّحَه تَكديحاً، فَتَكَّحَ: خَدَشَه، فَتَخدّشَ، أَو كدَحَ وَجْهَ أَمْرِهِ: إِذا أَفْسَدَه،
وكَدَحَ لِعِيَالِهِ: كَسَبَ، كاكتَدَحَ؛ أَي: اكتسَب. انتهى(٣).
(أَشَيْءٌ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهو شيء (قُضِيَ عَلَيْهِمْ) بالبناء
للمفعول؛ أي: قُدّر فِعله عليهم، (وَمَضَى عَلَيْهِمْ) بالبناء للفاعل؛ أي: نفذ في
حقّهم، (مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ) هكذا معظم النسخ بـ((ما)) بعد ((قدر))، ووقع في بعض
النسخ: ((بقدر قد سبق))، كما هو الآتي بعدُ، وهو واضح، وعلى الأول يكون
((قدر)) منوّناً، و((ما)) زائدة للتأكيد، و((سبق)) صفة لـ((قدرٍ))، ويَحتَمِل أن يكون
((قدر)) مضافاً لـ((ما))، وهي موصولة؛ أي: للأمر الذي سبق، والإضافة بيانيّة.
وقال القرطبيّ كَّهُ: قوله: ((من قدر)): ((من)) يجوز أن تكون بياناً
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٠/٢. (٢) ((المفهم)) ٦ / ٦٦١.
(٣) ((تاج العروس)) ص١٧٢٣.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
لـ((شيءٌ))، فيكون القضاء والقدر شيئاً واحداً، وأن تكون ابتدائيّة متعلّقةً
بـ((قُضِيَ))؛ أي: قُضي عليهم لأجل قَدَر سبق، وقضاء نشأ، وابتدئ من قدر،
فيكون القدر سابقاً على القضاء.
وقال في (النهاية)): المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الْخَلق، كقوله
تعالى: ﴿فَقَضَئُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أي: خلقهنّ، فالقضاء والقدر
أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما وهو القدر بمنزلة
الأساس، والآخر وهو القضاء بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام
هدم البناء، ونَقْضه. انتهى(١).
وقال الراغب الأصبهانيّ: القضاء من الله تعالى أخصّ من القدر؛ لأنه
الفصل بين التقدير، والقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل، والقطع، وقد ذكر
بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا لمّا
قال أبو عبيدة لعمر ﴿ه لمّا أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفِرّ من القضاء؟
قال: أفِرّ من قضاء الله إلى قَدَر الله؛ تنبيهاً أن القدر ما لم يكن قضاءً، فمرجوّ
أن يدفعه الله، فأما إذا قُضي فلا مَدْفَع له، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ
أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١]، وقوله: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، ﴿وَقُضِىَ الْأَمْ﴾
[البقرة: ٢١٠]؛ أي: فُصل؛ تنبيهاً أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه. انتهى (٢).
وقال بعضهم: القدر كتقدير النقّاش الصورةَ في ذهنه، والقضاء كرسمه
تلك الصورة للتلميذ بالأسرب، ووضْعُ التلميذ الصبغ عليها متبعاً لرسم الأستاذ
هو الكسب، والاختيار، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ،
كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر. انتهى(٣).
(أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، قال الطيبيّ: كذا في ((صحيح
مسلم))، و((كتاب الحميديّ))، و((جامع الأصول))، ووقع في نُسخ ((المصابيح)):
((أم فيما يَسْتَقْبِلون؟))، قال: على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ص٧٥٩.
(٢) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٦٧٥ - ٦٧٦.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤١/٢.

٤٠٩
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٦)
الأمرين؛ إذ الجواب - وهو قوله وقفو -: ((لا، بل إلخ)) غير مطابق له، وإذا
تقرّر هذا فـ((أم)) منقطعة، و((أو)) بمعنى (بل))، وتحريره أن السائل لَمّا رأى
الرسل يأمرون أممهم، وينهونهم اعتَقَد أن الأمر أُنُفٌ، كما زعمت المعتزلة،
فسأل أوّلاً عن الأمر أهو شيء مقدّر؟ ثم بدا له، وأضرب عن ذلك،
واستأنف، فقال: أهو واقع فيما يُستقبلون به؟، والهمزة للتقرير، فلذلك نفى
رسول الله ﴿ ﴿ ما أثبته، وقرّره، وأكّده بـ(بل))، ولو كان السؤال عن التعيين
لقال: أشيء قُضي عليهم، أو شيء يستقبلونه بالتكلّم؟ بل غيّر العبارة، وعدل
إلى الغَيبة، وعمّم الأمم كلّها، وأنبياءهم، فدلّ ذلك على صحّة ما قلناه، من
إضرابه عن السؤال الأول إلى الثاني. انتهى(١).
وقوله: (مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ)؛ أي: من الأمر الذي جاءهم النبيّ ◌َچ، ،
وهو بيان لـ((ما)) من قوله: ((فيما يُستقبلون))، (وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟) فلزمهم
العمل به، قال أبو الأسود: (فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٍ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، قَالَ)
أبو الأسود: (فَقَالَ) عمران رَبِهِ: (أَفَلَا يَكُونُ ظُلْماً؟)؛ أي: إذا قلت: إن ذلك
العمل الذي يكدحون فيه أمرٌ قُضي، وقُدّر عليهم، ولا بدّ لهم منه، فهم
مجبرون عليه، فكيف يعذّبهم عليه، ألا يكون ذلك ظلماً لهم؟.
فقوله: ((أفلا يكون ظلماً)) هكذا وقع في نُسخ مسلم، التي بين أيدينا،
ووقع في مختصر القرطبيّ بلفظ: ((فلا يكون ظلماً)) بغير همزة، فقال
القرطبيّ تَخْلُّ: كذا الرواية بغير ألف استفهام، وهي مرادة؛ إذ بالاستفهام
حصل فزع المسؤول، وبه صحّ أن يكون ما أتى به من قوله: ((كل شيء
خَلْق الله، ومِلْك يده ... )) إلى آخره جواباً عما سأله عنه، ولو لم يكن
الاستفهام مراداً لكان الكلام نفياً للظلم، وهو صحيحٌ وحقّ، ولا يُفزع من
ذلك، ولا يستدعي جواباً .
وبيان ما سأله عنه أنه لَمّا تقرّر عنده أن ما يعمل الناس فيه شيء قُضي به
عليهم، ولا بُدّ لهم منه، فكأنهم يلجؤون إليه، فكيف يعاقبون على ذلك؟
فعقابهم على ذلك ظلم، وهذه من شُبَه القدرية المبنيّة على التحسين والتقبيح،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤١/٢.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
وقد أجاب عن ذلك أبو الأسود، وأحسن في الجواب، ومقتضى الجواب: أن
الظلم لا يُتصوّر من الله تعالى، فإنَّ الكل خَلْقه، وملكه، لا حَجْر عليه، ولا
حكم، فلا يتصوّر في حقّه الظلم؛ لاستحالة شرطه، على ما بيّنًا غير مرة، ثم
عَضَد بقوله: لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، ولَمّا سَمِع عمران هذا الجواب
تحقّق أنه قد وُفِّق للحقّ، وأصاب عين الصواب، فاستحسن ذلك منه، وأخبره
أنه إنما امتحنه بذلك السؤال؛ ليختبر عقله، وليستخرج علمه، ثم أفاده الحديث
المذكور، ومعناه قد تقدّم الكلام عليه. انتهى(١).
(قَالَ) أبو الأسود: (فَفَزِعْتُ) بكسر الزاي، من باب تَعِب، (مِنْ ذَلِكَ فَزَعاً
شَدِيداً، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأ خبره قوله: (خَلْقُ اللهِ)؛ أي: مخلوقه، (وَمِلْكُ
يَدِهِ)؛ أي: مملوك له، وتحت تصرّفه يفعل فيه ما يشاء، (فَلَا يُسْأَلُ) بالبناء
للمفعول؛ أي: لا أحد يسأل الله وَالَ (عَمَّا يَفْعَلُ) في عباده من خير، أو شرّ،
(وَهُمْ)؛ أي: العباد (يُسْأَلُونَ)؛ أي: يسألهم الله رَّت عما فعلوه، ولقد أحسن
أبو الأسود تَّهُ في الجواب، ومقتضى جوابه أن الظلم لا يُتصوّر من الله رَبَتْ،
فإن الكلّ خَلْقه، وملكه، لا حجر عليه أن يفعل فيهم ما يشاء، فلا يُتصوّر في
حقّه الظلم؛ لأن الظلم التصرّف في ملك الغير بغير إذنه، وهم ملكه، ثمّ عضد
[الأنبياء: ٢٣]، ولما
٢٣
ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
سمع عمران ربه هذا الجواب منه أعجبه، واستحسنه منه، وترحّم عليه، كما
قال: (فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللهُ) وأخبره أنه إنما سأله امتحاناً له؛ ليختبر ما عنده
من عِلم هذا الباب، فقال: (إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ، إِلَّا لِأَحْزُرَ) بتقديم الزاي
على الراء، من بابي ضرب، ونصر؛ أي: لأقدّر، وأمتحن (عَقْلَكَ)؛ أي:
فهمك، ومعرفتك بالشيء، قال في ((القاموس))، و((شرحه)): العَقْل: العِلم،
وعليه اقتصرَ كثيرون، وفي ((العُباب)): العَقْلِ: الحِجْرُ، والنُّهْيَة، ومثلُه في
(الصِّحاح))، وفي ((المُحكَم)): العَقْل: ضِدُّ الْحُمْق، أو هو العِلمُ بصفاتٍ
الأشياءِ، من حُسنِها وقُبحِها، وكمالِها ونُقصانِها، أو هو العِلمُ بخيرِ الخَيرَيْن،
وشَرِّ الشَّرَّيْن، أو مُطلَقٌ لأمورٍ، أو لقُوَّةٍ بها يكون التَّمييزُ بين القُبحِ والحُسنِ،
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٦٢.

٤١١
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الآَدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٦)
ولِمَعانٍ مُجتمِعةٍ في الذُّهْنِ، يكون بمُقَدِّماتٍ يَسْتَتِبُّ بها الأغْراضُ، والمَصالِحِ،
ولهَيئَةٍ مَحْمُودٍ للإنسانِ فِي حَرَكَاتِهِ وكَلامِه(١).
وقال الراغب الأصفهانيّ: العَقْلُ، يقال للقُوّةِ المُتَهَيَِّّةِ لقَبولِ العِلم، ويقال
للذي يَسْتَنبِطُه الإنسانُ بتلكَ القوّةِ: عَقْلٌ، ولهذا قال عليٍّ ◌َظُه :
مَظْبُوعٌ ومَسْمُوعٌ
رَأَيْتُ العَقْلَ عَقْلَيْنِ
إذا لم يكن مَطْبُوعٌ
فلا يَنْفَعُ مَسْمُوٌ
وَضَوْءُ العَينِ مَمْنُوِعٌ(٢)
كَمَا لَا تَنْفَعُ الشَّمْسُ
وقال الفيّوميّ ◌َُّ: عَقَلْتُ الشيءَ عَقْلاً، من باب ضرب: تدبرته، وعَقِلَ
يَعْقَلُ، من باب تَعِب لغة، ثم أُطلق العَقْلُ الذي هو مصدرٌ على الْحِجَا واللُّبّ،
ولهذا قال بعض الناس: العَقْلُ: غَرِيزة، يتهيأ بها الإنسان إلى فهم الخطاب،
فالرجل عَاقِلٌ، والجمع: عُمَّالٌ، مثلُ كافر وكُفّار، ورُبّما قيل: عُقَلاءُ، وامرأة
عَاقِلٌ، وعَاقِلَةٌ، كما يقال فيها: بالغ، وبالغةٌ، والجمع عَوَاقِلُ، وعَاقِلاتٌ.
(٣)
انتھی
.
ثم ذَكَر عمران بن حُصين ◌َظُه حجته على تصويب جواب أبي الأسود:
فقال: (إِنَّ رَجُلَيْنٍ) بكسر همزة ((إنّ))؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في
((الخلاصة» :
فاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
والرجلان لم يُعرفا، كما قال صاحب ((التنبيه))(٤). (مِنْ مُزَيْنَةَ) بضمّ
الميم، بصيغة التصغير، كجُهينة، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، أم عثمان،
وأوس ابني عمرو بن أَدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وهم قبيلة كبيرة، قاله
في ((اللباب))(٥). (أَتْيَا رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ
النَّاسُ الْيَوْمَ)؛ أي: أخبرنا عن العمل الذي يعمله الناس اليوم؛ أي: في هذه
(١) ((تاج العروس)) ص٧٣٣٩.
(٢) ((مفردات ألفاظ القرآن)) للراغب الأصفهانيّ ص ٥٧٧ - ٥٧٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٢٣/٢.
(٥) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٠٥/٣.
(٤) ((تنبيه المعلم)) ص٤٣٨.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
الدنيا، (وَيَكْدَحُونَ فِيهِ) تقدّم أنه من مَنَع؛ أي: يسعون، ويجتهدون في
تحصيله، (أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول؛ أي: قُدّر عليهم في الأزل،
(وَمَضَى فِيهِمْ) بالبناء للفاعل؛ أي: نفذ فيهم في هذه الدنيا، وقوله: (مِنْ قَدَرٍ)
بيان لـ((شيء))، وقوله: (قَدْ سَبَقَ) صفة لـ((قدَر))، (أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ) بالبناء
للمفعول؛ أي: أو هو في الشيء الذي يُستأنَفُون به، مما يؤمرون به الآن دون
سبق تقدير به؟ (مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ) بِّهِ (وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟) بتبليغه لهم،
(فَقَالَ) ◌َّ: (لا)؛ أي: ليس عملهم فيما يُستقبلون به الآن، (بَلْ) هو (شَيْءٌ
قُضِيَ عَلَيْهِمْ) أزلاً، (وَمَضَى فِيهِمْ) الآن، (وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ)؛ أي: ما يصدّقه،
فـ (تصديق)) مبتدأ، خبره قوله: (فِي كِتَابِ اللهِ رَ) وقوله تُعَالَ: (﴿وَنَفْسِ﴾
[الشمس: ٧]) بدل من الخبر، أو ((في كتاب الله)) متعلُّق بـ(تصديق))، والخبر
قوله: ﴿وَنَفْسٍ﴾ [الشمس: ٧] الواو فيه للقَسَم، و﴿نَّفْسٍ﴾ [الشمس: ٧] مجرور
بالواو؛ أي: أَقسم بنفس، قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ﴿وَنَفْسٍ﴾ قَسَم بنفوس بني
آدم، وأفردها لأن مراده النوع، وهذا نحو قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
۵
[الانفطار: ٥]؛ أي: كلّ نفس، كما قال: ﴿كُلُّ نَّفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةُ
[المدّثّر: ٣٨]، ألا ترى قوله: ﴿فَأَهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (®﴾؛ أي: حَمَلها على ما
أراد من ذلك، فمنها ما خُلق للخير، وأعانها عليه، ويسّره لها، ومنها ما خُلق
للشرّ، ويسّره لها، وهو الموافق للحديث المتقدّم المصدّق بالآية(١).
[الشمس: ٧، ٨])))؛
وقوله: (﴿وَمَا سَوَّنَهَا ﴿ فَهُمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنُهَا
أي: أعلمها طاعتها، ومعصيتها، وأفهمها أن أحدهما حسنٌ، والآخر قبيح.
وقال القرطبيّ: ﴿وَمَا سَوَّنَهَا﴾؛ أي: والذي سوّاها، وقد قدمنا أن ((ما)) في
أصلها لِمَا لا يُعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، وهي تقع لمن يعقل ولما لا
يعقل، والتسوية: التعديل؛ يعني: أنه خلقها مكمّلة بكل ما تحتاج إليه، مُؤهَّلة
لقبول الخير والشر، غير أنه يجري عليها في حال وجودها، ومآلها ما سبق لها
مما قُضي به عليها. انتهى (٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في (تفسيره)): قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا
﴾، قيل: المعنى: وتسويتها، فـ((ما)): مصدريّة، وقيل: المعنى: ومن
V
سَوَّنھَا
(١) ((المفهم)) ٦٦٢/٦ - ٦٦٣.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٦٣.

٤١٣
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٦)
سواها، وهو الله وَك، وفي النفس قولان: أحدهما آدم لعلّها، والثاني: كلُّ
نفس منفوسة، وسوّى: بمعنى هيّأ، وقال مجاهد: سوّاها: سوّى خَلْقها،
وعَدّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القَسَم، أَقسم جل ثناؤه بخَلْقه؛ لِمَا
فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه، وقوله تعالى: ﴿فَمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنُهَا
أي: عرّفها، كذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد: أي: عرّفها طريق الفجور
والتقوى، وقاله ابن عباس، وعن مجاهد أيضاً: عرّفها الطاعة والمعصية، وعن
محمد بن كعب قال: إذا أراد الله ومن بعبده خيراً، ألهمه الخير، فعمل به،
وإذا أراد به السوء، ألهمه الشر، فعمل به، وقال الفراء: ﴿فَمَهَا﴾: عرّفها
[البلد: ١٠].
طريق الخير، وطريق الشرّ، كما قال: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ألهم المؤمن المتقي تقواه، وألهم الفاجر
فجوره. وعن سعيد، عن قتادة قال: بَيَّن لها فجورها، وتقواها، والمعنى
متقارب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين
المصنّف نَظْذَّلهُ .
هذا من أفراد
ضيء
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧١٦/١] (٢٦٥٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٤٣٨)، و(الطبريّ) في «تفسيره)) (٢١١/٣٠)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة))
(١٧٤)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٩٥٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٢٣/١٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٨٢)، و(ابن عبد البرّ) في
(التمهيد)) (١١/٦ - ١٢)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٢٠٦/١) و((الاعتقاد))
(ص١٣٨)، و(البغويّ) في ((معالم التنزيل)) (٤٣٨/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن القدر سرّ من أسرار الله ثَلاً، لا يعلم حقيقته إلا الله
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٧٥/٢٠.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
تعالى، فيجب الإيمان به، قال أبو عمر بن عبد البرّ كَّتُهُ: قال العلماء
والحكماء قديماً: القدر سرّ الله، فلا تنظروا فيه، فلو شاء الله ألا يُعْصَى ما
عصاه أحد، فالعباد أدقّ شأناً، وأحقر من أن يعصوا الله إلا بما يريد، وقد
روي عن الحسن أنه قال: لو شاء الله أن لا يُعْصَى ما خلق إبليس. وقال
مطرِّف بن الشِّخِّير: لو كان الخير في يد أحد ما استطاع أن يجعله في قلبه،
حتى يكون الله رَ هو الذي يجعله فيه، قال: وجدت ابن آدم مُلْقَّى بين
يدي الله والشيطان، فإن اختاره الله إليه نجا، وإن خلّى بينه وبين الشيطان ذهب
به، ولقد أحسن القائل، حيث قال:
وَهَذِهِ الأَقْدَارُ لَا تُرَدُّ
لَيْسَ لِلَّهِ الْعَظِيمِ نِدُّ
مُؤَخَّرٌ بَعْضٌ وَبَعْضٌ نَقْدُ
لَهُنَّ وَقْتٌ وَلَهُنَّ حَدُّ
وَلَيْسَ مَحْتُوماً لِحَيٍّ خُلْدُ
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَهَذَا بُدُّ
وفي الحديث المرفوع: ((إذا أراد الله رَ بعبد خيراً سلك في قلبه اليقين،
والتصديق، وإذا أراد الله رَك بعبده شرّاً سلك في قلبه الرِّيبة، والتكذيب))(١)،
وقال الله رمَى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ، فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴿﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِ﴾ [الحجر:
١٢، ١٣]، وقال الله وَل: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ
أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَبِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال: ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾
[النحل: ٩٣]، وقال الله رَّت: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَئُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَنْ
تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقال الفضل الرقاشيّ لإياس بن معاوية: يا أبا واثلة ما تقول في هذا
الكلام الذي أكثر الناس فيه؟ يعني: القدر، قال: إن أقررت بالعلم خُصمت،
وإن أنكرت كفرت، وقال الأوزاعيّ تَظُّ: هلك عبادنا، وخيارنا في هذا
الرأي؛ يعني: القدر، وسَمِع ابن عباس رجلين يختصمان في القدر، فقال: ما
منكما إلا زائغ، وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن
محمد ابن الحنفية قال: أول ما تكلم به القدرية أن جاء رجل، فقال: كان من
(١) لم يخرجه أبو عمر، ولا عزاه إلى مصدر، فالله أعلم بصحّته.

٤١٥
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٦)
قدر الله ◌َ أن شَرَرَةً طارت، فأحرقت الكعبة، فقال آخر: ليس من قدر الله أن
يُحرق الكعبة.
قال أبو عمر: قد أكثر أهل الحديث من تخريج الآثار في هذا الباب،
وأكثر المتكلمون فيه من الكلام والجدال، وأما أهل السُّنَّة فمجتمعون على
الإيمان بالقدر، على ما جاء في هذه الآثار، ومثله من ذلك، وعلى اعتقاد
معانيها، وتَرْك المجادلة فيها .
ثم أخرج بسنده عن حسن بن عليّ قال: رُفع الكتاب، وجَفّ القلم،
وأمور تقضى في كتاب قد خلا، وأخرج عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه
قال: أما والله لو كُشف الغطاء لعلمت القدرية أن الله ليس بظلام للعبيد، وروى
حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد قال: كان الحسن إذا قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ
أَعْلَمُ بِكُتْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] قال:
علم الله مك كل نفس ما هي عاملة، وإلى ما هي صائرة، وروى أبو حاتم
السجستانيّ عن الأصمعيّ قال: سألت أعرابيّاً عن القدر، فقال: ذلك علم
اختصمت فيه الظنون، وتغالب فيه المختلفون، والواجب علينا أن نرُدّ ما أشكل
علينا مَن حُكمه إلى ما سبق فيه مِن عِلمه.
قال أبو عمر: أحسن ما رأيت رجزاً في معنى القدر قول ذي النون
إبراهيم الإخميني :
وَلَمْ يُظْلِعْ عَلَى عِلْمٍ غَيْبِهِ بَشَرَا
قَدَّرَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ
مُحْتَجِباً فِي السَّمَاءِ لَيْسَ يُرَى
وَيَرَى مِنَ الْعِبَادِ مُنْفَرِداً
أَجْرَاهُ فِي اللَّوْحِ رَبُّنَا فَجَرَى
ثُمَّ جَرَى بِالَّذِي قَضَى قَلَمُ
فِي مَنْ تَعَدَّى فَأَنْكَرَ الْقَدَرَا
لَا خَيْرَ فِي كَثْرَةِ الْجِدَالِ وَلَا
يُضْلِلْ فَلَنْ يَهْتَدِي وَقَدْ خَسِرَا
مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَنْ يَضِلَّ وَمَنْ
دَعْوَتُهُ لِلْعِبَادِ شَامِلَةٌ
وَخَصَّ بِالْخَيْرِ مِنْهُمْ نَفَرَا
قال أبو عمر: قد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
[الذاريات: ٥٦]، فرُوي عن ابن عباس: إلا ليعبدوني
٥٦
وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
قال: ليقرّوا بالعبودية طوعاً وكرهاً، وقال مجاهد، وابن جريج: إلا ليعرفوني،
وقال الضحاك بن مُزاحم: هي آية عظيمة عامّة في المنطق، خاصّة في

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
المؤمنين، وقال الشافعيّ: هي خاصة؛ يعني: أنه خَلَق الأنبياء والمؤمنين
لعبادته، قال: والدليل على خصوصها قوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهَ﴾
[الإنسان: ٣٠]، فلن يكون بخلقه مشيئة إلا أن يشاء الله.
ومن أحسن ما قيل من النظم في قِدَم العمل، وأن ما يكون من خَلْق الله
فقد سبق العلم به، وجَفّ القلم به، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، لا ما
يشاء غيره: قول الشافعيّ، رويناه من طُرُق عن المزنيّ، وعن الربيع عنه أنه قال
في أبيات له [من المتقارب]:
وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأُ لَمْ يَكُنِ
فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأُ
وَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنّ
خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ
وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ
وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ
فَمِنْهُمْ شَقِيٍّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ
وَكُلٌّ بِأَعْمَالِهِ مُرْتَهَنْ
وَمِنْهُمْ فَقِيرٌ وَمِنْهُمْ غَنِيٍّ
قال أبو عمر: كلُّ ما في هذه الأبيات مُعْتَقَد أهل السُّنَّة، ومذهبهم في
القدر، لا يختلفون فيه، وهو أصل ما يَبْنُون في ذلك عليه. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان جواز اختبار العالم عقول أصحابه الفضلاء بمشكلات
المسائل، وقد عقد الإمام البخاريّ كَثْتُهُ في ((كتاب العلم)) من ((صحيحه)):
((باب طرح الإمام المسألة على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من العلم))، ثم أورد
محتجّاً على ذلك حديث ابن عمر ظه، عن النبيّ وَّ و قال: ((إن من الشجر
شجرةً، لا يسقط ورقها، وإنها مَثَل المسلم، حدّثوني ما هي؟)). قال: فوقع
الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا:
حدّثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: ((هي النخلة)). انتهى(٢).
٣ - (ومنها): استحباب الثناء على من أجاب عن السؤال إذا أصاب.
٤ - (ومنها): أن الحديث بيّن أن النفس التي قُضي عليها سابقاً ستعمل
لاحقاً بما سبق لها، إما من أهل السعادة، فتعمل عمل أهل السعادة الذي به
تدخل الجنة، وإما من أهل الشقاوة، فتعمل عمل أهل الشقاوة الذي به تدخل
(١) الاستذكار)) ٢٦٢/٨ - ٢٦٤.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٣٤/١.

٤١٧
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمَّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٧)
النار، كما قال تعالى: ((هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء
للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فطوبى لمن قَضيت له بالخير، ويسّرته عليه،
والويل لمن قضيت عليه بالشر، ويسّرته له))، وما أحسن قول من قال: قِسَمِ
قُسِمت، ونعوت أُجريت، كيف تُجتلب بحركات، أو تنال بسعايات؟! ومع
ذلك فغَيَّب الله عنا المقادير، ومكّننا من الفعل والترك رفعاً للمعاذير، وخاطبنا
بالأمر والنهي خطاب المستقلين، ولم يجعل التمسك بسابق القدر حجة
للمقصرين، ولا عذراً للمعتذرين، وعلّق الجزاء على الأعمال، وجعلها له
سبباً، فقال تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]، وب﴿مَّا
عَمِلَتْ﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال في أهل الجنّة: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:
١٧]، وقال في أهل النار: ﴿جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ بِثَايَفِنَا يَحْمَدُونَ﴾ [فُصّلت: ٢٨]، وقال:
﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وقال على
لسان نبيّه وَله: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفّيكم إياها،
فمن وجد خيراً فليحمد الله تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا
نفسه))، رواه مسلم، وكلّ ذلك ابتلاء من الله تعالى، وامتحان، فيجب التسليم
له، والإذعان، أفاده القرطبيّ كَّهُ(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧١٧] (٢٦٥١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ
الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ(٢) بِعَمَلِ أَهْلِ
النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلٍ
أَهْلِ الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٦٣ - ٦٦٤.
(٢) وفي نسخة: ((ثم يختم عمله)) في الموضعين.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الحرقيّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُبه، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة .
ضُعنْه ،
قد مضى القول فيه غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ
الطَّوِيلَ) بنصب الزمن)) على الظرفيّة، وهو متعلّق بـ(يعمل))، والمراد بالزمن
الطويل: هو مدة العمر. (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وهو العمل الصالح، (ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ
عَمَلُهُ) ببناء الفعل للمفعول، ووقع في بعض النّسخ بإسقاط لفظة (له)) في
الموضعين. (بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ)؛ أي: يعمل عمل أهل النار في آخر عمره،
فيدخلها. (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ
بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)))؛ أي: يعمل عمل أهل الجنة في آخر عمره، فيدخلها،
واقتَصَر هنا على هذين، مع أن الأقسام أربعة؛ لظهور حكم القسمين الآخرين،
وهما: مَن عَمِل بعمل أهل الجنة والنار من أول عمره إلى آخره، وقد اختلف
السلف، فمنهم من راعى حكم السابقة، وجعلها نصب عينه، ومنهم من راعى
حكم الخاتمة، وجعلها نصب عينه، قيل: والأول أَولى؛ لأنه تعالى سبق في
عمله الأزليّ سعيد العالَمِ، وشقيّه، ثم رَتَّب على هذا السبق الخاتمة عند
الموت، بحسب صلاح العمل، وفساده عندها، وعلى الخاتمة سعادة الآخرة،
وشقاوتها(١).
وفي الحديث أن الخاتمة مرتبطة بالسابقة، وفيه أنه تُعَلَ لا يجب عليه
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ تَذَتُهُ ٣٣١/٢.

٤١٩
(١) - بَابُ كَيْفِيَّةٍ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ ... إلخ - حديث رقم (٦٧١٨)
الأصلح، خلافاً للمعتزلة، وأنه يعلم الجزئيات، خلافاً للحكماء، وأن الخير
والشر بتقديره، خلافاً للقدريّة، وأن الحسنات والسيئات أمارات، لا موجبات،
وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر، وأن
العمل السابق غير معتبر، بل الذي خُتم به، وفيه حَثّ على لزوم الطاعات،
ومراقبة الأوقات؛ خشيةَ أن يكون ذلك آخر عمره، وزَجْرٌ عن العُجْب، والفرح
بالأعمال، فرُبّ مُتّكل مغرور، فإن العبد لا يدري ما يصيبه في العاقبة، وأنه
ليس لأحد أن يشهد لأحد بالجنة، أو النار، وأنه تعالى يتصرَّف في ملكه بما
[الأنبياء:
٢٣)
يشاء، وكله عدلٌ وصواب، ﴿لَا يُْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
٢٣]، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ،
فما أخرجه من أصحاب الأصول غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧١٧/١] (٢٦٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٤٨٤ - ٤٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٧٦)، و(ابن أبي عاصم) في
((السُّنَّة)) (٢١٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٧١٨] (١١٢) (١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عُمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ(٢)، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ،
وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ
مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) بتشديد التحتانية، هو: يعقوب بن
(١) هذا تقدّم، فهو مكرّر.
(٢) وفي نسخة: ((ليعمل عمل الجنّة)).

٤٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندرية،
حليف بني زُهرة، ثقة [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٢ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار، الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى
الأسود بن سفيان،ً ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في
((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
٣ - (سَهْلُ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد
الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة ثمان
وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
و«قتيبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَخْتُهُ، وهو (٤١٥) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﴿ه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ)
بضم الجيم، وفيه لغة بسكونها، وذِكْر الرجل وصفٌ طرديّ، والمراد: المكلّف
رجلاً، أم امرأة، إنسيّاً أم جنيّاً، وكذا يقال فيما بعده(١). (لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ
الْجَنَّةِ) وفي نسخة: ((ليعمل عمل الجنّة))، (فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ)؛ أي: فيما يظهر
من أمره للناس، وفيما يشاهدونه من حاله، (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) جملة حاليّة،
وهذا محمول على المنافق، والمرائي، بخلاف ما تقدّم فإنه يتعلق بسوء
الخاتمة .
وقال الزركشيّ: قوله: ((فيما يبدو للناس)) زيادة حسنة - أي: يظهر
للناس - ترفع الإشكال من الحديث، وهو من أهل النار بسبب دسيسة باطنة لا
يطّلع الناس عليها، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، من المعاصي فيما يبدو
للناس، وهو من أهل الجنة؛ لخصلةِ خير خفيّة تغلب عليه آخر عمره، فتوجب
حسن الخاتمة، أما باعتبار ما في نفس الأمر فالأول لم يصحّ له عمل قطّ؛ لأنه
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٣٠/٢.